الأربعاء، 15 يونيو، 2011

عالم قديم وسري وغامض للشّواذ جنسيًّا في السعودية

في أحد مقاطع البلوتوثات تظهر فتاة ترتدي عباءة وهي تراقص مجموعة كبيرة من الشباب المتحلقين حولها. ولكن بالتدقيق أكثر في الصورة؛ تكتشف أن هذه المرأة هي مجرد شاب شاذ جنسياً.
قد تبدو هذه الحفلة التي جرت أحداثها في إحدى المدن السعودية حدثاً علنيا ومكشوفاً يظهر فيه مثل هذا الشاب الجنسي ليعلن عن نفسه، ولكن هناك آلاف من الرجال السعوديين الذين يشبهونه في ميولهم الجنسي المثلي موجودون في السر، ولكنهم لا يستطيعون الإفصاح عن ميولهم أو الرقص في حفلات علنية كما فعل ذلك الشاب.

تعتبر مسألة الشذوذ الجنسي من أكبر القضايا الذي يعرف بوجودها كل السعوديين تقريباً، ولكن يُحظر بشكل كامل الحديث عنها في وسائل الإعلام أو حتى مجرد التلميح إليها، ولكن في التجمعات غير الرسمية يمكن الحديث عن تزايدها الملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

ولكن قضية الشذوذ الجنسي التي يعرفها السعوديون جيداً، نساؤهم ورجالهم، بسبب الآيات القرآنية التي تتحدث عن الغضب الذي ألحقه الله بقوم لوط بسبب سلوكهم الجنسي الشاذ، والتي يتم التركيز عليها كثيرا في المساجد حتى يتم تخويف الأطفال من المضاجعات الشاذة، هي أيضا ليست جديدة على المجتمع السعودي، وعُرفت منذ بداية تشكلاته في الستينيات والسبعينيات، حيث اشتهر المجتمع، بوجود رجال شاذين جنسياً وبعضهم يطوف بالشواراع الترابية؛ بحثاً عن لحظات خاطفة من اللذة.

يقول أحد الشخصيات التي عاصرت تلك المرحلة:" الحديث عن الشذوذ الجنسي في كل مراحل التاريخ تبدو متشابهة. ونفس الشيء كان في مرحلة الستينيات فقد كان هناك شواذ من الصغار والكبار في العمر. لكن الأمر الذي اختلف هو أن الشذوذ الجنسي يتخذ الآن صفات أنثوية أكثر من السابق".

الأمر المثير في قضية هو أن الشذوذ الجنسي، لا يختفي حتى مع صعود الصحوات والثورات الدينية، وعلى الرغم من الخطر الكبير الذي يمثله هؤلاء الثوار على حياة الشاذين جنسياً. ففي إيران لم تستطع الثورة الإسلامية من القضاء على الشاذين جنسيا، وذات الشيء حصل في السعودية. فالصحوة الدينية استطاعت أن تسحق كل شيء يقف في وجهها إلا إرادة الشاذين جنسيًّا، الذين بقوا وربما تكاثروا بشكل أكبر.

في أواسط الثمانينيات انتشر في السعودية مصطلح "الخكارية" الذي يطلق على الشباب الأنثويين قليلاً، الذين أصبحوا أكثر بروزا، مع موجة الانفتاح على المجتمع السعودي وتدفق روح التمدن على المجتمع القروي والبدوي الجلف في سلوكه– حتى الشاذين فيه كانوا أجلافًا-. ولكن هذا المصطلح لا يشمل الشاذين جنسياً وإن كانت فئة كبيرة من "الخكارية" كانوا شاذين جنسياً فعلاً. بعد مدة بسيطة– في بداية التسعينيات تقريباً- كان الشذوذ الجنسي يظهر بشكل أكثر وضوحًا في الحياة العامة، وكان من السهل التعرف على التجمعات التي يتواجد فيها الشاذون جنسياً.

ولكن في مقابل هذا الظهور العلني الذي عبر عنه شبان ناعمون يجتمعون في بعض الأماكن الشهيرة في مدينة الرياض، كان هناك حضور جنسي غير معلن من قبل شخصيات كبيرة لم تكن تستطيع الإفصاح عن ميولها الجنسي المحتقر في المجتمع ومن كافة فئاته.

مع بداية الألفية الجديدة؛ اتخذ الشذوذ الجنسي في السعودية طابعاً أكثر علنية ومجاهرة في بعض الأحيان، حيث ظهرت مجموعة من الشاذين جنسياً في مقاطع تسجيلية وهم يرتدون أزياء نسائية، ويُجرون علميات تجميل لنفخ الشباب وتحويل أجسادهم بحيث تبدو أقرب الشبه لأجساد أنثوية. كما بات حضورهم واضحاً في الحياة العامة ويمكن أن تصادفهم في المقاهي أو الأسواق بشكل علني.

تزايد مثل هذا الظاهرة، تكشف عنه المداهمات الكثيرة التي قام بها جهاز الهيئة بالمعروف والنهي عن المنكر، لحفلات الشاذين جنسياً. وتستخدم الهيئة أحيانا أسلوب الكمائن عندما يوهِم بعضهم الشاذين جنسياً بأنهم يريدون أن يقضوا أوقاتًا حميمة معهم، مثلما حدث مع شاذ جنسي كان يعرض خدماته بسعر يصل إلى 1500 ريال، فأطبقت عليه الهيئة وهو يضع الأصباغ على وجهه.

ولكن رغم كل المحاولات التي تجريها الهيئة للحد من تزايدهم إلا أنها قادرة على الحد من العلاقات بين الرجال والنساء أكثر من قدرتها على الحد من العلاقات المثلية، وذلك لسبب بسيط، هو أن الهيئة لا تملك قانونًا يحظُر على الرجال الاختلاط ببعضهم البعض.

في مواقع الانترنت يجد الشاذون فرصة أكبر للتعارف وتكوين العلاقات، وهناك مواقع كثيرة للدردشة توفر مثل هذه اللقاءات، وتتكفل بعضها بلعب دور الوسيط الذي يعقد الصفقات بين الشاذين وعشاقهم. ويلقى بعض الشاذين الحكم بالإعدام الذي يأتي تعزيراً من القاضي ولكنهم في مرات كثيرة يُسجنون لفترات متفاوتة؛ ومن ثم يطلق سراحهم، لأن مسألة إعدامهم كلهم كما يقول أحد المختصين:" ستعني مجزرة كبيرة لا يمكن القيام بها".

نشاط الشواذ جنسياً في السعودية لقي دعمًا ماديًا ومعنويًا مع تعاظم حجم المجموعات الشاذة في الدول الخليجية والعربية، حيث يوجد في البحرين ودبي مراقص خاصة بالشاذين جنسياً تمثل لهم فردوسهم المفقود. ولكن هناك من يلجأ إلى السفر إلى البلدان التي تحترم حقوق الشاذين جنسياً، ويختارون الإقامة فيها نهائيًا مثل كندا التي تعتبر الوجهة المفضلة للشاذين الذين يريدون أن يتخلصوا من الكبت الذين يتعرضون له داخل المملكة.

يواجه الشاذون جنسيًا في السعودية، على عكس بعض الدول العربية، احتقاراً وتضييقاً من جميع التيارات الثقافية، الإسلامية منها والليبرالية، فمثل هذا التصرف الجنسي مرذول تمامًا في المخيلة الشعبية. ولكن هناك من يفسر حالات الشذوذ الجنسي المتزايدة في السعودية بسبب نظام الفصل الكامل بين الرجال والنساء، الأمر الذي يدفع إلى خلق عالم كامل من الذكورة المهيَّجة التي لا تجد مكاناً تفرغ فيه شهواتها المكبوتة إلا في جسد ذكري. ولكن هناك أيضًا من يعتبر الشذوذ الجنسي مسألة عالمية الطابع ولا تستثني أحدًا من المجتمعات البشرية حتى لو تعرض لتربية دينية صارمة، مثلما حدث للسعوديين.

كل الحديث عن عالم الشواذ جنسيًا يبدو حديثاً غامضاً وخاليًا من الأرقام والإحصاءات، لكنه يظل عالماً مشبوهاً وسرياً يراد له أن يختفي فجأة من تلقاء نفسه، ولكنه- مع ذلك- يتعاظم يوماً بعد آخر.

"السياسي" ـ بندر السليمان - 3/25/2009 9:21:00 AM GMT

0 تعليقات::

إرسال تعليق