الأربعاء، 15 يونيو، 2011

ذكرى اغتيال جورج حاوي: ما العمل؟

ذكرى اغتيال جورج حاوي: ما العمل؟


جورج حاوي

ينشر "الشفّاف" وجهة المقال التالي في ذكرى استشهاد جورج حاوي مع بعض التحفّظ! فما زال مهمّاً جداً، من زاوية العدالة، معرفة من قتل جورج حاوي. هل صحيح أن نشاطه في منطقة المتن بالذات أزعج الأجهزة الأمنية إلى درجة اتخاذ قرار اغتياله؟ ثم إن التطرّق إلى "الحركة الوطنية"، في سنوات السبعينات، لم يعد جائزاً بدون الكثير والكثير من التحفّظ. فهل صحيح أنه "عشية دخول القوات السورية إلى لبنان واغتيال كمال جنبلاط في لحظة حاسمة من تاريخ الوطن عندما كانت الحركة الوطنية على قاب قوسين من فرض برنامجها للإصلاح المرحلي.."؟ أليس أصحّ أن المناطق التي سيطرت عليها "الحركة الوطنية" كانت أشبه بـ"دولة القدّور" السيئة الذِكر، وأن جلّ ما حقّقه النزاع الأهلي كان التمهيد لدخول قوات حافظ الأسد إلى لبنان؟ ثم ماذا يعني القول "حول العلاقة مع سوريا لم يكن حاوي ضدها لكنه لم يكن يوافق على النهج السوري بإدارة الأمور"؟ فإذا كانت قوات حافظ الأسد تمثّل احتلالا للبنان، فكيف يكون المرء "ليس ضدّها" وإنما "لا يوافق على النهج السوري لإدارة الأمور"!! "المكتوب يُقرأ من عنوانه"، أليس كذلك؟ والنهج "الأسدي" الاستبدادي (وليس "السوري") لم يكن بحاجة إلى دراسة! ألم يحذّر ابن العم رياض الترك اللبنانيين، وكمال جنبلاط بالذات، من مغبّة الاقتتال الأهلي الذي سيمهّد لدخول الجيش السوري، وألم يطالبه بالمصالحة مع الكتائب لقطع الطريق على جيش حافظ الأسد؟
وفي النهاية، سيرة جورج حاوي تستحقّ نظرة "نقدية" لتجربته الحزبية وما بعد الحزبية. قبل موسكو، وبعد عودته إلى لبنان. أن يكون جورج حاوي شهيداً من شهداء "14 آذار" لا ينبغي أن يحول دون النظرة النقدية الشفافة لتاريخ الرجل وتاريخ الحزب الشيوعي اللبناني.
"الشفاف"

بعد ثورة الأرز وعشية الرابع عشر من آذار ساد بين أكثرية الشعب اللبناني جو من الحيوية الدافقة، إذ اعتقدوا أنهم وجدوا مخرجا من المأزق الرابض على أعناقهم لثلاثين عاما خلت. ففارقت سيماء اليأس والكآبة وجوههم رغم سقوط الشهداء إيمانا بالمستقبل، وردد الناس مع قائد المقاومة اليونانية "ميكيس ثيودراكس": "انتم لديكم الدبابات أما أنا فأملك الأناشيد". انه جمهور يحب الحياة. في الأيام الأخيرة اكفهر الجو فجأة من جديد بغبار المساومات والتسويات على حساب الكرامة الوطنية، مما ألقى بهم ثانية في بحر من الحيرة، وكان أول من تأثر بذلك المثقفين والطلاب والشباب الذين هم أشد الناس حساسية بالأحداث، فطرحوا السؤال عاليا، ما العمل؟ عشية التحضير للرابع عشر من آذار، اتصلت بالشهيد جورج حاوي لأفهم منه موقف الشيوعيين مما يحصل، فقال لي القيادة الحالية للحزب في "كوما" (غيبوبة)، وهي غير مدركة لما يحصل حولها، وستضع بذلك الحزب وجماهيره خارج المعادلة والتاريخ، أما أنا كجورج حاوي سأكون بساحة الحرية وبقلب ثورة الأرز وسأدعو كل الوطنيين الشرفاء للنزول إلى ساحة الحرية. كان انحيازه بلا تردد "للحرية"، فهو ابن مدرسة الوطن الحر والشعب السعيد. أخذني الشهيد حاوي بجوابه ذلك إلى الكاتب السوداني الطيب الصالح رفيق حاوي بالفكر بروايته "موسم الهجرة إلى الشمال" حيث يقول في الصفحة الخامسة من الرواية "واستيقظت ثاني يوم من وصولي، في فراشي الذي أعرفه في الغرفة التي تشهد جدرانها على ترهات حياتي في طفولتها ومطلع شبابها وأرخيت أذني للريح، ذاك لعمري صوت أعرفه.... أحس إنني لست ريشة في مهب الريح، لكني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، له جذور، له هدف".

ما الذي دفع بجورج حاوي اليساري إلى صفوف 14 آذار؟ هل أرخى أذنه للريح التي كان يعرف صوتها؟ حتما لم يكن حاوي ريشة بمهب الريح فهو كما يقول رفيقه كريم مروة "كرامة من كرامات لبنان" أصل الحكاية عند جورج حاوي هي "التغيير" و كان يطمح كرفيق فكره سمير قصير إلى تغيير النظام اللبناني وهذا هو الفرق فيما بين يساريي 14 آذار وباقي طيفها الذين كان أقصى ما يطمحون إليه إخراج سوريا من لبنان. ولعل هذا الموقف الجريء المتقدم هو الذي جعل منهما أول هدفين للاغتيال. كان حاوي يعتبر أن اللبنانيين دوما أمام خيارين:

• إجراء مصالحة وطنية شاملة والعودة بالصراع إلى أطره السياسية والاجتماعية على أسس ديمقراطية.

• الانتحار من خلال متاريس المواقف السابقة التي لا تستفيد من التجارب الذاتية وتعيد الحياكة بنفس الصنارة القديمة التي كانت السبب في انفجار الصيغة والكيان اللبنانيين.

كان حاوي ينام على فراش يعرفه في غرفة تشهد جدرانها على حياته وكان عالما بالعقل التسووي للسياسيين اللبنانيين الذين لا يرون أبعد من أنفهم، فالوطن بالنسبة لهم كرسي وجاهة يحمون من خلاله مصالحهم، لذلك دفع بالأمور للآخر فكان أول من وقف في وجه التمديد للحود وطالب بنقل الاعتصام من ساحة الحرية إلى بعبدا. وكأنه بذلك يردد السؤال الذي طرحه رفيقه الشهيد مهدي عامل في كتابه في الدولة الطائفية " أتغيير للنظام السياسي الطائفي القائم؟ أم تأييد له؟" الحل هو " الدولة المركزية القادرة" ولكن لتكون تلك الدولة قادرة فلذلك شرط أساسي قاله مهدي عامل في نفس الكتاب "الشرط الأساسي لوجود الدولة كدولة مركزية هو ألا تكون طائفية. بانتفاء طابعها الطائفي هذا، ينتفي ذلك الوجود المؤسسي للطوائف الذي هو، بالدولة وحدها، وجودها الأساسي، وليس الديني" . أرادها حاوي ثورة دائمة وليس ثورة على مراحل لحسم الموضوع باتجاه تغيير جذري في صلب الصيغة والنظام. حول انتمائه للرابع عشر من آذار قال حاوي "متى كان الصراع بين من هو في موقع المستبد والآخر في موقع المعترض على الاستبداد. أنا مع المعترضين على الاستبداد وان كنت لا أضع نفسي تحت سقفهم المنخفض".

حول العلاقة مع سوريا لم يكن حاوي ضدها لكنه لم يكن يوافق على النهج السوري بإدارة الأمور. كان يدين الأجهزة الأمنية وغطاءها السوري. فهو صاحب الكراس المأثور "المخطط الأمريكي السوري أمام الهزيمة الحتمية" الذي أصدره عشية دخول القوات السورية إلى لبنان واغتيال كمال جنبلاط في لحظة حاسمة من تاريخ الوطن عندما كانت الحركة الوطنية على قاب قوسين من فرض برنامجها للإصلاح المرحلي فتدخل النظام السوري لحماية النظام الطائفي والسهر على ديمومته حتى لا تنتقل عدوى التغيير والديمقراطية من لبنان إلى محيطه. في نيسان عام 1977 كتب حاوي لمجلة الطريق معددا أسباب اغتيال كمال جنبلاط حيث قال "في خضم معركة الصراع الحاسم من أجل الإصلاح الديمقراطي اصطدم مشروع كمال جنبلاط بالنظام الدكتاتوري العربي، فتم اغتياله لمنع التغيير، إن الصراع السياسي فوق لبنان يتخطى حدود هذا البلد الصغير ليتجسد نموذجا للصراع بين قوى الديمقراطية والإصلاح والأنظمة البوليسية في الساحة العربية" كم أشبه الأمس باليوم منع التغيير يكون بالقتل ولعل ذلك يعيد إلى الذاكرة مطاردة وسجن أرسطو العرب "ابن رشد" وحرق كتبه في ساحات الأندلس، كما يذكرنا بسلسلة القتل والصلب التي تعرض لها العقلانيون والثوريون بدأ من غيلان الدمشقي ومرورا بالحلاج، وكأنه مقدر لشعوبنا العربية رؤية الدماء في الشوارع وتعليق صور الشهداء على الأعمدة. كان الشهيد حاوي رجل اللحظات الصعبة يؤمن أنه كلما اشتدت قسوة الظروف تزداد الحاجة إلى حشد القوى وتركيزها والقيام بنضال حازم، حيث تتحقق بذلك الوحدة الداخلية، وكان يطمح لبلد محكوم بأحزاب علمانية ذات انتماء متعدد ولا طائفية الانتماء.

كان الشهيد حاوي على شيء من التغريد خارج السرب الماركسي المعروف بالتزامه تجاه المرجعية الدولية للماركسية المتمثلة بالكرملين قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، لأنه كان يتصرف بالحس الوطني العربي أكثر من التصرف بالحس الماركسي. حتى في المواضيع الداخلية اللبنانية كان تصرف حاوي كيساري مستقيم الرأي، كان ينتقد الماضي بصوت عالي لأجل المستقبل، تخطى القوالب الضيقة للإيديولوجيا وزار سمير جعجع قائد القوات اللبنانية قبل سجنه داعيا لحوار وطني جامع تسبب بإخراجه من المعادلة، عبر منع تعيينه في مجلس النواب، وكأن المطلوب بأن لا يكون هناك كرامة لليساري العربي الانتماء في أمته، حيث يمنع بشكل دائم من الوجود في السلطة وعليه أن يكون عضواً دائماً بصفوف المعارضة. الاستثناء الوحيد على تلك القاعدة كان انتخاب النائب السابق الياس عطاالله والنائب الحالي أمين وهبه ، حيث عمل حاوي شخصيا في الحملة الانتخابية للنائب عطاالله للعمل على وصوله للندوة البرلمانية ليشكل حالة حوار جامعة تؤسس لخروج لبنان من مفهوم الساحة إلى مفهوم الدولة، في كتابه "احذروا الدول الصغيرة – لبنان ساحة معارك الشرق الأوسط" يعتبر ديفد هيرست لبنان، بصفته خلطة من الطوائف الدينية وفروعها، مع نظام دستوري وسياسي مناسب لها، "دولة طائفية من الدرجة الأولى". ثم يضيف إن "لبنان، في ما يبدو، صمم تقريبا ليكون ساحة المعارك الأبدية لصراعات الآخرين السياسية والإيديولوجية". إلا أن الموت كان لحاوي بالمرصاد فاغتاله رافضو التغيير بعد انتخاب عطاالله وصبيحة اليوم الذي كان فيه على موعد معه لنقاش برنامج العمل في الندوة النيابية. وهنا يحضرني قول المطران عوده في الذكرى الثالثة لاغتياله "جورج كان يعرف أنه قد يسفك دمه من أجل ما يؤمن به، وأن الاستشهاد هو شهادة الإيمان الممهورة بشهادة الدم، الشهيد هو من بذل حياته وفاء لناموس الحق الذي في قلبه، ما الشهادة إلا الختم الحق للصدق الذي فيه. الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير" .

كانت فلسطين في قلب ووجدان جورج حاوي عاش العمر مقاوما في سبيلها، أسس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية العام 1982 ليفرض لبنانية المعركة وحول هذا الموضوع قال في محاضرة ألقاها في لقاء حواري سري فيما بين الشهيد حاوي وقياديين عسكريين في المقاومة الإسلامية بهدف إدارة نقاش يعرض فيه حاوي لتجربة اليسار اللبناني في مجال العمل المقاوم وحرب العصابات في لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلي "وأخيراً لا بد من توضيح نقطة هامة: لماذا نعتبر السادس عشر من أيلول 1982 انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي. صحيح أن البيان الذي كان لي شرف توقيعه مع رفيقي محسن إبراهيم قد صدر بذلك التاريخ غير أن هذا السبب وحده لا يكفي. قبل هذا التاريخ جرت مقاومة بطولية، ومعارك بطولية، ضد العدو الإسرائيلي في مواجهة تقدمه...... فلماذا لا نحسب تلك العمليات؟ الفارق هو فارق سياسي أساسي. قبل 16 أيلول 1982، كان القتال كله يجري باسم القوات المشتركة للحركة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية. وأحياناً كان يضاف القوات المشتركة للثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وحركة أمل. وفي الحقيقة، كان قتالنا المشترك ينطلق من منطلقات الدفاع عن الثورة الفلسطينية، وهو واجب مقدس، غير أن انسحاب قوات منظمة التحرير الفلسطينية تحت ضغط حصار بيروت، قد أحدث تحولاً تاريخياً في المعركة. فالمقاتلون اللبنانيون الذين تصدوا لاجتياح بيروت في 15 و16 أيلول 1982 إثر مقتل بشير الجميل، كانوا يدافعون عن لبنان الوطن لا عن التحالف الوطني اللبناني – الفلسطيني. ولما انطلقت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية كانت مقاومة وطنية لبنانية صرفة، ومن موقع العداء اللبناني للعدو الصهيوني، لا كرمى لعيون شعب فلسطين" . إلا أن البعد الطائفي والمذهبي والإقليمي كان لتلك المقاومة بالمرصاد فهو لم يردها وطنية جامعة بل أرادها مذهبية تابعة للقرار الإقليمي وحول ذلك يقول الشهيد حاوي "المقاومة الوطنية التي كان للحزب (وارتبط ذلك باسمي شخصيا) فخر إطلاقها في 16 أيلول 1982 عندما استتب الاحتلال الإسرائيلي لبيروت، ببيان تاريخي كتبته أنا ووقعته ومحسن إبراهيم في منزل الشهيد كمال جنبلاط بدأت عملياتها وتابعت نضالها ووصلت إلى ذروتها في عملية جبل الشيخ، وعمليات أخرى, وفي عام 84 و85 طغى على العمل ككل هذا القرار الإقليمي الدولي في تحويل الصراع كليا إلى صراع طائفي فانتصبت أمام المشروع الداخلي عقبات وانتصبت أمام المقاومة في الجنوب حواجز وتصفيات دموية نتيجة الصراعات بين الأطراف الوطنية المنقسمة داخل المشروع الوطني بين جانبه الوطني الديموقراطي وجانبه الطائفي والمذهبي فبات على الشيوعيين والقوميين واللا طائفيين في المقاومة قبل أن يصلوا إلى إسرائيل أن يخوضوا معارك مع حلفاء أثناء الذهاب وأثناء العودة ثم حوصروا ماليا، وكان هناك مناخ لتشويه المقاومة يمنع بروز سمتها الوطنية واللا طائفية. هل تريد أكثر من (لولا الياس عبود) أرثوذكسية ابنة القرعون مثالا على مشاركة الطوائف المختلفة في المقاومة، وكان القرار أن المقاومة ليست لبنانية عامة. هي شيعية وهي إيرانية بعد ذلك، وإن كنت أقوم تقويما عاما نهوض حزب الله بمسؤولية المقاومة منفردا أحيانا وأحيانا مع حركة أمل، وتوليه رفع الراية التي أجد فيها أيضا راية سهى بشارة، ولولا عبود، وسناء محيدلي، ولكن هذا كشف المقاومة وعزلها".

عود على بدء السؤال المطروح ما العمل؟ نستقي ونستوحي الجواب على هذا السؤال من بعض جوانبه في مقابلة أجريت مع الشهيد جورج حاوي على محطة L.B.C. التلفزيونية في برنامج حوار العمر بعد انقطاع عن العمل الحزبي المباشر لمدة سبع سنوات لم يغب فيها عن الحياة السياسية العامة. حول لبنان الوطن قال الشهيد حاوي يومها للصحافي الضيف في البرنامج جورج بشير "كفى اتكالا على الخارج" وحول المعركة مع إسرائيل قال "إن المعركة مع إسرائيل تبدأ بتحرر العقل العربي" وحول الشرعية التي أعطاها قتال إسرائيل لبعض الأنظمة العربية قال "غطى هذه الأنظمة وأعطاها مشروعية باسم العداء لإسرائيل، فباسم ضرب إسرائيل قمعت الحرية، وانفتحت السجون، أعدم الناس، أمنت الوراثة في السلطة بدلا من تداولها، وبرروا منحى اقتصادي معين. كل الموبقات ارتكبت تحت اسم محاربة إسرائيل ومحاربة الامبريالية. مع العلم أن التقدم هو طريق حربنا مع إسرائيل. المعركة الحقيقية مع إسرائيل تبدأ بفك القيود التي تتحكم بأيدينا وأرجلنا وعقلنا لتحرير طاقاتنا وحرياتنا. وهذا يعني أن معركتنا ضد أنظمة التسلط هي خطوة على طريق معركتنا لاستعادة أرضنا المحتلة...... " .

ليس المهم أن نعرف من قتل جورج حاوي؟ الأهم هو لماذا قتل جورج حاوي؟ لأنه كان كرفيق فكره سمير قصير من خارج التركيبة الطائفية وينتمي إلى الفئة العلمانية الواعدة والقادرة على بناء وطن حر، بعيد عن التسلط يرتكز على مؤسسات وطنية أبعد ما تكون عن الفساد والمحسوبية. خافوا من لوثة التغيير وانتقالها إليهم، فقتلوهم ليقتلوا الأمل.

مسعود محمد الجمعة 18 حزيران (يونيو) 2010 - mammassoud@yahoo.com

* قُتِل العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني، جورج حاوي، لدى انفجار قنبلة في سيارته في بيروت في 21 حزيران / يونيو 2005.

جورج حاوي شهيد يغفو وعينه على الوطن


جورج حاوي
22 حزيران 2005. كان نهاراً عادياً انتهت الانتخابات النيابية وتحددت الأكثرية النيابية من قوى آذار، وكان الشهيد جورج حاوي كعادته يتابع الأشياء مستعجلاً عدم التأخر عن الوصول إلى الناس، فبعد مساهمته في معركة لائحة قوى 14 آذار في الشمال،

وخصوصاً في دعم رفيقه أمين سر "حركة اليسار الديموقراطي" الياس عطا الله، عاد حاوي إلى بيروت ليتابع من هناك معه تجديد العلاقة مع عدد من اليساريين في مناطق الشمال اللبناني... اتفقا على اللقاء في مقهى "الجندول" القريب من منزل حاوي ومن مقر "اليسار الديموقراطي". لم يصل حاوي إلى المكان، وانتهى شهيداً لأجل الوطن الذي ناضل طويلاً في بيوته وناسه وطرقاته. استشهد على طريق جلجلة اللبنانيين من محاولة اغتيال النائب مروان حمادة إلى استشهاد الرئيس رفيق الحريري والشهيد باسل فليحان، ورفيقه سمير قصير، وبعده شهداء ثورة الأرز جميعاً.
في إحدى أغنيات الشيخ إمام وهو فنان راحل مصري يساري صديق للشهيد حاوي، يقول عن تشي غيفارا "مات المناضل المثال، يا ألف خسارة على الرجال"، الأغنية التأبين للمناضل العالمي الشاب الذي كان واحداً من أصدقاء حاوي أيضاً والذي تعرف إليه في إحدى زياراته إلى كوبا في ستينات القرن الماضي، تحولت يوم استشهاد "أبو أنيس" إلى أغنية تراثيه هو منذ خمس سنوات كما رثائها لـ "غيفارا الذي مات موتة بطل، من غير رفاق تودعو". رحل يومها جورج وهو يطلب من مرافقه ثابت بزي أن يخرج سريعاً من السيارة لكي لا يتأذى بالانفجار الذي زرع ليقتله وحيداً وقبل أن يستكمل مساهمته في انتفاضة الاستقلال، رحل سريعاً يحمل في غفوة الموت الصورة الأخيرة لأرنستو تشي غيفارا بعد قتله، الصورة التي تظهره كأنه حياً في الحمالة التي نام عليها جسده.
يوم تأبينه في الكنيسة في ساحة النجمة وسط بيروت قال عنه المطران جورج خضر "حسبي بك يا جورج أن هذا المشرد الفلسطيني المدعو يسوع الناصري كان يجذبك، والذي كان منحازاً إلى الفقراء". هذه الجملة قد تختصر الكثير الذي كأنه. هو المناضل من أجل وطنه من الاحتلال الإسرائيلي، وحامل علم الديموقراطية في العمل الحزبي وكذلك في رؤيته للوطن الذي حلم به. ساهم في صناعة المقاومة الوطنية اللبنانية وكان أحد آبائها مع محسن إبراهيم الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي، وكان أول الداعمين لاتفاق الطائف بعد إقراره مع كل الملاحظات التي كانت له عليها، لكنه قرّر اختراق السدود والمتاريس التي بنيت في الحرب والتوجه من موقعه في السياسة في بيروت الغربية إلى لقاء رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع. ناضل من أجل السلم الأهلي، فدفع الثمن بمنعه من الوصول مع حزبه إلى الندوة النيابية في تلك المرحلة.
في تاريخه الطويل أسس جورج حاوي للعديد من المبادرات إلى جانب رفاق له من العروبيين واليساريين وكذلك الليبراليين. لم يتخل ولو لمرة عن فكرة الدولة الحرة الديموقراطية. إلى جانب الشهيد كمال جنبلاط ورفيقه محسن إبراهيم صنع الحركة الوطنية اللبنانية، وفي نفس الفترة الزمنية أسس "الحرس الشعبي" لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في السبعينات، ليضع جهده الأكبر في صناعة "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" في العام مع دخول الاحتلال الإسرائيلي إلى لبنان. نضال طويل كاد أن يطيح به في كثير من المرات، لكنه استطاع أن يواصل عمله إلى اللحظات الأخيرة من حياته كأنه كما بدأ السياسة صغيراً، أراد إنهاء حياته فيها كبيراً.

قبل أقل من ثلاثة أسابيع على استشهاده، وقف أمام منزل الشهيد سمير قصير حزيناً، محذراً من المجرم. كان في كلامه الواضح يدرك أن هذا الأخير لن يتركه كما لم يترك سمير. شارك في استقبال السياسيين في مركز حركة اليسار، وجلس مع نديم عبد الصمد وحكمت العيد وجورج بطل وكريم مروة، رفاقه القدامى في الحزب ومنظمة العمل، كأنه صاحب المكان والأب الروحي للشهيد قصير. قال لـ الياس عطا الله يومها إن التحرك يجب أن يبدأ من جديد في انتفاضة داخل الانتفاضة كما قال سمير قصير. ساهم جورج يومها في صناعة النصر الأول لليساريين اللبنانيين في دخول المجلس النيابي لكنه لم يستطع البقاء طويلاً، فقدر الرجل هو النضال والموت شهيداً كما كان يريد خلال متابعته العمليات ضد العدو الإسرائيلي.
في عصر "البيروسترويكا" والتحول في النظم الاشتراكية، أدرك جورج حاوي الشيوعي أن التغيرات الكبيرة على مستوى العالم توجب الانطلاق من الناحية السياسية بمنطق مختلف عن الثوابت القديمة، أي الأحزاب الشمولية الصامتة أمام أخطاء الديكتاتوريات. لهذا ساهم في زيادة الديموقراطية الحزبية معتبراً أن المسألة تحتاج إلى بعض الوقت لتصير عادة لدى الحزبيين قبل تفشيها في المجتمع. فوجئ يومها وبعدها بسد منيع رافض للديموقراطية كمنطلق من الأحزاب باتجاه تغيير المجتمع، فاستقال من الحزبية اليومية المباشرة مفتشاً عن قيام حركة سياسية ديموقراطية. انفتح لبنانياً وزاد من علاقاته الداخلية، وتحول إلى مرجعية في الحوار الداخلي وداعية له، في وقت كانت الدعوات إلى الحوار من المحرمات.

...مؤسس المقاومة

كان ناقداً شجاعاً للحراك السياسي وناقداً علنياً لشيوعيته فكرياً وسياسياً، على المستويات كافة من الأممية والقومية والوطنية اللبنانية، استطاع أن يكون اختلافياً وحوارياً معاً وبنفس القوة، والى حد السجال أحيانا.. كان بطلاً بالمقاييس الخاصة بالأبطال من تاريخه، مناضل قضى وقته في بناء العمل الحزبي واليومي مع الناس في النقابات والسياسة الداخلية والدفاع عن لبنان في وجه التدخلات الخارجية في العام وكذلك في العام في الاجتياح الإسرائيلي الأول وفي الاجتياح الثاني في العام .
يومها في حصار بيروت كان حاوي يتنقل على محاور القتال، يحمل سلاحه ويشجع الشبان اللبنانيين والفلسطينيين على محاربة الغزو كأنه يسير في تظاهرة طلابية. حين لاحق الطيران الإسرائيلي أبو عمار في شوارع بيروت قام بإخفائه في منازل تخص الشيوعيين فيما كان الشبان اللبنانيون يدخلون المعتقلات الإسرائيلية.
أدرك حاوي بعد انسحاب المنظمات الفلسطينية من لبنان أن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي منوطة به وبرفاقه اليساريين في الحركة الوطنية. إحساسه بالتغيير ومحاولته تحسين الوضع مهما ساءت الأمور ساهما كثيراً في اتخاذ قرار إنشاء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. ففي الوقت الذي انقطع الدعم السوفياتي، أطلق مع رفيقه محسن إبراهيم نداء حمل السلاح في المقاومة. كتب "أبو أنيس" البيان وأرسله إلى إبراهيم للموافقة عليه. نشر البيان على الصفحة الأولى لجريدة "النداء" فيما نشرته الصحف الثانية خبراً صغيراً في صفحاتها الداخلية.
كبرت المقاومة وأجبرت إسرائيل على الانسحاب من بيروت وجبل لبنان وصيدا والنبطية وصور، كان "الرفيق أبو أنيس" يتنقل في المناطق اللبنانية داعياً لدعم المقاومة ومصراً على إعطائها صفة اللبنانيين جميعاً من دون أشكال طائفية أو حزبية صغيرة.

"الطائف".. الخطوة الأساس

جورج حاوي
بعد التوقيع على اتفاق الطائف قام حاوي بإعلان موقف إيجابي منه، فمع كل النواقص التي كان يراها فيه اعتبره الخطوة الأساس لوقف الحرب الأهلية وإعادة الوطن موحداً. ولتكريس هذا المفهوم قام بزيارة البطريرك صفير في أول زيارة لقائد سياسي من الغربية إلى الشرقية رافقه يومها العديد من رفاقه من كريم مروه والياس عطاالله ومصطفى أحمد وغيرهم. ذهب بعدها إلى الكرنتينا وزار قائد القوات اللبنانية سمير جعجع. كانت الخطوة الأولى لبنانياً لبدء حوار داخلي بعد حرب خرج الجميع منها خاسرين. نزل الغضب على "أبو أنيس" لاستعجاله الانفتاح على القوى اللبنانية واعتبر خارجاً على "التابو" الذي رسم مع نهاية الحرب. عوقب وقتها بمنعه من دخول المجلس النيابي. كان واضحاً أن ثمة نفوس لم تنته من عقلية الحرب وإبقاء المتاريس الوهمية بين اللبنانيين، وذلك عبر منع الحوارات الحقيقية وهو ما كان يدركه حاوي ويحاول كسره.
في زيارته إلى المنطقة "الشرقية" للبدء بالتحضير الحقيقي لخروج لبنان من الحرب الأهلية. يومها وخلال لقائه البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، سأله الأخير إن كان ليس خائفاً مما يفعله أولاً من حيث اختراق حواجز السياسة ومن ثم دخول مناطق لم يزرها منذ زمن طويل، كان ردّ الشهيد حاوي إن ضرورة ربط أنحاء الوطن ببعضها لا تحتاج إلى موافقة من أحد، ولا تحتاج إلى الخوف. قام في ذلك الأسبوع بنقاشات طويلة مع جعجع وعدد من شخصيات المتن الشمالي، بحثاً عن حوار ذهب مع الأعوام وقرارات المنع.
قتل رجل التغيير والسياسة في وضح النهار. لم يتوان القاتل عن قتل رجل المقاومة الأول، التحديثي الذي ساهم في بناء حركة فكرية وثقافية وفنية من خلال قيادته لليسار اللبناني طوال سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات. قتل بدم بارد كما قتل غيره من أبناء هذا الوطن.

جمعية أصدقاء حاوي

بعد استشهاد حاوي أسس مجموعة من رفاق نضاله التاريخي مؤسسة باسم "جمعية أصدقاء الشهيد جورج حاوي". هذه الجمعية التي تهتم بالتراث السياسي والفكري والمقاوم والاستقلالي للشهيد "أبو أنيس"، تعمل منذ استشهاده على جمع ما أمكن من قصص نضالاته، وتعمل كذلك على حمل ذكراه عبر السعي لبناء مركز ثقافي اجتماعي في منطقة المتن الأعلى، أي المنطقة التي انطلق بها حاوي للنضال في بداية حياته السياسية. جمعية تحمل اسمه وتناضل بجزء مما عمل له أي حماية الوطن من شماله إلى جنوبه. فـ "أبو أنيس" حمل في تكوينه بنية لبنان من شماله إلى جنوبه. من تأسيس المقاومة منذ السبعينات أيام الحرس الشعبي على الخطوط الأمامية، إلى فترة استشهاده حيث كان يحمل الشال الأحمر والأبيض. طغيان حب الوطن لديه كان أقوى من كل المسائل الخاصة، وهو لطالما آمن بلبنان واللبنانيين الذين استمروا.
ولذلك تتنقل الجمعية في تحركاتها في كل الأراضي اللبنانية، في محاولة لإعادة إحياء الرفيق الذي قضى قبل خمسة أعوام من أجل وطنه الذي كان في واحدة من الملصقات الشهيرة التي كانت تحمل شعاراً كتبه جورج حاوي "من أجلك يا وطني لبنان".
لم يكن "أبو أنيس" فرداً عادياً في حياته، بل كان جزءاً من حياة اللبنانيين في مراحل كبيرة من تاريخهم. استشهد في لحظة تأسيسية بعد انتفاضة الاستقلال التي ترك فيها فراغاً كبيراً على أصعدة عدة ، وأهمها دور اليساريين والعلمانيين اللبنانيين كشريك في بناء الدولة، في ظل هذه الأزمة بين محاولات بناء الدولة وانهيار المنطقة إلى أزمة إقليمية مفتوحة على غيمة سوداء قادمة لا تعرف نهايتها. يأتي دائماً صوت الشهيد جورج حاوي دفاعاً عن مستقبل لبنان ومنطق الدولة، فتاريخ لبنان هو نحو التطور دائماً، ولبنان لا يقوم إلا على تفاهم كل أبنائه وليس على غلبة طرف ضد طرف آخر.
لبنان جورج حاوي هو في صناعة الجرأة إلى حدّ المغامرة. غامر ونجح في كثير من اللحظات الصعبة. كان دائم البحث عن الجديد في الفكر والثقافة والسياسة واللغة. أحبّ مدينته بيروت كما أحبها كل الذين ناضلوا من أجلها أو زاروها، كمثل الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي لم يكتب عن مدينة كما كتب عنها. في العاصمة تقدّم التظاهرات وصرخ في الشوارع، دخل السجن من أجل فقرائها، واعتلى منابرها وتنقّل بين ملاجئها وأطلق مقاومتها مخاطباً أهلها "يا أبناء بيروت البطلة" ليستشهد فيها كأنه يصارع التنين أو القدر الذي لاحقه طويلاً.

عمر حرقوص - المستقبل - الاثنين 21 حزيران 2010 - العدد 3688 - الصفحة الأولى - صفحة 1

0 تعليقات::

إرسال تعليق