الخميس، 9 يونيو، 2011

هل الخوف على مسيحيي لبنان والشرق مبرر؟

منذ بدء الانتفاضات على امتداد العالم العربي سرى في لبنان، كما في البلدان المعنية، كلام عن الخوف على المسيحيين من تصاعد موجات التطرف الإسلامي. وحاول البعض إظهار المسيحيين في تلك البلدان وكأنهم يعيشون، خلافا لشركائهم ومواطنيهم المسلمين، في مساحة استثنائية من الحرية والعدالة ويمارسون كامل حقوقهم الإنسانية في جو من الانفتاح السياسي والثقافي والديني.
في ذلك الكلام كثير من الظلم والإهانة. ظلم يطاول أكثرية الشعوب العربية وانتفاضاتها حين يتم تصويرهم وكأنهم مجموعة أصوليين يخرجون من كهوف السلفية وهدفهم إقصاء أو إلغاء أو تهجير مواطنيهم المسيحيين. وفيه إهانة للمسيحيين حين يتم تصويرهم كمجموعة منتفعين من ديكتاتوريات يدافعون عن قمعها ويكتفون منها بـ«ذمية» مقنعة ترضى بالحد المعيشي والمصلحي.

في كتابه «بين الدين والسياسة» يقول الدكتور مشير باسيل عون، «إن المسيحية ترفض رفضا قاطعا كل الأنظمة السياسية أو الدينية أو الإيديولوجية التي تقهر الإنسان في حريته، حتى أنها تجازف بتأييد الحرية التي قد تبلغ بالإنسان إلى هوة الانحطاط. فأخطار السقوط لا تُعفي الإنسان من مغامرة الوجود». ويضيف أستاذ اللاهوت والفلسفة «يبقى أن القول اللاهوتي يُعوزه على الدوام فعل المؤسسة الكنسية في مجرى التاريخ المنظور».

وفعل المؤسسة الكنسية هو موضوع النقاش حاضرا من العراق إلى مصر وسوريا ولبنان. فماذا تفعل الكنيسة وهي ترى الانتفاضات تعم بلدانها؟ وكيف تفعل فيها وتتفاعل معها؟ أي دور أو موقف عليها اتخاذه؟ أليس خوفها مبررا من سلوكيات بعض «المضللين» أو أصحاب الفكر الإلغائي؟

فالكنيسة التي تحرص على أبنائها في وجودهم وحياتهم أولا لا يمكنها أن تغض الطرف عما يهدد هذا الوجود. لكنها، كما حال الكنيسة العراقية، ذهبت بعيدا جدا في حمايتهم حين سهلت وساهمت في السعي إلى هجرة عدد كبير منهم. قدم رعاتها أعذارا تحت عناوين وجودية. «فهناك قضية حياة أو موت ولا خيار ثالثا» كما يقول أحد آباء الكنيسة الكلدانية الذي يؤكد «أن ما من عراقي يقطع حبل الحب والحنين مع بلده، لكنها الظروف وضعتنا بين خيارين أحلاهما مرّ. ومع ذلك فنحن متمسكون ببلدنا وبحقنا في الوجود الحر والآمن فيه، وبأحلامنا بغد أفضل لكل شعب العراق».

يختلف واقع المسيحيين في مصر عن العراق. لكنهم يتشاركون إرباك كنيستهم وغياب «زعاماتهم» المحلية عن مواكبة المتغيرات ومقاربتها. وأن شعورهم المتداخل بين «الأقلوية» و«إحنا مصر»، على ما يقولون، لم يساعدهم على صوغ خطاب وطني جاذب، أو أن يطرحوا مشروع شراكة وطنية من منطلقات تحاكي العصر وقيمه ومتطلباته.

أما في سوريا، فإرباك المسيحيين ليس بقليل. «بعبع» حركة «الإخوان المسلمين» الذي استخدم طويلا، جعلهم يثمنون «علمانية» الحزب الحاكم. تضاءلت طموحاتهم حتى كادوا يكتفون بـ«رخاء العيش». أما الحرية التي «تصر المسيحية، في تنوع مذاهبها اللاهوتية، على صدارتها في عمارتها الفكرية»، فقد تحولت إلى ما يشبه الترف غير المبرر ومن «لزوم ما لا يلزم».

وفي لبنان «درة عقد» مسيحيي الشرق، تتابع الكنيسة أحوال كل دول المنطقة وانتفاضات شعوبها وتتريث قلقة. قلقها مشروع وسط ضبابية المستقبل. لكن يفترض أن يتحول هذا القلق إلى مصدر دفع للأفكار وابتكار الصيغ ومعالجة حاسمة وواضحة لدعوة الكنيسة ورسالتها في هذا الشرق.

وليست صدفة أن يكون موضوع هوية الكنيسة المارونية ودعوتها ورسالتها في طليعة المواضيع التي طرحت في المجمع البطريركي الماروني. فأي دور اليوم للكنيسة المارونية تحديدا ومعها وخلفها لسائر الكنائس المسيحية اللبنانية؟

سؤال يتردد في كثير من المجالس السياسية وداخل الكنيسة نفسها... وهذا مؤشر ايجابي بحد ذاته. لكن الأحداث المتسارعة من حولنا تدفع باتجاه الإسراع في ضرورة بلورة رؤية للكنيسة ومن حولها ومعها المسيحيين.

يحرص البطريرك الماروني بشارة الراعي على تعزيز الحضور المسيحي. يهتم بشكل خاص بالشباب والشبيبة. يزور الأطراف ويحاول أن يقرب المسافات بين المتخاصمين. وما لقاء بكركي الموسع مؤخرا إلا خطوة من خطوات جمع المسيحيين على أفكار جامعة.

لكن هل يكفي جمع المسيحيين على وقف بيع الأراضي أو إعادة تفعيل حضورهم في الدولة ووظائفها؟ هل استعادة آلاف الأمتار من هنا وتثبيت بضعة موظفين من هناك يضمن الحضور والدور المسيحي في لبنان والشرق؟

ليست هذه المهام تفصيلية في تثبيت فئات من الناس في مناطقهم والإبقاء على صلتهم بالدولة. لكنها بالتأكيد لا تحصّن الحضور أو تضمنه على المدى الطويل.

«نحتاج إلى رؤية وإعادة صياغة خطابنا الحاضر على ضوء هذه الرؤية. نحتاج إلى استعادة المبادرة وضخ أفكار يلتقي عليها اللبنانيون ونستعيد من خلالها فكرة لبنان ودوره وليس فقط دورنا كطائفة» وفق أسقف ماروني.

دنيز عطاالله حداد - "السفير" 9 حزيران 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق