الخميس، 9 يونيو، 2011

ما الذي يريده رئيس المجلس؟

ماذا يريد رئيس المجلس النيابيّ بإصراره على عقد جلسة تشريعية بما يخالف الميثاق والدستور والقانون؟

فالفقرة "جيم" من مقدّمة الدستور واضحة في تثبيتها لبنان كـ"جمهورية ديموقراطية برلمانية"، والفقرة "هاء" تعرّفه كنظام "قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها"، أمّا المادة 31 من الدستور فتتعارض مع نظرية "(رئيس) المجلس سيّد نفسه" ومع حكاية أنّ رئيس المجلس أو حتى المجلس يقرّران ما يشاءان في شأن الانعقاد، لأنها توضح أنّ "كل اجتماع يعقده في غير المواعيد القانونية يُعدّ باطلاً حكماً ومخالفاً للقانون".
ماذا يريد رئيس المجلس إذاً؟ المزيد من استنزاف المؤسسات الدستورية أم أمراً إضافياً؟

إنّه بإصراره على عقد الجلسة يتعدّى على صلاحيات السلطة التنفيذية، ويخالف مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات. كما أنّه ينصّب نفسه "القائم بالدستور"، أي من يمتلك حقّ تأويله كما يشاء من دون أن ينازعه في ذلك أحد، ومن دون أن يقيم وزناً من هذه الناحية لسلطة التحكيم الذي يُفترض أنّ المنطق الدستوريّ لاتفاق الطائف ينيطها برئيس الجمهورية، والتي يلزم شرحها بالشكل الوافي لإعادة التوازن إلى فهم اتفاق الطائف، مثلما هي المحاصصة على صعيد آخر مدخل لإعادة التوازن في ناحية أخرى إلى فهمنا لاتفاق الطائف.

وطبعاً، فإنّ رئيس المجلس كان دائماً أقرب إلى المدرسة التي تريد قراءة الطائف لا بعين التوازن، إنّما الغلبة، سواء كانت غلبة سلطة دستورية على أخرى، أم رئاسة سلطة دستورية على هذه السلطة نفسها، أم كانت الغلبة لطائفة على أخرى تحت شعار "إلغاء الطائفية السياسية".

وهذه من مفارقات الجمهورية الثانية، فكي يقوم توازن بين السلطات الدستورية في هذا البلد وكي يكون التوازن بين السلطات الدستورية متقاطعاً مع التوازن بين الطوائف الكبرى، لزم أن تُناط رئاسة المجلس النيابيّ بقطب بارز في طائفته، ولزم من ثمّ أن تجري انتخابه وإعادة انتخابه حتى لو كان بأكثرية واضحة من المعارضين له. وفي المقابل، فإنّ رئيس المجلس الذي يدين بمنصبه هذا إلى لعبة التوازنات يعود فيفضّل بدلاً من ذلك كل ما فيه إخلال بالتوازنات، سواء على صعيد المؤسسات الدستورية، أم على صعيد الطوائف الرئيسية. وطبعاً، فإنّ بقاءه في هذا المنصب لعقدين كاملين فيه إخلال إضافيّ بالتوازن بين المؤسسات وبين الطوائف، لأنّ المؤسسات الأخرى تشهد تداولاً على رأسها، بخلاف ما في رئاسة المجلس النيابيّ. من أجل ذلك، وكما أنّ شرح وتفصيل السلطة التحكيمية لرئيس الجمهورية، وتثبيت وتمتين مبدأ المناصفة هما مدخلان أساسيان لإعادة فهم متوازنة لدستور ما بعد الطائف، فإنّ إعادة النظر في معضلة "رئاسة المجلس مدى الحياة" هي مدخل ثالث لإعادة التوازن إلى التركيبة الميثاقية الدستورية.

وإذا كان رئيس المجلس يبرّر لجلسته التشريعية اللا دستورية تحت شعار "الاستثناء" فبديهيّ التذكير بأنّ استثنائية الوضع راجعة لانشقاق خطير في البنية اللبنانية، والانشقاق يرسّخه ويزيده مشروع فئوي هيمنيّ لا يعرف كيف يعود أدراجه، ولا يعرف كيف يتقدّم ويحسم ويفرض معادلته، ولا يعرف في المقابل أخصامه كيف يردّونه على أعقابه وكيف يحملونه إلى جادّة التعقّل والرويّة. ورئيس المجلس ليس محايداً في هذا الصراع. ليس منحازاً فقط، إنّه أحد الأركان الأساسيين فيه. كما أنّه بإصراره هذا يجعل من نفسه "صقراً" في إطار المشروع الفئويّ الهيمنيّ ويزيل مجدّداً كل التباس في هذا الشأن، وكلّ "شبهة وسطية".

لماذا يكلّف رئيس المجلس نفسه كل هذا العناء؟ هل هي مجرّد لعبة في زمن تقطيع الوقت؟ أم أنّ ما يقوم به هو جزء من اندفاعة مغامرة جديدة للمشروع الفئويّ الهيمنيّ من أجل فرض معادلته على الآخرين في البلد، استباقاً لتبدّلات إقليمية من شأنها تغيير وجه المنطقة؟ أم أنّه بارتدائه عباءة القصوية والتطرّف داخل الائتلاف الذي ينتمي إليه إنّما يعمل للعودة إلى قيادة هذا الائتلاف، وهي قيادة كان خسرها بنتيجة معارك "حزب الله" و"حركة أمل" في نهاية الثمانينات، ثم استعاد جزءاً منها لبضعة أعوام في التسعينات، في أيّام نظرية "المجلس سيّد نفسه"، قبل أن تؤول قيادة المشروع التابع للممانعة السورية - الإيرانية في لبنان لضبّاط "النظام الأمنيّ" ومن ثمّ لـ"حزب الله" بعد الانسحاب السوريّ؟

أغلب الظنّ أنّ تقطيع الوقت بالمزيد من استنزاف المؤسسات وقضمها هو المحرّك الأوّل، أو الدافع المباشر، وأنّ مواكبة الاندفاعة المغامرة، الانقلابية، للمشروع الفئويّ الهيمنيّ، أن صدرت الإرادة الممانعاتية الإقليمية بذلك، هو السياق الذي يتحرّك فيه، أمّا الطموح، الخفّي حيناً، والذي يظهر حيناً آخر، بإعادة احتلال رئيس المجلس من حيث هو أيضاً وقبل كل شيء رئيس لـ"حركة أمل" موقعاً أساسياً في "منظومة 8 آذار" فإنّه طموح يغذّي "شبهة وسطية" حيناً، و"شبهة تطرّف" حيناً آخر.

وبانتظار أن يقول التاريخ المتسارع كلمته في هذا "الطموح"، طموح عودة نبيه برّي إلى الريادة، بدلاً من موقعه الثانويّ في "8 آذار"، فإنّه، مما لا شكّ فيه، أنّ إصراره على عقد جلسة تشريعية يقع تحت ظلّ الفقرة "ياء" من مقدمة الدستور، حيث "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".. فكم هي شرعية رئاسة لسلطة تشرّع في نظام برلماني في ظلّ غياب السلطة التنفيذية، وفي ظل انقسام طائفي ومذهبيّ حاد ليست هي على الحياد فيه، إنّما في صلبه؟

وسام سعادة - "المستقبل" 9 حزيران 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق