الأحد، 19 يونيو، 2011

ثلاث ساعات من "خلدة" إلى "الأوزاعي..".. "المواطن المخنوق" إن حكى

أعلن أحد الوزراﺀ أن لا أزمة سير في بيروت ولا خوف على الموسم السياحي!
أزمة السير ليست جديدة، ولا محاولات مقاربة حلول عملية لها. وزير الداخلية أعلن عن وضع خطة سير لتسهيل تنقلات المواطنين وتأمين سلامتهم. تعزيز شرايين المرور ومفارز السير، وتنظيم سير الشاحنات، وتأمين الغطاﺀ لقوى الأمن لقمع المخالفات من أهم بنودها.. ولكن.. ما حدث خلال الأيام الماضية لم يكن ذي علاقة بأي من تلك العناصر، ولو أن إجراءات السير الاحترازية لم تكن مؤمنة لتفادي ارتداداته.. "كارثة السير" الممتدة من الأوزاعي إلى مشارف الشفروليه كان سببها تأهيل أوتوستراد المطار الذي أعلن عن إقفاله لأسبوعين أمام حركة السير قبل أن يبشر وزير النقل والأشغال غازي العريضي أمس بانتهاﺀ أعمال الصيانة فيه قبل موعدها المتوقع وفتحه اعتبارا من هذا الصباح أمام السيارات.. مبروك!
"المواطن السعيد" يغريه مطلع الأسبوع عادة ببدايات واعــدة لكل شيﺀ. فغالباً ما يترجم توقه للتغيير بموعد يضربه مع نهار الاثنين. يترك بيته "بحس الانتعاش والاندفاع" مبكرا مراجعا لأدق التفاصيل في مخططه الأسبوعي، قبل أن يركب سيارته التي "غسلها" وزود محركها بالماﺀ في يوم العطلة.

المواطن النشيط "المتأنق" استعدادا لموعدي عمل هامين، أولهما عند 11 الـ قبل الظهر والثاني عــنــد الــثــالــثــة بــعــد الــظــهــر. يقود سيارته بضعة أمتار تبعد عن منزله في منطقة "دوحــة عرمون" ليفاجأ بأرتال السيارات التي لا تتزحزح من مكانها.

يبقى "حس الانتعاش" صامدا أملا بانتهاﺀ الازدحام بعد اجتياز الأمتار القليلة التي تفصل مدخل "دوحة عرمون" عن مثلث خلدة الشهير.

ينصحه أحدهم بعدم التوجه صوب طريق الأوزاعي البحري القديم التي صب السير جام ازدحامه عليها بعد أن أغلق أوتوستراد المطار أمام حركة المرور المتجهة من الجنوب وســاحل الشوف بــســبــب أعمال الصيانة المستجدة على الأتوستراد الحيوي والتي اقتضت كما ارتأت الشركة المتعهدة إقفاله أمام المواطنين لمدة 15 يوماً.

يعدلُ المواطن عن سلوك "درب الأوزاعي" متجها بصعوبة يمينا صــوب الــشــويــفــات - طــريــق صيدا القديمة، حيث طلائع المشهد تفيد بأن الزحمة في هذا الشطر قد وصلت بدورها إلى مشارف "معمل" الكولا أي أنها كادت أن تتصل بمدخل "دوحة عرمون"، في المشهد أيضا عشرات الشاحنات و "جبالات الإسمنت" التي أطلق بعضها العنان لأبواقه!

سرعان ما يندم المواطن "المصر على البداية الواعدة لأسبوعه" على الاستجابة لنصيحة ناصح! سيتطلب الأمر 20 دقيقة للعودة عن قرار سلوك طريق الشويفات والاستدارة مجددا صوب مثلث خلدة.

الــصــبــرُ مــا زال صامدا. يـسارا مرة أخرى. نحو "المثلث" أملا في أن تنتهي الزحمة باجتيازه. 30 دقيقة وتتم عملية الاجتياز الصعبة ليقترب المواطن من الوصول إلى أوتوستراد الأوزاعي البحري.

يزيد المواطن من الضغط بشدة على دواسة البنزين إسراعا للإمساك بالاتوستراد البحري واللحاق بالموعد.

فــحــتــى الآن لا حــاجــة لــلاتــصــال والاعتذار. أو القيام بمحاولة تأخير الموعد لبضع الوقت.

ضـياعُ ساعة مــن الوقت على الطريق التي يفترض أن تستغرق في الأيام العادية مدة لا تتجاوز الخمس دقــائــق، يمكن أن يعتبر قطوعا "لا يفسد لود النهار قضية".

تفكيرٌ يجعل المواطن "المصمم" يمارس ضغطا معنويا على نفسيته لتجاوز "الضرب الصباحي". ضغطاً سيضيع في مدى المشهد الذي ترصده العين ما أن تبلغ السيارة مشارف أوتوستراد "الأوزاعي" الذي اصطفت عليه آلاف السيارات في 4 صفوف سير المتجهة نحو بيروت..

المدى الذي يلمع فيه الصفيح الملون الساخن بفعل أشعة الشمس تجعل المواطن المغلوب على أمره يصل إلى قناعة واحدة "إنها الكارثة".

. فمشهد مماثل يعني في معادلة حسابية بسيطة أن اجتياز هذه الطريق وصولا إلى أول منفذ ممكن للعاصمة صــوب "الــرحــاب" أو "السلطان إبراهيم" أو "الاونيسكو" لا تــقــل الـــمـــدة الــزمــنــيــة الــتــي يستغرقها عن ساعتين في حال استمرت وتيرة السير على حالها، أما في حال حدوث طارئ أو استحكام الاختناق المروري في المنافذ فان الــمــدة الزمنية التي يستغرقها الانتظار تصبح مفتوحة.

يتلاشى الأمل ببلوغ الموعد الأول فيتم الاعتذار عنه. يحاول المواطن الخائب هــذه المرة عــودة أدراجــه إلى "دوحة عرمون" عبر الرجوع إلى الخلف بالتواطؤ مع بعض السيارات المصدومة أيضا، مقررا الاستسلام لخيار العودة إلى المنزل والاتصال بشركته وإبلاغها بتعذر حضوره هذا اليوم إلى العمل، وهو الأمر الذي سينتج عنه بالطبع خسارته ليوم عطلة سنوي بشكل مجاني ببساطة لان قوانين العمل في المؤسسات لا تعترف بأعمال الصيانة الطارئة الــتــي تكتفي بإعلام المواطنين بالخطوة وتضعهم أمام الأمر الواقع دون تأمين إجراءات عملية بديلة.

تكاد محاولة التراجع إلى الخلف تنجح بصعوبة من خــلال عمليات كــر وفــر وحـــرق أعصاب على وقع الأبواق المرتفعة والشتائم والصراخ المتناثر في الــهــواﺀ. ومــع اقتراب المحاولة من النجاح، تحط "جبالة باطون مهترئة" رحالها في مطلع الأتــوســتــراد مقفلة الطريق أمام السيارات العائدة إلى الوراﺀ محبطة محاولة الهروب بشكل كامل.

يجد الــمــواطــن المغلوب على أمره نفسه فــي قلب الجحيم. لا خيار للتراجع. يرضخ. تشتد حدة الحرارة. ينضم المواطن الذي خذله مكيّف الهواﺀ في سيارته إلى اغلب السائقين الــذيــن شــقــوا النوافذ بسبب عدم تحمل حرارة محركاتهم تشغيل المكيف أو لان سياراتهم غير مجهزة بمكيفات شغالة! أصلا شقوا النوافذ ناشدين نسمة هواﺀ تقيهم الحر الممزوج بدخنة وغبار المحركات المتلاصقة.

في داخل النفق، يكاد الأوكسيجين يفتقد، بينما لا يتوانى من اعتاد على "فش خلقه بالضغط عن الزمور" في ممارسة عادته السيئة متلاعباً بأعصاب الناس المحروقة بالأصل. ولا ينقص هــذا المشهد سوى تسلل المتسولين ومنهم من أصحاب العاهات الجسدية إلى داخل النفق المعتم. أحدهم جلس على مربع خشبي متصل بدواليب واخذ يجر نفسه على الحافة الإسمنيتة الصغيرة الضيقة المساحة داخل النفق بينما دقــات القلب تتسارع مع رؤية الخشبة وهي تكاد تنزلق أمام إطارات السيارات.. في اللحظة الطويلة التي صنعها ضجيج الأبواق وصراخ الناس وتوســل الأطفال الشحاذين وتفاعل غــازات التلوث القاتلة والعتمة المميتة والعرق المتصبب والأعصاب المتوترة، تصرخ صبية أصيبت أمها الستينية بإغماء من الحر ونقص الأوكسيجين وتوتر الأعصاب ونفاد الصبر، قلة من الجمع القابع في الجحيم نزل محاولاً المساعدة ببضع قطرات من، الماﺀ وهنا أخذ رجل توقفت سيارته بسبب ارتفاع الحرارة يسأل حامل زجاجة الماﺀ عما إذا كان يملك ماﺀ إضافيا يساعده في تبريد محركه.. فيما يتم الاتصال بالمسعفين الذين يصعب تخيل كيفية وصولهم لنجدة السيدة المختنقة..

مرت ساعتان ونصف الساعة على مغادرة المنزل. ما زال المواطن رابـضا فــي سيارتــه على طريق الأوزاعي متأملا المزيد من مشاهد الجحيم، وهذه المرة شاحنة صغيرة حــاولــت الــتــذاكــي والــصــعــود على الرصيف لشق صف خامس فعلق دولابها بين حافتي إسمنت على الرصيف.. وأيضا المزيد والمزيد من السيارات التي تصاعد الدخان من محركاتها مثيرة الهلع في نفوس راكبي السيارات الأخرى الملتصقة بها..

ديانا سكيني - صدى البلد - العدد 2277 / 2010-07-06

0 تعليقات::

إرسال تعليق