الاثنين، 13 يونيو، 2011

حول الاغتراب والماركسية

المقدمة

الاغتراب [1] مفهوم فلسفي متعدد المصادر، يعني الخروج من الذات أو فقدانها والاغتراب عنها. في بعض المجتمعات، وفي بعض الحقبات، يغترب الإنسان عن ذاته أي أنه لا يجدها في نشاطاته ونتاجاته المادية والروحية، لتصبح هذه الأخيرة غريبة عنه كأنها كائن مستقل بحد ذاته.
ويمكننا أيضا وصف مفهوم الاغتراب بأنه صراع الإنسان مع أبعاد وجوده، ويمكن تحديد هذه الأبعاد بثلاثة أركان أساسية:
البعد الاجتماعي المعاش: ويكون الصراع فيه مع القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتحديد موقفه التاريخي مما يدور حوله، ويكون مغترباً عن هذا الموقف لأنه لا يتحقق، فيبقى الإنسان مستهلكاً مسلوب الذات.
البعد القِـيَـمي: وينتج الصراع فيه عن بحث الإنسان عن عالم المُثل (المفقود) لأن الواقع الذي يعيش فيه يسحق شخصيته الإنسانية ويشوهها فيهرب إلى عالم الخيال، ويقترح للإنسانية أساساً روحياً بدلاً عن الأساس الواقعي لها، ويزداد الصراع في هذا البعد كلما ازداد وعي الإنسان بذاته، إذ يبدو له كل ما يحيط به ثقلاً عليه، وقيوداً يضيق بها ولا يخرج من ذلك تواصله أو علاقاته الاجتماعية، ومن هنا تأتي عزلته، ومن ثم اغترابه عن القيم التي تحيط به وتحكمه.
البعد الميتافيزيقي: ويتجلى الصراع في هذا البعد حين يدير الإنسان ظهره للواقع ويتجه إلى عالم الما وراء في محاولة منه لإدراك حقيقة وجوده وموقفه الكوني منه، وبما أن المعطيات الحسية غير كفيلة بفهم العالم الميتافيزيقي فإن الإنسان يظل في شك مستمر في كون الوجود الذي لم يتحقق.. هل هو وجود فعلي أم محتمل؟ ومن هنا يأتي اغترابه الكلي عن شرائط وجوده.

تاريخيًا،يعود مفهوم الاغتراب إلى الأديان الكبرى كالمسيحية واليهودية حين تفسر الاغتراب بأنه انحلال الرابطة بين الإنسان وربه، وإلى أفلاطون الذي يرى أن الاغتراب هو التأمل الحق بحالة الكائن الذي فقد وعيه بذاته فصار الآخر مغترباً عنه، وبهذا يشير الاغتراب عند أفلاطون لحالة التجاوز. كما يمكن الوقوع على جذور فكرة الاغتراب في كتابات أفلوطين وفي المذهب المسيحي حول فكرة الخطيئة الأصلية وفكرة الخلاص، كذلك عند القديس أوغسطين ومارتن لوثر، إذ كان الاغتراب يعني الجهاد لفصل الذات الإنسانية عن نواقصها بجعلها في حالة هوية مع كائن متعال (الإله(.
ويمكن،أيضا، تتبع مصادر فكرة الاغتراب الفلسفية بالرجوع إلى مفكري حركة التنوير الفرنسيين (ديدرو وروسو) والألمان (جوته وشيللر وفيخته).فمع روسو مثلاً، ينتمي مفهوم الاغتراب، الذي يعود إلى اللاتينية Alienatio، إلى اللغة القانونية، حيث يعني فقدان أو بيع ما يمتلكه الشخص. فأساس العقد الاجتماعي عند جون جاك روسو هو الاغتراب، إذ لولاه لما انعقد العقد. وفي أعمال فيخته نجد أن اغتراب الذات هو خلق العالم عن طريق الأنا المجردة.

غير أن هذا المفهوم، مثل غيره من المفاهيم المستعملة في حقل الدراسات والعلوم الإنسانية، لا نجد له –سواء في حقل الفلسفة أو الإنثروبولوجيا- تحديدا دقيقا متفقا عليه، يسمح بوضع اليد على معناه .وفي هذا السياق،سيذهب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، في مقالته عن الاغتراب في “الموسوعة الشاملة"(Encyclopedia Universalis)، إلى حد وصف اللفظ بأنه كيان "مريض"، محددا علة مرضه في ما يسميه بـ”الإثقال السيمانطيقي (surcharge semantique )، بمعنى أنه مثقل بالمعاني والدلالات إلى درجة أن أصبح يعني كل شيء، حتى كاد لا يعني شيئا.
وإجماع الباحثين يكاد ينعقد على أن هيغل (1770-1831) هو أول من استخدم في فلسفته مصطلح الاغتراب استخداما منهجيا مقصودا ومفصلا، بل ونظّر له في كتابه الموسوم (فينومينولوجيا الروح) عام 1807. وكان أول من أعطاه معنىً مميزا.
وسنحاول في بحثنا هذا أن نتتبع حياة مفهوم الاغتراب كما ظهر عند الفيلسوف الألماني وعالم الاقتصاد الشهير كارل ماركس [1818 - 1883]، ومعلوم أن للفظ الاغتراب في التأليف الماركسي حضورا لافتا سواء في بواكير كتابات ماركس (أو ما يعرف بمرحلة الشباب، وهي المرحلة التي أعقبت مرحلة النضوج لدى فيلسوفنا وصديقه فريدريك إنجلز حيث اكتمل ما بات يعرف بالمذهب الماركسي أو الفلسفة الماركسية بشقيها المادية التاريخية والمادية الجدلية).أو في أواخر كتبه، حيث يرد لفظ الاغتراب في "مخطوطات 1844" وكتاب "الإيديولوجيا الألمانية"1845، كما يرد في كتاب "الرأسمال" أيضا. فقد قدم ماركس طرحا مغايرا واستعمالا دلاليا جديدا سيفتح أمام اللفظ مجالا للتداول بشكل أوسع داخل النقاش الفكري والأيديولوجي الذي سيشهده القرن العشرون.
وقد ظلت الماركسية "موضة" القرن العشرين بامتياز، وعن ماركس تفرّع عشرات من التيارات التي تبنت اسمه وأعلنت أنها وحدها الحريصة على فكره وثورته(اللينينية-التروتسكية-الماوية-الالتوسيرية-الفرويدية_المراكسية...). وباسم الفيلسوف "البروموثي" بنيَت أحزاب ودول كليانية وشمولية بامتياز، رفعت لواء التقدم والحرية والعدالة، واخفت وراء إيديولوجيتها آلاف من سجناء وشهداء الرأي والفكر، ومعظمهم من تلك الطبقة التي مجدها ماركس ورأى فيها التحقيق العملي للفلسفة. وأصبحت الماركسية ترقد جثة هامدة فوق سرير بروكوست أو سرير الدولة السوفييتية البيروقراطية أو تزيد بحسب طول هذا السرير – سياسيا ومصلحيا – أي بحسب المصلحة السياسية البرغماتية الخاص لهذه السلطة.
وفي العام 1989، انهار ما كان المتوقع منه أن يكون الترجمة العملية لفكر ماركس وأحلامه "اليوتوبية" في جنة أرضية تعيد للإنسان ما استلب منه، وبعد الانهيار مباشرة شهدت الدوائر الفكرية الماركسية كافة ما يشبه إعادة مراجعة للفكر الماركسي ووضعه موضع التساؤل، فتخلى البعض عن "دينه" الإلحادي والثوري، واتجه من جديد إلى أديانه الوهمية أو المحافظة، فيما حاول البعض الآخر نبش ما كان مغمورًا في هذا الفكر من اجل توظيفه في مرحلة ما بعد الانهيار، ولم يتخلى إذ ذاك عن ذلك الأمل الذي كان يحدوه في تحقيق مجتمع خالٍ من "الخطيئة" الدنيوية.

والسؤال حول مسؤولية ماركس في كل ما حصل ربما يحمّله ما يستحيل أن يتحمله مفكر أوروبي عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولم يكن بإمكانه أن يكون شاهدًا على مدى التقدم الذي حققته الرأسمالية، ومدى الحرية والعدالة التي نعمت بها الطبقات العاملة في الغرب في وقت كان الاستبداد والجوع يضرب في البلاد المسماة اشتراكية وشيوعية. ولهذا فقد تكون النظرة التاريخية والموضوعية لماركسية ماركس، هي متابعة تطوره الفكر لا من حيث ما جاء في كتاباته ومواقفه فحسب، بل من حيث علاقة هذه الكتابات والمواقف بالسياق الاجتماعي والتاريخي والثقافي الذي نشأ وعاش فيه وتأثر به.

وبغض النظر عن النقد الذي يمكن أن يوجه لفكر ماركس (وهو في كثير من الأحيان نقد صحيح ولازم)، أو عن الشتائم والسخريات التي تلقاها هذا الفكر عقب وقبل انهيار الاتحاد السوفياتي، فما زال ماركس، من دون شك، فيلسوفًا معاصرًا بامتياز،ليس لأنه حاضر دومًا في السجالات الفلسفة والدينية والاقتصادية، بل لكونه أيضا وضع الإنسان في محور منظومته الفلسفية، ليكون غاية في حد ذاته، يستطيع لكونه مموضعًا أن يصنع عالمًا قابلاً للتقدم والتحسن، عالمًا يحقق الصفة الإنسانية التي تغيب اليوم لصالح كائنات إنسانية أصبحت شبيهة بالوحوش الالكترونية، أو بالذرات المتصارعة، والتي تتنافس بشراسة للوصول إلى الربح والمال (الإله الدنيوي الحقيقي).
ويبقى ماركس معاصرًا عندما يتعلق الأمر بمعالجة ذلك الكم الهائل من الأوهام الدينية، والمطلقات الأخلاقية والاجتماعية التي يرزح تحت وطأتها البشر أينما وجدوا، وهنا لا بد من التأكيد على ما يمكن أن يشكل حجر الزاوية في الماركسية وهو النقد، نقد الأرض ونقد السماء، وهو ما سنلمسه في تناول ماركس لمسألة الاغتراب على كافة المستويات "الأرضية" و"السماوية".

ترجمة ماركس الفكرية

1818: ولد في ترير Trères (رينانيا). والده محامٍ يهوديّ ليبرالي اعتنق البروتستاتنتيّة عن غير اقتناع.
دراسات فلسفية وحقوقية في بون وبرلين. حيث التحق بالجامعة في عام 1836 في زمن سكنت فيه الاضطرابات الثورية التي تلت نهاية حقبة الحروب النابولونية التي قسمت ألمانيا إلى شطرين :ألمانيا الشمالية والنمسا. وكانت معظم الحركات الثورية، الليبرالية الطابع، ترمي إلى توحيد ألمانيا بقوة السلاح، وتأسيس جمهورية تستلهم مبادئها من الثورة الفرنسية (1789)، ومن كتابات مجموعة من الأدباء والمثقفين والفلاسفة كهينريك هاينه.
1841: أطروحة الدكتوراه: اختلاف فلسفة الطبيعة عند ديموقريطس وأبيقوروس. كاتبًا في مقدمتها أن اعتراف برميثيوس (الذي وصفه بأنه أنبل شهيد في التقويم الفلسفي) "إنني أكره كل الآلهة" هو اعتراف الفلسفة الخاص وقولها المأثور ضد كل الآلهة السماويين والأرضيين.
ينتمي إلى حلقة الهيغليّين اليساريّين التي يرأسها برونو باور Bruno Bauer. وهي الحلقة التي استخلصت من فلسفة هيغل استنتجات راديكالية في مضمار السياسة والعلاقات المدنية والدينية.
يرأس تحرير مجلة الراينشي تسايتنغ Rheinische Zeitung الديموقراطيّة الليبرالية (البرجوازيّة) التي لا تلبث أن تمنعها الحكومة البروسيّة.
1843:- المسألة اليهوديّة.
- مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل.
في حدود نقد الدولة والأيديولوجيّة الدينيّة تبدو الطبقة العاملة (أو البروليتاريا) القوة التاريخيّة التي بإمكانها تثوير العلاقات الاجتماعيّة وتحرير الإنسان المتميّز عن التحرير الوهمي القانوني الذي أنجزته البرجوازيّة.
في باريس التي هاجر إليها عام 1843 أصبح ماركس شيوعيّاً ولم تعد الشيوعيّة بالنسبة إليه مبدأ عدالة وأخوة بل "شكل المستقبل الحتمي القريب ومبدؤه الحيوي الفاعل" أي أنها نتيجة تناقضات المجتمع الحالي.
1844: -المخطوطات الاقتصادية – الفلسفيّة (التي لم تنشر إلا بعد وفاته) وفيها يدرس ماركس، انطلاقاً من مكتسبات علم الاقتصاد الإنكليزي والفرنسي، تناقض العمل المستلب في المجتمع البرجوازي الذي يفقر العامل المنتج كلّما ازداد الإنتاج.

- العائلة المقدسة (بالتعاون مع إنجلز). ينتقد فيه المؤلفان، من وجهة نظر الفلسفة المادية، فلسفة التاريخ المثاليّة التي تكتفي بوجهة نظر نقدية مما يظهر عجز مثقفي البرجوازيّة الصغيرة عن تبديل مجرى التاريخ. في رأي ماركس، يشكل نضال العمال الجماهيري النقد الفعلي للنظام الاجتماعي القائم.
1845: - الأيديولوجيّة الألمانية و الأطروحات عن فيورباخ.
يحاول ماركس، اللاجئ إلى بروكسل، بمساعدة صديقه إنجلز، إنتاج نظريّة مادية للتاريخ تصلح أساساً نظريّاً لاشتراكية عماليّة مستقلة.
1847: - بؤس الفلسفة وهو رد على كتاب الاشتراكي الفرنسي برودون فلسفة البؤس.
1848: - البيان الشيوعي: أوّل عرض متماسك للماديّة التاريخيّة. كانت عبارات البيان على قوتها والصدمة التي أحدثتها تبدو أيضاً غريبة للبعض وذات أبعاد ومعان كبيرة للبعض الآخر.

وفي البيان أعلن ماركس وإنجلز عن نقدهما القاسي للرأسمالية وتميّز اتجاههما عن الاشتراكيات الطوباوية السائدة في فرنسا وانكلترا. ويلعب ماركس دوراً أساسيّاً في أوّل تنظيم عماليّ دولي، عصبة الشيوعيّين ويطرح شعاره: "يا عمّال العالم، اتحدوا" بديلاً عن شعارات الأخوّة الإنسانيّة.
في هذه الحقبة تبدأ رحلات ماركس إلى إنكلترّة وهي أكثر البلدان الرأسماليّة تقدماً في ذلك الزمان.
1859: - مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي.
وفي بريطانيا عاش وحيدا في ظروف سيئة جدا بلا مال فكان يعتمد على مساعدات صديقه إنجلز ليطعم عائلته ويشتري ما يحتاجه من الكتب وبالأخص الاقتصادية منها. زاد الأمر سوءا مرضه الشديد في الكبد مما جعل حياته أصعب.
وفي لندن، مات طفله الرابع بعد ولادته مباشرة ولم يكن ماركس يملك المال ليشتري كفناً له. في تلك الأوقات العصيبة كان ماركس يعمل على كتابه الشهير "رأس المال". (1867).

عندما أنهى ماركس كتابه "رأس المال" لم يكن بمقدوره أن يرسله للناشر لأنه لم يملك ثمن الطابع إلى أن اقترضه من إنجلز. وفي الوقت الذي كان كتابه يحوي حل للمشاكل الاقتصادية العالمية فإنه لم يستطع حل مشكلة ماركس المادية الشخصية ولم يبع من الكتاب سوى بضعة نسخ في السنين الأولى نشره.
كانت حالة ماركس المادية سيئة جداً إلى درجة اضطرت زوجته للذهاب إلى فرنسا لتقترض المال من أحد الأصدقاء الذي مات قبل أن تصل إليه. كان ماركس يتمنى موت أمه ليرث بعض المال بسبب حالته السيئة. حاول التقدم لوظيفة موظف في السكك الحديدة فتم رفضه لسوء خطه ولو لم تكن زوجته تقوم بنسخ كتاباته لوقع الناشرون في الارتباك لمحاولة فهم ما كان يكتب.
رحل ماركس بعد موت ابنته وزوجته ودفن في مقبرة هايغيت في لندن عن عمر 65 عاماً وحضر جنازته 11 شخصاً فقط وكُتب على شاهد قبره "يا عمال العالم، اتحدوا".
إن الطريق الذي سلكه ماركس واضح المعالم: انتقل ماركس من الفلسفة إلى الاقتصاد السياسي مروراً بعلم الاجتماع لكنه بقي إلى آخر يوم في حياته فيلسوفاً. لم يكف يوماً عن الإيمان بأن لتاريخ الإنسانيّة الذي مرّ ويمرّ بعدة مراحل وأنظمة ويسير نحو مجتمع خالٍ من التناقضات مغزى فلسفيا. الإنسان يخلق نفسه عبر التاريخ وتتزامن نهاية التاريخ مع نهاية الفلسفة. الفلسفة التي تحدد الإنسان تحقق ذاتها بواسطة التاريخ. إن النظام الشيوعي الذي يلي الاشتراكية ليس نمطاً من الأنماط الاجتماعيّة فحسب، إنه نهاية مطاف بحث الإنسانيّة عن ذاتها.
يقول إنجلز أن مصادر الماركسيّة ثلاثة: الفلسفة الألمانية والاقتصاد السياسي الإنكليزي والاشتراكية الفرنسيّة. أخذ ماركس عن الاقتصاد السياسي الإنكليزي قانون القيمة – العمل وقانون نزعة الأرباح إلى الانخفاض (و برهن على الأمر بشكل مختلف). عن الثالثة أخذ مفهوم صراع الطبقات. أهم ما أخذه ماركس عن هيغل هو أن للصيرورة التاريخيّة مغزىً فلسفياً. ليست الشيوعيّة مرحلة تاريخيّة ندركها علميّاً فحسب بل هي هدف الصيرورة التاريخيّة والمرحلة التي يحقق فيها الإنسان طبيعته الحقة.

الجذور الهيغلية لمفهوم الاغتراب الماركسي

قبل البحث في نظرية الاغتراب في التراث الماركسي لا بد لنا من تسليط الضوء على المفهوم الهيغيلي، وذلك انطلاقًا من بديهية علاقة الاستمرار والتجاوز التي تربط بين تكوين المنظومة النظرية الماركسية والأصول الهيغيلية المهيمنة على هذه المنظومة، و أن كان لينين قد اعتبر لاحقًا أنه لا يمكن فهم كتاب رأس المال بدون العودة إلى منطق هيغل[2]، فنحن لا يمكننا فهم مقاربة ماركس لمفهوم الاغتراب من دون المرور بالمقاربة الهيغيلية. وذلك رغم تأكيد ألتوسير ,في احد النصوص,أن ماركس لم يكن يوما هيغليا لا في الشباب(كان فويرباخيا) ولا في البلوغ ,بيد أن ماركس كتب في ملحق الطبعة الثانية لـ"رأس المال":ولكن حين كنت أؤلف الجزء الأول من "رأس المال" كان أبناء الجيل الجديد، أولئك النزقون المدعون التافهون الذين يسيطرون اليوم على ألمانيا المثقفة، يزهون بان يعتبروا هيغل (...) "كلبًا ميتًا"، لذلك أعلنت نفسي صراحة تلميذًا لهيغل هذا المفكر العظيم...[3]."معتبرًا أن "الديالكتيك عند هيغل يسير على رأسه، ويكفي إعادته على قدميه لكي ترى له هيأة معقولة تمامًا[4]".
إن البحث عن التصور الهيغلي لمفهوم الاغتراب يستدعي منا لا محال البحث والتحليل في أعماله المتعلقة بهذا المفهوم. إذ سنجد أن استخدام هيغل لهذا المفهوم ذو طابع مزدوج، أي أنه استخدم هذا المفهوم في اتجاه يشير إلى سلب المعرفة من جهة، ومن جهة أخرى يشير إلى سلب الحرية باعتبار هذين البعدين أساسين يقوم عليهما الفهم النسقي لمفهوم الاغتراب.

فالإنسان عند هيغل يخرج ماهيته باستمرار و هو لا يتعرف على نفسه كإنسان إلا أمام ما ينتجه من أعمال منفصلة عنه. والحركة الجدلية ها هنا تنطلق من هذا الانفصال فالفكر يتموضع على شكل وقائع مادية وثقافية. فالعالم الموضوعي يبدو كـ "روح مغتربة" .ولكن عليه إن يجسد من جديد تلك الماهية المموضعة، أي أن الفكر يخرج من ذاته فيتجسد في الإنجازات الاجتماعية والثقافيّة الكبرى. لكنه ما يلبث أن يكتشف أنه سليب في ما أنجزه وغريب عنه.فلا يلبث أن يتخطى اغترابه السابق ليعبر إلى مرحلة جديدة. "أن الكيان الذي لهذا العالم، مثله مثل الوعي بالذات، إنما يقوم على الحركة التي بحسبها يخترج هذا الوعي بالذات من حيث يخلع عنه شخصيته، فينتج بذلك عالمه، ويسلك إزائه كأن بإزاء عالم غريب على نحو أنه يسعى مذ ذاك إلى الاستحكام فيه. لكن التخلي عن الكون لذاته الذي للوعي بالذات هو نفسه نجم الحقيق، وأنه لبـِهِ يتنفذ في الحال عين الحقيق، أو ليس الوعي بالذات إلا شيئًا ما وليس له واقع إلا من حيث أنه هو نفسه يغترب ذاتيًا، وبذلك فهو إنما يستوضع ذاته ككلي، وهذه الكلية التي له إنما هي صلاحه وحقيقه".[5]
وليس تاريخ الإنسانيّة أو تاريخ "الروح" سوى تاريخ الاغترابات الضرورية و المتتاليّة التي يمرّ بها والتي يشكّل مجموعها ماهيته[6]. الاغتراب عند هيغل مرحلة ضروريّة يعبّر فيها الفكر عن ذاته ثم يتخطّاها، ويتحدد الجوهر الإنساني، في نهاية التاريخ في مجموعة الاغترابات التي مرّ بها الإنسان. وموقف هيغل من الاغتراب نظري: الاغتراب مرحلة ضروريّة وعابرة ووسيلة لخروج الفكر من ذاته ولبلورة محتواه.ويقول في هذا الخصوص: "فإما هذا الصنيع وهذه الصيرورة اللذان يتصيّر بهما الجوهر حاقًا فإنما هما اغتراب الشخصية، لأن الـ هو الصالح في ذاته ولذاته وفي الحال، اعني الذي بلا اغتراب، إنما يعدم الجوهر(...) فجوهره إنما هو اختراجه ذاته، والاختراج هو الجوهر(...)"[7]

والاغتراب هاهنا يشكل ذلك التصدع الذي يحدث داخل النشاط الفكري الخلاق. ففي جميع ميادين الحياة و الفكر يضع الإنسان نفسه خارج ذاته ،ويجعل نفسه غريبة عنه و يقوم بإنشاء عالما موضوعيا لا يتعرف فيه على نفسه. لكن هذا الضياع هو إغناء في نفس الوقت فلولا ذلك الاغتراب لما تمكن الفكر من معرفة إمكانياته الحقيقية و لما حقق تلك الإمكانيات. يتيح الاغتراب الانتقال من المباشر إلى التوسط: يُدخل في الخليط البدائي الساذج التوسطات التي تتيح تخطي التناقضات. الاغتراب أداة الانقسام المأساوي والوساطة المنطقية. الاغتراب وتخطيه (aufhebung) يقودان إلى تخطي التمزّق الداخلي وإلى مصالحة الكائن مع ذاته. ويصبح الاغتراب إذاً الأداة الفعّالة للبناء التدريجي للواقع المنطقي: لا يسعى الاغتراب إلى جمع ما هو مأساوي وما هو منطقي فحسب، بل، وبشكل أعمق أيضاً، إلى جمع العقل والواقع.
وفي كتابه "أصول فلسفة الحق" يستحضر هيغل تأسيس روسو، و ينقل مفهوم الاغتراب إلى الميدان القانوني، فيصبح الاغتراب اللحظة الثالثة من لحظات فعل الملكية، وهو يعني نقل الملكية و "انغماس الإرادة وارتدادها من الشيء إلى ذاتها"[8] بعد أن تجسدت هذه الإرادة على نحو مباشر عبر حيازة الشيء (اللحظة الأولى) والتي تليها لحظة استعماله أو استهلاكه.
والاغتراب هنا يملك وجهين، فهو سلبي لأن نقل الملكية إلى الآخرين تعني التنازل عنها، وهو إيجابي لأن الشيء الذي يتم التنازل عنه يؤكد ملكيته لمن يتنازل عنه. وقد يتم التنازل لا عن الأشياء الممتلكة كقطعة ارضٍ مثلاً، بل أيضا قد تتنازل الإرادة عن "المواهب الذهنية، والعلم والفن، بل أمورا دينية كالمواعظ، والقداسات والبركات، وكذلك الاختراعات وما شاكلها، تصبح موضوعات للتعاقد، ويعترف بها وتُعامل على نفس النحو التي تُعامل به موضوعات البيع والشراء".[9] لا بل أن نفس المبدأ قد يُطبّق على الانتحار عندما ينظر المرء إلى حياته على أساس ملكه الخاص، ولو أن هيغل يعتبر الانتحار كضبة فاسدة ،ويقول في هذا الخصوص:" إنني بوصفي هذا الفرد لست سيدًا لحياتي، لان الحياة بوصفها المجموع الشامل لنشاطي ليست شيئًا خارجيًا عن شخصيتي (بحيث أستطيع أن أمله) لكنها هي نفسها هذه الشخصية المباشرة" [10]
ويستمد ماركس من هيغل مفهوم الاغتراب لكنه يمده بمعنى خاص به.الاغتراب عند ماركس حالة سلبيّة مطلوب نقضها والقضاء عليها لأن الإنسان يفقد ذاته فيها. وفيما كان موقف هيغل من الاغتراب نظري. فإن موقف ماركس منه عملي وأخلاقي: إنه وضع شاذ يجب إنقاذ الإنسان منه. وبين وراء هذين الموقفين نظرة مختلفة إلى الجوهر الإنساني: يتحدد الجوهر الإنساني، عند هيغل، في نهاية التاريخ وهو مجموعة الاغترابات التاريخيّة التي مرّ بها الإنسان وتخطياتها (aufhebung).؛ جوهر الإنسان عند ماركس سابق على الاغتراب ومستقل عنه. فالجوهر الإنساني هو مجموع كل العلاقات الاجتماعية التي هي في نهاية المطاف من صنع الإنسان نفسه في مسيرة التاريخ العالمي.
وفيما يطلّ هيغل على الاغترابات من موقع المعرفة المطلقة فيحاكمها ويقيّمها إيجابيّاً، يطل عليها ماركس من موقع عملي – أخلاقي: الاغتراب موقف يغترب فيه الإنسان عن ذاته ومطلوب محاربته والقضاء عليه. يرى هيغل في الاغتراب خروجاً من الذات وأداة لإغنائها أما ماركس، فقد ربط الاغتراب بالعمل المأجور وتَمَوضُع الإنسان بالنسبة له. فالإنسان ينتج عملاً لكنه يصير عبدًا له، بمعنى أنه يشعر بالغربة عما تنتجه يداه. وتتفاقم هذه الغربة إذا علمنا أن في العمل إمكاناتٍ حقيقيةً لتفتِّح طاقات الفرد وتطوُّره. وهكذا حوَّل ماركس الاغتراب من ظاهرة فلسفية ميتافيزيقية، كما كان عند هيغل، إلى ظاهرة تاريخية لها أصولها التي تنسحب على المجتمع والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والنتاجات النظرية. وبهذا استعمل ماركس مفهوم الاغتراب لوصف «اللا أنسنة» dehumanization التي تنجم عن تطور علاقات الإنتاج في المجتمع الرأسمالي.
والإنسان مغترب عند ماركس في كلّ مستويات الحياة: في الدين، في الفلسفة، في السياسة، في الحياة الاقتصادية ،وهو يرجع مختلف أشكال الاغتراب التي يلاحظها في المجتمع إلى استلاب أساسي: هو استلاب الطبقة العاملة في نمط الإنتاج الرأسمالي،وذالك لا يعني إنه يهمل وجود الأشكال الأخرى للاغتراب ، ولكنه يربط ذالك الوجود بظاهرة اقتصادية شاملة هي منبع تصدع الإنسان والعلاقات الإنسانية وإفقارهما.وبالتالي نقده لكافة الاغترابات لا يمكن لها إلا أن تمر تحت مبضع النقد الاقتصادي السياسي للنمط الرأسمالي في علاقات قواه الإنتاجية.

يقول كارل ماركس في مخطوطات عام 1844 " يزداد عالم البشر فقرا كلما ازداد عالم الأشياء غنى"[11] وإذا كان ماركس لم يستخدم لفظ الاغتراب بعد 1845،إلا قليلا، فذلك لأنه اهتم بإثبات الآلية التي يرجع وفقها اغتناء عالم الأشياء عن طريق العمل ضد العامل ،ومع ذالك فإن ماركس سيتشبث بوجود الاغتراب على المستوى الفكري.
الاغتراب إذاً واقع سلبي يشوّه هويّة الإنسان وجوهره. والمطلوب إذاً نقده، وتحويل هذا النقد إلى ممارسة سياسية تغييرية.ولكن ما هي هذه الهوية الإنسانية التي يريد ماركس أن يعيدها للإنسان بعد أن افقده إياها الاغتراب؟
حتى ندرك أبعادها في الفكر الماركسي علينا أن نحدد مفهوميّ الكليّة والإنسان الشامل.

الكليّة (L Universalité).
للفرد في المجتمع المعاصر بُعدان متعارضان. فهو، من جهة، مواطن يشارك في الدولة، أي في الكلية، لكن مشاركته فيها تقتصر على المساهمة في عمليّة الاقتراع التي تحصل كلّ أربع أو خمس سنوات. وهو، من جهة ثانية، ينتمي إلى ما يسميه هيغل المجتمع المدني أي أنه يمارس مهنة معينة في إطار ضيق يبعده عن الكليّة. تكون الكليّة الحقيقيّة والديموقراطيّة العقليّة بتوسيع الحريّات لتشمل لا الميدان السياسي فحسب بل المجتمع المدني أيضاً، فيختار كل فرد عندئذ لا النظام السياسي فحسب، بل مهنته وظروف عمله. وما يحول دون ذلك الآن هو امتلاك البرجوازيّة لوسائل الإنتاج من جهة، وبيع العمال قوة عملهم لكسب القوت والاستمرار في الحياة من جهة ثانية.
الإنسان الشاملّ (L Homme Total).
يؤدي تقسيم العمل في المجتمع الرأسمالي إلى تشويه الإنسان وإلى حصره في إطار نشاط مجتزأ. توجه التربية المهنية الفرد نحو اختصاص ضيّق ويمضي معظم أيّام حياته في القيام بالنشاط الرتيب ذاته. هكذا يموت الفرد دون أن يتاح له تنمية قدراته الواسعة والمتعددة. الإنسان الكليّ هو الإنسان الذي يتعدّى الاختصاص الضيّق والأعمال المجتزأة. في "الجنة" الشيوعية سيقوم الفرد بما يشتهيه: سيصطاد الطيور صباحاً والأسماك بعد الظهر وسيتناول بالبحث بعد العشاء المواضيع الفلسفيّة.

أنواع الاغترابات ونقدها

أولا ً: نقد[12] الاغتراب الديني
في ألمانيا القرن التاسع عشر،لم يكن ماركس أول من نقد الدين، بل جاء النقد الماركسي للدين سليل المحاولات النقدية الفلسفية التي قام بها في إيمانويل كانط (نقد العقل المحض، الدين في حدود العقل) وهيغل ("أمثولات في فلسفة الدين") والهيغيليون اليساريون كديفيد شتراوس (1880 – 1874) في كتابه "حياة يسوع" و برونو باور (1809 – 1882) في كتابيه "المسيحيّة الأولى" (1841)؛ "نقد الأناجيل الإزائيّة" (1843)، وبالأخص لودفيك فيورباخ (1804 – 1876) ["جوهر المسيحيّة" (1841)؛ "جوهر الدين" (1845)].

ماركس وفيورباخ
وقد كان لفيورباخ تأثير كبير على ماركس من حيث تبني الإلحاد ونقد الدين، وقد ظل ماركس لفترة تلميذًا نجيبًا لفيورباخ إلى أن انقلب عليه ووجّه، مع زميله فريدريك إنجلز، أقسى سهام النقد إليه.
ويؤكد فيورباخ أن الله اختراع الإنسان ووضع فيه قواه الذاتية وصفاته، أن الله لم يخلق الإنسان كما تقول الديانات بل العكس الذي حصل، وبالتالي فإن التمييز بين ما هو الهي وما هو إنساني تمييز وهمي، فالله هو الكائن الإنساني المتحرر من القيود الجسدية والمادية. وان كان الدين يشكل في نهاية الأمر وعي بسيط وأولي وغير مباشر للذات الإنسانية، فإن الفلسفة هي الوعي الحقيقي بالذات الإنسانية وبالتالي يجب التخلي عن الرؤية الدينية لصالح الممارسة النظرية الفلسفية.
ويلتقي ماركس مع فيورباخ في رد الدين إلى الواقع الإنساني، فالدين صناعة إنسانية والإنسان يجد صورته التي يريد تحقيقها في الله. أما لماذا صنع الإنسان الدين، فيعود ذلك إلى الاغتراب، حيث لم يستطع الإنسان أن يحقق ذاته النوعية وجوهره على ارض الواقع، أي لم ينتقل، بلغة أرسطية، من كائنٍ نوعي بالقوة إلى كائنٍ نوعي بالفعل. "إن أساس النقد اللا ديني هو التالي: الإنسان صانع الدين وليس الدين صانع الإنسان. والحقيقة أن الدين هو وعي الإنسان بذاته وشعوره بذاته – الإنسان الذي لم يكتشف ذاته بعد أو الذي عاد ففقدها"[13].
و ينتقد ماركس فيورباخ، ويعتبر أن هذا الأخير لم يقض على الاغتراب الديني، فهو وان سحب الله من السماء إلى الأرض، لكنه أبقى على وجود الله في الإنسان بحد ذاته. فالإنسان الذي جعل منه فويرباخ مركز العالم لا يقل مثاليّة عن إله الدين ولا يقل عنه انفصالاً عن العالم.فقد بقي فيورباخ أسيرا لما هو مجرد، فهو وان ركز على الخصائص الطبيعية للإنسان انتقص من أهمية خصائصه الكيفية الاجتماعية.
فهو أذاب "الجوهر الديني في الجوهر الإنساني. ولكن الجوهر الإنساني ليس تجريدًا ملازمًا للفرد المنعزل"[14].
فالدين، ليس مجرد وهم فكري يكفي النقد لإزالته كما قال فيورباخ ، بل يجد أساسه الواقعي المادي في "عالم الإنسان، الدولة والمجتمع. وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين، الوعي المقلوب للعالم لأنهما بذاتهما عالم مقلوب".[15] إنه جزء من العالم الواقعي، وله سماته الذاتية المتميّزة بالانقسام والاغتراب.الدين بؤس حقيقي واحتجاج على هذا البؤس، وهو التحقيق الوهمي للكائن الإنساني في عالمٍ ("وادي الدموع") بحاجة إلى الوهم. و"التعاسة الدينية هي في شطر منها تعبير عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى احتجاج عليها. الدين زفرة خليقة رازحة تحت المصائب، إنه قلب عالم بلا قلب وروح عالم بلا روح. الدين أفيون الشعوب."[16].
وفي نقده للاغتراب الديني في المسيحية يقول: "أرادت المسيحيّة أن تخلصنا من سيطرة الجسد و"الشهوات المثيرة" لسبب أوحد هو أن جسدنا ورغباتنا هي ، بنظرها، أشياء غريبة عنا. لم تشأ أن تحررنا من وجهتنا الطبيعيّة إلا لأنها تعتبر أن طبيعتنا الخاصة ليست منا. لما لم أكن أنا بذاتي طبيعة، فإن رغباتي الطبيعيّة وكائني الطبيعي بكامله ليسوا مني – هذا ما تعلمنا إياه المسيحيّة"[17].
ويعتبر ماركس أن التعبير المادي لانفصال الإنسان عن الإنسان في الاغتراب الديني، هو المال الذي يتحكم بالإنسان الذي ينصاع إليه.

خلاصة الأمر، أن الدين ليس نتاج تصورات ذهنية للإنسان منفصلة عن واقعه المادي، كما اعتبر فيورباخ، بل أن الدين يجد أساسه في العلاقات البشرية، في المجتمع المقيد بشروط الطبقية والاستغلال والعوز والبؤس،إنه روح "المجتمع المدني" وإلغاء الاغتراب الديني يعني إلغاء ظروف القهر والمظالم الاجتماعي، أي التغيير الاجتماعي من اجل الاستعادة الكلية للإنسان، بمعنى آخر الثورة "التي تقلب كل شيء رأسًا على عقب"."وكل تحرير ليس إلا إعادة العالم الإنساني، والعلاقات الإنسانية إلى الإنسان ذاته".[18]

ثانيًا: نقد الاغتراب الفلسفي
موقف ماركس من الفلسفة:
في مطلع عام 1844، يتحول ماركس وصديقه إنجلز من المثالية إلى الشيوعية العلمية والمفهوم المادي للتاريخ، وشكلت "مخطوطات 1844 الفلسفية الاقتصادية" بداية العمل على صياغة الموضوعات الأساسية للمادية التاريخية والمادية الجدلية، واكتملت هذه الصياغة في حلقات من العملية المتواصلة والمتدرجة لتشكل المذهب الماركسي. ففي كتاب "العائلة المقدسة أو نقد النقد النقدي" يبدأ ماركس بتوجيه سهام نقده تجاه الفلسفة الهيغيلية المتمثلة بالهيغليين الشباب، ويرى أن فلسفة هؤلاء ما هي إلا انحلال الفلسفة الهيغيلية وانبعاث للميتافيزيقيا المثالية التي أطاحت بها مادية القرن الثامن عشر الفرنسية(ديدرو-هولباخ...).

يرى ماركس في الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، المتمثلة على الأخص بشتراوس وبرونو باور، فلسفة عاجزة عن الخروج من اطر المذهب المثالي الهيغيلي. وهو المذهب الذي يشتمل على مفهوم الجوهر السبينوزي والوعي الذاتي الفيختي،وهكذا يبقى الجدل بين ممثلي الهيغيلية محصورًا في نطاق النظام الهيغيلي بين العنصر السبينوزي والعنصر الفيختي.
وان كان فيورباخ الوحيد الذي تمايز فعليًا عن الفلسفة الهيغيلية(وهو الذي مجده ماركس في "العائلة المقدسة")، بنزعه عن الطبيعة والإنسان حجاب الصوفية بإرجاعه الروح المطلق إلى الإنسان الواقعي، فإنه في نهاية الأمر لم يستطع الخروج من شرنقة المثالية والتأملية.لقد استعاد فويرباخ الماديّة، أكثر فلسفات العالم القديم تقدماً، لكنها ظلّت، عنده، نظريّة حدسيّة. المطلوب اعتماد ديناميّة المثاليّة(الديالكيتيك) وصهر الماديّة والمثاليّة عبر التأكيد على أن الموضوع ممارسة وعلى أن وجود الذات هو في تموضعها.
لقد فصل الفلاسفة(أكانوا مثاليين أو ماديين كماديي القرن الثامن عشر الفرنسيين) الفلسفة عن جذورها الواقعية المادية، ولم يجدوا فيها إلا تأمّلاً نظريًا بحتًا، محروم من القيمة العملية "كأستاذ ساحر، رُقاه ممتلئة بالفخامة لأنها لا تفهم".[19]
انطلاقًا من ذلك، يرى ماركس أن الهيغيلية الشابة والفلسفة الكلاسيكية الألمانية (التأملية) لم تكن في يومًا من الأيام عدوة فعلية للدين وللاهوت، خلافاً لما تتوهم به.وهي تنزع إلى التوحد والعزلة المنهجية لتبدو غير شعبية وملغزة وغريبة عن العالم، كما التصورات الدينية. وكل ما تقوم به هي أنها تضع التصور التأملي عن التناسب بين الروح والجسد في قالب ٍ حديث. ويكمن اللاهوت في جوهرها وفلسفة هيغل هي ذروة تطورها، ولذا فهي ليست سوى ملاذ للاهوت، وتبعًا لذلك ينبغي أن تكون موضوعًا للنقد. وكما أن اللاهوت يغرب جوهر الإنسان ويفصله عنه ويحوله إلى كيان الهي غيبي، فإن الفلسفة التأملية تغرب الإنسان عن الطبيعة والواقع وتفصل عنه تفكيره محولة هذا التفكير إلى روح غيبي مطلق.
" إن العيب الرئيسي لمادية الفلاسفة كلّهم – بما فيها مادية فويرباخ - هو أن الشيء أو الواقع أو العالم المحسوس لا تُدْرك فيها إلا على صورة الموضوع أو الحدس، وليس كنشاط إنساني ملموس أو ممارسة، وليس بصورة ذاتية. هذا ما يفسر لماذا طوّرت المثاليّة الجانب العملي، بصورة متعارضة مع المادية، - ولكن بصورة غيبيّة فقط، لأن المثاليّة لا تعرف النشاط الواقعي الملموس بسمته هذه"[20].والخطورة تكمن في أن هذه الفلسفة أضحت ،لمضمونها المثالي، محاولة لتبرير واقع سياسي أجهزت عليه الثورات الاجتماعيّة في كلّ من فرنسا وإنكلترة وللإبقاء عليه. فالفلسفة الألمانية للحقوق والدولة هي "التاريخ الألماني الوحيد الذي يمكن اعتباره في مستوى الراهنية المعاصرة الرسمية"[21]. هذا ما يفسر طابعها الهزلي والخطير في آن: فهي هزلية لأنها تكتفي بأن تنجز فكرياً ما أنجزته الشعوب الأخرى عمليّاً؛ وهي خطيرة لأنها تحول دون انخراط المثقف في ركب الثورة الفعلي،"لذلك سوف تجد ألمانيا نفسها يومًا في دائرة الانحطاط الأوروبي، قبل أن تكون قد بلغت مستوى التحرر الأوروبي، ويمكن تشبيهها بوثني تنخره أمراض المسيحية"[22] .أن ما ميّز المثقف "البرجوازي"، بحسب ماركس، هو ازدراءه للجماهير الشعبية التي يشبهها بالمادة المتحجرة التي لا روح فيها، وفي هذا الموقف ما يعبّر عن ذلك الهلع البرجوازي للمثقف والفيلسوف أمام الجماهير "العوام".
أن السبب في غربة الفلسفة عن الواقع وفي اغتراب الفيلسوف يعود بمجمله إلى كون الفكر الفلسفي نتيجة تقسيم العمل الاجتماعي (إلى عمل مادي وعمل فكري) وانكفاء الفلسفة (والفلاسفة) إلى الميدان الفكري. هذا ما يفسر محتوى الفلسفة، من جهة، وعجزها عن تثوير المجتمع، من جهة ثانية. لما كانت الفلسفة فكراً، رأت في الفكر مسيّر التاريخ وتجاهلت الظروف الموضوعيّة والماديّة. ولما عملت في الميدان الفكري وحسب، حكمت على ذاتها بالعجز عن تغيير الواقع وتثويره.رغم أن" كلّ حياة اجتماعيّة هي حياة عمليّة بصورة جوهريّة. وتجد جميع الأسرار التي تحرِّف النظريّة نحو الصوفيّة حلها العقلاني في الممارسة الإنسانيّة وفي فهم هذه الممارسة."[23]
إن انتقال الفلسفة من موقع تفسير العالم إلى موقع تغييره يقتضي اتحادها مع القوة الاجتماعيّة الثوريّة التي نمّتها الرأسماليّة والتي ستقضي على هذه الرأسماليّة: طبقة العمال أو البروليتاريا التي لا يمكن أن تلغي نفسها كطبقة مضطهدة إلا بتحقيق الفلسفة عبر الممارسة، وهكذا تتحد النظريّة والممارسة. يصبح للنظريّة فعاليّة التثوير الاجتماعي وتتخطى الممارسة جميع أشكال هيمنة أيديولوجيات الطبقات الأخرى على العمال. ويكون تخطي الفلسفة، كصورة مغتربة، في تحقيقها.

ثالثًا: نقد الاغتراب السياسي:

أ. عودة إلى هيغل.

يميّز هيغل، في "أصول فلسفة الحق"، المجتمع المدني (bürgerliche geschllschaft) عن الدولة. المجتمع المدني هو "نظام الحاجات"، عالم الأسرة والعلاقات الفرديّة والثروة والعمل والإنتاج. أما الدولة، فهي ميدان المواطنية: جميع أفرادها، كمواطنين، أحرار ومتساوون أمام القانون. الدولة هي واقع الفكرة الأخلاقيّة الموضوعيّة المتحقق بالفعل – الروح الخلقي بما هو إرادة جوهريّة متجليّة، واضحة لذاتها، تعقل ذاتها وتعرفها وتنفّذ ما تعرفه لأنها تعرفه. في الأعراف والتقاليد، للروح الخلقيّة وجود مباشر؛أما في الوعي بالذات، في معرفة الفرد ونشاطه، للروح الخلقية وجود وسيط؛ أما الفرد فيحقق، بالمقابل، حريته الجوهرية بانتمائه إلى الدولة، جوهر الفرد وهدف نشاطه ونتاج هذا النشاط.

يغلّب هيغل العقل (الممثل بالدولة) على الواقع (الممثل بالمجتمع المدني). الدولة هي عنصر العقلانية الكلية والمطلقة. وليست العائلة والمجتمع المدني إزاء هذا العنصر سوى مراحل خارجية ودنيا. إزاء دوائر القانون الخاص والمصلحة الفرديّة والأسرة والمجتمع المدني، تشكل الدولة، من جهة، ضرورة خارجيّة أخلاقية وسلطة عليا تخضع لها قوانين ومصالح هذه الدوائر... ولكن، من جهة أخرى، الدولة هي الغاية الملازمة لهذه الدوائر، وتكمن قوتها في وحدة هدفها النهائي الكلّي مع مصالح الأفراد الخاصة، كون على هؤلاء الأفراد واجبات تجاهها بقدر ما لهم، في الوقت ذاته، من حقوق.

ب. ماركس ينقد هيغل.

جوهر الدولة، في فلسفة هيغل السياسية، مزدوج: تتعالى الدولة عن الحياة الاقتصادية والاجتماعيّة، من جهة، وتلازمها، من جهة ثانية. للدولة إذاً سمتان متناقضتان: التعالي والحلوليّة. وكلّ ما يمتاز بهاتين السمتين مثالي وليس واقعياً. في إخضاعه المجتمع المدني للدولة، جعل هيغل من الدولة العالم الحقيقي وحوّل عالمي الإنتاج والعائلة، الذين ظهرا للوهلة الأولى على أنهما العالم الحقيقي، إلى عالم أدنى. وهذا ما رفضه ماركس في فلسفة الحقوق الهيغيلية حيث ظهر هيغل كمبشر بالملكية الدستورية، وهو الذي حاول مصالحة المتناقضات في المجتمع المدني تصالحًا مثاليًا منطقيًا بتوحيدها في الدولة.أن الدولة التوفيقية التي صورها هيغل والتي رأى فيها تجسيدًا للمصلحة العامة، هي، برأي ماركس الدولة المغتربة عن المجتمع المدني، لأنها تفصل نفسها عنه وعن الجسم السياسي ككل، بتأثير علاقات الملكية، أنها تنفصل عن العالم الواقعي والمطلوب أن يتم إعادتها إليه، لينتفي جوهرها الغيبي، من دون انتفاء جوهرها الطبقي.

المجتمع المدني هو الذي يربط الأفراد بعضهم ببعض وعليه تقوم الدولة وليس العكس. " أن الحياة المدنية وليست الحياة السياسية هي رابطتهم الحقيقية. ولذلك فإن الدولة ليست هي التي توحد ذرات المجتمع المدني مع بعضهم، بل حقيقة أنهم ليسوا ذرات إلا في الخيال، وفي سماء وهمهم، ولكن في الحقيقة كائنات فعلية تختلف اختلافًا مروعًا عن الذرات، وبكلام آخر ليسوا أنانيين إلهيين، بل كائنات بشرية أنانية. الخرافة السياسية اليوم هي وحدها التي تتخيل أن الدولة توحد الحياة الاجتماعية، بينما الحياة المدنية هي في الواقع التي توحد الدولة"[24].

والديموقراطيّة الحقة هي في تلاقي مصالح أفراد المجتمع المدني الحقيقي وفي زوال الصراع الطبقي وعناصره (الطبقات) ومن ثم في اختفاء الدولة كبنية مستقلة عن المجتمع وموجهة ضده .وبمعنى آخر إزالة الاغتراب السياسي يتوجب إزالة الدولة كقوة قمع طبقي، فهي وان بدت في الظاهر فوق تناقضات المجتمع المدني فإنها في جوهرها طبقية بامتياز ولكنها تدعي الشمولية وتمثيل الجميع بعدالة.

رابعًا: نقد الاغتراب الاقتصادي (العمل المغرّب)

المجتمع المدني هو، بشكل رئيسي، عالم العمل. ويتميّز هذا العالم بصراع طبقتين: البرجوازيّة (التي تملك وسائل الإنتاج)؛ والبروليتاريا (التي تبيع قوة عملها). واغتراب العمل أساس عداء كلّ من هاتين الطبقتين للأخرى.وهو في جوهره يشكل أساسا لطريقة الإنتاج الرأسمالية وللملكية الخاصة. وان كان ظاهرة ملازمة لكافة الأنماط المتطورة في المجتمعات الاستغلالية، حيث يسيطر الإنسان على الإنسان، فإنه يصبح في الرأسمالية تحديدًا نظامًا عامًا للعلاقات التي يسودها القهر والاستغلال الطبقي ضد الطبقة العمالية.

بدأ هيغل جدليّته الشهيرة بوصف السيّد. أما ماركس فيركز اهتمامه على العامل (أو البروليتاري).ويعتبر أن العمل هو حياة الإنسان النوعية (نسبة إلى النوع)، وهذه الخاصية تميز الإنسان عن الحيوان، فهي ليست معطاة من الطبيعة بقدر كونها حصيلة لعملية تطور تاريخي، ففي حين ينتج الحيوان بحكم حاجاته الجسدية فقط، فالإنسان ينتج حتى عندما يكون متحررًا من هذه الحاجات.

ويكشف ماركس عن الجوهر الاجتماعي للعمل باعتبار الإنتاج عملية اجتماعية لا تتم إلا بتضافر جهود مجموعة من الأفراد لتغدو الطبيعة واقع الإنسان، وبالتالي يصبح العمل موضعة objectivisation لحياة الإنسان النوعية، وهكذا يكون العمل جوهر الإنسان[25]. ولكن رغم النواحي الايجابية للعمل فمن المؤكد بالنسبة لماركس وجود نواحي سلبية تتضح في نمط الإنتاج الرأسمالي.

في النظام الرأسمالي التناحري، وفي عمليّة الإنتاج الرأسمالية، يفقد العامل إنسانيّته ويصبح شيئاً (أو موضوعاً أو سلعة). فهو مغترب في منتوجه وهو مغترب في عمليّة الإنتاج ذاتها. والعمل المغرب يغرب عن الإنسان: الطبيعة من جهة وذاته الخاصة من جهة أخرى.حيث تغترب وظيفته الناشطة والحيوية ويتدمر مضمونه الفكري، ويبتعد الإنسان عن نوعه الإنساني بحيث يعارض بين حياته النوعية وحياته الفردية، ويجعل من هذه الأخيرة تجريدًا وغاية للأولى التي تأخذ بدورها طابعًا مغربًا ومجردًا.

إن الإنتاج هو موضعة العمل (أي تحويل العمل إلى كائن موضوعي). لكن كلما تموضع العمل كلّما فقد العامل كائنه الموضوعي: فهو يُسْلَب الأشياء الضروريّة لحياته، ويُسْلب أدوات الإنتاج، ويسلب حتى إمكانيّة العمل ذلك أن سوق العمل (حاجة المصانع إلى عمال) مستقلة عنه. وهكذا بدل أن تكون الثروة خاصة بثمرة عمله، تصبح، بالنسبة للعامل، غريبة عنه. وبدل أن يكون العمل مصدرًا لسعادة العامل، يصبح مصدرًا لبؤسه وعوزه، وبدل أن يحرره من حيوانيته ويحقق جوهره الإنساني يتحول العامل إلى آلة أو إلى بربري تافه وغبي. ذلك أن العامل ليس حرا فهو محكوم بالضرورة و نشاطه ليس له خاصية تلقائية الاختيار، فالعمل يبدو واجبا لا يحقق إشباع حاجة بل يصبح هو ذاته وسيلة لإشباع حاجة خارجة عنه و هكذا يفقد معناه وغايته، بتموضعه في المنتوج و بجعله للعمل وسيلة لا غاية يدخل العامل في سيرورة افتقار تميز الاغتراب .

فيبيع العامل قوة عمله كسلعة بالمقارنة مع الوقت اللازم اجتماعيا لإعادة إنتاجها والمنافع التي يسمح أجره باستهلاكها. لكن لو اشتغل أكثر من وقته فإنه لن يحصل على إنتاج هذه المنافع، بل يقع ضحية الاستغلال. هكذا يفسر الربح أو فائض القيمة الذي هو الموضوع عينه للإنتاج الرأسمالي. إن هذا الأخير لم يتوجه إذن نحو الأشياء المتعينة التي تطلبها حياة كل واحد من البشر بل نحو الثراء الفاحش، والربح المتراكم إلى ما لا نهاية له مهما كانت الانعكاسات على الناس وعلى الطبيعة. إن قدرة الرأسمالية على كل شيء التي تستهلك لصالحها قوة العمل المباع تعطي لهذا الاستغلال طابعا إخضاعيا ولا إنسانيا.

فالعامل ينتج السلع المادية لكنه يفقد – عند إنتاجها – حيازتها. تصبح السلعة "كائناً غريباً" و"سلطة مستقلة عن المنتج" لا يحق له التصرّف بها أو الاستفادة منها. لا بل أكثر من ذلك: تصبح السلعة معادية له لأن هدفها زيادة رأس المال ومن ثم تمكين رأس المال هذا من زيادة سيطرته على العامل. وأمام تزايد قوة رأس المال وهيمتنه، لا يعود بإمكان العامل إلا بيع قوة عمله.

وهكذا تغدو نتيجة عمل العامل نفيا له و ينزل العمل الذي هو ماهية الإنسان وحقيقته إلى مستوى قضاء الحاجة فلا يغدو إلا وسيلة لكسب العيش،وتغدو قوة العمل بل وكل قدرات البشر معروضة للبيع والشراء، لذا كان الهروب نحو عالم مثالي يبحث فيه العامل عن عزاء لنفسه، وينتقم فيه من الاستغلال و الاحتقار اللذين يتعرض لهما، وهكذا "يصنع" الدين والآلهة والأوهام. ومن الذاتية الإنسانية المغربة تنشأ في نهاية المطاف كافة المطلقات الفلسفية المجردة كالجوهر والذات المتسامية والروح المطلقة والإرادة الكونية...

ولا يقتصر الاغتراب على العامل في عمله، بل أنه يشمل كافة عملاء عملية الإنتاج، كافة الشخصيات الاقتصادية والطبقات، وان كان العامل والرأسمالي هما قطبا التناقض في العمل، فإن هذا الأخير (أي الرأسمالي) باعتباره شخصًا ينمو أيضا في تربة الاغتراب حيث ينسجم معه ويشعر أنه متكيف بشكل جيد ويميل إلى إدراك العالم من خلاله، ولكن الاغتراب يجبر الرأسمالي على أن يكون عبدًا للعلاقة الرأسمالية التناحرية وجوهرها رأس المال تلك القوة المادية الشيئية الهائلة، ويفقد وجوده الشخصي عندما تنتهي هذه العلاقة.[26] وإذا "كان العامل ليس سوى آلة لنتاج القيمة الزائدة، فالرأسمالي ليس سوى آلة لتحويل هذه القيمة الزائدة إلى رأس مال".[27]

"ويولي ماركس في "رأس المال" اهتمامًا كبيرًا لمسألة التطور الشامل للشخصية الإنسانية. أن الطابع المتناقض لتطور الشخصية في الرأسمالية يخلق العامل الجزئي المجبر على القيام بوظيفة معينة مدى الحياة، أي الإنسان الجزئي ذا النشاط المشوه والمقيد. ولكي يتمكن الإنسان من التطور بشكل شامل فمن الضروري أن يتوفر شرط تبديل العمل، الذي بوسعه أن يؤدي في نهاية الأمر إلى استبدال الإنسان الجزئي بالإنسان ذو النضوج الكلي والنشاط الشامل والأفق الواسع".[28]
يقول ماركس في الكتاب الثاني من رأس المال:
"أولاً، العمل هو خارج العامل مما يعني أنه ليس ملكاً له؛ العامل لا يؤكد، إذاً، ذاته في عمله، بل على العكس، ينفيها؛ لا يجد نفسه سعيداً في العمل ولكن تعيساً؛ لا ينمّي العامل في العمل أيّة طاقة حرّة ماديّة أو معنويّة، ولكن يعذّب فيه جسده ويخرّب فيه روحه. لذا لا يشعر العامل أنه يلازم داره إلا عندما يغادر العمل؛ عندما يعمل، لا يحس نفسه "في البيت". لا يحقق العامل ذاته عندما يعمل إنما يحققها عندما لا يعمل. ليس عمله إذا ً إرادياً إنما إلزاميّاً؛ إنه أشغال شاقة. ليس عمله إذاً تلبية حاجة، ولكن وسيلة لتلبية حاجات خارجية. وتهرّب العامل من العمل، وكأنه الطاعون، عندما لا يجبر عليه لسبب أو لآخر، يبرهن بوضوح غربة العمل الكليّة عن العامل. العمل الخارجي، العمل الذي يخرج فيه الإنسان عن ذاته هو تضحية بالذات وإماتة لها. وأخيرا يشعر العامل أن العمل الخارجي ليس له، إنما لإنسان آخر، إنه ليس ملكاً له؛ عندما يعمل، لا يملك ذاته، بل يملكه إنسان آخر. في الدين، تصدر عن أنشطة الخيال والدماغ والقلب الإنساني الخاصة عوامل خارجيّة مستقلّة هي الآلهة والشياطين. كذلك ليس نشاط العامل نشاطه الخاص، بل هو ملك كائن آخر وهو فقدان للذات.
"نصل إلى هذه المآل أن عفوية الإنسان تنكفئ في وظائفه الحيوانيّة: الشرب والأكل والإنجاب وربما أيضاً السكن والملبس؛ أما في وظائفه الإنسانيّة، فليس المرء سوى حيوان: يصبح ما هو حيواني إنسانيّاً وما هو إنسانيّ حيوانيّاً"[29].

ومن نتائج الاغتراب في العمل، تنشأ ما يسميه ماركس عمليات التشيّـؤ الاغترابي (reification) والشخصنة (Personification) والصنمية (Fetichisme).

وفي التشيؤ الاغترابي[30] تصبح الأشياء (السلع والنقود والمؤسسات...) كما لو أنها من خارج عالم الإنسان، فيبقى مصدرها الحقيقي مموهًا، لتشكل عالمًا مختلفًا إلى جانب عالم الإنسان الذي صنعها في عملية تاريخية، وهكذا تتجلى كوجود مستقل غريب عن عالم الإنسان، لا بل تتعارض معه تنوب عنه وتقمعه، وحتى تدمره، وهي تفعل ذلك كما لو أنها تنشط باسمها الشخصي(الشخصنة) وكأنها قوة اجتماعية لها شخصية محددة توجه الإنسان وتتحكم بأعماله وأفكاره. وتصبح علاقات الناس بالأشياء وكأنهم ملك لها وليست مالكًا لهم، وتظهر الأشياء كما لو أنها قد قطعت كل صلة بالبشر، كأنها مكتفية بذاتها.

وبالنتيجة، تصبح العلاقة الاجتماعية التي تربط الأفراد وكأنها علاقة شيئية خارجية وسلعية تتحكم بها روح المقايضة والتجارة والربح، كما لو كان الأمر يتعلق بسلع معدة للبيع والشراء.فتتحول علاقات الناس الشخصية المباشرة إلى نوع من علاقات شيئية متبادلة بين المواد والأشياء. وبسبب ذلك نرى إن الإنسان يستشعر في خضم علاقاته بالآخرين بأنه مغلوب على أمره وعاجز وقد أصبح موضوعاً في نظام الأشياء، حيث بات يعتبر نفسه أكثر فأكثر شيئًا (وإن كان شيئًا واعيًا) في عالم الأشياء. وبذلك يجعله هذا الإحساس يرى التشيّؤ حالةً طبيعية ويصبح وعيه فيما بعد متشيّئاً. إن الفرد في المجتمع الرأسمالي يخوض علاقةً تنهض على الكم والتراكم الإنتاجي فيما يتعلق بتعامله مع المواضيع والأشياء، أي أن علاقته تحددها روح المقايضة والمنفعة الخاصة. و تحول سائر النشاطات والنتاجات الإنسانية إلى صيغة مقايضة يؤدي بالضرورة إلى محو كلّ ما هو فردي وشخصي أو خاص. فنرى أن العلاقات التي ترسمها روح الاستثمار والمقايضة هي من حيث الجوهر علاقات رسمية ونائية عن الفضاء الداخلي الحميم أي أنها فلتت من حنو الطبيعة ومن حنو المشاعر الإنسانية الخيرة. وفي ظل هذا تتحول العلاقة الاجتماعية للأشخاص إلى سلوك عام تحدده منظومة الأشياء. إذن فالأفراد يستشعرون أنهم غير معرضين للتأثيرات الشخصية والإنسانية أو خاضعين لها بقدر ما هم يذعنون في الواقع لشروط شيئية وموضوعية ورسمية في آن واحد والتي ليس بوسعهم تغييرها.

وحتى على المستوى الفردي، يشوه التشيؤ علاقات الإنسان بفردانيته، ليصبح مجرد عنصر أو أداة أو "روبوت" في نظام التقنية والربح الذي يسود الرأسمالية.

ويقضي العمل المغترب على المساواة الإنسانيّة ويحوّل الناس إلى أعداء بعضهم لبعض: أحدهم عامل والآخر مالك. وإذ يرى العامل في إنتاجه المموضع موضوعاًَ خارجياً، معادياً، نافذاً ومستقلاً عنه، فلأن إنساناً آخر غريباً، معادياً نافذاً ومستقلاً عنه هو سيد هذا الموضوع. وعندما يجد العامل نفسه تجاه نشاطه الذاتي في موقع العبوديّة، فلأن هذا النشاط هو في خدمة إنسان آخر وتحت سيطرته". والمالك ذاته مستلب في النظام الرأسمالي. فهو لا يساهم في العمل ويحصل على أرباح نشاطات لم يساهم في إنتاجها، بل يبقى منقطعاً عن الطبيعة ومعادياً للعامل.
ويبدو السوق في الرأسمالية بوصفه مؤسسة إنسانية وكقانون متعال ينجذب إليه الأفراد مثلما ينجذبون إلى صنم ليعبدوه. إنهم يغتربون عن قدراتهم على التعين عندما يخضعون له كما لو أنهم يخضعون لنظام طبيعي. إنهم يظهرون مشيئين أي أشياء بين أشياء. وأين يتعلق الأمر بالعلاقة بين أعماله لا ندرك سوى علاقات بين سلع.

ويقوم الإنسان بعمله في محيط طبيعي ويتموضع عمله في الطبيعة. ولكن عندما يستقل منتوجه عنه، ويصبح غريباً ومعادياً، تُبْتَر علاقته بالطبيعة الكليّة وتصبح هذه الطبيعة معادية له[31].
ليست الطبيعة، في الأصل، شيئاً خارجاً عن الإنسان إنما ترتبط به ويرتبط بها إرتباطاً وثيقاً وحميماً. فهي، من جهة، "جسم" الإنسان "اللا عضوي" ووسيلة استمراره المباشرة و"مادة نشاطه الحيوي وموضوعه وأداته". الفرق الوحيد في هذا المضمار بين الإنسان والحيوان هو أن كليّة الإنسان توسع دائرة ارتباطه بالطبيعة وتجعل من الطبيعة بأكملها جسده (بينما تقتصر علاقة الحيوان بالطبيعة على عدد محدود ومباشر من العناصر). والإنسان، من جهة أخرى، هو بذاته كائن طبيعي وجزء لا يتجزّأ من الطبيعة: رغباته وحاجاته رغبات وحاجات طبيعيّة. الطبيعة هي جسم الإنسان اللا عضوي حين لا تكون، بالطبع، الجسم الإنساني ذاته. ويضيف ماركس: "يعيش الإنسان في الطبيعة مما يعني أن الطبيعة جسده الذي عليه أن يبقى على اتصال مستمر وتدريجي به لكي لا يزول. وعندما نقول أن حياة الإنسان المادية والروحية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالطبيعة، فنحن نريد ببساطة أن نقول أن الطبيعة على اتصال وثيق بذاتها لأن الإنسان جزء من الطبيعة"[32].
لكن عندما تصبح الطبيعة وسيلة استمرار فحسب، وعندما لا يحقق الإنسان ذاته فيها، يحصل الطلاق بين الطبيعة والإنسان. وهذا ما نجم عن توسع النظام الرأسمالي الذي يسعى دومًا نحو الربح وتأمين القيمة الزائدة مضحيًا بجسده اللا عضوي. فالرأسمالية تدمر البيئة الطبيعية بشكل همجي، مسببة بذلك تدهور ظروف تطوير الشخصية الإنسانية، وتدمّر التبادل العضوي الصحيح بين المجتمع والطبيعة.

الخاتمة

بعد ماركس، ظهرت وجهات نظر تراوحت بين الفلسفية والاجتماعية والنفسية، حاولت توظيف مفهوم الاغتراب في سياق نقدها (بشقيه اليميني الرومانسي واليساري) للمجتمع المعاصر، وبالأخص في أوروبا قبيل وما بعد الحرب العالمية الثانية والتي شهدت صعود تيارات فاشية واستبدادية حاولت قولبة الإنسان في مجموعة من الإيديولوجيات المغلقة، هذا في وقت كانت الرأسمالية تشهد تقدمًا تقنيًا وصناعيًا لا مثيل له، يسير جنبًا إلى جنب مع الصراعات السياسية المحتدمة في العالم الغربي كما في المستعمرات السابقة.
وفي هذا السياق ظهر الوجوديون، الذين نظروا إلى الاغتراب كواحدة من أزمات الوجود البشري، ونحن نلمس إلى حد بعيد في فلسفة هايدغر ظلالاً لمفهوم الاغتراب ببعده الوجودي الفردي، فالدازاين (الإنسان في العالم) الذي يشعر بوضعه وبعيشه مع الآخرين، يجعله يلتفت إلى الأمور اليومية التافهة، أي إلى كل "نوع من الثرثرة فيسقط في الهم الدائم ويتخلى عن أصله، ويستسلم لعالم العمل، عالم الأدوات التي تهم في قضاء حاجة. ويشعر الإنسان كذلك بأنه يعيش في عالم ليس من صنعه، عالم وقائعيته، والواقعة الأهم التي يعيشها هي أنه ملقى في عالم لم يشأه، لا يعرف من أين جاء ولماذا هو هنا، إنه متروك في عالم غريب عنه لم يسأله أحد أن كان يريده".[33] وهو يقول في مقابلته مع المجلة الألمانية "دير شبيغل" إن " كلّ شيء يعمل. القلق متأتّ من أن كلّ شيء يعمل، وأن العمل يأتي دائما بعمل آخر جديد، وأن التقنية تجتثّ الإنسان من الأرض دائما، وتقطع جذوره منها. لست أدري إن كان هذا يفزعكم، أما أنا فأقول على أية حال، بأن ما أفزعني هو أن أرى صورًا مرسلة من القمر إلى الأرض. نحن لسنا بحاجة إلى القنبلة الذرية، ذلك أن قطع جذور الإنسان حصل. ونحن لم نعد نعيش غير ظروف تقنية بحتة. لم تعد أرضا هذه الأرض التي يعيش عليها إنسان اليوم(...)إن جوهر التقنيّة، أراه في ما أنا أسميه بـ GE-STELL، وهي عبارة عادة ما تستعمل بشكل سيء، أو بشكل مثير للسّخرية. إن هيمنة GE-STELL تعني ما يلي: الإنسان يتحمّل المراقبة، ومطلب أمر من قوة تتجلّى في التقنية، والتي لا يمكن أن تسيطر على نفسها: الفكر لا يزعم أنه باستطاعته أن يفعل أزيد من ذلك. الفلسفة لم تعد تتحمّل أكثر ممّا في استطاعتها تحمّله. لقد استنزفت قواها."[34]
وكان سارتر ممن تناولوا أيضا موضوع الاغتراب،حيث كان إعلان القطيعة بين"الأنا"و"الآخر" أحد نتائج الفلسفة السارترية فسبب خشيتنا من الآخر، حسب سارتر، أنه يحيلنا من موجود "لذاته" إلى موجود "في ذاته"، مثلنا كمثل الأشياء، محكومين بماهية تسبقنا، هي كما يقررها الآخر عنا، هذا الأمر يجعله كالناظر إلينا خلسة من ثقب الباب، فيحيلنا بنظرته تلك إلى مجرد شيء محكوم بهويته المسبقة.وبسبب نظرة الآخر إلي أصبح "كغرض، كموضوع لا لنفسي ولكن للآخر، وباختصار فإن نظرة الآخر، تنزعني من حريتي وتعاملني كشيء، وأصبح أناي مجرد جسد للآخر، ويصبح الآخر مجرد جسد بالنسبة لي".[35]
وضمن "البيت الماركسي" كان لمفهوم الاغتراب حضورًا لافتاً، وبالأخص في كتابات عالم النفس الفرويدي - الماركسي إربك فروم الذي يعتبر أن اغتراب الإنسان عن قواه الخاصة لا يجعله معتمدًا على الإله اعتمادًا ذليلاً فقط، بل يجعله شريرًا أيضا، و "يصبح إنسان بلا ثقة في أخوانه البشر، وفي نفسه، بلا تجربة لحبه الخاص، وقوة عقله الخالصة"[36]، والاغتراب ينشأ منذ الطفولة المبكرة، فلكي يكون الإنسان مناسبًا للعصر عليه أن يكون مطلوبًا من الآخرين "المشترين" كسلعة في السوق، ولا غرابة في مثل هذه الظروف أن يكون معتمدًا على الآخرين للموافقة على سلوكه،فيضع مجموعة من الأهداف (النجاح المادي، الكسب السريع..) يصبح عبدًا لها، ويعبدها كصنم وكإله يكون تجسيدًا لأهدافه الحقيقية المتأصلة في توجيه السوق. وهو متى فقط هذه الموافقة فقد هويته في السوق وأصبح مغتربًا عن نفسه. وفي هذا المجتمع الاستهلاكي القائم على مبادئ السوق، يصير الحب آليًّا، مثله في ذلك كمثل العمل الآلي، وبذلك يفقد الإنسانُ الشعورَ الجميلَ بالحب؛ إذ إن أنانيته وسعيه إلى الامتلاك يجعلان من حبِّه مسعًى إلى الامتلاك هو الآخر، فيتعامل مع شريك حياته وصديقه وقريبه كما يتعامل مع الآلات والأشياء. بذا يتحول حبُّه إلى "مخدر" لتأمين استمرارية حياته؛ كما يتحول الاغتراب من قضية فردية إلى ظاهرة اجتماعية عامة.
وعلى الرغم من تشاؤم فروم عمومًا، فقد آمن بقدرة الإنسان الفرد على صنع حياته ومصيره والتأثير في مجتمعه وتغييره إلى حدٍّ ما. غير أن إرادة التغيير لا تكفي لصنع التغيير، بل لا بدَّ من الوعي بالذات والتصعيد sublimation والتحول إلى الإنتاج غير الاستهلاكي، بما يتيح إمكانات للانتصار على الاغتراب، مع التأكيد على الجانب النفسي عند الأفراد. ذلك أن وعي الأزمة هو جزء من حلِّها.
أما الفيلسوف المعاصر هربرت ماركيوز فيعتبر إلى أن الآلة قد غدت أنجع أداة سياسية لسلب حرية الإنسان. فرغم أنها تمثل في جوهرها قوة الإنسان المتراكمة إلا أنها قد غدت منفصلة و مسيطر عليها ، وبالتالي سلبته كامل حريته، ولعل ذلك يرجع لاستخدامها في خلق إنتاج الجملة، و الإنسان الجماهيري، و الجماعة الجماهيرية بدل تنظيم الجهاز الإنتاجي وتوجهه وفق متطلبات الحاجات الحيوية. ومن هنا يقف ماركيوز على قضية الاغتراب الذاتي للفرد انطلاقا من صراع الحاجات الحقيقية و الحاجات الكاذبة بمصدرين من سلب الحرية،يتمثل احدهما في سلب الحرية الاقتصادية، والثاني متمثل في سلب حرية الفكر نتيجة لسيطرة الرأي العام الذي يفرض حاجات كاذبة تتمثل في تلك التي تفرضها مصالح اجتماعية خاصة على الفرد. ويعتقد ماركيوز أن هنالك مرضا قد أصاب الحضارات الصناعية المتقدمة اسمه البعد الواحد، و مقولة البعد الواحد تفيد أن تكنولوجيا المجتمعات الصناعية المتقدمة قد مكنت تلك المجتمعات من استيعاب كافة أشكال الصراع القابعة فيها عن طريق احتواء هؤلاء الذين كانوا يمثلون في ظل الأنظمة الاجتماعية السابقة عناصر الرفض و الاحتجاج.
و إذا كان التفكير السلبي/ النافي هو أهم ما يميز الإنسان الحر الأصيل الذي يستطيع أن يكون ذاته، و الذي يمتلك الجرأة و القوة على أن يقول لا في وجه النظام القائم و أن يعارض المشاركة في ممارسة اللعبة المكشوفة التي يرسم قواعدها سياسات النظام، فإن مجتمع البعد الواحد يستهدف أساسا استئصال هذا البعد النافي.
و خلاصة القول إن الإنسان يصبح ذا بعد واحد عندما يفقد قدرته على النفي، على معارضة ما هو قائم فالبعد الواحد يساو البعد الايجابي، المتمثل، المتكيف، و المتصالح مع الواقع، أي المواطن الصالح حسب ما يرسمه الساسة. و هكذا تنجح السلطة في حماية ذاتها عندما تنتج فقط في تعبئة و تنظيم واستغلال الإنتاجية التقنية والعملية الميكانيكية.إن هذه السيطرة التي يفرضها المجتمع الصناعي لا تقف عند حد السيطرة على الحاجيات المادية، بل تتجاوزها لتصل أيضا إلى السيطرة على الحاجيات الفكرية و غزو البعد الواحد للثقافة التي كانت تمثل احد الحصون العتيدة التي كانت ستتعصي على التطابق مع عالم الواقع، بيد أنها اليوم قد توحدت مع الواقع القائم بسبب اختفاء تلك العناصر المعارضة و المغتربة و المتعالية التي كانت بواسطتها تشكل الثقافة الراقية البعد الآخر أو البعد النافي للعالم الواقع أي لما هو قائم.
أن كل هذه التحاليل تبيّن أن جميع هذه النظم الفلسفية والاجتماعية تتفق في كون اغتراب الإنسان هو اغتراب تاريخي مرتبط بعلاقته بالوجود مرت بمراحل صراع مختلفة أراد الإنسان فيها انتزاع حريته، لذا فإن تاريخ اغتراب الإنسانية هو تاريخ بحثها عن الحرية، ولكي لا يشعر الإنسان بالاغتراب تجاه تاريخه فإنه ملزم بتحرير التاريخ من الاغتراب، بمعنى إحداث تغيير في مجرى التاريخ، وهذا يتم بأن يدخل الإنسان في تحديد مسار التاريخ ويتحرك به ومعه، وبالأخص في عصرنا الراهن حيث اتضحت الطبيعة السلعية والتقنية المعولمة للبشر، وحيث تزداد الفوارق والمسافات بين ما تنشده الأغلبية الساحقة من البشر وما يمكن أن تحققه على ارض الواقع، مما يدفعها إلى سجن الأوهام والأساطير السماوية والدنيوية بحثًا إما عن آلهة قديمة تستعديها أو عن آلهة بشرية أو مادية جديدة لتجعل منها صنمًا للعبادة ومستحقًا للتضحية بالنفس من اجل استمراره؛ وحيث تزداد الهوة بين الإنسان والطبيعة التي تحتضنه والتي تطرح (تلك العلاقة) اكبر مشكلة في عصرنا (الأزمة الإيكيولوجية).
فهل يمكن للفلسفة أن تلعب دورًا في هكذا إبداع أم سيبقى الفلاسفة يفسرون العالم بدلا من أن يقوموا بتغييره؟

لائحة المصادر والمراجع

1. هيغل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة وتقديم د.ناجي العونلي،المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، نيسان 2006.
2. هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة وتقديم وتعليق د.أمام عبد الفتاح أمام، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1983.
3. كارل ماركس وفريدريك إنجلز، العائلة المقدسة أو نقد النقد النقدي، ترجمة حنا عبود، دار دمشق للطباعة والنشر،الطبعة الأولى، 1978.
4. كارل ماركس، فريدريك إنجلز، حول الدين، ترجمة زهير الحكيم، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1974.
5. كارل ماركس، المسألة اليهودية، دار مكتبة الجيل، دون تاريخ للنشر.
6. فريدريك إنجلز، لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، دار التقدم، موسكو،1974.
7. كارل ماركس، رأس المال (نقد الاقتصادي السياسي)، ترجمة محمد عيتاني، منشورات مكتبة المعارف، بيروت، دون تاريخ للنشر.
8. لينين، الدفاتر الفلسفية، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت،الطبعة الثانية، 1983.
9. الفلسفة الماركسية في القرن التاسع عشر، الجزء الأول (نشوء الفلسفة الماركسية) والجزء الثاني (تطوير ماركس وإنجلز للفهم المادي للتاريخ)، تأليف مجموعة من العلماء السوفيات، ترجمة د.حسان حيدر، دار الفارابي،الطبعة الأولى، أيار 1990.
10. الدكتور جورج زيناتي، الفلسفة في مسارها،الأحوال والأزمنة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2002.
11. اريك فروم، الدين والتحليل النفسي، ترجمة فؤاد كامل،مكتبة غريب، مصر،الطبعة الأولى 1977.
12. Karl Marx:كتب محمّلة عن صفحة الانترنت
(www.marxists.org)
i. Manuscrits de 1844.
ii. Le capital;livre 2.
iii. L’idéologie allemande
13. الماركسية والإيكولوجيا - نظرة تأريخية- ثامر الصفار- http://www.lc.rezgar.com - _مركز دراسات وأبحاث الماركسية واليسار
14. مارتن هايدغر - أسئلة وأجوبة حول السياسة والفلسفة والتاريخ-مقابلة مع مجلة "دير شبيغل" الأسبوعية الألمانية عام 1976، http://www.doroob.com/?p=14550.

[1] والبعض يستعمل مفهوم الاستلاب أو الانسلاخ أو الألينة.،في اللغة الألمانية Versausserung, Entausserung, Entfremdung ، وفي الانكليزية والفرنسية Alienation
[2] الدفاتر الفلسفية،ص205
[3] رأس المال، ص22.
[4] نفس المصدر.
[5] فنومينولوجيا الروح، ص518.
[6] أن الروح، التي هي جوهر الوجود لدى هيغل، تكشف في حلقاتها الثلاث العلاقة بين الفكرة وذاتها. ففي مرحلة الروح الذاتية تكون الفكرة متطابقة مع ذاتها، وتكون العلاقة بينها علاقة «هوية»، ويؤدي هذا التطابق إلى غياب الوعي، حيث لا تعي الفكرة ذاتها، على عكس المرحلة الثانية، مرحلة الروح الموضوعية، التي هي نقيض المرحلة الأولى، إذ تنتفي علاقة التطابق بين الفكرة وذاتها، فتغترب وتحل في الطبيعة بمعناها الهيغلي، والطبيعة تمثل هنا نقيض كل ما هو ذاتي.‏ وعليه تأخذ حركة الروح الشكل التالي (ذاتي- موضوعي- مطلق)، في «الذاتي» تتطابق الفكرة مع ذاتها دون وعي، وفي«الموضوعي» تغترب عن ذاتها فيحل الوعي وينتفي التطابق، أما في «المطلق» فيعود التطابق بين الفكرة وذاتها مؤسساً على الوعي. يشمل الانتقال من الذاتي إلى الموضوعي إلى المطلق حركة الفكر بأكمله. ويمثل الاغتراب في هذه الحركة المرحلة التي ينفصل فيها الموضوعي عن ذاته، وعليه يتأسس الوعي، لكنه وعي ينشأ عن التناقض والاختلاف، وإن لم يكن الوعي شرطاً كافياً للاغتراب، فإنه شرط لازم ومشروط في نفس الوقت للشرط الكافي، وهو انفصال الذات عن موضوعها واغترابها عنه.
[7] فنومينولوجيا الروح، ص514.
[8] أصول فلسفة الحق، ص164.
[9] المصدر السابق، ص152-153.
[10] المصدر السابق، ص241-242.
[11]. Manuscrits de 1844.p 29
[12] سمة الماركسيّة الأولى النقد، سواء اعتبرناها فلسفة أو منهجاً. ويكفي تعداد عناوين بعض مؤلفات ماركس لإدراك أهميّة مفهوم النقد: نقد فلسفة الحق عند هيغل (1843)، "نقد النقد النقدي" [العنوان الفرعي للعائلة المقدسة] (1843)، "نقد الفلسفة الألمانية.. والاشتراكية الألمانية.." [العنوان الفرعي للأيديولوجيّة الألمانية] (1845)، نقد الاقتصاد السياسي [هذا عنوان أحد مؤلفات ماركس] (1859) والعنوان الفرعي لكتاب رأس المال (1867).ولا يقتصر نقد ماركس على أحد أوجه الواقع بل يتناول الأوجه كلها لأنها كافة تحمل سمات الاغتراب. الاغتراب هو موضوع النقد وهدف النقد الرئيسي القضاء عليه.

[13] مساهمة في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل، كتاب حول الدين، ص33.
[14] موضوعات عن فيورباخ، في كتاب، لودفيك فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية،ص68.
[15] ن.م
[16] ن.م
[17] L’idéologie allemande.p11
[18] المسألة اليهودية، ص50.
[19] مقال في الصحيفة الرينانية 1842، في كتاب حول الدين،ص24.
[20] موضوعات عن فيورباخ، في كتاب، لودفيك فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية،ص68.
[21] مساهمة في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل، كتاب حول الدين، ص38.
[22] المصدر السابق ص41.
[23] ن.م
[24] العائلة المقدسة، ص 157.
[25] الفلسفة الماركسية في القرن التاسع عشر، نشوء الفلسفة الماركسية، دار الفارابي، 1990،ص123.
[26] الفلسفة الماركسية في القرن التاسع عشر، تطوير ماركس وإنجلس للفهم المادي للتاريخ، دار الفارابي، 1990،ص148.
[27] رأس المال، الجزء الثالث من الكتاب الأول، القسم الأول، ص 853.
[28] المصدر السابق، ص167.
[29] Le capital;livre 2- http://www.marxists.org
[30] تطوير ماركس وإنجلز للفهم المادي للتاريخ، ص144.
[31] "أن مفهوم ماركس عن الشرخ في العلاقة التبادلية (الأيضية) هو العنصر الأساس في نقده الايكولوجي. وفي رأس المال يجري تعريف عملية العمل البشري على أنها شرطا عاما للتفاعل المتبادل بين الإنسان والطبيعة – شروط الإنتاج التي تفرضها الطبيعة على الوجود الإنساني . ويستتبع ذلك أن الشرخ في العلاقة التبادلية (الأيضية) سيؤدي إلى تقويض شروط الإنتاج التي تفرضها الطبيعة على الوجود الإنساني".( الماركسية والإيكولوجيا - نظرة تأريخية- ثامر الصفار- http://www.lc.rezgar.com - ____مركز دراسات وأبحاث الماركسية واليسار)

[32] Manuscrits de 1844.p 31-www.marxists.org
[33] الفلسفة في مسارها، د.جورج زيناتي، ص285.
[34] مارتن هايدغر - أسئلة وأجوبة حول السياسة والفلسفة والتاريخ-مقابلة مع مجلة "دير شبيغل" الأسبوعية الألمانية عام 1976، http://www.doroob.com/?p=14550.

[35] الفلسفة في مسارها، د.جورج زيناتي، ص293.
[36]الدين والتحليل النفسي، اريك فروم، ص49.

الأخضر القرمطي - الحوار المتمدن - العدد: 2753 - 2009 / 8 / 29

0 تعليقات::

إرسال تعليق