الثلاثاء، 17 مايو، 2011

وسيطات الدعارة الشعبية في المغرب

وسيطات الدعارة الشعبية في المغرب

صورة

بات معروفا ومستهلكا أن مهنة بيع الجسد أو "الدعارة" هي أقدم مهنة في تاريخ البشرية. وقد أسالت الأقلام المغربية حبرها بسخاء لتحليل هذه الظاهرة التي استفحلت في مختلف مدن المغرب، غير أن خطاباتها التي اتخذت طابع التحري والترصد ركزت على محور ظاهرة "المومسات"، ليظل جزء مهم وأساسي من كنهها منسيا وغامضا، مما خلق هامشا حيويا لبعض الكائنات الآدمية التي تنفخ في كير الدعارة حتى تأخذ هذا الحجم الذي بات ملموسا، والذي يراه المواطنون كل حسب زاويته.
غير أنه إذا توحدت أساليب امتهان تجارة الأجساد الطافحة بالأنوثة، فإن الطرق المؤدية إلى حدوثها تختلف باختلاف المتعاطين والمدمنين على ممارستها، سواء تعلق الأمر بالدعارة الراقية أو الشعبية، إلا أن هناك عوامل أخرى ساعدت على استمرار هذه الظاهرة "الآفة" التي يجد فيها الزبناء غاياتهم لمعانقة الدفء الأنثوي المتحرر، ولعل أبرز هذه العوامل، "الوسيطة" أو "القوادة" بالمفهوم الشعبي المتداول.

من خلال هذه الزاوية سنسلط الضوء على دور الوسيطات في انتعاش البغاء (الدعارة) ببعض المدن المغربية، خصوصا منها المناطق الشعبية. التقينا بعضهن في فضاءات مختلفة وغصنا داخلهن لنكتشف الجانب الخفي الذي يعتمدنه لتلبية مآرب زبائنهن اللاهثين وراء إشباع رغباتهم الجنسية المكبوتة.
إذن كيف تشتغل هؤلاء الوسيطات؟ وهل في حوزتهن لائحة بأسماء العاهرات اللواتي يتعاملن معهن؟ وهل السلطات الأمنية على علم بما يجري في هذه الفضاءات؟ أسئلة كثيرة حملتنا لاقتحام القلاع المحصنة التي تنتعش فيها وسيطات الدعارة الشعبية.

"وسيطات الدعارة الشعبية"

"وسيطة" بشقة مفروشة

لم يعد ذاك الانطباع الذي كنا نرسمه عن "وسيطات الدعارة"، كونهن عجائز يرتدين أقراط ودمالج ذهبية، يجلسن أمام منازلهن وينادين المارة بجرأة قل نظيرها، "أجي أولدي عندي المليح" أو تلك التي تتوسط داخل بيتها فتيات شبه عاريات وتوزعهن على الزبائن حسب المبلغ المدفوع، بل لم يعد التصور التقليدي حول "القوادات" بالشكل الذي كان عليه من قبل، أي اللواتي كن يبسطن نفوذهن في كل من خنيفرة، الكاموني، الحاجب، الخميسات، تيفلت والكارة... لإثارة الزبناء عبر لوحة معلقة بإحكام على أبواب المواخير كتب عليها "ادفع ودخل"، بل في ظل تضييق السلطات الأمنية الخناق على "تجارة الرق الأبيض"، ابتكرت بعض النساء وسائل أخرى في لعب دور الوساطة بين المدمنين على ممارسة الدعارة والمومسات اللواتي تأتمرن بإمرتهن، ففور وصولنا إلى إقليم الجديدة كانت محطة الركاب غاصة بالمسافرين، وسط هتافات "الكريسونات" (اليوسفية، الشماعية، كازا، أسفي....) اخترق مسمعنا صوت أنثوي من الخلف كانت امرأة تكاد تطرق عقدها الخامس، ما يميز وجهها هو أثار الوشم أسفل شفتها التي لم تفلح في أزاحته، مما خلف ما يشبه الأخدود في مساحة ذقنها الذي اكتسحته التجاعيد "خاصكم شي بيت 60 درهم لليلة"، كانت الفرصة سانحة لتتبع خيوط هذه التجربة، طلبت منا صاحبة البيت أن نتبعها دون إثارة انتباه الآخرين، هنا ساورنا الشك، حول هذه العملية، لكن خلصنا في الأخير أنها فعلت ذلك ربما لكونها تكتري غرفا "مارشي نوار"، وقد سبق أن أشارت لنا بدخول منزلها دون تردد، كانت المسافة التي تفصلنا عنها حوالي ثلاثين مترا، وما أن نصل دربا أو زقاقا حتى نعرج في اتجاه آخر، لكن ما يميز تلك المسيرة الماراتونية هو هواء الجديدة المفعم برائحة البحر.
وأخيرا وصلنا منزلها المشكل من طابقين، صعدنا إلى الطابق الأول، لتخيرنا المرأة التي أطلقنا عليها لقب "الحاجة" بين الغرف الثلاث، اثنتان منها متشابهتان وتفتقدان لأبسط شروط الراحة، حتى أن أسرّتها تبعثان على التقزز والقرف، أما الغرفة الثالثة، فقد كانت مفروشة ومنمقة بعناية فائقة، قالت الحاجة"هذه بـ 100 درهم فقط لكنها تفتقد لقنينة غاز"، منحتها 110 درهم، لتمنحنا بدورها مفتاح الغرفة، بعد أقل من خمس دقائق، جلبت لنا الحاجة قنينة الغاز قائلة" مخاصكم والو زعما ؟" كان صديقي آنذاك يرتب ملابسه داخل حقيبته، لم يعر الأمر أي اهتمام، لأجيبها بأننا في حاجة للكثير خصوصا أننا سنقضي ليلة واحدة في هذه المدينة الرائعة، عندها تدخلت الحاجة " أعرف فتاتين من أروع ما جادت به دكالة" (أطلقت ضحكة عالية) بعدما لاحظت ردة فعل صديقي الذي وضع حقيبته جانبا وتسمر في مكانه مطلقا عنان أذنيه لالتقاط كلماتها المحشرجة، أضافت الحاجة "غير بـ 200 درهم والباقي على حسابي"، غابت الحاجة أكثر من نصف ساعة لتتركنا نلوك الأسئلة تلو الأخرى، فالحاجة لا تختلف عن هؤلاء الوسيطات اللواتي تحتفظ ذاكرة الداعرين بصور لهن، بل إنها تهيئ الظروف لممارسة الدعارة في جو آمن، كما أنها زرعتنا في قلب الدعارة دون أن نشعر بذلك، خطوات الكعب العالي هي الوحيدة التي أعادتنا من إبحار شاق في يم مليء بالأسئلة، كلما زادت حدة الخطوات إلا ولاحظت التخوف والوجل يطبقان على ملامح صديقي الذي أخذ يستعد لهذا اللقاء غير المنتظر، دخلت الحاجة صحبة فتاتين إحداهن ترتدي جلبابا ضيقا ومرصعا ببعض الأحجار المتلألئة، فيما تغطي رأسها، بمنديل أسود اللون، ابتسمت الحاجة قائلة "وكونوا رجالة"، كانت الساعة آنذاك الرابعة بعد الزوال، امتد حديثنا مع هؤلاء الفتيات أزيد من 20 دقيقة، نهضت "عزيزة" البالغة من العمر 18 سنة ونزعت ثيابها لتحتفظ بملابس داخلية شفافة فيما "الزوهرة" التي تكبرها بأربع سنوات نزعت منديلها وخلعت جلبابها المرصع وهي تسرد أحداث نكتة جنسية عن "الدكالي" مع زوجته الساذجة، منحت الزوهرة خمسين درهما فيما كان نصيب عزيزة 45 درهما، قلت لهما إننا لا ننوي امتطاء صهوة أجسادكن، بل نود الحديث معكن عن الأسباب الكامنة وراء امتهانكما للدعارة.
كان لكلماتي الصقيعية وقع المفاجأة، لم تكونا تتصوران أننا بعد هذه الرحلة الطويلة نلهث وراء جني المعلومات عن الدعارة، ولحسن حظنا أن الزوهرة حسبتنا طلبة بصدد إعداد بحث حول تعاطي الفتيات لأقدم مهنة في التاريخ، وعلى الرغم من أننا تحدثنا بما فيه الكفاية، إلا أن حديثهما لم يكن صادقا لدرجة يمكن معه تفسير سبب امتهانهما لهذه التجارة الدنيئة، لكن الزوهرة كشفت شيئا ما اللبس الذي خيم على تفكيرنا قائلة "نحن لا نتعامل مع (الحاجة) فقط، وإنما مع العديد من (القوادات) اللواتي يمتلكن شققا للكراء".

"قوادات" وداعرات في نفس الوقت

وغير بعيد عن مدينة الجديدة التي تعرف دعارة خاصة، عرجنا إلى "مولاي بوشعيب" بأزمور، هناك تختلف وسيطات الدعارة على اختلاف مهنهن، وتستطيع كل واحدة منهن الإيقاع بالزبناء الجدد الوافدين على هذه المدينة العتيقة، ففي الزقاق الذي يبتدئ من "ضريح مولاي بوشعيب"، تأخذ حركة المارة المتبضعين للحلي و"الباروك" طابعا احتفاليا، الزقاق ممتلئ عن آخره، ويبلغ ذروته حوالي الساعة الرابعة والنصف زوالا، على طول الزقاق المليء بالحوانيت تلتقط عيناك غمزات طائشة من امرأة عجوز، أو فتاة قاصرة، بل تتجه إحداهن إليك لتسألك عن "الساعة" أو تمد لك قطعة فخار للبيع، وسط زحمة المارة تنتشل بعض الوسيطات ضحيتها ممن يرغب الارتماء في أحضان اللحوم المهترئة، يعلق "جمال" الذي يبيع حلي "السبيكة" عن هذه الظاهرة قائلا "تلعب بعض النساء في هذا الزقاق دور "القوادات" والداعرات في نفس الوقت، و يكفي أن تمد لها 20 درهما لتشد بك الرحال إلى حيث تريد"، هذا ما لاحظته كلما وجدت نفسي داخل هذا الزقاق الذي لا يختلف عن أزقة نجيب محفوظ أو حسان عبد القدوس في رواياتهم الرائعة، يضيف جمال "حاليا أخذت ظاهرة الوسيطات في التراجع، اعتبارا للحملات التي يقوم بها البوليس بين الفينة والأخرى، غير أن بعض (النقاشات) بهذا الزقاق لازلن يقمن بدور الوساطة بين الزبناء والعاهرات، الشيء الذي يشوه معالم المدينة التي تحبل بأحداث تاريخ عريق".

"قوادة" رغماً عن أنفها

بإحدى مقاهي حي مولاي عبد الله بالدار البيضاء، تستقبل سعاد (نادلة) زبناءها بابتسامة مثيرة تنطلق من ثغرها الذي يزهر بأحمر الشفاه الزاهي، توزع المشروبات هنا وهناك، وتمد السجائر للمدخنين من محفظتها المتدلية أسفل بطنها البارز ولا تجد أي حرج في مجالستهم، تساءلت، هل كل المترددين على هذا المقهى قد تساءلوا مثلي عن الظروف والدواعي التي جعلت سعاد تحترف مهنة "نادلة"، خصوصا أن جمالها يؤهلها أن تمتهن مهنا أخرى قد تذر عليها أرباحا مهمة عكس ما تجنيه كنادلة تقتات من "بوربوارات" الزبناء، زميلي الذي رافقني مرتين إلى هذه المقهى أعجب بسعاد، وحاول بوسائله الخاصة لفت أنظارها إليه، غير أنها بكبريائها المبالغ فيه كانت تصد نظراته بمشاهدتها لفيديو كليب "نانسي عجرم " (يا سلام يا سلام) الذي بثته إحدى القنوات الخليجية، ما يميز هذه المقهى التي تتوسطها شاشة تلفاز كبيرة، هو أنها تستقبل الجنسين معا، ونادرا ما يلجها الزبناء بمفردهم، لكن خلال تواجدنا هناك لاحظت أنه أضحى طبيعيا أن تلج الفتيات هذا الفضاء بمفردهن، كما أنه من خلال حديثهن مع سعاد تبين لي أنهن على علاقة وطيدة بها، إضافة إلى المشروبات التي تملأ مساحة طاولتنا الزجاجية، طلب صديقي عصير برتقال وسجارتين، وما إن لبت سعاد طلب صديقي، حتى بادرها قائلا" متى تنتهي مهنتك كنادلة بهذه المقهى؟" نظرت إلينا بعينيها الزرقاوتين وأطلقت تنهيدة عميقة كسرت الصمت الذي لفنا منذ محادثها لتقول" ماذا تريد بالضبط"؟ من خلال حديثنا الذي امتد لدقيقتين أحست سعاد بأن زميلي متشبث بقضاء ليلة معها، غير أنها أجابته بجرأة صريحة " ماكينش هاذ ولد المرا للي...."، انصرفت سعاد وخلفت وراءها علامة استفهام لم يستسغها زميلي الذي أغراها بمبلغ 300 رهم، وما أن دخن سجارته الأولى حتى عادت سعاد ممتطية ابتسامتها المثيرة، لتضع كأس ماء على طاولتنا الزجاجية قائلة "لم يسبق لأي كان أن استمتع بهذا الجسد، (تشير إلى صدرها)، وإن كان ضروريا أن تقضي ليلتك... فاترك الأمر لي، شريطة أن تمدني بـ 50 درهما (قهيوة ديالي)"، لم أظن أن سعاد "قوادة" تسهل عملية اللقاء بين الزبناء والعاهرات مقابل 50 درهما، ولم أتأكد من ذلك إلا حينما أخرجت هاتفها النقال من صدرها وهي تكلم إحداهن، لكن السؤال الذي حيرني، هو لماذا رفضت أن تقضي ليلتها مع زميلي الذي أغراها بـ 300 درهم، تكاثرت الأسئلة في جعبة رأسي، لكن ما أوقف تناسلها وتشعبها هو انضمام فتاة مكتنزة أفلحت في إبراز مفاتنها إلى مجلسنا، تبادلنا النظرات ووزعنا الابتسامات فيما بيننا، في لحظة وجيزة تدخلت سعاد التي وضعت أمام الفتاة قهوة سوداء وولاعة حمراء قائلة "تهلاو فيها .. راها بنت الناس".
اسمها عفاف (27 سنة) اقتحمت عالم الدعارة قرابة ثلاث سنوات، منذ أن فض بكارتها عشيقها بحديقة الجامعة العربية ليلة رأس السنة الميلادية (2004) حسب ما أفضت به، لم تجد عفاف حرجا في مساومة زميلي عن الثمن الذي ستتقاضاه مقابل بيع جسدها، أخرجت من حاويتها الجلدية علبة سجائر، فتحتها باحترافية وأشعلت سجارة شقراء مخلفة وراءها غيمة دخان تفننت في نفثها تجاهنا، لتقول " لتجعلها 150 درهما فأنا سأقضي ليلة كاملة في ضيافتك"، تدخلت أنا الآخر مستفسرا إياها عن سعاد (الغامضة) ممطرا إياها بوابل من الأسئلة، لأرتشف من أجوبتها ما عزز تخميني في كون سعاد "وسيطة" متميزة تختفي في زي نادلة، وعن علاقتها بسعاد أجابت عفاف "أنا أتردد كثيرا على هذا المقهى قبل أن تشتغل به سعاد، لكن عندما رأيتها لأول مرة توسطت لزميل (صاحبي) معها، لكنها رفضت طلب صاحبي. ومع مرور الوقت صرحت لي بأنها على علاقة بابن عمها الذي حرك إلى إيطاليا، فهي من مدينة تطوان، وتقطن عند عمتها "ببوركون"، ولم يسبق لي أن رأيتها رفقة رجل، غير أنها لتبعد عنها طلبات الزبناء داخل وخارج المقهى، فهي تلبي رغباتهم بتنظيم لقاءات بينهم وبين فتيات تحتفظ بأرقام هواتفهن،وأنا أيضا أعطيتها رقم هاتفي الذي قادني إليكم في (هاذ الساعة المباركة).
أمثال سعاد كثيرات في المجتمع، فهي ليست سوى شجرة يختفي خلفها عالم الأدغال، فعلى الرغم من رفضها بيع جسدها بالتقسيط في سوق الرقيق الأبيض، إلا أنها وسيطة للدعارة رغما عن أنفها. بل تساهم في توسيع وتبسيط هذه العملية مقابل ثمن بخس، لتظل الأسئلة عالقة تنتظر جوابا شافيا لهذه الظاهرة، هل كل النادلات وسيطات للدعارة، أم أن اغلبهن استسلمن لطلبات الزبناء التي لا تنتهي إلا بارتشافهم جرعة مؤقتة من دمائهن الساخنة؟

خلاصة

لقد أضحت ظاهرة وسيطات تجارة بيع الأجساد ورما خبيثا يتفشى في المجتمع المغربي المهجن، بل أخذ يسري بسرعة قصوى في أحياء ودروب مدن المملكة، مما قد يعيد للأذهان الصورة التي يرسمها الأجانب عن المغاربة من كونهم مدمنو الدعارة، فرغم الحملات الأمنية والتطهيرية لبثر هذه الظاهرة من جذورها لازال هناك شيء من التقصير والارتجال في كبح هؤلاء الوسيطات اللواتي يختفين في صفات عديدة، بل أصبحن جاثمات في فضاءات متعددة ذات طابع شعبي كالحدائق العمومية، محطات حافلات الركاب، أمام المستشفيات، الشواطئ، وغير ذلك من الأمكنة التي يكثر فيها الاختلاط، لكن الأدهى من كل ما سردناه آنفا، هو لجوء هؤلاء الوسيطات بوسائلهن الإغرائية لتحبيب مهنة بيع الأجساد لفتيات الثانويات، خصوصا الموزعات منهم ليجدن أنفسهن في آخر المطاف أمهات عازبات عاهرات، سجينات وقد يأخذن مصير أوراق "كليكنس المجففة" التي تنتهي وظيفتها بمجرد انتهاء مهمتها.

4 Feb 2007


عولمة الدعارة في مراكش..  


صورة
لبنانيات وسوريات ومصريات... يشتغلن بالدعارة في مراكش


الذي يعتقد أن الدعارة في المغرب تقتصر على بنات البلد، فعليه أن يعيد تقييم معلوماته، ويكفيه أن يزور بعض الأماكن في مراكش مثلا ليعرف أن العولمة عمّت كل شيء حتى سوق الدعارة بمختلف أشكالها.

ففي مراكش لن تحتاج لأكثر من زيارة لشوارع "كليز"، أو للجلوس في المطعم الأمريكي السريع الوجبات "ماكدونالدز" المتواجد على ناصية "مراكش بلازا"، في هذه الأمكنة بالذات يمكنك أن ترى خليطا عجيبا من النساء منهن من ترطن باللهجة اللبنانية وأخرى بالسورية البدوية وثالثة بالمصرية ورابعة بالتونسية، بل ان الأمر تجاوز ألوان "الأمم العربية" إلى جميلات من اللحم الأبيض ذوات الأكتاف العريضة من الروسيات والألبانيات، وقد تتراقص علامات التعجب على البعض حينما يعلم أن الفرنسيات أيضا دخلن قائمة الدعارة في مراكش المدينة الحمراء التي تجد فيها كل شيء وأي شيء.

ويكفي أن تمدد نظرك في شوارع "كليز" لترى شابات من مختلف الجنسيات كلهن يسرن بغنج وبطريقة تدل بأن ليس وراءهن شيء سوى إسالة لعاب الخليجيين والفرنسيين والألمان اللذين يملؤون المكان.

تجلس لبنانية في الباحة الخارجية لـ"ماكدونالدز" الموجود بحي "كيليز" الراقي، تشرب وتأكل ما تيسر لها، ثم تلتحق بها صديقتها المغربية ليبدأ الحديث عن سهرة الليلة ومع من ستكون، وما هي خارطة الطريق التي سيتبعنها. كان حديثهن بصوت غير خافت، وكأنهن غير آبهات بمن حولهن، يتحدثن، يأكلن، ويجبن على هواتفهن بضحكات مثيرة، وبقبل يرسلنها في الهواء إلى من يهمه الأمر.

هكذا ببساطة يمكن أن تميز مومسات مراكش ذوات الجنسيات المختلفة، فهن لا يلتزمن بقواعد معينة، بل يعشن حريتهن المطلقة بدون أي فواصل ولا نقط.

الروسيات والألبانيات حسب ما علمت به "هسبريس"، غالبيتهن يعملن لحساب أحد اللبنانيين الذي يدير كازينو كبير في طريق الدار البيضاء، كما أنهن يملأن الفنادق الراقية من فئة 5 نجوم حيث أصبح الطلب عليهن كبيرا خصوصا من طرف رجال الأعمال المغاربة الذين يقضون "الويك آند" في مراكش هربا من ضغط العمل الأسبوعي.

كما أن جميلات دول البلقان اللواتي بدأن في غزو سوق الدعارة بمراكش أصبح لديهن إقبال كبير خصوصا وأن جمالهن فاتن وساحر، كما أنهن لا يشترطن كثيرا حسب مصدر من داخل أحد الكازينوهات، الذي أخبرنا أيضا أن "فقههن" هذا جعل بعد الفنادق الراقية بمراكش تستعين بهن في الكثير من "الخدمات" الأخرى، وأضاف محدثنا أن العاملات في سوق الدعارة من المغربيات سيصبحن عما قريب أقليات في الكازينوهات والعلب الليلة لمراكش. فالطلب اليوم على جميلات البلقان، ودلوعات لبنان اللواتي يتغنين بالواوا.

مراكش لم تعد معروفة فقط بساحة جامع الفنا، والمنار، وشوارعها المليئة بالنخيل، وبلكنة ناسها وابتسامتهم الدائمة، بل أيضا بأنها مدينة بدأت الدعارة فيها تتعولم وبنطاق سريع جدا سيجعل المدينة تفقد الكثير من هويتها إن لم تكن قد فقدتها بعد.

خالد البرحلي من مراكش Saturday, May 09, 2009



بين أحضان عاهرات مغربيات في إسبانيا

صورة

إلى الآن الضجة كلها تثار حول دعارة المغربيات في دول الخليج العربي وفي كل مرة تتحدث الأنباء عن تفكيك شبكات متخصصة في تهجير الآلاف منهن للعمل في النوادي والمراقص..في إسبانيا الأمور أكبر بكثير مما نتصور.. الآلاف من المغربيات، وضمنهن قاصرات، هن سلعة رائجة في سوق النخاسة، يؤثثن الملاهي ودور الدعارة وقصور أثرياء الخليج وبارونات المخدرات..الملف يحاول ملامسة حقيقة دعارة المغربيات في الجنوب الإسباني من خلال تحقيق في شبكة للتهجير تتخذ من "مالقا" مركزا لجلب الفتيات المغربيات وبحث في مسالك وطرق استقطاب الآلاف منهن..

90 في المائة من عاهرات إسبانيا من المهاجرات! رقم من بين أرقام تصدر بين الفينة والأخرى عن مؤسسات مهتمة بموضوع المهاجرين في إسبانيا. وهو رقم يثير تساؤلات لدى الكثير من المتخصصين في مجال الدفاع عن حقوق النساء بإسبانيا خاصة المهاجرات منهن بمبرر أنه رقم مبالغ فيه. لكن الاختلاف حول صدقية الرقم من عدمها يبدو نقاشا عقيما لأن الواقع في إسبانيا أكبر من مجرد أرقام ، فأعداد العاهرات في تزايد مستمر، والمغربيات يشكلن رقما مهما في المعادلة إلى جانب عاهرات أوربا الشرقية وروسيا ودول أمريكا اللاتينية، والسؤال الأساسي الذي يبحث له عن إجابة هو: كم عدد العاهرات المغربيات في هذا البلد؟ وهل الأمر يتعلق، فقط، باختيار تقدم عليه مهاجرات من أجل كسب العيش في انتظار تسوية وضعية الإقامة؟ أم أن الأمر أكبر من ذلك، ويخضع لشبكات تتاجر في اللحوم البشرية تنتشر عبر مدن الشمال المغربي، ولها ارتباطات في كل من سبتة ومليلية ومدن الجنوب الإسباني؟ شبكات محكمة التنظيم تتصيد فتيات مرشحات لأن يتحولن إلى عاهرات في ملاهي وحانات المدن الإسبانية، دون أن تستثني القاصرات اللواتي يرتفع الطلب عليهن من طرف الزبناء الأجانب وأثرياء الخليج، الذين يدفعون للوسطاء آلاف الأوروات للظفر بعذراوات مغربيات يؤثثن ليالي حمراء في القصور والإقامات المنتشرة على طول "كوسطا ديل صول".

موضوع دعارة المغربيات في إسبانيا موضوع شائك والبحث في خباياه يشبه البحث عن إبرة في كومة قش، والمعطيات المتوفرة على قلتها تفيد أن ظروف العيش في الغربة قادت الآلاف من المغربيات إلى الاشتغال في مجال الدعارة بإسبانيا، بعدما تحولت أحلامهن بالعيش الرغيد والقطع مع حياة البؤس في المغرب إلى كوابيس تطاردهم، وأضحى بيع أجسادهن للقوادين وسماسرة الجنس والباحثين عن اللذة العابرة السبيل الوحيد لسد الرمق، بعيدا عن الأهل الذين ينتظرون نهاية كل سنة عودة بناتهم محملات بالهدايا والثياب الفاخرة والسيارات دون أن يعرفوا أصلها وكيف تم تحصيلها..

التحقيق التالي يحاول الغوص في عوالم دعارة مغربيات في بعض مدن الجنوب الإسباني وتحديدا في "مالقا" و"ماربيا" و"بين المدينة" و"طوريمولينوس" حيث توجد عشرات الملاهي والحانات التي تستقبل فتيات مغربيات من مختلف الأعمار، وفيه غوص في شبكة مغربية - إسبانية تنشط في مجال تهجير الفتيات وتتخذ، مثل غيرها من الشبكات، من تطوان ومارتيل والمضيق والفنيدق وطنجة وأصيلا والناظور وباقي مدن الشمال محطات استقطاب، كما تتخذ من سبتة ومليلية السليبتين محطات عبور إلى "الفردوس" الإسباني، وفيه أيضا بورتريهات لبعض العاهرات في مالقا يشتغلن لحساب أشهر قوادة في المدينة وكيف تستغل ظروف إقامتهن من أجل ممارسة الدعارة وجلب مزيد من الفتيات إلى عالم العهارة..

دعارة وعيون متربصة..

مرتيل ليلا..ليلة كباقي ليالي الشتاء الباردة، سيارتنا تجوب شوارع المدينة الخالية من المارة بحثا عن أي شيء قد يفيد في موضوعنا، حركة خفيفة تدب بين الفينة والأخرى في محيط عدد من الحانات التي تستقبل زبناء بعد أن تلفظ آخرين، وبعض الفتيات يتجولن بملابس مثيرة توحي أنهم من طينة خاصة..المدينة معروفة لدى عموم سكان المناطق الشمالية بأنها ملاذ المئات من العاهرات من مختلف المدن المغربية، لأنها تستفيد من قربها من الحدود المغربية الإسبانية، وتستفيد من تمركز المافيات التي تشتغل بكل حرية تحت أنظار، بل وحماية، مسؤولين في الأمن والقضاء. هنا في هذه المدينة، الهادئة شتاء والصاخبة صيفا، كل شيء متاح لمن يملك المال، الحشيش والمخدرات الصلبة وبائعات الهوى، حتى القاصرات منهن والمتعلمات، وليس غريبا أن تؤكد دراسة إسبانية أشرف عليها "أنطونيو مارتين" أستاذ علم الاجتماع بجامعة غرناطة بأن أكثر من 22 في المائة من المتعاطيات للدعارة بمرتيل هن من القاصرات، و16 في المائة ما زلن يحتفظن ببكارتهن، وهن، حسب الدراسة ذاتها، إما طالبات أو تلميذات يمارسن الجنس بطرق شاذة مقابل مبلغ مالي يتراوح ما بين 100 و200 درهم.

الدراسة ذاتها تؤكد أن أغلب التلميذات القاصرات المتعاطيات للدعارة السريعة يكتفين، تفاديا للفت الانتباه إليهن، ببطاقات تعبئة الهاتف المحمول أو مبالغ لاقتناء السجائر أو حتى بعض مستحضرات التجميل أو دعوات للأكل..

هنا تنشط شبكات عديدة في استقطاب فتيات راغبات في الهجرة إلى أوربا، كما هو الحال في تطوان، والمضيق والفنيدق، عشرات العيون تترصد طيلة اليوم والليلة فتيات في عمر الزهور لإغرائهن بالعيش الرغيد والحصول على أوراق الإقامة..

وفاء واحدة من هؤلاء، لم تسلم أيضا من إغراءات الوسطاء، هي الآن مضطرة، حسب ما حكته في جلسة بأحد الحانات المعروفة بالمدينة، إلى ممارسة البغاء من أجل تسديد مصاريف الكراء والأكل وإعانة الأسرة في نواحي مكناس، تقول إنها استقرت قبل أشهر معدودة في مرتيل قادمة إليها من طنجة حيث تعرضت أيضا للنصب من طرف أحد السماسرة الذي وعدها بالهجرة إلى إسبانيا دون طائل. تقول الفتاة التي لم تتجاوز ربيعها التاسع عشر "بمجرد ما وطأت قدماي المدينة بدأت تترصدني أعين وسطاء التهجير، وكل واحد يكرر على مسامعي أسطوانة أنني سأجد الجنة هناك، وسيضمنون اشتغالي في "مالقا" أو "ماربيا" في أحسن الملاهي بدل الوضعية التي عليها أنا هنا، حيث أتعرض لمضايقات الزبناء واعتداءاتهم، لكني، تضيف وفاء، أرفض كل مرة عروضهم المغرية بتهجيري، وأفضل أن أشتغل في عمل شريف أتمكن به من انتشال نفسي من وضعي الحقير، لكن لو استمر وضعي السيئ قد أجد نفسي ممتطية قاربا للموت أو متسللة عبر الحدود مع سبتة لألتحق بصديقات لي، تمكن الوسطاء من إقناعهن وهن الآن في المراحل الأخيرة لتسوية وضعيتهن"..

وفاء، واحدة من عشرات الفتيات في عمر الزهور اللواتي رمتهن الأقدار في مرتيل، وامتهن الدعارة في انتظار من ينتشلهن من الوضع المخزي الذي يعشن فيه، هي مقتنعة أن ما تفعله سيئ، لكنها مقتنعة أكثر ألا حل أمامها للعيش إن لم تمنح الغرباء لحظات نشوة عابرة مقابل بعض الدراهم أو حتى مقابل وجبة أكل تسد بها رمقها ولو إلى حين. تقول إن مرتيل تحولت إلى قبلة للمئات من مثيلاتها القادمات من الدار البيضاء وسلا ومكناس وفاس ومراكش وبني ملال وباقي ربوع المملكة، يكترين شققا مفروشة تكاثرت مثل الفطر في السنوات الأخيرة أصحابها غالبا من تجار المخدرات الذين يعمدون إلى تبييض أموالهم في العقار والمقاهي والمحطات السياحية.

ليست مرتيل وحدها المعروفة بانتشار دور مخصصة للدعارة، بل الأمر نفسه ينطبق على المضيق والفنيدق باعتبارهما الأقرب إلى الحدود الإسبانية حيث ينتعش حلم الكثيرات للهجرة، وتنتعش معه حركة الشبكات المتخصصة في تهجير الفتيات..

الليل ما يزال طويلا ووجهتنا التالية كانت المضيق، المدينة التي تشتهر بأنها مدينة الملك المفضلة، ما شفع لها أن تنال حصة مهمة من التلميع، هنا وعلى طول الشريط الساحلي، تنتشر الإقامات والفيلات والمركبات السياحية مثلما تنتشر دوريات الشرطة في المدارات وبين الأزقة المتفرعة تتصيد السكارى والمهربين ومروجي المخدرات لتحصيل الإتاوات..

في هذه المدينة الصغيرة، وعلى غرار مرتيل، تنتشر الشقق المفروشة والفنادق المخصصة للدعارة، الكل هنا على علم بهاته الفنادق الخارجة عن أي تصنيف، والأدهى أن أغلبها يزاوج بين عدد من الأنشطة المحظورة تحت أعين السلطات الأمنية ولكل تغاض ثمنه، هنا أيضا صادفنا عاهرات مرشحات محتملات للهجرة إلى إسبانيا، تقول نوال، وتعمل نادلة في مقهى تابع لفندق في مدخل المدينة متخصص في تقديم الشيشة للزبناء على مدار الساعة، إنها تعمل نادلة هنا تحت إمرة صاحب الفندق وتزاوج بين مهمة تقديم الطلبات وتوفير الراحة الجنسية للزبناء، مثلها مثل عدد من الفتيات اللواتي ينتظرن أي زبون يصعد الدرج إلى إحدى غرف الفندق ليقضي وطره مقابل مبالغ يقتسمنها مع صاحب الفندق. لتضيف: "أعمل بمبلغ 1500 درهم في الشهر وصاحب الفندق يتكفل بإقامتي ومأكلي، وأنا أعتبر عملي هنا مؤقتا لأني قدمت من سلا على أمل أن أهاجر إلى إسبانيا للعمل، وأنتظر فقط فرصة لتنتشلني من هذا الوضع".

نوال هي أيضا صادفت خلال مقامها في المضيق أشخاصا أغروها بتمكينها من الهجرة إلى إسبانيا بشرط أن تشتغل في أحد الملاهي، تقول، "غير ما مرة جاءت إلي سيدة تعمل في مدينة سبتة، واقترحت علي أن تتكفل بهجرتي إلى "مالقا" وقالت لي: "ماغادي يخصك حتى خير"، لكني كنت دائما أتردد في القبول بسبب ما أسمعه من بعض صديقاتي اللواتي يحكين أن المشغلين يستغلون الفتيات ويذقهن أصناف التعذيب ويرغمنهن على ممارسة الدعارة مع الأجانب، خاصة كبار السن من أجل تسديد المبالغ التي صرفت عليهن للهجرة والإقامة والأكل".

فتيات مثل وفاء ونوال كثيرات في مرتيل والمضيق والفنيدق، وشبكات التهجير والدعارة التي ترصد حركاتهن وسكناتهن، تمتد أذرعها إلى مدينة سبتة ومدن الجنوب الإسباني حيث يوجد أفراد آخرون ضمنهم إسبان ومغاربة مهمتهم تزوير الوثائق والتأشيرات وعقود العمل للمرشحات للهجرة وتوفير السيولة اللازمة لتغطية مصاريف الاستقطاب..والغاية واحدة: تزويد سوق الدعارة الإسبانية بالفتيات المغربيات ومنافسة شبكات أخرى خاصة الروسية والرومانية والأمريكولاتينية التي بدأت تكسب حصصا مهمة في سوق تتسع كل يوم..

الطريق إلى "مالقا"

نحن الآن في ميناء الجزيرة الخضراء، شرعت ومرافقي حسن في نفض دوار البحر عن رأسينا، وأعدنا ترتيب الأفكار بحثا عن مزيد من المعطيات في طريقنا إلى "مالقا".. الطريق الساحلية التي سلكنا أفضل بكثير من طرق سيارة تستنزف جيوب مستعمليها بالمغرب، أما الطريق السيار، الذي يمتد على طول التراب الإسباني، فقد لا تسعف محدودية أفق وزير تجهيزنا ليحلم أن يصير للمغاربة مثله.

قبل مغادرتنا ميناء مدينة سبتة كان لزاما أن نحمل معنا أرقام هواتف زودنا بها بعض العارفين بخبايا شبكات تهجير الفتيات من المغرب، ضمنها رقم شخص يدعى عزيز أكد لنا أنه الأصلح ليقودنا إلى مبتغانا.

ركَّبنا رقم عزيز، الذي ضرب لنا موعدا في أهم شوارع "مالقا" التي وصلناها مع مغيب الشمس، هنا عالم آخر لا علاقة له بما يجري في المغرب، اللهم إلا قليل من تركة أزمنة غابرة كان فيها المسلمون يحكمون الأندلس، قبل أن يُطردوا منها وهم يجرون أذيال الخيبة. لم يدم بحثنا كثيرا عن مكان لقائنا بعزيز وهو شاب في الثلاثينات من عمره، يعيش في "مالقا" منذ قرابة عشر سنوات اشتغل في كل شيء بدءا بالبناء إلى الفلاحة مرورا بالبستنة ووصولا إلى تهريب الحشيش من معبر سبتة عبر وسيطات يمررنه وسط أحشائهن مقابل عشرة آلاف درهم للكيلوغرام الواحد.

لم نحتج كثيرا من الشرح لمرافقنا، وبسرعة فهم مرادنا وأشار إلينا أن نسلك أزقة وطرقات متشابهة تؤدي رأسا إلى المنطقة الصناعية لـ"مالقا" هنا يسمونها "بوليغونو" وتضم كل الشركات والمصانع بالمدينة، كما تضم عددا من الملاهي المتخصصة في تقديم الخدمات الجنسية الراقية. في الطريق إلى هناك وجدنا عشرات العاهرات مصطفات على جنبات الطريق وكثير منهن أشعلن النار وتحلقن حولها لطرد البرد الذي يجمد الأجزاء العارية من أجسادهن، هن هنا من جنسيات مختلفة، فيهن الرومانيات وهن الأكثرية، وفيهن البرازيليات والأرجنتينيات والإفريقيات و..فيهن أيضا مغربيات تفضحهن ألوان بشرتهن كما تفضحهن إسبانيتهن الركيكة رغم محاولات التمويه.

"تتعمد المغربيات إخفاء جنسياتهن، يقول عزيز، لأسباب كثيرة منها الخوف من المصادفات غير السارة التي قد تقود أحد المغاربة إلى هناك، وأيضا بسبب السمعة السيئة التي تلاحق المغربيات دائما، لأنهن مثيرات للمشاكل مع الباحثين عن اللذة، على عكس العاهرات الأخريات، لهذا تكون الفتيات المغربيات مضطرات دوما إلى ادعاء الانتماء إلى دول أخرى خاصة إلى بعض الدول الأمريكولاتينية من أجل الظفر بالزبناء".

المكان أشبه بمعرض في الهواء الطلق للأجساد البشرية العارية، وكل عاهرة تتفنن في إبداء مفاتنها أمام السيارات التي تذرع الطريق جيئة وذهابا بحثا عن الأفضل والأجمل بينهن. ما يوحد كل هؤلاء العاهرات هو ثمن الممارسة الجنسية، 20 أورو للممارسة السريعة، ويكفي أن توقف سيارتك حتى تعلن العاهرة الثمن مسبوقة بكلمة "تشوبا" وتعني في قاموسهن الممارسة عن طريق الفم. هنا لا مجال إلا للممارسة الجنسية السريعة في السيارة، ليس خوفا من دوريات الشرطة، لكن لأن للوقت قيمته في مثل هذه الحالات، والشاطرة منهن من تصطاد أكبر عدد من الزبناء.

يقول مرافقي إن العاهرات يخترن هذا المكان القصي، لأنه بعيد عن صخب المدينة، ولأنه يعرف حركية زائدة بفضل وجود عد كبير من سائقي الشاحنات العاملين بالشركات المنتشرة في المنطقة الصناعية، ويضيف أن الفتيات الموجودات هنا، وضمنهن المغربيات، هن غالبا فتيات من الدرجة الثانية أو الثالثة من الجمال، لا حظّ لهن في ولوج الملاهي الراقية لـ "مالقا" والمدن القريبة، ومنهن بعض اللواتي طردهن مسيرو الحانات والملاهي بسبب إثارتهن المشاكل مع الزبناء، وفيهن أيضا اللواتي لم يسوّين بعد وضعيتهن ولم يحصلن على وثائق الإقامة.

المحطة التالية في جولتنا كانت ملهى "سكاندالو" أشهر ملاهي "مالقا" على الإطلاق. هو نتاج شراكة بين أثرياء إسبان ورجال أعمال روس، ملهى راق متخصص في تقديم الخدمات الجنسية في غرف خاصة، البوابة يحرسها "فيدورات" مختارون بعناية فائقة تحسبا لأي إزعاج غير مرغوب فيه، ولجنا الملهى مع منتصف الليل تحت نظرات الحراس التي تتفحص تقاسيم وجوهنا ونوعية ملابسنا، وكاميرات المراقبة لا تفلت أي صغيرة، الملهى الممتد على مساحة شاسعة مكتظ عن آخره بفتيات في عمر الزهور، أغلبهن رومانيات والبقية من الأرجنتين أو البرازيل، لا مكان هنا للمغربيات، بقرار اتخذته إدارة الملهى قبل أشهر لأسباب تعتقد أنها وجيهة، والكلام هنا لعزيز الذي سبق له أن التقى مغربيات في هذا المكان قبل أشهر، لكن الآن لم يعد مرغوبا فيهن، وأضحت الحظوة للرومانيات، المستفيدات من انضمام رومانيا إلى السوق الأوربية المشتركة، والسبب محاولات العاهرات المغربيات المستمرة الظفر بأزواج من بين الزبناء، أو على الأقل، الالتقاء بهم خارج الملهى ما يفقد مسيريه أرباحا مهمة.

هنا الأسعار أعلى بكثير من جنبات الطريق المؤدية إلى "بوليغونو"، وسرعان ما تبدأ الفتيات في ممارسة لعبة الإغواء من أجل الظفر بالوافدين الجدد، 80 أورو لعشرين دقيقة والثمن قابل للنقاش دون أن يقل عن 60 أورو للمدة الزمنية نفسها.

ليس مسموحا لأي كان أن يلتقط صورا في هذا المكان المثير للغرائز، والسبب الضجة التي أثارها ربورتاج مصور بأسلوب الكاميرا الخفية بثته قبل أشهر قناة "كنال سور" الإسبانية، وعرضت فيه مشاهد من داخل الملهى للعاهرات أثار ردود فعل واسعة لدى الرأي العام وصل صداها إلى مجلس المدينة وقاعة البرلمان، كل هذا كان كافيا ليمنع مسؤولوه أي تصوير من أي نوع، ولهذا كنا نتلقى تحذيرات متكررة من مرافقنا عزيز بسبب بعض الصور التي التقطناها خلسة بواسطة الهاتف المحمول، إذ كان يحذرنا من عنف "الفيدورات" وبرودة زنازين مخفر الشرطة وغرامات المحاكم الإسبانية التي تنتظرنا..

"دولسي فَيتا" أو الحياة العذبة!

اكتفينا بما غنمناه من أزقة "بوليغونو" وملاهيها، وسرعان ما ركبنا السيارة رجوعا إلى وسط المدينة..عقارب الساعة تقترب من الواحدة صباحا، ومرافقنا عزيز، الذي لعبت الكأس وبعض لفافات الحشيش برأسه، يحثنا على الإسراع لبلوغ محطتنا التالية.

وجدنا المدينة شبه نائمة، إلا من بعض السكارى والشاذين جنسيا ودوريات الشرطة.. وصلنا إلى ملهى "دولسي فَيتا" الذي فتح أبوابه قبل ثلاث ساعات فقط كما تحدده قوانين المدينة، المكان معروف جدا في "مالقا"، ولا يمكن لأي أحد تسأله أن يخطئه، دخلنا الملهى –الحانة التي تشبه كثيرا الحانات المغربية، طاولات خشبية، وكراسٍ عالية وموسيقى الراي تصدح في المكان، هدوء يلف المكان إلا من قهقهات تتعالى بين الفينة والأخرى من بعض الفتيات المنتظرات لزبون مستعد لدفع ثمن كأس أو متشوق للحظة متعة سريعة.. لم تدم غربتنا في المكان طويلا، فالكل هنا يرحب بعزيز وبمرافقيه ممن يحملون معهم "ريحة لبلاد"، التحقت بنا إيمان ثم سارة، وهذه هي الأسماء التي أخبرتانا بهما.. تحدثنا في كل شيء عن الغربة ولبلاد، عن المعاناة والحنين إلى الأهل والأبناء، كما استمعنا لحكايات كل واحدة منهن والأسباب التي دفعتهن إلى ممارسة الدعارة في إسبانيا، دون أن نكشف لهن مهمتنا وحقيقة هدف وجودنا في هذا المكان.

كل الفتيات اللواتي جالسنهن في الملهى مقتنعات أن ما يفعلنه ليس صوابا، وكل واحدة تجتهد في إيجاد مسوغات وتبريرات مقنعة لممارسة الدعارة في ملهى "دولسي فَيتا". تقول سارة الفتاة الطنجاوية "إنها وجدت نفسها مضطرة لممارسة الدعارة في عدد من المدن الإسبانية، لأنها لم تجد طيلة أيام طويلة ما تسد به رمقها بعدما تخلى عنها زوجها وتعددت مغامراته الفاشلة التي ما تزال تؤدي ثمنها من لحمها وسمعتها"، وتضيف أنها لم تستطع رفض أول فرصة أتيحت لها كي تنهي حياة القهر التي خبرتها طيلة 5 سنوات لم تكن تتوفر فيها على أوراق الإقامة، ولهذا وجدت في إيمان التي استقدمتها إلى ملهى الباطرونة نادية خير مساند في وقت الشدة. "هذه هي وضعية المئات من المغربيات في هذه المدينة، تقول سارة، وجدن أنفسهن ممتهنات للدعارة بوساطة قوادات مثل نادية، وغيرها كثير منتشرات في المدن الإسبانية حتى في أقصى البلد، في مدريد وفَالنسيا وبرشلونة..هنا على الأقل نضمن سقفا يؤوينا وأكلا يليق بإنسانيتنا، لتختم وهي تغالب دموعا تزاحمت في مقلتيها: "الله يعفو علينا من هاذ الحالة وصافي"..

الملهى الذي يقدم الخدمات الجنسية للزبناء في غرفتين ملحقتين بقاعة المشروبات هو لصاحبته نادية، الفاسية ذات الخامسة والأربعين من عمرها، هي هنا منذ 14 سنة، حسب ما ذكرته في حديث خاطف لم تشأ أن تطيله درءا لأي مفاجآت. وحسب تصريحات إيمان إحدى عاهراتها المتمرسات، فالملهى استقطب منذ افتتاحه قرابة 500 فتاة مغربية على مدار سنوات، لتضيف بصوت خفيض بعدما لعبت بعض الكؤوس برأسها، نادية هي الآمرة الناهية هنا، وهي من يدير شبكة لجلب الفتيات المغربيات خاصة التائهات واللواتي يعشن ظروفا صعبة في "مالقا" والمدن القريبة منها، بل لديها امتدادات في عدد من مدن الشمال المغربي، وتضم عددا من المغاربة والإسبان وكل واحد لديه مهمة محددة، فهناك المكلفون بالاستقطاب، والمكلفون بتزوير الوثائق والتأشيرات وعقود العمل، وفيهم المكلفون بالهجرة غير الشرعية، وأيضا المكلفون بتلقين بعض الفتيات دروسا تفيد في تبريد "سخونية الراس".

إيمان ذات ست وعشرين سنة، تقول إن نادية تحصل نصف مبلغ كل عملية جنسية تقوم بها العاهرات، والمبلغ لا يقل عن 60 أورو لعشرين دقيقة، والشاطرة منا من تستخلص مبالغ إضافية من الزبناء الذين يكونون غالبا من الإسبان أو بعض السياح العرب، وطوبا لمن غنمت زوجا ينتشلها من وضعيتها هاته".

نادية الفاسية أشهر من نار على علم في "مالقا"، وهي حقيقة صادفناها خلال جولة سريعة في أهم شوارع المدينة، إذ أكدت أكثر من واحدة التقيناها أن نادية "خنْزات لمدينة" بسبب سمعتها السيئة التي تسبقها في كل مكان، والكلام هنا لفاطمة إحدى المهاجرات المغربيات من حي يعقوب المنصور بالرباط، تقول "ولينا كنحشمو نقولو حنا مغربيات والسبب السمعة السيئة التي ألصقتها بنا نادية وأمثالها ممن يتفنن في بيع اللحم المغربي بأرخص الأثمان ولمن يدفع أكثر". لتضيف، "تصوروا أن نادية مشهورة في المدينة بكونها تدير شبكة للدعارة انطلاقا من ملهاها في حي "غرانادوس" وهي معروفة بتوفير القاصرات والعذراوات للخليجيين والإسبان بأثمان مرتفعة قد تصل إلى 1500 أورو للفتاة، وتستغل ظروف المهاجرات لتحقيق الأرباح الخيالية، خاصة في الصيف، حين يكثر الطلب على العذراوات المغربيات في مدن الجنوب الإسباني خاصة "ماربيا" و"بين المدينة" حيث تنتشر فيلات وقصور الخليجيين وبارونات المخدرات المغاربة والإسبان".

"بوليغونو" مرة أخرى..

الأحد منتصف النهار، علامات التعب بادية على وجوهنا من أثر ليلة صاخبة قضيناها متنقلين بين ملاهي وحانات "مالقا". نحن الآن في المنطقة الصناعية مرة أخرى، الأفواج الأولى للعاهرات بدأت تأخذ مكانها بين الأشجار وبوابات المعامل المقفلة يتصيدن زبناء جددا، نحن هنا لإتمام مهمة بدأناها بالأمس، وهذه المرة من أجل التقاط صور سريعة لبعض العاهرات المغربيات، حديث سريع، ومساومات وصور خاطفة تليها عبارات السب والتهديد بلغة إسبانية من أفواه العاهرات، الخبر ينتشر بسرعة البرق بينهن، "صحافيون يلتقطون صورا" وجدنا بعدها صعوبة في تصوير العاهرات، والأقل شراسة وعنفا منهن أدرن ظهرهن لآلة التصوير، سارعنا بترك المنطقة الصناعية وأخذنا طريق العودة إلى ميناء الجزيرة الخضراء مرورا بعدد من المدن الساحلية التي تشهد صولات العاهرات المغربيات حيث يسجلن حضورا متميزا ويؤثثن مجالس الأشقاء العرب.

هنا في ماربيا و"طوريمولينوس" و"بين المدينة" استمعنا لحكايات كثيرة عن البكارة المغربية المطلوبة بشدة، وتأكدنا أيضا مما أخبرتنا به إيمان في الليلة التي سبقت، إذ أصرت على تأكيد أن الفرق شاسع بين حميمية عاهرة مغربية وحميمية عاهرة من رومانيا أو الأرجنتين، ولهذا يدفع الخليجيون آلاف الأوروات لمن يستطيع توفير العشرات منهن في ليلة واحدة"!

وفاء.. مشروع عاهرة في إسبانيا!

وفاء 19 سنة، متحدرة من نواحي مكناس، درست إلى حدود السنة الأولى من التعليم الإعدادي، تقول عن نفسها "خرجت في سن صغيرة للعمل في البيوت لدى أسر ميسورة، كنت أشتغل بنصف الثمن لدى عائلة في القنيطرة لمدة سنتين، والمائتا درهم التي كنت أحصلها في الشهر كانت تذهب مباشرة إلى جيب والدي، رغم أن المبلغ لم يكن ينفع أسرتي في شيء، قبل أن أدرك أن الاشتغال بهكذا سومة لن تزيد وضعي إلا تأزما، وهنا قررت الانتقال إلى مكناس للاشتغال في منزل عائلة أخرى لكن هذه المرة بمبلغ 400 درهم وللأسف ذقت لدى تلك العائلة مختلف صنوف التعذيب والإهانة و"التكرفيس" إلى درجة كرهت معها الحياة".

هذا الوضع، تضيف وفاء "استمر مدة سنة، قبل أن أقرر الخروج للبحث عن عمل في بعض مقاهي المدينة، وهنا بدأت مأساتي الحقيقية حيث تعرضت في إحدى المساءات إلى الاغتصاب من طرف سائق سيارة أجرة صغيرة بالقرب من معمل الاسمنت، وكان عمري حينها لا يتجاوز 17 سنة، ولشدة خوفي من ردة فعل أسرتي ومحيطي لم أخبر أحدا بالأمر، وفضلت أن أكتمه في صدري وكم مرة فكرت في أن أضع حدا لحياتي لكني كنت في كل مرة أتراجع".

"أصيلا كانت وجهتي بعد تعرضي للاغتصاب، وهناك اكتشفت عوالم أخرى الغلبة فيها للأقوى، ولا مكان لفتاة تريد صون عرضها أو الاحتفاظ بشرفها من التلطيخ، هنا تعرفت على شاب اقترح علي أن يهجرني إلى إسبانيا مقابل مبلغ 4 ملايين سنتيم، وكان يغريني بأنني سأجد الجنة هناك، وكثيرا ما كان يردد على مسامعي عبارة "خاصك تدبري على راسك هناك" بمعنى أن أشتغل في أي شيء لأضمن العيش حتى لو تعلق الأمر باحتراف الدعارة التي تدر على ممتهناتها مبالغ مالية مهمة، لم أستطع تدبر المبلغ ووجدتني مرة أخرى ضحية، وهذه المرة ألحقت عنوة بشبكة للدعارة في المدينة تتزعمها قوادة تدعى مليكة تملك فندق "بيبلو"، كنت أتقاضى مائة درهم عن كل زبون تستولي الباطرونة على نصفها، والغريب أن القوادة معروفة في المدينة بل إنها تستفيد من تستر عناصر الأمن الذين تخصص لهم مبالغ مالية من أجل حمايتها وغض الطرف عن نشاطها، والأدهى من ذلك أنها تستقدم فتيات قاصرات في عمر بين 14 و17 سنة وترغمهن مثلما فعلت معي على ممارسة الدعارة، وحينما ترفض إحدانا يكون مصيرها الشارع والطرد والاعتداء من طرف معاونيها".

"قضيت شهرين في أصيلا، تضيف وفاء وهي تغالب دموعها، قبل أن تطردني مليكة واستقليت الحافلة إلى طنجة، وهناك تواصلت معاناتي مع سماسرة الجنس والنصابين طيلة 5 أشهر، وكنت ألتقي كثيرا من الأشخاص الذين يعدونني بتهجيري إلى إسبانيا من أجل العمل في ملاهي وحانات مقابل مبالغ مالية. عمر شاب طنجاوي يقطن بمغوغة وعمره 27 سنة كان واحدا من هؤلاء، واستطاع أن ينصب علي ويسلبني مبلغ نصف مليون سنتيم من أصل 5 ملايين طلبها لتزويجي من إسباني لكن لم أنل سوى اعتداء من طرف بعض مرافقيه في الحي بعدما طالبت باسترداد نقودي.."

"أنا الآن في مارتيل، تقول وفاء لا أحد هنا من أصحاب المعامل أو المقاهي يريد تشغيلي، لأنني أضعت بطاقتي الوطنية ويرفض القائد مدي بالوثائق اللازمة لتجديدها، لهذا أجد نفسي مجبرة على ممارسة الدعارة لتغطية مصاريف كراء الشقة بألف درهم ومصاريف عيشي، وأنتظر في كل يوم فرصة لانتشالي من وضع أُكرهت على العيش فيه ومجبرة أيضا على التعامل مع إغراءات كثيرة من بعض الأشخاص الذين يحاولون تهجيري للعمل في الدعارة بإسبانيا، وللأسف تضيف "قد أجدني مضطرة لممارسة الدعارة هناك في حال سدت جميع أبواب الأمل في وجهي، وأسلك الطريق نفسه الذي سلكته صديقتي ورفيقة سكني فاطمة ابنة قلعة السراغنة التي رُحّلت بعد سنتين قضتها في الجنوب الإسباني متنقلة بين شبكات الدعارة التي كانت تستغل حداثة سنها إذ لم تكن حينها تتجاوز 15 سنة، واستطاعت الحريك إلى إسبانيا رفقة صديقها المغربي الذي لم يتوان في التخلي عنها بعدما اغتصبها، وهي الآن حامل في شهرها الثاني من رجل إسباني وتنتظر أي فرصة للعودة رفقته إلى إسبانيا"..

سارة.. أؤدي ثمن مغامرات زوجي الفاشلة من لحمي..

سارة، أو هكذا اختارت أن تعرف نفسها مخافة كشف هويتها من طرف عائلتها المقيمة بمنطقة بني مكَادة بطنجة، تقيم بإسبانيا منذ 6 سنوات، وتمكنت من الحصول على وثائق الإقامة قبل 5 سنوات قضتها في التنقل بين المدن الإسبانية وممارسة الدعارة لضمان العيش بعدما تخلى عنها الجميع.

تحكي سارة بوجه طفولي لا يوحي بأن صاحبته أم لطفلين أنجبتهما من زواج فاشل من رجل كان يقيم بفرنسا، (تحكي) كيف وجدت نفسها تمتهن الدعارة في ملهى- حانة "دولسي فَيتا" إلى جانب فتيات مغربيات أخريات تحت إمرة الباطرونا نادية، تقول إنها خبرت طيلة حياتها القصيرة وهي ابنة الخامسة والعشرين مآسي كثيرة بدءا من زواجها مكرهة في سن السادسة عشرة من رجل لم تكن تحبه، وكيف كان يرفض أي نقاش في موضوع التحاقها به إلى أرض المهجر، وإصراره على انتظار زياراته المتقطعة في المغرب، ووصولا إلى الهجرة سرا إلى إسبانيا واضطرارها إلى ممارسة الدعارة لتغطية مصاريف العيش في الغربة.

تقول سارة "وضعت زوجي السابق أمام الأمر الواقع حين هاجرت بطريقة غير شرعية عبر باخرة تربط بين ميناء طنجة وميناء الجزيرة الخضراء، حيث دفعت مبلغ 6 ملايين سنتيم لضابط في الجمارك تكفل بتمريري من ممرات خاصة بالموظفين دون أن أثير الشبهات، علما أنني لم أكن أحمل معي أي وثائق، وحينما وصلت إلى إسبانيا اتصلت بزوجي واكتشفت أنه فقد كل ما يملك بسبب إدمانه ومغامراته الجنسية التي كانت تقوده في بعض الأحيان من فرنسا إلى مراكش ليقضي نهايات الأسبوع منتشيا، لكن مع ذلك فضلت أن أقف إلى جانبه واقترضت من بعض معارفي على أمل أن نبدأ بمشروع جديد أصر أن نقيمه في المغرب، لكن بمجرد وصوله إلى المغرب عاد إلى حكاياته السابقة وصرف كل الملايين التي وضعتها رهن تصرفه في الملاهي، ليكون قراري بالانفصال عنه آخر حل وأستسلم في الأخير لإغراءات شبكات الدعارة المنتشرة في المدن الإسبانية والوسطاء المغاربة والإسبان والذين يتصيدون كل مهاجرة غير شرعية، وإذاك شرعت في ممارسة الدعارة مكرهة لأسدد المبالغ التي اقترضتها وأتمكن من العيش في مالقا التي وصلتها قبل أسابيع قليلة قادمة إليها من برشلونة حيث كنت أشتغل في ملهى آخر أمارس الدعارة مع الإسبان، مثلما تفعل المئات من المغربيات اللواتي قادتهن الظروف إلى مثل هذا العمل".

إيمان.. باطرونة تحت التدريب

هنا في ملهى- حانة "دولسي فَيتا" تمارس إيمان ذات الستة والعشرين سنة مهمة اصطياد الزبناء، مثلما تمارس طيلة اليوم مهمة استقطاب فتيات جديدات للعمل في الملهى تحت إمرة نادية، إيمان فتاة من مدينة فاس تعيش في إسبانيا منذ سنوات، قضت معظمها متنقلة بين ملاهي الجنوب الإسباني في كل من مالقا وطوريمولينوس ومربيا، هي حاصلة أيضا على أوراق الإقامة منذ 6 سنوات، ومثل الكثير من المغربيات اللواتي شَغَلهن حلم الهجرة إلى إسبانيا اختارت أن تهاجر بشكل غير شرعي بتأشيرة مزورة دفعت مقابلها 40 ألف درهم لأحد السماسرة، هي هنا بعيدة عن ابنها الذي تركته في حضن العائلة، وهو نتاج زواج فاشل مثل زميلتها سارة، لكن هذه المرة من رجل اسباني قضت معه 6 سنوات لم يكتب لعلاقتها الاستمرار بسبب رفضه الاعتراف بأبوة طفلها.

في أول عهدها بالدعارة كانت إيمان، حسب ما تحكيه، ترافق الرجال الكبار خاصة من الإسبانيين الراغبين في لحظات متعة خاطفة في شوارع مالقا بعيدا عن أعين المارة، وخلال هذه المدة كانت "تكافح" من أجل ضمان مصروف يومها وتوفير مبالغ ترسلها إلى والديها في فاس لتعينهم على تربية ابنها.

لإيمان علاقة خاصة مع نادية صاحبة الحانة، إذ تكلفها بمهمة تتبع خطوات فتيات تائهات أو "مقطع بهن الحبل" في شوارع إسبانيا وتحريضهن على الدعارة، من خلال إغرائهن بضمان المساعدة على الإقامة والعيش والحصول على وثائق الإقامة الشرعية بعد ثلاث سنوات كما يحددها القانون الإسباني الخاص بالهجرة، وتنال عن كل صيد ثمين حصة من المال ووضعا خاصا مقارنة مع مثيلاتها ممن يؤثثن فضاء الحانة كل ليلة.

نادية.. خريجة الجامعة صارت أشهر قوادة في مالقا

"أنا هنا منذ أربع عشرة سنة، لم أجن سوى الهم وغدر الكثيرات ممن أحسنت إليهن".. هكذا تحدثت نادية التي سارت شوارع مالقا بذكرها باعتبارها أشهر قوادة في المدينة، ومتزعمة واحدة من أهم شبكات "تجنيد" الفتيات المغربيات لممارسة الدعارة، والتي تستطيع حتى توفير القاصرات والمحتفظات ببكارتهن لمن يدفع أكثر، خاصة لزبنائها من الخليجيين إذ تجني عن كل "بكارة" مبلغا قد يصل إلى 1500 أورو .

وعلى عكس فتيات يشتغلن معها في الملهى واللواتي شرعن في الحديث مع أول كأس دفع المتحدث إليهن ثمنها، لم يكن سهلا استمالة نادية لتتحدث عن حياتها، وطيلة الجلسة ظلت حذرة من أن تتسرب من فمها كلمات تدل على أنها تمارس القوادة وتتزعم شبكة مغربية- إسبانية لتهجير الفتيات وإدخالهن عالم البغاء من أبوابه الواسعة، لكن اللعب على وتر الخيانة ومقابلة الإحسان بالإساءة كان كفيلا بإخراج المرأة، التي قارب عمرها 45 سنة من صمتها، وتحفيز لسانها السليط على سرد بعض تفاصيل حياتها.

تقول نادية التي غزا الشيب مساحات كثيرة من رأسها، وهي تطل من تحت نظارتها وكأنها تتفحص وجوه الحاضرين بحثا عن شيء خاص، إنها استقرت في إسبانيا قبل 14 سنة، وتقلبت في عدد من المهن قبل أن تستقر في آخر المطاف في إدارة حانة وملهى متخصص في تقديم خدمات جنسية للزبناء مقابل مبالغ تتحدد حسب سوق الجنس في المدينة، دون أن تقل عن 60 أورو لعشرين دقيقة كحد أدنى يكون نصيب العاهرة خمسين في المائة منها زيادة على ما يجود به الزبون.

تتذكر نادية بكثير من الحسرة السنوات التي قضتها وسط عائلة ميسورة الحال في فاس، وكيف كانت تحظى بعطف زائد حد "الفشوش" من طرف الأبوين، وهي التي تربت تربية الأجانب وتابعت دراستها في مدارس البعثة الفرنسية، وتتذكر أيضا سنوات الجامعة بكلية ظهر المهراز حيث نالت نصيبها، مثل المئات من الطلاب، من هراوات قوات التدخل السريع و"الأواكس" قبل أن تتخرج بإجازة في الآداب الفرنسية وكثير من الأمل في غد مشرق ولم لا خارج التراب المغربي حيث الفرص تنتظر من يقتنصها.

"لم أتردد كثيرا، تقول نادية، في حزم حقائبي في أول فرصة سنحت لي لمعانقة الحلم الأوربي، لكن هيهات بين الأحلام والواقع، ندمت كثيرا على اختياري الهجرة، ولو قدر لي العودة إلى الوراء لفكرت أكثر من مرة قبل أن آتي إلى إسبانيا"، لتضيف: "لم يعد في هذا البلد ما يغري، وللأسف فالكثير من الفتيات اللواتي أحسنت إليهن قابلن صنيعي بجحود كبير وأنتم ترون حالي أعيش وحيدة مع ابنتي من زواج فاشل، رغم أنني كنت سببا في إنقاذ المئات منهن وساعدتهن على الإقامة وتدبر أحوالهن والحصول على أوراق الإقامة، بل كنت سببا في زواج كثير منهن من بعض الأجانب وحتى السياح العرب، لكن أنتم ترون حال من يهب قلبه وماله لمساعدة الآخرين"!

تحقيق: مولاي إدريس المودن (جنوب إسبانيا) * Saturday, March 28, 2009 * هذا التحقيق نُشر بمجلة "الصباح" الشهرية.

0 تعليقات::

إرسال تعليق