الخميس، 16 يونيو، 2011

بحسيتا.. حكاية بيوت المتعة في حلب

بحسيتا.. حكاية بيوت المتعة في حلب.. (ج 1)

bahsita
مدخل بحسيتا على يسار ساعة باب الفرج
ما ذُكرت بحسيتا أمام حلبي، إلا وابتسم.
 أثار هذا الأمر فضولي . وبما أن جيلنا لم يعرفها، والجيل السابق الذي أدركها يتجنب الحديث عنها، وكلما سألت كبار السن عنها ينفون - في البداية وبشدة - معرفتهم المباشرة بها، ثم - تدريجيا - يتبسطون ويسترسلون في الحديث عنها، ويشيرون بحذر أنهم ربما زاروها مرة أو مرتين للإطلاع على ما فيها فقط، ثم وبصوت منخفض - مع تحذيري من نقل ما يحكونه على لسانهم - يروون مغامراتهم فيها.
وبما أنها تعد جزءا من تاريخ بلدنا، والتاريخ تاريخ ،سواء كان سلبيا أو ايجابيا ، ولم أجد في أي مرجع دراسة وافية لتاريخ هذا المكان، الذي قل من امتنع عن زيارته في ذلك الزمان، حسبما تبين لي، ولأهمية المؤشرات الأخلاقية والاجتماعية التي يكشفها تاريخه، والتي أترك تقديرها للقراء، قمت بجمع المعلومات عنه من شفاه من عاصروه، وها أنا أقدمها لكم في مقالتي هذه:

في عام 1901 م قرر والي حلب العثماني رائف باشا افتتاح دار دعارة مرخصة في حلب، أسوة بباقي مدن السلطنة العثمانية، كما ذكر الطباخ في كتابه إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، وكان الهدف منها حصر وتنظيم عمل المومسات في هذا المجال منعا من تواجدهن في مختلف الأحياء وفرض رقابة صحية عليهن، وانقسم الناس حينها بين مؤيد لفكرة حصر الدعارة في أماكن محدودة، ومعارض بشدة للترخيص الرسمي لها..

يقول الطباخ في كتابه الصادر في العشرينيات من القرن الماضي : (بعد أن كانت المومسات قلائل أصبح عددهن يناهز خمسمائة ، وأصبح زائرو هذه الأماكن مئات من الناس بل ألوفا، وتهافت الشباب على هذه المواخير لسهولة الوصول إليها وفشا فيهم داء الزهري والتعقيبة).

لكن ترخيص الدعارة في أماكن محددة محصورة لم يمنع انتشار هذه الظاهرة بشكل سري، والمرأة التي كانت تمارس الدعارة بدون رخصة خارج البيوت الرسمية المخصصة لها، كانت تعاقب بالحبس ، فإذا ضبطت مرة ثانية أو ثالثة تجبرها السلطات المختصة على الإقامة الإجبارية في دور الدعارة المرخصة.

و تقرر على إقامة بيوت الدعارة المرخصة في حلب - التي أطلق عليها اسم المحل العمومي - في حي بحسيتا ،التابع لحارة القلة ، قرب ساعة باب الفرج الحالية.
كان أغلب سكان حارة القلة وبحسيتا قبل افتتاح المحل العمومي من العائلات اليهودية، وقد حدد مؤرخ حلب كامل الغزي في كتابه نهر الذهب عدد سكانها اليهود بحوالي أربعة ألاف شخص في العشرينيات، وأشهرهم آل جدّاع, آل نحمات, آل ساسون, وآل دويك، الذين انتقل الأغنياء منهم للإقامة في محلة الجميلية تجنبا للإقامة قرب بيوت الدعارة.

أما معنى اسم بحسيتا فقد أورد الغزي عدة آراء حول معنى الاسم، ورجّح أخيرا أن بحسيتا مركبة من كلمتين : أولاهما بيت والتي تختصر في السوريانية بحرفي ( با ) فقط مثل أسماء المناطق السوريانية الأخرى (بانقوسا وتعني بيت الناقوس، باريشا وتعني بيت الريس وغيرها) والثانية حسيوتا ومعناها الغفران أو الطهارة، وبذلك يكون معناها بيت الطهارة والمغفرة.

ويقول الغزي: (الظاهر إنه كان فيها زمن الكلدانيين مكان مقدس ،يقصده الناس للاعتراف بخطاياهم).

أما خير الدين الأسدي صاحب موسوعة حلب المقارنة فقد رجح رأياً آخر أورده الغزي فيما أورده من آراء ، وهو الرأي الذي يقول إن الاسم محرف من باح سيتا ، وان شخص اسمه سيتا باح بسر ما ، وافترض الأسدي أن سيته هذا رجل صالح ولهذا السبب هناك جامع قديم جدا في المنطقة اسمه جامع سيته.

و هناك رأي يقول إن سيتة هو اسم منطقة من أصل سورياني ، وان جامع سيته المذكور كانت له باحة أمامه ، وبدمج باحة مع اسم سيته كانت بحسيتا.

و أنا أرجح رأي الغزي على الآراء الأخرى فمن الواضح أن اسم سيته هو اسم قديم آرامي سرياني ، ولا يعقل أن يسبق بكلمة عربية هي كلمة باح (بمعنى أفشى) أو بكلمة باحة (بمعنى ساحة).

شارع بحسيتا هو شارع مستقيم بطول ثلاثمائة متر تقريبا، على جانبيه كانت توجد الدكاكين واغلبها بقاليات، ومنها دكان يبيع المشروبات الروحية ، وفي منتصف الشارع جهة اليمين يوجد مدخل صغير يؤدي إلى زقاق المحل العمومي .

وسابقا كان في الزقاق الذي أقيم فيه المحل العمومي قبل ترخيصه ، مضافة للعموم ، ويطلق العامة على بيوت الضيافة اسم المنزول، وهي من كلمة (نزل) الفصحى ، فيقال مثلا: (حللت أهلا ونزلت سهلا)، وعادة كان الأثرياء والباشاوات والآغوات ينشئون مكانا مخصصا لإقامة الأغراب وضيافتهم مجانا،هو المنزول، و يسمى في الأرياف (الأوضة) .

وبعدما تحول هذا الزقاق إلى مكان للدعارة ، صار اسم المنزول لدى الحلبيين مرتبطا ببيوت الدعارة ، بينما يستخدم أبناء بقية المحافظات هذا الاسم للإشارة إلى المضافات . كما يستعمل الحلبيون كلمة كارخانة للدلالة على بيوت الدعارة، وهي كلمة تركية تعني (مكان العمل)، فالكار هو العمل أو المهنة والخانة هي المكان.

كان المحل العمومي الذي تم ترخيصه للدعارة، مؤلف من مدخل ضيق يحمل رقم 142 في لوحة معلقة على جداره، ولذلك اشتهر هذا الرقم كرمز للمنزول.

و تنفذ من المدخل إلى زقاق ضيق ، على طرفيه مجموعة من الدور العربية، لكل دار حوش وعدة غرف موزعة في أطرافه ، لبعضها غرف علوية ( مربع ) .

و في نهاية الزقاق منفذ آخر له باب مغلق لا يفتح إلا في أحوال خاصة كاستقبال الجنود الفرنسيين والمليس (وهي كلمة مشتقة من ميليشيا) أو لدخول الأطباء وموظفي الصحة .

قرب المحل العمومي كانت توجد حمام عامة تحمل اسم حمام الهنا، وقد خصصت أوقات محددة فيها لفتيات الكرخانة، وقد هدمت الآن.

وقرب المنزول مشفى خصصته الدولة لفحص الفتيات ولمعالجة الأمراض التناسلية.

في الأربعاء من كل أسبوع ، تخرج الفتيات من الباب الخلفي للزقاق المخصص لهذا الأمر ، ليقمن بزيارة الطبابة الشرعية - التي كانت قريبة من المنزول - لإجراء الفحص الدوري ، وفي حال تبين إصابة أي منهن بمرض ما ، تعزل وتحجر حتى تتماثل للشفاء في المستوصف القريب من المنزول . وتوجد فيه غرف تشبه الزنزانات ، كما تحجر الفتيات فيه طوال فترتهن النسائية الشهرية ، لمنعهن من العمل خلالها.

كانت الفتيات تلجأن لكيّ الرحم منعا من حصول الحمل ، والى الإجهاض في حال تم حدوثه ، فقد كانت تربية الأطفال ممنوعة داخل المحل العمومي .

في مدخل المحل العمومي غرفة صغيرة تتواجد فيها دائما مفرزة مؤلفة من عنصرين من رجال الشرطة ، لمنع دخول الأحداث وللتفتيش عن الأسلحة منعا من استعمالها من قبل أقرباء الفتيات اللذين يرغبون بقتلهن لغسل عارهم .

للشرطي في المنزول أهمية عظمى ، فهو يمنع إدخال الأسلحة والسكاكين والمشروبات ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة .

ويصدف أحيانا أن يعين شرطي متساهل ، فيتقاضى مبلغ بحدود الربع ليرة سورية - ارتفعت لاحقا إلى ليرة واحدة - لغض النظر عن الشبان القاصرين الذين دون السن القانونية والراغبين في دخول المنزول .

أمام مدخل المنزول مباشرة يوجد مسرح ضخم لتقديم العروض الفنية ، مؤلف من ثلاث طوابق ، على واجهته الحجرية كتابة قديمة هي (قهوة السلام)، وقد اشتهر آخر أيام عمل المنزول باسم ( مسرح غازي )، وكانت الفتيات اللواتي يملكن مواهب فنية يقدمن عروضا فيه، ويسمين حينها الخوجات ومفردها خوجة، ولا يشترط بالخوجة أن تمتهن الدعارة .

في المنزول تقيم عشرات الفتيات البالغات من مختلف الأعمار والجنسيات، وكلهن غريبات من خارج المدينة، فلا تضع السلطة فتاة من ذات المدينة في منزول المدينة، لأنها تتعرض للقتل فورا من قبل أفراد عائلتها .

السبب الأكبر الذي كان يدفع الفتيات للدعارة، ومن ثم الإقامة الجبرية في المحل العمومي بعد القبض عليهن، هو الفقر والظروف الاجتماعية والأسرية السيئة، وأغلب المومسات لسن جميلات.

كانت المشروبات الروحية ممنوعة بشكل رسمي تجنبا للمشاكل التي يثيرها السكارى، ولكن بعض الزجاجات كانت تتسرب للداخل، كما تقدم المطاعم المحيطة بالمحل العمومي أنواع اللحوم المشوية إلى داخل المحل.

لا يجوز أبدا إخراج الفتيات من المحل العمومي إلى منازل المدينة. ويحق للفتاة يوم إجازة أسبوعي هو يوم الاثنين فكانت الفتيات - في فترة بعد الظهر - ترتدين لباسا محتشما ، ويركبن الحنتور مع رجال مفضلين لديهن لحضور السينما.
وفي حال كبرن في السن ينقلن إلى منزل قريب يسمى المنزول العتيق، حيث يمضين ما تبقى من حياتهن في عوز وفاقة بالغين.

كان أغلب رواد المحل العمومي من الشباب العازبين والمراهقين ومن العساكر والوافدين الغرباء عن المدينة.
كان للعساكر يوم خاص هو الخميس مساءاً، من الساعة السابعة حتى التاسعة مساءاً، وتم تغييره لاحقاً إلى يوم الجمعة ، ولهم تخفيض خاص في السعر يصل حتى النصف، ويأتون برفقة عريف ويصطفون بالدور برتل عسكري، قد يصل الدور إلى العشرات، وتستبدل يومها مفرزة الشرطة التي تحرس مدخل المنزول بعناصر من الشرطة العسكرية.

في الأربعينات كانت هناك ثلاث تسعيرات متعارف عليها ، وهي ليرتين ، وثلاث ليرات ، وخمس ليرات ، تبعا لعمر الفتاة ومستوى جمالها ، وقد زادت هذه التسعيرة لتصل إلى إحدى عشر ليرة في أواخر أيام المحل العمومي.
يمضي الشاب مع الفتاة فترة قصيرة لقاء هذا المبلغ لا تزيد عن ربع ساعة، في حال رغب بتمديدها لمدة ساعة كان عليه أن يطلب فنجان قهوة ويدفع ثمنا له ليرة كاملة، أما إذا رغب بتمضية ليلة كاملة فيدفع تسعيرة مرتفعة ويسمى هذا الأمر الأنكاجيه (وهي كلمة من أصل لاتيني يستعملها الفرنسيون والإنكليز وتفيد التعليق والانشغال).

بعد وصول الكهرباء للمنطقة، وضُع في أرض حوش كل دار آلة كهربائية تسمى (بيك آب) لإذاعة تسجيلات الاسطوانات، فيضع الرجل ربع ليرة سورية فيها، وينتقي الاسطوانة التي تحمل الأغنية التي يفضلها، لتدار آليا.

ومن أشهر الفتيات اللواتي أقمن فيه في العشرينيات الفنانة (بديعة) اللبنانية الأصل، والتي حملت لاحقا لقبٌ مشتق من حي المصابن القريب من بحسيتا، هي الفنانة الشهيرة (بديعة مصابني)، وكانت تقوم بالرقص والغناء في المسرح المقابل للمحل العمومي، ثم رحلت إلى لبنان ثم مصر حيث أقامت كازينو شهير جدا وهو كازينو بديعة مصابني، وقد صدر فيلم مصري شهير بطولة نادية لطفي حول حياتها، وفي آخر حياتها عادت بديعة مصابني إلى شتورة في لبنان، حيث فتحت مخزنا صغيرا بالقرب من مزرعة عائدة لها، تبيع فيه الألبان على الطريق العام باتجاه الحدود السورية .

بقلم : المحامي علاء السيد

بحسيتا.. حكاية بيوت المتعة في حلب.. (ج 2)

استعرضنا في الجزء الأول من مقال (بحسيتا .. حكاية بيوت المتعة في حلب..) ظروف إنشاء المحل العمومي في بحسيتا مع وصف ذلك المكان وشروط الدخول إليه.

ونتابع في هذا الجزء حياة ذلك المجتمع الغريب وحكاياته:

تدير بيت الدعارة في المحل العمومي القوادة التي تسمى بالعامية البترونة (وهو مشتق من الكلمة الفرنسية باترون التي يطلقها الفرنسيون باحترام على السيد أو السيدة التي تتولى إدارة مكان ما)، وتقوم القوادة باستئجار الدار، وتشرف على تأمين مفروشات ومتطلبات مكان عمل ومبيت الفتيات، لقاء الجزء الأكبر من الأجور، ويقع على الفتاة مصاريف أكلها وكسائها، وتقبض الباترونة المال مباشرة من الرجال ولا تقبضه الفتاة، وغالبا ما تمضي الفتاة حياتها وهي مدينة لهذه القوادة التي تستنزف مالها بشتى الوسائل والسبل ..

أشهر القوادات في ذلك الزمان هي حميدة ، والتي تابت في آخر حياتها، وقررت التبرع بكامل أموالها لعمل الخير، في عمل نبيل قل من يقومون به، رجالا ونساءا ممن امضوا حياتهم في جني المال الحرام، وتوجهت إلى أحد رجال الدين، وطلبت منه أن يقبل تبرعها بعدما رفض البقية قبوله، وفعلا بُني منزل من أموالها خصص للتائبات الراغبات في تمضية بقية حياتهن فيه، ويقمن فيه ببعض الأعمال اليدوية لكسب العيش الشريف .

خارج المحل العمومي في البناء الذي أزيل وأقيمت مكانه المكتبة الوطنية، كان منزل سيرانوش الشهيرة وهي يونانية الأصل، ولديها مجموعة من الفتيات، وكان لها الكثير من المشاكل والدعاوي في المحاكم .

كما يتعاون مع القوادة في خدمة الدار رجل يسمى بالعامية - عذرا من القارئ - (العرصة)، وكلمة عرصة هذه لها تصحيف ومعان مختلفة ، فحاليا يقال لقطعة الأرض غير المبنية (عرَصة) بفتح الراء ، وقد اعتاد العرب أن يبدلوا حرف الصاد بحرف السين ، فكلمة (سراطا) مثلا تأتي أيضا ( صراطا ) ، ونقول أيضا سنارة وصنارة .

وتأتي كلمة عرّص عند العرب مطابقة لكلمة عرسّ، وتعني أنه نزل أرضا أو مقاما للاستراحة، ومنها العريس والعروس اللذين يأخذان مكانا خاصا ليلة العرس للاستراحة فيه .
وبذلك تكون مهمة (العرصة) في المنزول تأمين مستلزمات مكان الاستراحة، ومهمته أيضا القيام بمهمة صلة الوصل بين القوادة والسلطة، وفي حال قدم أي زبون شكوى بحق الدار يتحمل العرصة المسؤولية التي تصل للحبس .

من المتعارف عليه دخول الرجال مجانا ، للفرجة فقط على الفتيات في ارض الديار ، ويسمى هؤلاء (حييكة) وتسألهم الباترونة في صيغة تحريضية هل انتم ( حييكة أم ..... )

أحيانا تقع الفتاة في هوى رجل فتستقبله مجاناً، وغالباً بعد منتصف الليل، وينبغي على الفتاة التعويض على القوادة من مالها الخاص .
الرجل الذي تقع الفتاة في هواه ويقع في هواها، تقيم له حفلا يسمى البالو (ويبدو أن الاسم مشتق من كلمة ball التي تستعمل في الانكليزية وتعني حفلة راقصة مختلطة)، تدعو إليه صديقاتها من المومسات ويدعو هو بعض أصدقائه - إذا شاء - وتصبح محرمة على أصدقائه كما يصبح هو محرما على صديقاتها.
ويتحول إلى متردد دائم عليها ويقوم بحمايتها ومبادلتها الهوى، وتقوم هي بالإنفاق عليه إذا شاء، وأطلق الحلبيون على هذا الرجل لقب السيفونجي، وقد كان محتقراً جدا في المجتمع، ولقبه مشتق من الكلمة الفرنسية (سيفون) والتي يطلقها الحلبيون على مجرى تصريف المياه الوسخة.
وقد يتورط أحد شباب العائلات المعروفة بقصة حب مع فتاة من المحل العمومي فيطرده أهله ويمنعوا عته المال، فيتحول إلى سيفونجي.

روى لي قاضي متقاعد حقق في قصة كاترينا اليونانية عندما كان نائبا عاما ، التي قام أحد الأشرار بقطع يدها، لنزع مصاغها الذهبي منها بعدما لم يستطع إخراجه من يدها، ففقدت وعيها ونزفت، حتى وصل دمها للطابق الأرضي فحُملت للمشفى، وفي بادرة إنسانية أغلقت الفتيات المحل العمومي وتوجهن جميعا للتبرع بالدم لكاترينا.
وفي خطوة نادرة وغريبة، تأثر بها بشدة القاضي الذي روى لي الحادثة، تبين وجود الشعور الديني عند هؤلاء الفتيات، اقترحت إحداهن إقامة مولد نبوي شريف على نية شفائها ، وفعلا جلبت حميدة، عدة قراء من العميان الذين يتواجدون في ساحة الجامع الأموي لإقامة المولد، وتحجبت جميع الفتيات، المسيحيات منهن والمسلمات، وأقمن مولدا على هذه النية، ولكن كاترينا فقدت الحياة من شدة النزيف.
وكانت بعض الفتيات يصمن في شهر رمضان ويصلين ويتوقفن عن العمل حتى أول أيام العيد .

يحكي الحلبيون عن كثير من الرجال أحبوا فتيات من داخل المحل العمومي ، وتبنّ على أيديهم وتزوجوا منهن فأخْرَجَوهم من دار البغاء ، بشرط أن يقدموا تعهداً للسلطة وعلى مسؤوليتهم بعدم عودة زوجاتهن للدعارة، متحدين بذلك كل أعراف المجتمع ، ويروى عن هؤلاء الزوجات أنهن تبن توبة نصوح وكن خير أمهات لأولادهن، وكانت كل الفتيات في المحل العمومي يتمنين هذا المصير .

كما روى لي أحد المحامين المتقاعدين قصة غريبة عن فتاة كانت تُعرف بأنها تخاف من حلف اليمين – سواء يمين صادق أو يمين كاذب – فهي لا تحلف يمين أبدا، وقد عُرف هذا الأمر عنها، فقام رجل محتال جشع بإقامة دعوى عليها زاعما أنها استدانت منه مبلغ مائة ليرة سورية، وعندما أنكرت الفتاة أمام القاضي دعاها المحتال إلى حلف اليمين بأنها لم تستدن، فرفضت وفقا لمبدئها، وقام القاضي بإلزامها بدفع المبلغ .
وبعد فترة كرر هذا الرجل الأمر، ودعاها مرة أخرى لحلف اليمين، فنصحها البعض بشرح حقيقة الأمر للقاضي، الذي تأكد من الأمر، وألزم المحتال بإعادة المبلغ القديم وهدده بالحبس إن كرر ذلك .

و روى لي قاض متقاعد آخر دعوى عرضت عليه ، قام فيها أحد الشبان بالاتفاق مع امرأة من المنزول على التوبة والزواج منها بعد أن تشتري بيتا من مالها الخاص ليكون بيت الزوجية ،و اصطدمت المرأة برفض أصحاب البيوت بيعها أي شقة كانت لأنها معروفة منهم ، فاضطرت إلى إرسال هذا الرجل لشراء الدار وتسجيل ملكيتها باسمه، وبعدما فرشتها وجهزتها من مالها الخاص فوجئت به يغير أقفال المنزل، ويتزوج فيه من غيرها .
فما كان منها إلا أن راجعت القضاء للحصول على حقها، فوقف أغلب الناس في صف هذا الرجل ورفضوا مساعدتها في استعادة حقها .
حتى وصلت الدعوى إلى محكمة قاض معروف ، اشتهر زمنها بالنزاهة والشرف ، فأجبر الشاب بعدما تأكد من صدق روايتها على إعادة المنزل لها، وقد توسط الكثيرون لدى هذا القاضي لمصلحة الشاب، باعتبارها مومساً ومالها مالا حراماً، مباركين فعل سلب الشاب لحقوقها، ويذكر الكثيرون دخولها المحكمة، وتقبيلها الأرض بين يدي ذلك القاضي، رافعة يديها بالدعاء له ، وهي غير مصدقة إنصافه لها .

كان أهالي البغايا أحيانا يقتلن البغي عندما يعلمون فجأة بمكانها وبعملها هذا، بعدما تكون قد هربت من بلدها لأسباب مختلفة، ووصل بها الأمر إلى المحل العمومي، وأحيانا كانت تقوم بهذا العمل بعلم أهلها وتمدهم بالمال من شدة فقرهم، وقد يقوم أحد أفراد عائلتها بقتلها إذا ما توقفت عن إمدادهم بالمال .

حدثني قاض متقاعد ثالث عن دعوى عرضت عليه، قصتها أن فتاة كانت تعمل هناك، وكان أخوها يقوم بزيارتها للحصول على مصروفه منها، وبعد مضي عشر سنوات تقدمت الفتاة في السن وقل روادها وبالتالي قل واردها المادي، فلم تعد تعطي أخاها نقودا، فقام بقتلها انتقاما منها، وقد دافع المحامي الذي توكل عن الأخ بأن القتل كان بدافع شريف، وقد حكمت محكمة الجنايات بإسقاط العقوبة عنه بأكثرية مستشارين بمواجهة المستشار الثالث وهو القاضي المذكور، الذي رفض اعتبار الجرم انتقاما للشرف، وطلب تشديد العقوبة على الأخ لأنه أمضى عشر سنوات يستغل شقيقته، ولم يستيقظ شرفه إلا بعد أن أوقفت الأموال عنه، وأيدت محكمة النقض رأي المستشارين وحكمت بأن القتل لدافع شريف، وعللت أن دافع الشرف قد يفاجئ الإنسان في أي وقت ولو جاء متأخرا .

في أواخر أيام المحل العمومي اشتهرت قصة الفتاة عتاب، التي كان أخوها الأول يعمل معها في المنزول، وقام أخوها الثاني الذي كان في السجن - لجريمة ارتكبها - فور إطلاق سراحه، بذبحها، والعودة ثانية للسجن .
في عام 1958 ، أيام الوحدة بين مصر وسورية ، أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر القانون رقم 10 للقطرين السوري والمصري، قضى هذا القانون بإلغاء البغاء وإغلاق كل دور الدعارة .
وعاقب القانون في حينه كل مدير للمحل العمومي يستمر بالعمل، بالحبس لمدة تصل حتى أربع سنوات ، وقد نص القانون أن على وزير الشؤون الاجتماعية والعمل إيداع البغايا المرخص لهن من تاريخ العمل بهذا القانون بمؤسسة خاصة ، وللمدة التي يراها مناسبة لتأهيلهن لحياة كريمة وتدريبهن على الكسب الشريف.
من غرائب القانون المذكور، الذي ألغى ترخيص بيوت الدعارة - علما أنه القانون الساري حتى يومنا هذا - أن الرجل لا يعاقب بأي عقوبة في حال ضبط مع فتاة دفع لممارسة الدعارة معها، بل تعاقب الفتاة فقط .
أما عقوبة من يسهل الدعارة وهي القوادة أو القواد الحبس حتى ثلاث سنوات ، ويحكم بإغلاق المحل ومصادرة الأمتعة والأثاث الموجود به، وفي حال قام هؤلاء بإكراه وإجبار الفتاة على الدعارة أو استقدموا المومسات من خارج القطر ، يكون الحبس حتى خمس سنوات .
وفي حال استخدم القوادون فتاة قاصراً عمرها دون السادسة عشر ،تشدد عقوبتهم وتصل حتى الحبس لسبع سنوات.
و في حال كان من يسهلون دعارتها أبوها أو شقيقها أو زوجها ،سواء كانت قاصراً أو غير قاصر ، تشدد عقوبتهم كذلك ، وتصل حتى الحبس سبع سنوات .
أما مالك أو مؤجر بيت الدعارة، الذي سلمه لقواد يديره وهو عالم بنشاط البيت ، فيعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر وحتى ثلاثة سنوات .
أما الفتاة التي تمارس الدعارة وتعتاد عليها ويتم ضبطها عدة مرات، فتعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر وحتى ثلاث سنوات، وتتهج أغلب المحاكم حاليا بتطبيق الحد الأدنى للعقوبة وهو ثلاثة أشهر .

لم ينفذ هذا القانون عند صدوره إلا لجهة توقف السلطة عن إيداع الفتيات اللواتي يقبض عليهن بجرم الدعارة في المحل العمومي .
خلال سنوات.. تم ترحيل الفتيات اللواتي لم يكن يحملن الجنسية السورية، وبذلك تناقص عدد الفتيات تدريجيا، وكبرت المتواجدات في المحل العمومي في السن .
ولغاية عام 1974 كان عددهن قد أصبح قليلا، وأصغر النساء سنا قد تجاوزت الأربعين .

أخيراً... بعد أربعة وسبعين عاما، قررت بلدية حلب هدم منطقة المحل العمومي، في إطار مشروع تحسين منطقة باب الفرج.
وفعلا هُدم المنزول، وما زال مكانه خراباً حتى هذا التاريخ، وتفرقت المومسات إلى أماكن مختلفة في المدينة، منهن من تابت، ومنهن من استمرت في ممارسة الدعارة السرية .
وانتقلت بعضُ منهن إلى مدن بعيدة لتجنب الاقتراب من أهلهن، مثل مدينة دير الزور، ومدينة القامشلي التي سمي المحل العمومي فيها باسم (البيت الأبيض) .

أخيرا... وفي نهاية هذه الدراسة أقول : سمعت تعليقا طريفا كرره الكثيرون أمامي عند جمعي لمعلومات هذه الدراسة، ولا أدري فيما إذا كانوا محقين به: (من زمان كان الوضع أفضل.. فقد كانت الدعارة محصورة في المحل العمومي في حي بحسيتا، أما الآن فقد صارت قرب بيوتنا، في العديد من الأحياء، وفي المنازل الخاصة والمزارع المقامة في الضواحي).
.........
((المعلم العربي))

0 تعليقات::

إرسال تعليق