السبت، 18 يونيو، 2011

"الحارة – الأمة": من "منظمة الغضب" و"دولة المطلوبين" إلى "لجان المساجد".. باب التبانة خزانًا للبؤس ومشيخات الشباب والثارات الأهلية

الجزء الأول
باب التبانة
مشيخات الشباب

هذا هو عربي، قال دليلي أبو داود، معرفاً بالشاب الذي التقيناه لدقيقتين أو ثلاث أمام مبنى "السنترال" بين باب التبانة وبعل محسن. لفظ كلمة "عربي" كما تلفظ أسماء أعلام لا تحتاج إلى إضافة أو تعريف، كي يدرك سامعها من هم أصحابها.
وعربي هو اسم العلم الشخصي الذي منحه ابن باب التبانة خليل عكاوي، لابنه البكر، كي يكون انتسابه إلى "الأمة" التي "يناضل" لـ"تحريرها"، لصيقاً به التصاقاً دموياً، أي التصاق الأب بوليده، والوليد بأبيه أبو عربي.

وأبو عربي، أي خليل عكاوي، هو "شيخ شباب" باب التبانة، و"المناضل" الفلسطيني الأصل والهوى، والثوري العروبي واليساري المنقلب إلى هوى إسلامي خميني في الحقبة الأخيرة من مسيرته "النضالية"، ليصير أحد ابرز "أمراء" حركة التوحيد الإسلامي الطرابلسية تحت لواء الشيخ سعيد شعبان الراحل أمير أمراء هذه الحركة التي حكمت طرابلس حكماً إسلامياً سلفياً دموياً قوّضه نظام البعث السوري وأتباعه اللبنانيين، ووضعوا له نهاية اشد ترويعاً ودموية من بداياته، فقُتِلَ واغتيل معظم أمرائه (ومنهم خليل عكاوي سنة 1986) وجماعاته المسلحة، أو غُيِّبوا في ظلمات السجون البعثية في سوريا الأسد الأب.

وكان الباحث الفرنسي ميشال سورا – المقيم في لبنان الثمانينات من القرن الماضي، قبل أن تخطفه مجموعة من إسلاميي الحركة الخمينية في لبنان ويُقتل في سجونها – قد كتب دراسة ميدانية عن العالم الاجتماعي لـ"مشيخات الشباب" منذ نشوئها في باب التبانة، استهلها بـ"مشيخة علي عكاوي، شقيق خليل عكاوي البكر أو أبو عربي.

ففي الستينات من القرن الماضي، أسس العكاوي البكر، بحسب دراسة سورا، "منظمة الغضب" التي جمع فيها شباناً من باب التبانة، محولاً "غضبهم" عصياناً اجتماعياً، قومياً عروبياً، ضد سلطات الدولة اللبنانية، وجعل "الموت في سبيل الشعب" شعار هذه المنظمة. والشعب في مخيلة "مشايخ الشباب" ومنظماتهم، هو أهالي الحارة أو الحي الذين تستلهم "مشيخة الشباب" أو عصبتهم في الحارة، غضبهم وتمثله باعتباره غضب الشعب كله والأمة كلها، وباسمه خاضت "منظمة الغضب" معارك ضد شركة كهرباء قاديشا، كلما حاولت تحصيل فواتير الكهرباء المستحقة من الأهالي. وباسم هذا الغضب وشعبه وأمته (وهو الغضب إياه الذي جعلته منظمة "حزب الله" الشيعية والخمينية في لبنان، مصدر "سياستها" العامة)، راحت المنظمة الطرابلسية تقتصُّ من ما تسميهم "عملاء الشرعية"، أي رجال قوى الأمن الداخلي وجهاز مخابرات "الشعبة الثانية" الذي تشير بعض الروايات إلى أن عكاوي نفسه كان أحد "أزلامه" المحليين، قبل أن يساوره "الغضب الشعبي" وينشئ له منظمة و"مشيخة شباب" في الحي، أو الحارة – الأمة. ومن أعمال المنظمة أيضا، قيامها باعتماد ما يسميه الباحث الفرنسي "اللصوصية الاجتماعية" أسلوبا "نضالياً" لممارسة الحقد الطبقي والشعبي، ولتمويل منظمته في الحارة.

من هذه الأعمال تفجير مصرف ونهبه، ونهب صيدلية ومتاجر للمواد الغذائية، وصولا إلى القيام بانتفاضات منظمة تجلت أخيرا في إعلان 15 تشرين الأول 1971 "يوماً للغضب الشعبي".
والأعمال هذه، أي النهب والتفجير واللصوصية، شاعت بداياتها عشية انفجار الحرب الأهلية الملبننة (1975) واعتُبرت عملاً "ثورياً". ففي الشياح، مثلاً، نهب شباب لبنانيون "فتحاويون" (أي ينتمون إلى منظمة "فتح") متجراً للخرضوات على طريق صيدا القديمة، لأن صاحبه مسيحي.

أما في رواية خليل عكاوي سيرة أخيه البكر ومسيرته التي كتبها ميشال سورا، فإن القيام بهذه الأعمال كان ضرورياً لتبقى "معنويات الشباب" مرتفعة ومشتعلة بالحقد والغضب اللذين ما كان لهما أن ينفجرا على هذا النحو أو الشكل من دون خروج المنظمات الفلسطينية المسلحة على الدولة اللبنانية منذ سنة 1968. وهو الخروج الذي مدّت هذه المنظمات شبكاته إلى الأحياء الشعبية الإسلامية في المدن اللبنانية وضواحيها، وجعلته مثالاً "ثورياً عروبياً" يحتذى، وأنشأت له بؤراً مسلحة ومنظمة، منها "منظمة الغضب" في باب التبانة. ففي العام 1967، كان عمر خليل عكاوي 12 سنة حين جذبه هذا المثال وسحره، فقاده سيراً على الأقدام إلى أحد معسكرات منظمة "فتح" البعيدة، كي يصير فتى من فتيانها، لكن أهله أعادوه بالقوة إلى المنزل، بحسب رواية صحافية لسيرته نُشرت بعد اغتياله سنة 1986.

أبو عربي
أما "منظمة الغضب" فقد استطاعت القوى الأمنية اللبنانية من تصفيتها في مطلع السبعينات من القرن الماضي. وذلك على خلفية الصلة الشخصية "الدافئة" بين الرئيسين، اللبناني سليمان فرنجية، والسوري حافظ الأسد. فالأول زعيم عشيرة في منطقة زغرتا المسيحية المتاخمة لطرابلس، وانتخب حديثاً رئيساً للجمهورية. والثاني استولى مع جناحه العسكري العلوي حديثاً على السلطة والرئاسة في سوريا، وأراد حصر انتشار بؤر السلاح الفلسطيني بإدارته الأمنية والسياسية الجديدة دون غيرها. وهكذا تبادل الرئيسان الجديدان "خدمات" مؤقتة وعابرة، ذهبت ضحيتها "منظمة الغضب" و"شيخ شبابها" علي عكاوي الذي اعتُقل وسُجن وتوفي في السجن سنة 1972، فورث عنه شقيقة الأصغر خليل "المشيخة"، وتابع مسيرته "الثورية النضالية" نصيراً لمنظمة "فتح" الفلسطينية المسلحة، وممتلئاً حقداً ثأرياً مزدوجاً ضد من اعتبرهما قتلة أخيه: الدولة اللبنانية ونظام حافظ الأسد البعثي في سوريا.

ومن بؤر "اللصوصية الاجتماعية" التي يروي سورا سيرة خروجها على الدولة اللبنانية وقوانينها، بؤرة ما سُمي "دولة المطلوبين" في المدينة القديمة من طرابلس وأسواقها. وهي "الدولة" التي كان أحمد القدور رمزها الأبرز و"شيخ شبابها"، وقام الجيش اللبناني بالقضاء عليها بعدما حاصرها طوال شهر كامل من سنة 1974، فخرج بقايا شبانها من أسواق المدينة القديمة ولجأوا إلى أحياء شعبية في طرابلس: السويقة، ظهر المضر، القبة، وباب التبانة الذي كانت "مشيخة شباب" خليل عكاوي قد استعادت نشاطها وضاعفت قوتها فيه على إيقاع مقدمات الحروب الأهلية الملبننة. وهكذا تحولت "اللصوصية الاجتماعية" "عصياناً" أهلياً أو "انتفاضة وطنية عروبية" سمَّت نفسها "المقاومة الشعبية" لـ"حماية المقاومة الفلسطينية" من "المؤامرات الانعزالية" المسيحية، وللدفاع عن "كرامة" طرابلس و"شرفها" و"هويتها" و"ذاكرتها" و"أصالتها". وهذه كلها كانت المدينة القديمة وأسواقها بؤرتها وقلبها النابض في المخيلة الأهلية السياسية في طرابلس، قبل أن ينتقل هذان القلب والبؤرة إلى باب التبانة ومشيخة شبابها التي سلحتها ودربتها منظمة "فتح".

بيت اليسارية والخمينية

في أثناء الحملة العسكرية الإسرائيلية على المنظمات الفلسطينية المسلحة في لبنان صيف 1982، نقلت رواية صحافية أن آلافاً من الطرابلسيين تجمعوا أمام مسجد التوبة في مدينة طرابلس القديمة، وراحوا يبايعون الشيخ سعيد شعبان، خطيب المسجد وإمامه، "أميرا" إسلاميا سلفياً عليهم. وعلى مدخل المسجد وقف الشيخ – الأمير لساعات يتقبل البيعة من مصافحيه واحداً واحداً، وسرعان ما بدأ المسلحون يظهرون في شوارع المدينة التي كان يسيطر عليها الجيش اللبناني.

خليل عكاوي – مثل كثيرين غيره من العروبيين واليساريين، مناضلين ومثقفين وأساتذة جامعات – كان قد بدأ يكتشف، منذ سنة 1979، قدرة الإسلام على تثوير جماهير الشعب والأمة، على مثال الثورة الإسلامية الخمينية في إيران. وهو جسّد اكتشافه هذا بإنشاء ما سماه "لجان المساجد والأحياء"، جاعلاً من المسجد واجتماع الناس ولقائهم وأدائهم الشعائر الدينية فيه، بؤرة نشاط "سياسي"، دعوي وتنظيمي، يمزج النضالية الشعبوية العروبية واليسارية بالنضالية الدينية الإسلامية.

والاكتشاف هذا كان دارجاً في صور وأشكال مختلفة في تلك الحقبة وبعدها. ومن صوره ما فعله كثير من المجموعات اليسارية اللبنانية، العروبية والفلسطينية الثقافة السياسية.

الحارة - الأمّة

لم تكن الخمينية وإيحاءاتها والصلات بأجنحتها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ودعمها، بعيدة عن نشاط الشيخ سعيد شعبان الإسلامي في طرابلس صيف 1982، ولا عن النشاط الجديد لـ"شيخ شباب" باب التبانة، خليل عكاوي، في "لجان المساجد والأحياء".

فهذه جعلت كل "لجنة" منها المسجد و"ثقافته" عماد لحمتها الداخلية، واعتبرت أنها (أي اللجنة) نواة "سلطة شعبية"، بديلة أو نقيضة للدولة، بل "مجتمعا نقيضاً" في الحارة. وذلك على غرار سلطة لجان "رابطة الشغيلة" التي تتلمذ فيها الفتى ناصر قنديل، وأنشأ مع فتيان مثله "سلطة شعبية" في حي التمليص في الطريق الجديدة سنة 1976.

ويؤلف مجموع "لجان مساجد" الحارات الطرابلسية التي يدافع الشبان "العصاة" عن "حرمتها" و"شرفها" و"نقائها" و"هويتها"، ومنها يستمدون قوتهم، أمة إسلامية، بعدما كانت هذه الأمة نفسها عربية، أيام كانت "مشيخة الشباب"، "مقاومة شعبية"، من أهدافها، بحسب ما ينقل ميشال سورا عن أحد شبانها، "أن يظل في مستطاعنا السير في الحي مرفوعي الرؤوس". ذلك أن الأمة، عربية كانت أم إسلامية، ليست سوى الحارة التي يجسد الشبان "أبطالها"، أي "قبضاياتها" أو "فتواتها" الذين تشكل سيرة كل واحد منهم، وجهاً من وجوه "الفتى المتبطل" والعاطل عن العمل في مجتمع الحضيض الاجتماعي في باب التبانة.

على صورة تلاطم الجماهير في إيران الخمينية ومثال ثورتها، راح "شيخ شباب" باب التبانة يحلم بالجماهير الإسلامية وأمواجها البشرية المتلاطمة. وتحت إلحاح هذا الحلم، شكل خليل عكاوي و"لجان مساجده وأحيائه" ركيزة من ركائز "إمارة" الشيخ سعيد شعبان الإسلامية السلفية في مدينة طرابلس، إلى جانب "جند الله" و"حركة لبنان العربي" التي تعود بأصولها إلى "كتيبة فتح الطلابية". لكن الجمع هذا لم يكن في منأى من إيحاء "فتح" ياسر عرفات وإرادته، بعد خروجه من بيروت، مع مسلحي حركته وغيرها من المنظمات الفلسطينية، صيف 1982، تهيوءاً لعودته إلى عاصمة الشمال اللبناني سنة 1983، وجعلها معقلا أو "ثغراً" عسكرياً لجنده، في مواجهة نظام سوريا الأسد الأب الذي كان لمخابراته دوراً بارزاً في شق حركة "فتح" وخروج جناحها المرابط في البقاع قرب الحدود السورية، عن "سلطتها المستقلة"، والتحاق هذا الجناح المعروف بـ"فتح الانتفاضة"، بالسياسات السورية الأسدية في لبنان.

وفيما كانت بيروت وضاحيتها الجنوبية ومخيماتها الفلسطينية، تعيش حقبة حروب الخمينية في لبنان، والتي ستصير "حزب الله" سنة 1985، كانت في عداد "كتيبة فتح الطلابية" أو صدرت عنها. وتؤكد بعض الأخبار والروايات الصحافية أن الشيعي اللبناني والخميني، عماد مغنية – الذي اختفى منذ ثمانينات القرن الماضي حتى اغتياله في دمشق في 12 شباط 2008 – نشأ في أحضان "الكتيبة" الفتحاوية إياها، قبل أن يصير أحد مؤسسي الحزب الخميني في لبنان.

وفيما كانت بيروت وضاحيتها الجنوبية ومخيماتها الفلسطينية، تعيش حقبة حروب داخلية متناسلة، مدمرة ودموية، وجهتها الأبرز تثبيت السيطرة العسكرية للمنظمتين الشيعيتين المسلحتين، "أمل" و"حزب الله" (1983 -1986)، تمهيداً لعودة الجيش السوري إلى العاصمة اللبنانية - كانت طرابلس تعيش الحقبة الأشد دموية وتدميراً في سلسلة حروبها بين الجيش السوري وأتباعه من بقايا "الحركة الوطنية اللبنانية" من جهة، ومعقل ياسر عرفات وملجئه العسكري الأخير في لبنان من الجهة الأخرى. وتنقل روايات صحافية أن المعقل الطرابلسي لعرفات، كان ملجأ لمجموعات "جهادية" إسلامية من بعض مناطق لبنان، إضافة إلى مجموعات من "الإخوان المسلمين" في سوريا الأسد التي انتظرت من "حركة التوحيد الإسلامي" أن تطلب من الزعيم والقائد الفلسطيني الخروج من طرابلس، لتجنيبها مقاتلة الجيش السوري. وحين توجه مسؤولون في الحركة إلى مقر عرفات في الزاهرية، وطلبوا منه عدم توريط المدينة في الحرب ضد سوريا، قال لهم مستعيراً لفتهم الإسلامية كي يحرجهم: "أنا مسلم يطلب النصرة".

المدينة العاصية

ميشال سورا يروي رواية تفصيلية، ومشهدية أحياناً، فصول هذه الحرب الطرابلسية في باب التبانة، فيكتب أن المعارك بين الحيين الشعبيين البائسين (باب التبانة السني، ومعقل خليل عكاوي، وبعل محسن العلوي) ما كانت لتنشأ وتتطور وتستمر وتشهد "الأمجاد في وسائل الإعلام العالمية"، لو لم تكن فصلا من "اللعبة السياسية الإقليمية، بل العالمية" في زواريب الحيين المذكورين. لذا سمى هذه الحرب "قيح" الصراع الحاد بين زعيم المقاومة الفلسطينية ونظام البعث الأسدي في سوريا.

ويصف الباحث الفرنسي مسرح الحرب الطرابلسية، على النحو الآتي: "رشق ناري ينطلق من بعل محسن. أهالي باب التبانة وطرابلس بعدهم، لا يجدون أي صعوبة في فك طلاسم الرسالة النارية: السوريون يريدون إبلاغ ياسر عرفات بأن لا مصلحة له في هذا الشأن أو ذاك. أو هم يريدون إبلاغ رشيد كرامي (الزعيم الطرابلسي ورئيس الحكومة الراحل) بان عليه ألاّ ينسى هذا الأمر أو ذاك". وفي مثل هذه "المحادثة"، لا يشغل "مشايخ الشباب" ومسلحوهم في الأحياء، سوى دور ناقلي "رسائل مشفّرة" وسيلتها السلاح الذي "لا يقيم أي وزن للبشر وحياتهم في المدينة". والدليل الأسطع الذي يسوقه الباحث الفرنسي على اللامعنى العدمي للبشر والمدن في "السياسة" العروبية، من "مشيخات الشباب" حتى نظام حافظ الأسد الأمني في دمشق، هو قيام جيش هذا النظام في شباط 1982، بتدمير وسط مدينة حماة التاريخي على أهله وساكنيه، لإبادة جماعات "الإخوان المسلمين" السنة الخارجين على طاعة النظام العلوي. لذا ساور أهالي طرابلس في تلك الفترة هاجس الخوف من أن تلقى مدينتهم التي يتحصن فيها ياسر عرفات و"حركة التوحيد الإسلامي" السنية، مصير المدينة السورية المنكوبة.

فـ"النكبات" جزء لا يتجزأ من تاريخ المدن العربية الإسلامية القديم والحديث، والتي يشكل الاجتماع الإسلامي والثقافة السياسية العروبية، ركن حياتها "السياسية" وركن علاقات جماعاتها التي تعيش "ريبة" تاريخية مديدة حيال الدولة وفكرتها.

والجماعات هذه لا تجد حلولا لمشكلاتها المتفاقمة، وتصريفاً لصراعاتها ومنازعاتها المتمحورة على الهويات والعصبيات الأهلية والمذهبية والغلبة، إلا في الاحتكام إلى السلاح والتدمير والإفناء والتبديد.

وهذا وجه بارز من وجوه تاريخ طرابلس التي يسميها الرحالة الفرنسي فولني مدينة "عاصية"، ليرى سورا أنها استمرت في القرن العشرين على عصيانها في أشكال متنوعة. ومن وجوه عصيانها إقدامها في محطات كثيرة من هذا القرن، على الخروج على الدولة اللبنانية الجديدة والمعاصرة التي نشأت في العشرينات عن التواصل والتداخل، ولو "الباردين" أحياناً، بين مجتمع جيل لبنان وبيروت. فطرابلس شاب صلتها بالدولة اللبنانية منذ نشوئها "نفور" ترجح بين الكتمان والإعلان، على خلفية شعورها بأن انضمامها إلى لبنان ودولته، يقطعها عن الداخل السوري والإسلامي والعربي، أي عن "هويتها" و"تاريخها".

لذا عاشت على خوف على نفسها من لبنان، مقنّعة خوفها هذا بـ"الاستعلاء" عليه (لبنان) باعتباره "صنيعة الاستعمار والغرب". والخوف والاستعلاء والدونية لابست أيضا نظرتها إلى نفسها وبيروت، عاصمة الدولة الجديدة والناهضة مدينة حديثة ونامية للعصرنة الغربية. وهذا كله حمل طرابلس على الانكفاء على نفسها لتعيش على حنين قاتم إلى زمن كانت فيه عاصمة ولاية عثمانية، والمرفأ الأكثر ازدهاراً على شواطئ المتوسط الشرقي حتى القرن الثامن عشر. والحنين هذا هو الذي حملها على أن تلهج بـ"العروبة الناصرية" في خمسينات القرن العشرين وستيناته، وبـ"العروبة الفلسطينية" المسلحة التي ورثت في لبنان كله دور العروبة الناصرية، ومن رحمها ولدت الحركات الإسلامية الشيعية الأصولية (حزب الله)، والجماعات السلفية السنية (حركة التوحيد الإسلامي الطرابلسية).

العروة الوثقى والعنف

لكن ما صلة هذا كله بباب التبانة و"مشيخات" شبابها؟

ليست "مشيخات" باب التبانة إلا جزءاً من تاريخ المدينة "العاصية" وصورتها عن نفسها، بل هي (المشيخات) التعبير الاجتماعي الأهلي و"الأداة السياسية" لذلك "العصيان" الكامن، المكتوم والمؤجل، في انتظار أن يتحول انتفاضة، يرى شبان الحارة وشيخهم أنها صنيعة الأمة، وتستلهم روحها وتجسد أصالتها ونقاءها وهويتها الأصلية.

هكذا يتحول قبضايات الأحياء وزمرهم من الفتيان والعاطلين المتبطلين، والعراة من النسب والرعاية الأسرية والعائلية وغيرها من الأواصر الاجتماعية الوسيطة، والساقطين إلى حضيض المدينة الاجتماعي، حيث البؤس والرثاثة والعنف – يتحولون "أبطالا شعبيين" تضفي عليهم الحارة – الأمة هالات من "الشهامة" و"الإقدام" و"الشرف" و"النخوة" و"النضال" و"نصرة الضعفاء والفقراء". غير أن هذه "البطولة الشعبية" وصفاتها كلها، ليست سوى قناع "أخلاقي" و"أيديولوجي" صفيق لتصريف العنف تصريفاً أهلياً، عصبوياً وثأرياً، بين جماعات أهلية وعصبية متناحرة.

ميشال سورا يطلق صفة "العروة الوثقى" على اللحمة العصبية الداخلية التي تقوم بين شبان الحارة – الأمة. والعروة هذه التي تجمع بين شبان باب التبانة، لا وجود لها إلا إذا كانت على عداوات ثأرية مع جماعة حارة أخرى هي بعل محسن. والعداوات والثارات هذه ليست سوى الضرع الذي تتغذى منه الحرب الأهلية التي تتخذ أشكالا مختلفة: عصيانات وانتفاضات مسلحة، وحروب تحرير وتطهير دموية ومدمرة.

والعنف الأهلي الذي تصرّفه جماعات "العروة الوثقى" في المدن "الحديثة" وضواحيها، هو عنف "حديث" أو "محدث" في أشكال تنظيمه الاجتماعية وأهدافه واستراتيجياته. فهو يصدر عن منظمات أو أجهزة أهلية مسلحة، تتحصّن بالأهل وتتترّس بهم، والأهل يحتضنونها ويناصرونها ويطلبون حمايتها، فتتسلط عليهم تسلطاً ثقيلاً، غاشماً وقاسياً. لكن العنف والتسلط والقسوة هذه، إنما هي وليدة تكديس البشر تكديساً عشوائياً وغير إنساني، في ضواحي العمران العشوائي الذي يلابس العنف والتسلط والقسوة نسيج اجتماعها العائلي والأسري ملابسة داخلية حميمة. والنسيج هذا هو البطن الخصبة التي منها تستمد المنظمات والأجهزة المسلحة طاقتها ومقدرتها على العنف والتسلط حتى القتل والتدمير الذاتي.

فمن "ناد للشبيبة" كان أمراء (على معنى آمر، وليس أمير) المجموعات المسلحة لـ"لجان المساجد والأحياء" يديرون العمليات العسكرية في باب التبانة ضد بعل محسن، على ما وصف سورا أنهم حولوا "النادي" مركزاً لـ"قيادة" عملياتهم. و"جدران صالة النادي الداخلية من الاسمنت العاري غير المطلي بالدهان. وفي وسطها طاولة "بنغ بونغ" قديمة يكسوها الغبار، فيما ينطرح في إحدى جنبات الصالة فراش مبقور قرب قطع أثاث معدنية مخلّعة ومهترئة. في غرفة داخلية صغيرة كالحة يشتغل مكيف هواء يرسل خريرا لا يتوقف. إنها غرفة القيادة، حيث كان بلال، الرجل الثاني، بعد خليل عكاوي، في "المقاومة الشعبية"، يجلس خلف مكتبه ممسكاً سماعة هاتف ليل نهار، متلقياً المعلومات حول سير المعارك، ومصدرا أوامره إلى الشبان المقاتلين. فيهدئ النفوس، ويتصل بالقيادة المركزية، ويستقبل وجهاء من المدينة والأحياء، ويسعى إلى وقف إطلاق النار، مقسماً أن لا علاقة لرجاله بخرق الاتفاق السابق على وقف إطلاق النار".

إلى هذه الغرفة التي "تعبق دائماً ببطولات اللحظات المجيدة ممزوجة بدخان التبغ الذي تدخن سجائره بشراهة وتوتر، كان يدخل المقاتلون ويخرجون حاملين أسلحتهم الحربية. البعض منهم يمكث في الصالة وقتاً أو فرصة استراحة بين نوبتين خلف المتاريس في الشوارع. أما سكان الحي، أي أهل المقاتلين وجيرانهم، فكانوا شباناً وشيوخاً، يدخلون إلى المقر ويخرجون، بعد استطلاع الأخبار ورفع معنويات المقاتلين".

هذا الوصف الحسي أو الحي لمقر من مقرات حروبنا الأهلية الملبننة، هل كان ميشال سورا يحدس فيما هو يكتبه أن خلية "سرية" ترى أنها تجسد أمة "المستضعفين" الإسلامية، سوف تخطفه في 22 أيار 1985، بعد خروجه من مطار بيروت، وتقتله بصفته واحداً من "مدنسي شرف" هذه الأمة ونقائها الخرافي؟

محمد أبي سمرا ، الأربعاء 2 تموز 2008 - لبنان الآن

سيرة بطولية لـ"إمارة" أبو عربي "العامية" المغدورة في مخيلة أهالي باب التبانة اليوم... الأبوة الرمزية - السياسية والإعالة في "غيتو" التذرر والقسوة والحياة العشوائية

باب التبانة خزانًا للبؤس ومشيخات الشباب والثارات الأهلية


الجزء الثاني

الإمارة العامية المغدورة

اليوم، أي بعد أكثر من عقدين من السنين على اغتيال خليل عكاوي (أبو عربي) وعلى النهاية الدموية لـ"إمارته العامية" المسلحة في باب التبانة، لا تزال الإمارة هذه وأميرها حيّين في ذاكرة أهالي "الحارة - الأمة" ومخيلتهم الجماعيتين، ومحفوفتين بهالات البطولة والحنين إلى زمنهما المغدور الآفل والمقيم في وقت واحد.

"أتمنى لو عشت أو أعيش اليوم في زمن أبو عربي، لأكون شبلاً من أشباله"، قال عبد الله الذي لم يتجاوز الحادية والعشرين، والمولود في باب التبانة سنة اغتيال خليل عكاوي (1986). عبد الله ابن لأب كان اسمه الحركي "ماو"، حين كان من جند الإمارة العامية المسلحة التي كانت في حال "انتفاضة" دائمة على "الظلم"، ونشرت "الأخوة" و"النجدة" و"النخوة" بين الناس، وكان هدفها إنصاف "الفقراء" و"توحيد" كلمتهم، على ما يروي الأب المجند المتقاعد. ومن الإمارات التي تؤكد هذه المآثر في رواية أبو عبد الله، أنه كان "يأتمن" أبو عربي على "أخته" التي لم يكن يستريب أو تداخل نفسه شكوك في بقائها "عفيفة" و"شريفة" ونقية، لو نامت مع "القائد" وحدهما في غرفة واحدة. والمأثرة هذه، أي صون أعراض الرجال وحمايتها، في طليعة الفضائل في مجتمع ذكوري أو رجولي يعادل خوفه من النساء وعليهن واحتقارهن وتسفيلهن، رفعهن إلى موضع تمثّل فيه عفتهن وطهارتهن وبكارتهن شرف الرجال في مشيخات الشباب.

في المخيلة العامية لمشيخة شباب أبو عربي المنتفضة على مثال العاميات الثورية والقومية العروبية، تحضر صورة "القائد" بوصفه حامي حمى الحارة، وباعث "النخوة" و"العزيمة" و"التآخي" في صدور رجالها الذين بسواعدهم وبنادقهم "حرَّرهم" وأقام إمارتهم، وكان مثال "الشرف والنظافة والصدق والأمانة والإخلاص"، حتى فاضت روحه وقضى نحبه في الحارة، ليصير بطلها المغدور، على ما تلهج ألسنة أطفالها وشبانها وشيوخها ونسائها، ومجندي إمارته المغدورة المتقاعدين. كأنما الزمن في باب التبانة – بعدما تضاعفت أعداد سكانها وتكاثف تكدسهم العشوائي اللا إنساني، وتفاقم بؤسهم وعنفهم في "غيتو" الحضيض والاستنقاع الاجتماعيين - معلّق أو موقوف، في انتظار أبو عربي آخر، يكون قدوة ومثالاً ملهماً (بفتح الهاء وكسرها)، ليعيد لـ"الحارة - الأمة" أمجادها السالفة المغدورة.

من يستمع إلى شذرات من سيرة أبو عربي يرويها ويتراواها أهالي حارته اليوم، مستعيدين صفاته ومآثره، لا بد أن تحضره صورة "نبي العرب الحديث"، جمال عبد الناصر (أبو خالد) الذي غالباً ما يحضر مثالاً ملهماً (بفتح الهاء وكسرها أيضا) وبطلاً مغدوراً في الذاكرة والمخيلة العاميتين لشعوب "أمته" العربية التي لا يزال جرحها فاغراً في انتظار قائد ملهم يخلّصها من عثرتها وكبوتها وشعورها بالذل والهوان. كأنما "العقل" العامي لشعوب "الأمة" العربية، يطابق "عقل" الحارة في باب التبانة. وكلا "العقلين" هذين معينهما ومثالهما القصص الشعبي العربي والإسلامي، البطولي والخرافي، من عنترة العبسي حتى الناصر صلاح الدين الأيوبي.

لا تغيب عن سيرة أبو عربي في رواية أهل حارته، أصداء السيرة الحسينية الكربلائية التي يردد رواتها ومستمعوهم من "أمة المستضعفين" الخمينية، قائلين: "يا ليتنا كنا معكم (أي مع أهل بيت الحسين في موقعة كربلاء) لنفوز فوزاً عظيماً"، أي بالشهادة والجنة. فبطل باب التبانة، شأن الحسين في سيرته الكربلائية، كان يعلم علم الحدس واليقين، بحسب مقدمي جند إمارته الناجين، أنه سيقضي نحبه في حال عودته إلى حارته التي كان قد خرج منها إلى عنجر فدمشق، في محاولة أخيرة يائسة لإبعاد أهلها من المصير المأسوي الذي ينتظرهم. وإذ تبين أن محاولته مستحيلة، وعلى رغم النصائح والتحذيرات التي تلقاها من كثيرين في بيروت ودعته إلى العزوف عن العودة إلى طرابلس، أبى إلا أن يعود إلى دياره، ليموت بين أهله و"شعبه" ميتة الأبطال في القصص والملاحم الشعبية. وهو كان، بحسب ما يردد أهله نسجاً على منوال هذه القصص، "يُطعم الفقراء ويلبّسهم، وأي ولد في المنطقة أغلى عنده من نفسه، وإذا أبصره شاب يعبر في شارع، وكان هذا الشاب يدخّن سيجارة، فإنه لا بد أن يرمي سيجارته خجلاً وتهيّباً واحتراماً لأبو عربي. وباب التبانة كانت شوارعها نظيفة احتراماً له أيضا. وإذا ارتفعت أسعار الطحين والخبز، كانت شوارع الحارة تمتلئ بالمتظاهرين في النهار التالي"، بقيادة أبو عربي. أما "الشيخ مازن الذي تربّى على يديه، وهو اليوم إمام مسجد وخطيبه في باب التبانة، فيروح يبكي ويُبكي مستمعيه، كلما جاء على ذكر أبو عربي. والناس جميعاً يحلفون باسمه"، كلما شاء أحدهم أن يؤكد لآخر أنه يصدقه القول. وإذا سمع شخص ما اسم أبو عربي، أو خطرت ذكراه في باله، فإنه يسترسل في "التذكر والتخيّل" مستعيداً أمجاد ذلك "الزمن" البطولي المغدور، أي زمن أبو عربي. روى عم عبد الله أن "ولداً سرق مرة تنكة سمن من محل في السوق، فسارع شاب من شبان أبو عربي إلى إطلاق النار من مسدسه على رجل الولد السارق. لكن أبو عربي استدعى الشاب الذي أطلق النار، فأنّبه وحاسبه على فعلته، قائلاً له: هل سرق ذهباً أو مالاً؟! لقد سرق تنكة سمن كي يسدّ جوع أهله، وعليك أن تنصحه وتساعده، بدل أن تطلق عليه النار".

حين وضع والد عبد الله آلات "جوك بوكس" في محله للألعاب في باب التبانة، أمره أبو عربي بالتوقف عن تشغيل هذه الآلات لأنها تعلّم الشباب المقامرة، وهدّده بإقفال المحل، إذا لم يستجب فوراً للأمر. وهذه امرأة تروي أنها أبصرت ابنة أبو عربي مرة على رصيف مسترسلة في محادثة شبان ومضاحكتهم، ففكرت المرأة أن ابنة القائد الذي كان ملتزماً إسلامياً وداعية التزام إسلامي في إمارته العامية المسلحة، لا تستحق أن تكون ابنة أبيها، وما كانت على هذه الحال من "التفلت" و"الانحلال" لو كان والدها حياً يرزق. ففي مجتمعات الأهل والنسب والدم، لا يحمل الأبناء (والبنات) أسماء آبائهم وأهلهم وعائلاتهم فحسب، بل إنهم لا ينفكون منهم ويظلون امتداداً عضوياً ودموياً لهم ولسيرهم وصورهم، وعليهم أن يحافظوا على إرثهم ليكونوا أهلاً له، فلا يشوهوا سمعتهم وأسماءهم.

فكيف إذا كان هؤلاء الأبناء (والبنات) أبناء القائد أو البطل الملهم أبو عربي؟ وهو الذي رفع راية "الحارة - الأمة" وقضيتها ودمج اسمه باسمها وقدم حياته في سبيل خلاصها من "الظلم" و"الإهمال" و"الفقر"، فرفعته "الحارة - الأمة" بدورها علماً ومثالاً وقائداً لها.

هذا التبادل، بل التدامج والذوبان حتى التطابق التام، بين الزعيم أو القائد أو شيخ شباب الحارة أو أمير إمارتها العامية المسلحة من جهة، وبين الأمة وشرفها أو الشعب وقضيته أو الجماعة وهويتها أو الحي وأهله - إن هذا التطابق هو الركن الأساس الذي تقوم عليه السياسة العروبية التي تمزج بين الدم والنسب والتصوف والهوية الدينية والمذهبية من دون وسائط ولا تمييز.

وفي حالة باب التبانة وشعبها وإمارتها العامية، إسلامية أكانت هذه الإمارة أم يسارية عروبية، سطع ويسطع نجم خليل عكاوي أو أبو عربي، ليجمع في شخصه ومساره وحضوره وإرثه بعد اغتياله، خليطاً متنافراً ومتدافعاً من الصفات والأدوار التي لا تجتمع إلا في مجتمعات التكدس البشري العشوائي، وانحلال الروابط والمراتب الاجتماعية، وتفشي التذرر والاستنقاع، وتحطم الروابط والأواصر العائلية والأسرية، وتداعي المثال الأبوي، وانعدام التعليم والخبرات المهنية وتزايد أعداد الأميين والبطّالين وفتيان الشوارع الجانحين. ومن الصفات والأدوار التي شاءت ظروف باب التبانة وأقدارها أن تجتمع وتتداخل في شخصية خليل عكاوي، نذكر: صاحب الكرامات العامية، قائد منظمة عسكرية أهلية، شيخ شباب حارة أو قبضاي حي، ملهم انتفاضة غيفارية (نسبة إلى غيفارا) عروبية وإسلامية، بطل قومي شعبي، مجسّد هوية جماعة تعيش في ما يشبه "غيتو" وحامل لواء قضيتها ومصيرها، الجسر الذي يربط بين هذا "الغيتو" البائس (الحارة) والأمة العربية وقضية فلسطين، الأخ والأب والصديق والمعيل والمربي، وصاحب الدالّة على الأهالي وحاميهم، الناظر والمحكّم في خلافاتهم ومنازعاتهم الأهلية اليومية، راعي فرق كرة القدم والكشافة وتنظيم الشباب، منظم حملات النظافة في الحي، والمثال الأخلاقي والسلوكي الأهلي والعامي الذي يُلهم ويُستلهم ويُحتذى.

خليل عكاوي في هذا كله، هو صنيعة باب التبانة وثقافتها واجتماعها، قدر ما هي صنيعته وصنيعة حاجتها إليه. ومن هذه صورته في حارته وأهله وقومه، ليس كثيراً على أبناء حارته وأهله وقومه هؤلاء، أن يشعروا باليتم والهوان والضياع، في حال فقدهم إياه اغتيالاً في اللحظة الأشد مأسوية من حياتهم المأسوية. لذا تراهم ينصّبونه بطلاً أسطورياً عامياً منبثقاً من النسيج الاجتماعي الممزق لأهل الحارة - الغيتو وثقافته العامية المفككة البائسة. بطل في حجم طموحات أهل الحارة وآمالهم المغدورة التي كان بطلهم نفسه قد نفح فيهم جذوتها، قدر ما نفخوا هم أيضاً جذوتها فيه.

أطياف الزعيم الأب

شيء ما في إطلالة عبد الله وحضوره بين شبان حيّه بباب التبانة، وفتيته وأطفاله، يبديه على صورة أبو عربي صغير، أو كأنه متلبس طيف شيخ الشباب المغدور الذي يتخيل أن أبو عربي كان*، من دون أن يبصره قط في حياته إلا بطلاً متخيلاً في السيرة البطولية التي صنعها له أهالي باب التبانة، ويتراوونها في ما بينهم، بعدما جعلوها حكايتهم الشعبية التي يختصرون بها "تاريخ" حارتهم. أبو عربي لا يراود طيفه مخيلة عبد الله مستلهماً من الحكاية الشعبية العامة فقط، بل هو حاضر أيضا في حياته "الشخصية" وسيرته العائلية، كأب رمزي أو معنوي مقيم. فوالده كان في شبابه من مجندي إمارة أبو عربي، حين كانت يسارية وعروبية وفلسطينية، قبل أن تصير إسلامية عامية، والتحق الوالد الذي تكنّى باسم "ماو" بجهاز أمن الـ"17" الفلسطيني، "نكاية بأبو عربي" نفسه، لأنه "أسلم" وانضم مع جند إمارته إلى "حركة التوحيد الإسلامية". ويعلّل أبو عبد الله هذا الانضمام بأن "أفكار" أبو عربي "الشيوعية" العامية "لم تكن مقبولة بين الناس في باب التبانة، لأنهم مسلمون". أما باعث "ماو" آنذاك على الخروج من جند الإمارة المتحولة إسلامية عامية، وعلى انضمامه إلى جهاز الـ"17" الأمني، فهو رغبته في البقاء على ما كان عليه، من إقبالٍ على "الشرب والسكر وإطلاق النار عشوائياً" مع صحبه من أمثاله مجندي الجهاز الأمني الفلسطيني، كلما رغبوا في ذلك، مستنكفين عن "التزام الانضباط" المفترض بين جند الإمارة الإسلامية الجديدة.

لكن عبد الله لا يميز بين أبو عربي اليساري والعروبي وأبو عربي الإسلامي العامي، بل هو تحسَّر عاتباً على "الزمن" أو الدهر الذي "لن يجود بزعيم مثله على باب التبانة" التي هيهات أن يكف أهلها، بحسب عبد الله نفسه، عن "الأمل" في أن "يمنحهم" (من؟ الله أم الدهر؟) "زعيماً مثله"، ورغم أنهم يعلمون علم اليقين أن أملهم هذا "صعب"، بل "مستحيل التحقق". ولأنه انتبه فجأة إلى أن ما يقوله (أي تنصيبه أبو عربي أباً رمزياً ومعنوياً له وللحارة - الأمة في باب التبانة) يتعارض مع أبوة أب رمزي ومعنوي آخر جديد، وراهن، استدرك عبد الله قائلاً: "الله يخلّيلنا الشيخ سعد (الحريري) ويحفظه. فهو زعيم السنة في لبنان كله، لكنه بعيد قليلاً عن منطقتنا التي تعتبره ابنها، لأنه ابن الشهيد رفيق الحريري الذي تآمروا عليه وقتلوه، مثلما تآمروا على أبو عربي، وقتلوه".

يكنّي استدراك عبد الله عن جملة من العوامل المتشابكة، المركبة والمتغيرة، والتي يصدر عنها ولاء "الحارة - الأمة"، والمتصلة بهويتها الخاصة والعامة، الأهلية والمناطقية (الجهوية) والطائفية. فعوامل الولاء والهوية في أي من الجماعات المحلية، ليست ثابتة أبد الدهر، إلا في مخيلات دعاة القومية الشوفينية والعنصرية، بل هي تتلون وتتبدل ويتقدم عامل منها ويطغى على العوامل الأخرى، حسب الظروف والأحوال والمنعطفات ومصادر حيازة القوة والخطوة والإعالة.

فبعدما كان ولاء باب التبانة منشدّاً إلى قومية اجتماعية أهلية وناصرية تعادي الدولة اللبنانية في زمن "منظمة الغضب" وشيخ شبابها علي عكاوي، سرعان ما تحولت هذه المنظمة "مقاومة شعبية" مسلحة توالي العروبة الفلسطينية في زمن أخيه أبو عربي الذي حمله انتصار الإسلام الخميني الثوري في إيران، على تقنيع ولاء "إمارته العامية" العروبي بقناع إسلامي تحت لواء "حركة التوحيد الإسلامية" الطرابلسية. ومنذ أواسط ثمانينات القرن الماضي عاشت طرابلس وباب التبانة في حال من "الكمون والضياع" في ولائها، بحسب كثيرين من "مقدمي" انتفاضاتها العروبية. وهي ظلت على هذه الحال حتى غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وجلاء القوات السورية وأجهزتها الأمنية عن لبنان. وفي هذا المنعطف اللبناني الكبير، بدأ يظهر في المدينة الشمالية وأحيائها ولاء جديد تتنازعه عوامل متدافعة وشديدة التركيب، يترجح ظاهرها بين وجوه الزعامات المحلية القديمة (كرامي) والجديدة (ميقاتي والصفدي)، وبين الانشداد إلى الزعامة الحريرية البيروتية التي يعود ظهورها في طرابلس إلى ما قبل اغتيال رفيق الحريري. لكن حادثة اغتيال الزعيم السني اللبناني، واتهام النظام السوري باغتياله، نفختا في هذا الانشداد طاقة جديدة استمدت قوتها من المشاعر "السياسية" المتنازعة لأهالي المدينة الإسلامية والعروبية السنية. فطغت على هذه المشاعر حاجة المدينة الكامنة والمكتومة إلى التحرر من سطوة النظام الأمني السوري وطغيانه الثقيلين عليها منذ ما قبل اغتيال خليل عكاوي. لذا وجدت المدينة الشمالية في "ثورة الأرز" اللبنانية التي فجّرها اغتيال الحريري، وفي اندفاعة 14 آذار 2005 العارمة، سبيلاً إلى إعلان ولائها للحريرية اللبنانية المستجدة والتي تشوبها وتتدافع في بطانتها والى جانبها أنواع شتى من المشاعر والولاءات: العروبة القومية، والإسلام الأهلي التقليدي، والإسلام العامي والسلفي، شعور المدينة بهويتها المحلية الخاصة حيال بيروت، المنازعات الأهلية الداخلية بين جماعاتها وأحيائها، والتي تتخذ طابعاً ثأرياً أحياناً، كما في حالة باب التبانة وبعل محسن.

وإذا عدنا إلى استدراك عبد الله، معطوفاً على ما تقدم أعلاه من عرض لتغير عوامل الولاء وتلونها في طرابلس وباب التبانة، لا بد من أن نلمح شكلاً محدثاً من أشكال دورة الولاء والنسب العصبيين للملك والسلطان في الاجتماع العربي الإسلامي، بحسب المقولة الخلدونية (نسبة إلى ابن خلدون).

فلكي يستطيع عبد الله، ومعه أهالي باب التبانة، استبدال أب رمزي وزعيم وقائد وابن غائب ومغدور لـ"الحارة – الأمة" (هو أبو عربي) بأب رمزي وقائد وزعيم جديد وماثل (هو الشيخ سعد الحريري، غير المنبثقة زعامته انبثاقاً عضوياً، داخلياً وحميماً، من قلب حارتهم - يجدون أن لا مهرب لهم من توسيط أبو عربي الغائب لقبول الزعيم الجديد الماثل وتأصيله وإكسابه شرعية الزعامة عليهم وعلى حارتهم)، "البعيد" منها مسافة ومكاناً ونسباً، على رغم اشتراكه معهم في "سنيّته"، بحسب لغة عبد الله. وليكتسب التوسيط والتأصيل هذان قوتهما ومسوغهما، يجعل عبد الله وأهالي "الحارة - الأمة" من بعده، الرئيس رفيق الحريري وأبو عربي "أخوين" في تعرضهما لـ"الغدر" و"الشهادة" على يد القاتل نفسه الذي تتوق طرابلس ومعها باب التبانة إلى التحرر من سطوته وطغيانه الثقيلين. هكذا يصير الحريري الابن الشاب، المنبثقة زعامته من "صدمة" اغتيال والده، ابنا وأباً لـ"الحارة - الأمة" إياها، فتطابق زعامته لها، عندئذ، زعامة بطلها وقائدها العضوي القتيل والمغدور كوالد زعيمها الشاب الجديد الذي يرث والده في بيروت ويرث أبو عربي في باب التبانة وطرابلس في وقت واحد. وذلك من طريق توسيط الانتماء إلى "السنّية السياسية" المنبعثة في حلّة لبنانية مستجدة مع اغتيال رفيق الحريري.

لكن هذا التوسيط لا يكفي وحده لإرساء ولاء أهالي باب التبانة للزعامة الجديدة الوافدة من بيروت إلى ديارهم، من دون توافر قوة دافعة تغذي هذا الولاء وتمده بالحياة والاستمرار. والقوة هذه هي الإعالة والمساعدة والعطاء والخدمات والحماية والحظوة التي يحتاج إليها مجتمع التكدس العشوائي للبشر وتذرّرهم واستنقاعهم المزري وبطالتهم وأعمالهم القاسية والمتواضعة والمتقطعة، احتياجاً ملحّاً وضرورياً، كحاجة المناطق المنكوبة إلى الإغاثة.

نظام البؤس والإعالة – الولاء

إذا سألت في باب التبانة اليوم عن توزع ولاءات أهلها بين الشخصيات والزعامات السياسية الطرابلسية، فيأتيك الجواب ببداهة ومن دون تردد: "لمن يدفع أكثر". والمتحدث مع كثيرين من أهالي المنطقة، سرعان ما يكتشف أن للإعالة - الولاء نظاماً يقوم على تنافس وتزاحم محمومين بين بطانات الزعامات وحاشياتهم وأزلامهم ومفاتيحهم الانتخابية المحلية. وهؤلاء يؤدون أدوار الوسطاء بين الزعماء والأهالي، وينقّلون ولاءاتهم بين زعيم وآخر، حسب الظروف وتقلب الأحوال ومقدرة هذا الزعيم أو ذاك على ضخ أموال الإعالة ورصدها للعطاءات والخدمات الاجتماعية المختلفة، من طبابة واستشفاء وأقساط مدرسية وهبات وتكفّل وإعانات مادية وعينية... الخ.

الدور الذي يقوم به هؤلاء الوسطاء يحتاج إلى خبرات ودربة وتشاطر وحنكة في نسج علاقات المحسوبية والاستزلام والحظوة، فتنشأ عن قيامهم بدورهم هذا، كأقطاب علاقات عامة أهلية، مناورات ونكايات وحزازات وتوطؤات واستفزازات تطاول الأهالي من محازبيهم. ونظام الإعالة – الولاء الذي يشغل الوسطاء دوراً محورياً فيه، يشكل شبكات عنكبوتية متحركة، تلابس حطام نسيج الاجتماع الأهلي، ودورة حياته اليومية الكثيفة الآسنة، ملابسة حميمة، ظاهرة ومستترة. بل إن هذه الشبكات هي الشكل الذي تتخذه العلنية العامة في مجتمع أهلي عشوائي كباب التبانة. والمظهر الأبرز لهذه العلنية العامة وشبكاتها المرئية والخفية، هو صور الشخصيات السياسية المنتشرة على جدران خرائب باب التبانة، كمشهد من مشاهد جدارية بؤس البشر وإدقاعهم المادي والمعنوي المزمن.

كثيرون من وسطاء نظام الإعالة – الولاء هذا وأقطابه، كانوا من جند إمارة أبو عربي العامية، ومقدميها التنظيميين والعسكريين، أولئك الذين اختبروا الحياة الحربية الأهلية وشبكات علاقاتها، منذ فتواتهم في "الحارة – الأمة"، قبل أن يقوّض نظام سوريا الأسد إمارتهم، ويرمي كثيرين منهم في سجونه التي لم يخرجوا منها ويعودوا إلى حارتهم وأهلهم، إلا بوساطة سياسيين طرابلسيين يوالون نظام سوريا الأسد وسياساته الأمنية في لبنان. لذا قام العائدون هؤلاء من سنوات التشريد والسجن، بتوظيف خبراتهم وعلاقاتهم الأهلية التي حصّلوها حين كانوا من مقدمي الإمارة العامية، في عملهم الجديد وسطاء في نظام الإعالة – الولاء لدى وسطاء لبنانيين من محظيّي النظام الأسدي ومواليه.

ولعل حقبة السيطرة السورية لنظام الأسدين، الأب والابن، على مفاصل الحياة السياسية والأمنية في لبنان، كانت قد أعفت مواليها وزبائنها اللبنانيين الطامحين إلى التصدر والمكانة والزعامة والنيابة والوزارة في طرابلس السنيّة، من جزء كبير من إعالة الناس والناخبين، لكسب ولائهم وشراء أصواتهم في المواسم الانتخابية. وذلك لأن قيادة الجهاز الأمني السوري الأسدي، صارت هي صاحبة النفوذ في إقطاع من تشاء من مواليها، نفوذاً ومكانة وزعامة ووزارة ونيابة في البرلمان اللبناني، لقاء حصولها على إتاوات مالية من هؤلاء الموالي الطامحين. هكذا لم يعد الطامح إلى النيابة، مثلا، في حاجة إلى نيل رضا ناخبيه عبر آلية نظام الإعالة – الولاء، ما دام أمنيو النظام الأسدي هم الذين ينتخبون النواب ويعيّنون الوزراء اللبنانيين في عنجر، لقاء حصولهم منهم على إتاوات مالية، قبل أن "ينتخبهم" اللبنانيون ويعيّنون وزراء، بعد ذلك.

لذا صار الطامحون اللبنانيون إلى التصدر والنيابة مرغمين على إعالة رجال الأمن الأسدي، بدل إعالة جمهورهم الأهلي المحلي وتقديمهم الخدمات إليه. وقد يكون هذا عاملاً من عوامل تزايد بؤس أهالي باب التبانة وإدقاعهم في حقبة السيطرة السورية الأسدية، بعد مقتل مئات من مجندي إمارتهم العامية في حروب أهلية إقليمية ملبننة يديرها الجهاز الأمني الأسدي نفسه، والجهاز العسكري الفلسطيني بزعامة ياسر عرفات. أما في معركة تصفية هذه الإمارة، فقد قتل من مجنديها مئات أُخر، ورُمي الكثير من الناجين في سجون النظام السوري العرفية.

هكذا شبّت أعداد واسعة من أطفال باب البناية وفتيانها وشبانها في أُسر وعائلات منكوبة ومحطمة، وكثيفة الإنجاب. فنشأ هؤلاء الأطفال والفتيان في اليتم، وتُركوا لمصائرهم الرمادية الرثة والمستنقعة في ضياع حياة شارعية قاسية وعنيفة. فإن لم يجدوا سبلا لتصريف عنفهم اللغوي والجسماني في ما بينهم وضد آخرين وغرباء عن عصبتهم، فإنهم يصرّفونه ضد أنفسهم، لأن العنف هو لغتهم التواصلية والتعبيرية والوحيدة، بعد عيشهم طفولاتهم المبكرة في صحبة فتية الشوارع وعصبها، بلا رعاية ومثال أبويين وأموميين، ولا تعليم.

حتى إذا شبّوا لا يجدون سوى المؤقت والعابر والقاسي من الأعمال في ورش حديد كسر السيارات التالفة. ثم سرعان ما يتزوجون، عشوائياً وفي سن مبكرة، فيقتطعون لزواجاتهم غرفاً أو أجزاء من غرف في بيوت أهلهم التي ينزل فيها، غالباً أعمام لهم وأخوال وعمات وخالات. في هذه البيوت المشتركة المكتظة الصاخبة، يباشرون إنجاب الكثير من الأطفال. ونسبة عالية من هؤلاء المتزوجين والمنجبين العشوائيين تستسهل الطلاق استسهالها الزواج قبله، ليلي الطلاقَ زواجٌ ثان، وأحياناً ثالث، من دون التقليل من الإنجاب. فينشأ أطفال هذه الزواجات المتلاحقة في بيوت مشتركة تزدحم بهم، وأحيانًا كثيرة بعنفهم وعنف أهلهم، قبل أن يهجروا البيوت وعنفها إلى قسوة حياة الشوارع وجنوحها، بعد أن يكون الكثير من الأمهات أو الآباء قد هجروا الحياة الزوجية، تاركين أطفالهم في الفوضى والتسيّب والجنوح.

في مجتمع تخزين البؤس والتسيب والقسوة والعنف، هذا الذي شح تقديم الوجهاء ورجال السياسة، الإعالة والمعونات والخدمات والمساعدات المعيشية لأهله، وتفاقمت البطالة والجنوح فيه، ظهر في أحياء باب التبانة والقبة وأبو سمرا، انقياد فتيان وشبان ورجال إلى حلقات المساجد ومعاهد التعليم الديني، ومنها إلى جماعات الإسلام السلفي العامي التي انضوت في إمارة "حركة التوحيد الإسلامية"، وسيطرت عسكرياً على طرابلس كلها بين 1982 و1986. وإذا جمعنا اليوم إرث هذه الحركة السلفي الدامي، إلى إرث المنظمات الأهلية الأمنية والعسكرية السابق عليها – وهذه كانت، مع الزعامات المحلية، تعيل قسماً من الأهالي – لا يعود يصعب تخيّل ما الذي نبت وينبت في هذه البيئة التي وجدت فيها شبكات أمنية "غامضة" وأخرى سرية للإسلام السلفي الجهادي، بؤرة خصبة لتجنيد مجاهدين ومناصرين عاميين للجهاد في أفغانستان والبوسنة والعراق أخيراً. وكانت الجماعة الأخيرة التي تمدّدت من مخيم نهر البارد الفلسطيني إلى بعض أحياء طرابلس (باب التبانة، القبة، الزاهرية، المنكوبين، شارع المئتين، وأبو سمرا)، هي جماعة "فتح الإسلام" بقيادة شاكر العبسي. لكن قرار القضاء اللبناني الظني والاتهامي، بيّن أن معتقلي هذه الجماعة وقتلاها، بعد حربها على الجيش اللبناني في أواخر ربيع 2007 وصيفه، كانوا في معظمهم من التابعية السورية.

فمن أصل 29 معتقلا وقتيلا هناك 14 سوريا، وهناك 11 آخرون من الـ29، مجهولو الهوية، بينهم سوريون، على الأرجح.

لكن نظام الإعالة – الولاء، ظهر مجدداً وبقوة لافتة في باب التبانة، وراح يوزع المساعدات والمعونات "الخيرية" والخدمات المعيشية، عبر شبكة الوسطاء الأهلية العنكبوتية الموصوفة أعلاه، والتي أنشأها الزعماء ورجال السياسة من الأثرياء الجدد الطرابلسيين، إضافة إلى الزعامة الحريرية البيروتية الناهضة في طرابلس، وعلى صعيد لبنان السني كله. ففي مجتمع "غيتو" التصدع الاجتماعي والأسري والعنف والأمية والبطالة والضياع، تبرز شبكات نظام الإعالة، كضرورة ملحة وإنقاذية، إلحاح حملات إغاثة المناطق المنكوبة بالكوارث الطبيعية، ونجدتها. أما الكلام الذي يحمل هذه الظاهرة على المحسوبية والزبائنية والإستزلام وشراء الولاء، فهو صحيح على وجه الوصف السوسيولوجي "الموضوعي" أو المجرد. لكنه يتحول كلاماً خطابياً بلا طائل، في حال وقفه وتصنيمه على نازع دعوي وخطابي ضد "الفساد"، من دون النظر إلى الوظيفة الموضعية الراهنة لهذه الظاهرة، ومردودها الاجتماعي والإنساني الماثل في باب التبانة. فالكلام الخارجي، المتعالي والطهراني، عن "الفساد" في هذا الموضع، هو كالتوجه إلى السياسيين بالقول: ارفعوا أيديكم وأموال إعالتكم ومساعداتكم وخدماتكم المعيشية عن أهالي باب التبانة، واتركوهم يهوون إلى حضيض بلا قرار، ليظل اجتماعهم بؤرة خصبة لتمادي دبيب العنف والجنوح والجريمة والتدمير الذاتي، أو للسلفية العامية، الجهادية المسلحة والسرية، وحاضنتها الاجتماعية المسالمة والعلنية. وإذا كانت هذه النظرة من البعيد إلى "الفساد" تشبه صرخة متعالية في واد، أو طعنة في الهواء أو الماء، فإن التحريض الدعوي الداخلي لأهالي "غيتو" باب التبانة، على الانتفاض الجمعي، الشعبي والأهلي والعصبي، ضد الخارج، أي الدولة والزعامات السياسية التقليدية والجديدة، فيؤدي دورين متعارضين: بناء "مشيخة شباب" أو "إمارة عامية" مسلحة، تقوم على تكافل وتضامن وتكتيل للأهالي حول نواة عسكرية داخلية، هي الشباب وجند الإمارة المتعاضدون على نحو أخوي، تحت لواء قائد وبطل ملهم (بفتح الهاء وكسرها)، يجسد مع جنده وعداً شعبوياً خلاصياً لـ"الحارة الأمة" من "الظلم" و"الهوان". لكن هذا الوعد لا يؤدي إلا إلى عكسه ونقيضيه، أي إلى حروب مأسوية مدمرة، كما في حالتي "منظمة غضب" علي عكاوي، و"مقاومة" أخيه ووارثه (أبو عربي) "الشعبية" العروبية والإسلامية.

اليوم، أي بعد اندثار إمارة أبو عربي العامية، وبقاء حكايتها وحكايته البطوليتين في مخيلة أهالي الحارة، وبعد ثلاث سنوات على انهيار نظام السيطرة السورية الأسدية على لبنان، وطرابلس خصوصاً، يردد طرابلسيون من فئات وفي أحياء مختلفة، قائلين إن المدينة تشعر، عموماً، بـ"الارتياح" و"التحرر". ولعل هذا الشعور قرينة على أن فئات بدأت تشعر بإمكان استعادة دورة حياة عامة، سياسية واجتماعية واقتصادية، سوية ومستقلة، على رغم التركة الثقيلة للسيطرة الأسدية التي، إضافة إلى ما سبقها من حروب أهلية ملبننة، دمرت الأبنية السياسية والاجتماعية في لبنان الدولة المستقلة. وفي باب التبانة يتحدث كثيرون عن أن السنتين الأخيرتين (2006 – 2007) شهدتا تدنياً في منسوب الاحتقان والتوتر في الحياة اليومية العامة، وانخفاضاً في دبيب حوادث العنف المتفشي بين فتيان الشوارع الجانحين اجتماعياً إلى عنف شبه إجرامي أو على حافة الجريمة. ذلك لأن "سياسة" الإعالة-الولاء القائمة بين الأهالي والسياسيين، وخصوصاً من الأثرياء الجدد الطرابلسيين (نجيب ميقاتي، محمد الصفدي) تنطوي، من وجه أول، على عامل مسكّن لاحتقان جذوة الغضب الاجتماعي الأهلي، وعلى عامل يغذي انقسام الأهلين بين ولاءات محلية متنازعة لا تخلو من الاحتقان، من وجه آخر. الوجهان هذان من أعراض الديموقراطية اللبنانية الأهلية لجماعات، كلما احتقنت واشتدت المنازعات بينها، تجد نفسها متورطة في حروب أهلية – إقليمية مدمرة.

هنا، في هذا السياق، يحضر تساؤل مضطرب: هل يمكن السياسة الحريرية الجديدة أن تشكل، بإعالتها وخدماتها ومعوناتها في طرابلس والشمال اللبناني، احد العوامل المتوافرة اليوم لأداء دور مزدوج ومركب لصالح استقلال لبنان؟

وهل يتمثل هذا الدور المزدوج في وقوف الحريرية، حاجزاً بين هذه المناطق الطرفية وبين نوازع الكثير من تياراتها الأهلية إلى الاستجابة لـ"العصيان" على لبنان ودولته المستقلة، من وجه أول؟ ومن وجه آخر، هل تتصدى هذه الحريرية لدور صلة الوصل الضرورية، الراهنة والمؤقتة، بين أهالي هذه المناطق نفسها وبين لبنان السياسي والاجتماعي والثقافي السائر وسط حقل من الخوف والألغام والاغتيالات والأحقاد الثأرية للنظام الأسدي في سوريا وتركته الأضخم والأشد وطأة على لبنان: "حزب الله" الشيعي الخميني؟

لكن هيهات لنظام "الإعالة – الولاء" أن يكون أكثر من مسكّن للبؤس والغضب والاحتقان في غيتو – مجتمع التذرر والحطام والاستنقاع.

محمد أبي سمرا ، الأحد 6 تموز 2008

0 تعليقات::

إرسال تعليق