السبت، 18 يونيو، 2011

حارة حريك: من ضيعة ساحلية لبنانية إلى ’’مربع أمني’’ يقاوم اللبننة

نشأ مجتمع حارة حريك القروي الساحلي عن هجرات متعاقبة من الجبال إلى المنخفضات والسهول ابتداء من القرن السادس عشر. فأنشأ هؤلاء المهاجرون الجبليون الدساكر أو "الضياع" الساحلية التي راحت تندثر بالتدريج منذ مطالع الخمسينات من القرن العشرين. هذا التحقيق عن مجتمع حارة حريك "الضيعة" الريفية، ثم الحي السكني المنفصل عن المدينة (بيروت) والمتصل بها ابتداء من الخمسينات في ساحل المتن الجنوبي، وصولا إلى الحرب ومجتمعها الحربي الذي حول الحارة "مربعا أمنياً"، هو حصيلة شهادة وسيرة واحدة من 15 مماثلة رواها السكان "الأصليون" الذين اقتلعوا وهجّروا وانتشروا في سائر الديار اللبنانية ودنيا الاغتراب. هنا حلقة أولى من هذا التحقيق.
- 1 -
بين 2002 و2004 سجلت أكثر من 15 شهادة وسيرة حياة وإقامة ونزوح لأشخاص مختلفي الأعمار من قدامى سكان حارة حريك المسيحيين. أصحاب الشهادات والسير جميعاً من الذين انتقلوا قبل الحرب (1975 - 1989) أو نزحوا في أثنائها، للإقامة في مناطق السكن المسيحي الصافي.
تصوّر الشهادات والسير ملامح من الحياة المادية والاجتماعية لأهالي حار حريك، أيام كانت بلدة تغلب عليها الحياة الريفية والزراعية الساحلية. وتروي أيضا محطات من قلق سكانها المسيحيين وخوفهم على مصيرهم في السنوات القليلة السابقة على بدء الحرب، وسير نزوحهم في أثنائها. وهذا يتيح كتابة رواية سوسيولوجية كثيرة الرواة والأصوات عن حياة السكان اليومية والمادية، وعن علاقتهم بالمكان والزمن الاجتماعي، كما تستعيدها ذاكرتهم وتصورها، بعد الانتقال والنزوح. وتروي هذه الرواية أيضا غروب الحياة المحلية واندثارها على إيقاع نشوء مجتمع الحرب وتوسع حلقاته وسط دبيب الخوف والتهجير الطائفيين.

- 2 -
استمر انتقال السكان المسيحيين من حارة حريك ونزوحهم القسري عنها في موجات متفاوتة الكثافة، ابتدأت في أواسط الستينات وتعاقبت حتى نهاية الثمانينات من القرن العشرين، فتلاشى حضورهم فيها واضمحل اضمحلالا كاملاً تقريبا. وهم حين يستعيدون اليوم ذلك الحضور الذي لم يبقَ لهم منه سوى الذكريات والحسرات، تجدهم يضفون على رواية ذكرياتهم شيئاً من الحنين الحزين والمرير، إلى زمن ضائع أو فردوس مفقود.
لكن حنين مسيحيّي الحارة هذا إلى زمن الحياة البلدية المحلية، والريفية الساحلية التي انقطعوا عنها، يكاد لا يختلف إلا قليلا عن حنين العائلات الشيعية من سكانها "الأصليين" إلى زمن تلك الحياة المندثرة. مع العلم أن معظم هذه العائلات لا زال مقيماً في ما كانوا يسمونه "الضيعة" التي، كغيرها من مثيلاتها المنتشرة على ساحل المتن الجنوبي، كانت تُعرف بأسمائها العلم فقط، كبرج البراجنة والغبيري والمريجة والشياح. وهذا قبل أن ترتفع فوق هذه الأسماء البلدية والمحلية تسمية "الضاحية الجنوبية" أو"الضاحية" من دون صفة ولا جهة، لكن الممتلئة والمثقلة واللصيقة بالهوية الأهلية والسياسية والطائفية للجماعة الشيعية الوافدة من الجنوب والبقاع ومن مجتمعات التهجير الحربي، للإقامة فيها.

- 3 -
حتى أواخر الخمسينات كانت البيوت في حارة حريك وحدات سكنية عائلية ومحلية الطراز المعماري، مشيدة بالحجارة الرملية، قبل أن يبدأ تشييد المباني الجديدة بالإسمنت، من دون أن تزيد طبقاتها عن اثنتين أو ثلاث في البدايات. وكان هذان النوعان من البناء منتشرين بين بساتين الأشجار الساحلية المثمرة وحقول الخضر. وإلى جانب دورة الحياة الزراعية، ومن ضمنها تربية الأبقار وبيع حليبها، كان العمل في المعامل المحلية والحرف والوظائف الإدارية القليلة والتجارة الصغيرة في الحارة، وفي وسط بيروت القديم، من مصادر الحياة الاقتصادية للسكان المحليين. وهؤلاء كان يغلب عليهم المسيحيون تخالطهم وتشاركهم أقلية شيعية كبرى متوطنة في حارة حريك، ومساهمة وحاضرة في نسيج حياتها المحلية.
في مطلع الخمسينات أنشئ أكبر مخيمات تجميع النازحين أو اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بين حارة حريك وبرج البراجنة المتجاورتين. أما في الستينات فعاشت الحارة ما يمكن تسميته "الهبة العقارية والعمرانية" البطيئة مع ارتفاع أسعار الأملاك الزراعية فيها، لتتحول أملاكا تجارية يشيد عليها تجار البناء التجاري الجاهز بنايات من طبقات وشقق سكنية كثيرة. وراح يقيم في هذه الشقق بعض السكان الجدد الوافدين من أحياء مدينية. لكن الكتلة الأضخم من الوافدين كانت من المهاجرين الشيعة من الجنوب والبقاع.

-4-
قبل هذه "الهبة العقارية التجارية"، في أثنائها، أي بين أواخر الخمسينات ومطالع السبعينات من القرن العشرين، تعايش في حارة حريك نوعان من العمران ونمط الحياة، وتجاورا: العمران الريفي ونمط الحياة المحلية والبلدية للسكان "الأصليين"، القائم على الزراعة الساحلية والأعمال المتصلة بها، إضافة إلى بعض الحرف والتجارة والوظائف الإدارية الصغيرة. والعمران المحدث أو الجديد، المديني الطابع ونمط الحياة، لكن المنسجم والمتجانس مع الطبيعة الريفية أو شبه الريفية الهادئة في حارة حريك التي كانت تسمى "الضيعة" في لغة سكانها "الأصليين". والعمران الحديث هذا، هو الذي بدأ يحول "الضيعة" الريفية الساحلية، حيا سكنيا على طرف المدينة. فبيروت، منذ خرجت من خلف أسوارها التقليدية القديمة في نهايات الزمن العثماني، راحت تتوسع أحياؤها السكنية الجديدة بعيدا من هذه الأسوار، منذ نهايات القرن التاسع عشر الذي شهد اتصال جبل لبنان ببيروت التي ستصير عاصمة "لبنان الكبير" في مطلع عشرينات القرن العشرين.
فكما كانت محلة رأس النبع مثلا، تتحول في مطالع القرن العشرين موطنا لسكن الفئات المتوسطة الناشئة حديثا والمختلطة طائفيا، خارج بيروت التقليدية القديمة، صارت حارة حريك "الضيعة" البعيدة نسبيا من المدينة، جاذبا لسكن فئات متوسطة ومن البورجوازية الصغيرة المختلطة طائفيا، والناشئة والمتوسعة عددا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
ففي تلك الخمسينات والستينات من الزمن اللبناني والذي انضمت إليه فئات جديدة "تلبننت" في الاجتماع ونمط العيش، وخصوصا في الأحياء السكنية الجديدة الناشئة قرب بيروت، كانت حارة حريك تتمدن وتتحول من "ضيعة" ريفية محلية، إلى محلة سكنية جاذبة لسكان من الفئات المتوسطة والبورجوازية الصغيرة المنقطعة أو المبتعدة عن "جذورها" و"هوياتها" الأهلية. لذا نشأت في الحارة مبان حديثة من طبقة واحدة أو اثنتين أو ثلاث على الأكثر، تشبه "الفيلات" في عمارتها ووظائفها السكنية ونمط حياة ساكنيها الذين تخالطوا بعد وفادتهم من مناطق مختلفة ومتباعدة للإقامة فيها.
لكن هذه الحقبة "الوسيطة" من حياة حارة حريك لم تعمر طويلا، شأن مسيرة المجتمع اللبناني نحو "اللبننة" التي راحت تنهار في وتيرة متسارعة منذ عشايا الحروب الأهلية "الملبننة".

- 5 -
منذ عشايا الحرب في لبنان (1975) كانت حارة حريك قد بدأت تشهد احتضار نمط الحياة الريفية الزراعية ونسيج عمرانها المحلي، وكذلك احتضار الحقبة الوسيطة من حياتها العمرانية. لكن قبل غلبة المهاجرين والمهجرين الشيعة على سكانها، وقبل غلبة التسمية الموحدة (الضاحية الجنوبية) عليها وعلى سائر بلدات ما كان يسمى ساحل المتن الجنوبي، شهدت الحارة نزوح بعض سكانها المسيحيين "الأصليين"، والوافدين الجدد المتنوعي المصادر الأهلية والطائفية والمناطقية. هذا فيما كان انتشار السلاح الفلسطيني في مخيم برج البراجنة وفي خارجه القريب، قد بدأ يقلق سكان حارة حريك من الفئتين، وخصوصاً المسيحيين منهم، على نمط حياتهم ومصيرهم، منذ أواخر الستينات. لذا راح بعض السكان "الأصليين" المسيحيين يبيع بيوته وأملاكه الزراعية، وينتقل مكرهاً للإقامة في الضواحي والمناطق المسيحية في شرق بيروت. أما العمران العشوائي في الرمل العالي والرمل الواطي وحرش القتيل وحي فرحات، فأخذ يحاصرها من الغرب منذ الأيام الأولى للحرب.
هذه الظواهر المتزامنة والمجتمعة، بلغت أوجها بعدما سُمي "انتفاضة" 6 شباط 1984، حتى كادت حارة حريك تفرغ تماماً من مسيحييها مع ما عُرف بـ"حرب المخيمات" (1984 – 1987)، قبل أن ينشىء "حزب الله"، معقله الأهلي والطائفي والأمني فيها.

- 6 -
يشوب الحنين والأسى معظم مشاهد الحياة اليومية التي يستعيدها اليوم لحارة حريك شخص مسيحي تجاوز الأربعين، وتوطنت عائلته فيها منذ أواسط القرن التاسع عشر، ونزح وأسرته عنها في أواسط الثمانينات من القرن الماضي.
المشهد الأقوى حضوراً للحارة في ذاكرته هو مشهد الغروب عشية غروب مجتمعها المحلي وانطفائه. فمن نافذة مطبخ بيته في الطبقة الثانية من بناية من ثلاث طبقات، كان الفتى الذي كأنه هذا الشخص، يرى ضوء النهار المتهيئ للأفول، أصغر باهتاً على البساتين وحدائق الخضر والبيوت والبنايات المتباعدة غير العالية. وكان بصره ينسرح عبر النافذة على مشهد يمتد فسيحاً حتى حدود مطار بيروت الدولي، حيث كان والده الذي يعمل موظفاً في شركة خاصة، يصطحبه وأخته في نزهات مسائية على البولفار المؤدي إلى المطار.
أرصفة هذا البولفار الفسيحة كانت مزروعة بالأشجار الوارفة والبرسيم والزهور التي يعتني بها عمال جنائنيون، قبل أن تتحول أرضا جرداء مزروعة بالخوف والعتمة في أزمنة الحروب المتعاقبة.
كان قد سبق هذا التحول مشهد رآه الفتى لجماعة من الفدائيين الفلسطينيين يتدربون على تخوم مخيم برج البراجنة الفلسطيني المطل على طريق المطار. في المشهد هذا كان الفدائيون يمتشقون بنادق حربية ويقفزون فوق حبل تشتعل تحته نيران في فسحة رملية. كان الفتى في السيارة مع والده وأخته، فوقفوا يتفرجون على المتدربين، مبهورين بمشهدهم الذي لم يروا مثله قط من قبل، ولم يدركوا أنه من المشاهد التي كانت قد بدأت تسمم حياة حارة حريك بوتيرة متسارعة بعد حرب حزيران العربية – الإسرائيلية سنة 1967.
وعن والده الذي كان يعمل أمين مخازن "باريس – لندن" الكبرى في وسط بيروت، ينقل الفتى مشهد تفجير شاحنة لشركة بيبسي كولا في شارع بشارة الخوري إبان حوادث 1958.

-7-
في ذاكرة الفتى صور وأخبار كثيرة وصلته من أهله، وتعود إلى زمن سابق على ذاكرته الشخصية. في هذه الصور والأخبار كانت حارة حريك أحياء بين الجنائن والبساتين. بعض الأحياء كانت تسمى بأسماء عائلاتها، مثل حي الأبيض، وحي بيت الشويفاتي الذي كانت أسرة الفتى تسكن في إحدى بناياته الحديثة المؤلفة من ثلاث طبقات. في الشقة التي تعلو بيتهم المستأجر، كان يقيم ابن شقيقة والده وزوجته.
وفي شقة الروف سكن دركي وزوجته الوافدين من إحدى قرى إقليم الخروب. ومن ساكني الحي أيضا رجل مسيحي وفد قديما من حلب، فتوطن وتزوج من امرأة من عائلة محلية في الحارة، وفتح محلا للخياطة التي كان يتقنها. ومن بيروت وفد للإقامة في الحي رجل سني وزوجته، وكان الرجل يعمل مشغّل بكرات الأفلام في كابين إحدى صالات العروض السينمائية "الراحلة" في وسط بيروت. ومن سكان الحي رجل بيروتي بسطاوي كان يعمل محاسبا في مجلة "الحوادث" ومتزوج من امرأة شيعية من السكان المحليين.
ولتكتمل صورة الاختلاط السكاني بين الأهالي المحليين أو "الأصليين" والوافدين إلى حارة حريك في هذه الحقبة، يذكر الفتى أن بائعي الخضر والفاكهة على عربات يدفعونها أمامهم، كانوا من حوران السورية في معظمهم. أما الذين كانوا يأتون إلى أحياء الحارة حاملين مخابيط لدق السجاد وتنظيفه في آخر الربيع، فكانوا من الشركس. وكان لمن يسمون "عرب سيناء" حضور في ما في الحارة. فعائلة من هؤلاء كانت تتكلم بلهجة بدوية. وهناك شاب إيراني يدعى شاهبور وفد إلى حارة حريك وأقام فيها وتزوج من فتاة مسيحية من سكانها المحليين الذين، لغرابة اسمه الإيراني في أسماعهم، راحوا يدعونه شحتار.
شخص فلسطيني كان يقيم على حدود مخيم برج البراجنة، قريبا من بيت عمة الفتى في الحارة، ويعمل في مشاتل الغاردينيا التي كانت تزرع شتولها في صفائح معدنية تنتشر صفوفها في فسحات على حدود المخيم الفلسطيني. وهناك رجل فلسطيني آخر كان يعمل في بستان كبير يحوط بيت عمة الراوي الذي كان زوج عمته مزارعا ومربي أبقار يبيع حليبها ولبنها. وابن العمة كان يعمل مشغل بكرات أفلام في كابين صالة سينمائية في برج البراجنة.
-8-
من شباك بيته كان الفتى الراوي يطل على محطة للوقود قبالة الكنيسة والشجرة الضخمة العتيقة في ساحتها. ومن الإطلالة نفسها كان يبصر المقهى المعروف بمقهى حارة حريك. كان معظم رواد المقهى المحلي من لاعبي الورق و"السبق" والباروليه ومدخني النراجيل. ورجال الدرك في المخفر القريب المعروف أيضا بمخفر حارة حريك، كانوا يغيرون أحيانا على المقهى الذي يفر رواده سريعا ويتوارون، بعد شجاراتهم، أو لأن الدركيين كانوا يدهمونهم لمنع لعبة الباروليه.
وكان بيت الراوي يطل أيضا على استوديو للتصوير الفوتوغرافي في الطبقة الأرضية من بيت قديم. فوق الأستوديو غالبا ما كان يبصر بيت الكتائب اللبنانية مقفل الأبواب والنوافذ، كأنه مهجور، إلا نادرا، بسبب قلة عدد الكتائبيين في حارة حريك. فأهاليها كانوا في معظمهم على الحزبية الشمعونية، ويمنحون ولاءهم التقليدي والانتخابي للرئيس كميل شمعون.
70 في المئة من تلامذة مدرسة سيدة الملائكة التي كان الراوي يتعلم فيها في شارع بدارو، ويذهب إليها بالأوتوكار مع غيره من فتيان حارة حريك، كانوا من العائلات والأسر المسلمة المحلية والوافدة للإقامة في الحارة والغبيري والشياح والمريجة وشاتيلا وبرج البراجنة. ومن نوافذ الأوتوكار المدرسي كثيرا ما كان التلامذة يشاهدون المسلحين الفلسطينيين ملثمين وحاملين بنادقهم الحربية، في حال من الاستنفار بين مخيم البرج والحارة.
-9-
بعد تكاثر مثل هذا المشهد، وتكاثر الحوادث والاشتباكات بين مسلحي المنظمات الفلسطينية، راحت تشتد وتائر خوف أهالي حارة حريك ممزوجا بالتذمر والسخط. ثم لم تلبث الحياة أن دبت في بيت الكتائب اللبنانية. وصار الشيخ بيار الجميل يزور مركز حزبه، فيتراكض الكتائبيون القلائل للاصطفاف أمام المركز، واستقباله مؤدين له التحية العسكرية الكتائبية.
شتاء 1969، اقتحمت حارة حريك مجموعات مسلحة من الفدائيين الفلسطينيين، ردا منهم على حادثة حصلت في الكحالة، حيث أطلق مسلح النار على موكب تشييع احد الفدائيين إلى دمشق، فسقط عدد من القتلى والجرحى من المشيعين. ثأر الفدائيون لقتلاهم من مسيحيي الحارة، فأسفر ثأرهم عن ستة قتلى و18 جريحا من أهاليها، بحسب فيصل جلول في كتابه "نقد السلاح الفلسطيني – برج البراجنة أهلا وثورة ومخيماً" ("دار الجديد"). بعد الحادثة حصلت موجة نزوح مشهودة بين المسيحيين، تلتها موجة أخرى أثناء اشتباكات أيار 1973 بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين في بيروت.
من ذكريات الفتى في شهادته أن زمرة من فتيان الشوارع راحوا يرشقون بالحصى أوتوكار مدرسته، مدرسة سيدة الملائكة في شارع بدارو، أثناء مروره في محلة الغبيري. بعد تكرار هذه الحادثة أُزيل اسم المدرسة المكتوب بالفرنسية عن الاوتوكار، ودوّن عليه "باص مدرسة" بالعربية.
وعن عمته المقيمة على تخوم مخيم برج البراجنة نقل الراوي أن جارتها الفلسطينية كانت تقول "حتذوقو زي ما ذقنا يا لبنانييّ، كلما تكررت مثل هذه الحوادث في حارة حريك. أما ابنة هذه الجارة، فكانت تقول "وين في رصاص، ما في رصاص؟!"، كلما سمعت جيرانها المسيحيين يتذمرون ويشكون حينما يسمعون أزيز رشقات نارية في الجوار.
والعبارة التي راح أهالي حارة حريك المسيحيين يتبادلونها في كثير من الأعياد، هي: "اشتبكوا نغَّصوا العيد"، معتبرين أن توقيت الاشتباكات وإطلاق النار مقصود لتسميم حياتهم في مناسبات الأعياد.
وفي ذاكرة الراوي مشهد يعود إلى نهار عيد رأس سنة 1975: تظاهرة مسلحة من الملثمين خلفهم زمر من الشبان والأولاد يسيرون في شارع حارة حريك الرئيسي. في مقدم التظاهرة لافتة كتب عليها "عام 1975 فجر جديد، إنه عام التحرير والعودة". ونهار الأحد 13 نيسان 1975 عادت أمه من سفرة سياحية في الخارج، فاصطحب والده الأسرة في سيارته للغداء في مطعم في الجبل. وحين عادوا مساء إلى بيتهم في حارة حريك أخبرهم الجيران بما حدث في عين الرمانة. وفي بداية السهرة دوّى انفجار قوي قريب تبعته زخات رصاص متلاحقة. وسرعان ما تلاحقت الانفجارات وزخات الرصاص في الساحة وعلى طول الشارع الرئيسي في الحارة حتى ما بعد منتصف الليل. الأهالي المنزعون خلف نوافذ بيوتهم خائفين، يشاهدون النيران تشتعل في بيت الكتائب اللبنانية واستوديو التصوير تحته في المبنى القديم. الصيدلية القريبة من الكنيسة يدوّي فيها انفجار. المحال التجارية تحترق وتُنهب، وتُسرق الأتوكارات من ملعب مدرسة الراهبات. النار تشتعل في محطة المحروقات...
بعد توقف الانفجارات وزخات الرصاص قام والد الراوي باصطحاب أسرته في سيارته إلى بيت أهل زوجته في بلدة في المتن الأعلى. هناك كان خال الفتى الراوي ينقل في سيارته الخاصة صناديق ذخيرة حربية للحزب السوري القومي الاجتماعي في الجبل.

محمد أبي سمرا - النهار - 2007 الأحد 21 أكتوبر

0 تعليقات::

إرسال تعليق