الخميس، 23 يونيو، 2011

روابط قديمة ومصالح اقتصادية ودور سياسي .. حسابات روسيا في صراعها مع الغرب على سوريا

في العلن، تتذرع موسكو بتجاوز دول حلف شمال الأطلسي التفويض الدولي في ليبيا، للتهديد بتقويض أية خطوة يتخذها الغرب قد تمهد لتدخل عسكري في سوريا، ملوحة باللجوء إلى النقض "الفيتو" في مجلس الأمن لمنع أي تغيير قد يكلفها أكثر من مجرد إلغاء صفقات تسلح واتفاقات تجارية سخية. وفي الجوهر، تبدو سوريا بالنسبة إلى روسيا أكثر من مكاسب اقتصادية وصفقات تجارية، وإنما أيضا ورقة سياسية، قد تؤدي خسارتها إلى تهديد دور لها في المنطقة.
وقت يسود المواقف الغربية عموماً نوع من الحذر حيال الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها سوريا، على رغم الحملة الأمنية التي تتخللها أعمال قمع وسقوط قتلى وجرحى، في ظل قلق من تبعات مختلفة للانتفاضة السورية، تجاوزت روسيا، برأسيها، دميتري ميدفيديف وفلاديمير بوتين، الحذر الذي اتسم به تعاملها حيال نظام العقيد معمر القذافي، إلى موقف أشد صلابة مع الأزمة التي تعني أحد أهم حلفائها في الشرق الأوسط ، لما لهذا الحليف من أهمية جيو - سياسية تتجاوز حدود الجمهورية السورية إلى نفوذها في المنطقة برمتها.
وتفضل روسيا عموماً اعتبار الانتفاضات العربية شأناً داخلياً، وتحذر من "التدخل في دولة ذات سيادة" وهي لها في ذلك طبعا أسبابها الداخلية والخارجية على حد سواء. ومع ذلك، عندما صوت مجلس الأمن على قرار فرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا، لم تستخدم حق النقض، واكتفت بالامتناع عن التصويت. ومع أنها لا توفر مناسبة لانتقاد العملية العسكرية ضد نظام القذافي، ليس امتعاضها هذا وحده وراء رفضها قراراً تخشى أن يمهد لتدخل عسكري في سوريا. في الواقع، إن سوريا تحديدا تعني الكثير لروسيا.
منذ وصول بوتين إلى الكرملين، اعتمدت موسكو سياسة أكثر نشاطاً حيال الشرق الأوسط، مقارنة بما كانت في ظل حكم بوريس يلتسين، من غير أن تتخلى عن نزعة كانت سادت مذ ذاك تتجلى في النظر إلى الشرق الأوسط من منظار اقتصادي. فروسيا الساعية التي استعادة مجدها الغابر وموقعها قوة عظمى في عالم القطب الواحد، أدركت أن التعافي الاقتصادي ركيزة أساسية لتحقيق هذا الهدف. لذلك، لجأت منذ مطلع القرن العشرين إلى أدوات اقتصادية خصوصاً، بينها صفقات أسلحة، في سياستها حيال الشرق الأوسط لتصير لاحقاً المزود رقم واحد للأسلحة في المنطقة.
واستناداً إلى مؤسسة للرأي تهتم بالتجارة الدولية للأسلحة، ومقرها موسكو، تمثل مبيعات الأسلحة الروسية من سوريا والجزائر نحو ثُمن طلبات الأسلحة الروسية حول العالم والتي يقدر حجمها بـ 48 مليار دولار.
ولئن كان الاقتصاد استأثر بالسياسة الخارجية لروسيا حيال الشرق الأوسط، فقد سارعت موسكو، بعد تعافيها الاقتصادي النسبي، إلى إعادة البحث عن موقع لها في الساحة الدولية، وتمكنت نظراً إلى صلاتها التاريخية بالمنطقة والاستياء العربي من الانحياز الأميركي إلى إسرائيل، من فرض نفسها وسيطاً في الشرق الأوسط، فيما شكلت سوريا ركيزة أساسية لهذا الدور الروسي. وحاولت موسكو دائماً أن تكون جزءا من أي حل بين سوريا وإسرائيل.
وكان عام 2005 نقطة تحول في العلاقات بين دمشق وموسكو. فخلال زيارة الدولة التي قام بها بشار الأسد لموسكو في كانون الثاني من ذلك العام، وقع الجانبان بروتوكولاً يلغي 73 في المئة من الديون السورية، أي ما يعادل 9,8 مليارات دولار، وهو ما مهد الطريق لتعزيز العلاقات المشتركة بين البلدين. وحتى عندما عزلت سوريا دولياً، عقب اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، ظلّت موسكو الشريك الأساسي لسوريا، واحتفظت بميزتها صديقة لسوريا وإسرائيل معاً، وهو ما عزز دائما دورها وسيطاً. لذلك، تدرك موسكو جيداً أنها إذا خسرت علاقاتها مع نظام الأسد، أو خسر الأسد السلطة، قد يتعرض دورها هذا للتهديد.

قاعدة طرطوس

إلى ذلك، تشكل قاعدة طرطوس موطئ القدم الوحيد لروسيا في منطقة البحر المتوسط. فبموجب اتفاق موقع عام 1971، تستخدم قوات البحرية الروسية هذه القاعدة التي شرعت موسكو في إعادة تأهيلها عام 2008 في خطوة اعتبرت قراراً روسيا استراتيجياً رداً على علاقاتها المتوترة مع أوكرانيا. ففي حينه، تردد أنه خلال نزاعها مع كييف على خلفية تمركز أسطول البحر الأسود الروسي في سيباستوبول، فكرت روسيا في احتمال اعتماد قاعدة طرطوس قاعدة بديلة من سيباستوبول. وحتى مع تحسن العلاقات مع أوكرانيا، أظهرت الانتفاضات الأخيرة في الشرق الأوسط أن قاعدة طرطوس لا تزال تكتسب أهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة إلى روسيا.
إلى ذلك، ثمة تقارير عن وجود عسكري روسي في سوريا. والعام الماضي، قتل نائب رئيس الاستخبارات العسكرية الروسي في ظروف غامضة إذ كان في جولة تفقدية للقاعدة في طرطوس، وعثر على جثته في المتوسط قبالة شواطئ تركيا.

علاقات قديمة

في أي حال، ليست روسيا وافدة على المنطقة، فقد أقامت علاقات وثيقة مع دول عدة فيها خلال الحرب الباردة، وكانت سوريا تحديداً زبوناً للسوفيات، ومعظم أسلحتها وصواريخها كانت ولا تزال روسية الصنع. ونجح الجانبان مذ ذاك في الاحتفاظ بعلاقات وثيقة. ومع زيارة الرئيس ميدفيديف لدمشق العام الماضي، سعت موسكو إلى تعزيز العلاقات التجارية مع سوريا، وإعادة تشجيع الحضور الروسي في المنطقة.
في المقابل، أدركت دمشق أهمية المحافظة على هذه العلاقة، وكانت مثلاً من الدول القليلة التي دعمت روسيا في حربها على جورجيا. من هذا المنطلق أيضاً، قد تخشى موسكو خسارة حليف أساسي لها في حال تغيير النظام في سوريا.
لروسيا حسابات قديمة من حيث ما تريده في المنطقة، مع دور سياسي واضح وفاعل، إضافة إلى تطوير مصالحها الاقتصادية. ولا شك في أن صورتها قوة عظمى مؤيدة لعدم التدخل في شؤون الدول ذات السيادة، تلائم رؤيتها لدور كهذا.
حتى الآن، يتناسب الدور الذي تتطلع إليه موسكو مع هذه الصورة التي تسوقها لنفسها. وفي هذا المجال، يبدو أن الأمر الوحيد الذي قد يدفع موسكو إلى الانحياز في اتجاه الضغط الدولي المتزايد على سوريا يتمثل في أن تدعو دول في المنطقة إلى تحرك ضد نظام الأسد.
وفي حين أن اللقاء المتوقع لمبعوث الرئيس الروسي ميخائيل مارغيلوف ووفد من الناشطين الحقوقيين السوريين في موسكو الاثنين المقبل هو سابقة، لن يشكل على الأرجح نقطة تحول في الموقف الروسي.
ويقول الاختصاصي في شؤون روسيا في المركز من أجل المصلحة القومية في واشنطن بول ساوندرز إن"دعوة جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي إلى تدخل روسي ضد نظام القذافي وضع الروس في موقف صعب وحملهم على الامتناع عن التصويت (في مجلس الأمن). إذا واجهت جامعة الدول العربية أو مجموعة دول في المنطقة ضغطاً داخلياً للقيام بأمر ضد سوريا... قد نرى روسيا تغير موقفها على مضض".

موناليزا فريحة (monalisa.freiha@annahar.com.lb ) النهار 23 حزيران 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق