الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

اجتماع بكركي آخر الموارنة وآخرتهم

لم يكن ينقص اجتماع بكركي من يحفظ التاريخ، ولا طبعاً من يحذَر من المستقبل، بل من يستقرئ الآتي من الماضي. فلا يقرأه كما بعضهم في ضوء أمجاد الأمس، ولا كما يفعل بعضهم الآخر، على وقع أخطار الغد.
كان ينقص من يذكِّر المواكب المهيبة، بكيف «صار» الموارنة، نواة لبنان، عبر مراحل ثلاث: أولاً كيف جاؤوا من نسك العراء القورشي بدءاً من القرن الخامس. وثانياً كيف انتشروا في «الجبل»، بصفة «البستاني» و«الحجار» و«السكاف» و«الحداد»... وغيرها من المهن الوضيعة الشريفة التي ذكّرهم بها مرة الراحل محمد أبو شقرا، وصولاً إلى مرحلتهم التاريخية الثالثة، يوم جذبتهم لقمة الخبز في جوار مرفأ بيروت، فنزحوا إلى جواره حمالين و«عتالين»، وسط أبناء طوائف التجارة والوجاهة في الأحياء الأخرى مما قبل العاصمة. فحملوا طويلاً ما لم تحمله جماعة في حينه، حتى صار لهم وطن وكيان ودولة، لا من أجلهم، بل بسببهم.
غير أن قادة موارنة ذلك الزمن (أو من غير الموارنة) بدوا مشبعين بالنعمة والحكمة. فمنذ اللحظة الأولى لقيام الكيان، أدركوا أهمية مراعاة الشراكة فيه مع الآخرين، ومراعاة حسن التناغم مع محيطه. وحدها هذه المراعاة تفسر فلسفة المادة الـ95 من دستور 1926. فيوم كان الموارنة أكثرية ديموغرافية مطلقة في لبنان الكبير، ويوم كانت المرافق التعليمية الجامعية في كل البلاد مقتصرة على مؤسستين كنسيتين هما في الواقع شبه حكر على أبنائهم، في ذلك الوقت تحديداً، قال الموارنة بضرورة التماس العدل والإنصاف بين الطوائف اللبنانية. فلو قالوا بمنطق العدد، لكانوا رابحين. ولو أقروا بمبدأ الكفاءة، لكانوا كذلك أيضاً. لكنهم استقرأوا مبدأ الحق، ومنطق الأمة، فكرسوا الميثاق. والفلسفة نفسها طبقها قادتهم في تعاطيهم التأسيسي مع الجوار منذ الرهان على العروبة أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، في مواجهة السلطنة والتتريك. وبعدها في الرهان على الميثاقية للوقوف ضد الإلحاق، مع تبلور الكيان بين عام 1920 وعام 1943.
غير أن زمن النعمة والحكمة ذاك، لم يلبث أن تآكل واندثر. فانتقل قادة ما بعد الاستقلال من حالة النعمة إلى نعمة الحالة، كحكام غير مسؤولين. وانتقلوا من حالة الحكمة إلى التحكم بأحوال ناسهم وناس سواهم، باللامسؤولية الدستورية نفسها. غير أن أخطر ما غفل عنه هؤلاء في حمأة نعمهم وتحكمهم، هو انقلاب معادلة الميثاق رأساً على عقب. فما كان أكثرية ديموغرافية مسيحية في لبنان الكبير، ترتكز على مقدرات مجتمعية واقتصادية وثقافية بارزة، وسط اتجاهات غربية راعية للمسيحيين، تبدل كلياً. فغابت الأكثرية الديموغرافية منذ الستينيات على الأقل. وردمت كلياً فجوة المقدرات المختلفة بين الطوائف. وجاءت معضلة قيام إسرائيل وصراع الجبارين وإشكالية النفط العربي، لتمحو أسطورة الغرب الراعي والأم الحنون، ولتفتح الكيان على مخاطر الشرق البالغ والأخ الأكبر... ولا من ينتبه من القادة المسيحيين. فبدل أن يبادروا باكراً إلى تصحيح معادلة الميثاق، لتصير أكثر مطابقة لواقع الأرض، استمروا في التعنت والمكابرة. وخصوصاً في المزايدة خلف عناوين «الخطر الفلسطيني» تارة أو الأسلمة تارة أخرى، أو مقولات «الضمانات والامتيازات»، حتى طار الوطن. فبكلام مبسط، لم يكن من المنطقي ولا الأخلاقي ولا العاقل، أن تظل المادة الـ95 من دستور 1926 على حالها حتى عام 1990. ولم يكن كذلك أن تظل معادلة النظام (6 نواب مسيحيين مقابل 5 مسلمين)، فيما كل الأرقام الكيانية قد تبدلت وانقلبت.
شيء شبيه بذلك يتكرر اليوم. المسيحيون بأكثريتهم متمسكون بالمناصفة وبتساوي «الطائف»، فيما الواقع أمر آخر. كأنهم يدخلون مجدداً في هذا الفالق بين الوهم والحقيقة، قبل أن يصحوا ذات يوم وشيك على كوابيس البقية الزائلة منهم. بينما المعطيات من حولهم لا تعوزها الإيجابيات. فنظرية الثنائية اللبنانية بين مسلمين ومسيحيين لم تعد قائمة ولا صحيحة، بعدما بات الزمن للجماعات. وهي في لبنان أكثر من اثنتين حتماً. أما «خطر» القومية العربية المزعوم، فقد أحرقت جثته ونثر رمادها بين النيل والفرات، وهو ما يطرح السؤال: ماذا بقي من «مقتضيات» الميثاق؟ ماذا لو بادر الموارنة الآن تحديداً، إلى المطالبة بالانتقال التدريجي الثابت نحو الدولة المدنية الكاملة، وفق جدول زمني واضح؟ ماذا لو قالوا بإلغاء الطائفية كلياً من الدستور، والاستعاضة عن الديموغرافيا المختلة، بالجغرافيا الصحيحة، عبر قانون انتخابات عضوي الطابع، وذات مفعول دستوري؟ مسألة الآن أوانها، إلا إذا كانت الغاية الأخيرة هي مجرد التأكد من أن يكون آخر مسيحي في لبنان موظفاً رسمياً، فيكون وجوده الباقي بلا وظيفة، وتكون آخرته... رسمية.

جان عزيز - الأخبار العدد ١٤٢٨ السبت ٤ حزيران ٢٠١١

0 تعليقات::

إرسال تعليق