السبت، 21 مايو، 2011

علم اجتماع المنهج الدراسي The Sociology of The Curriculum

في الفصل الرابع من هذا الكتاب تناولنا آثار التغير الاجتماعي على التعليم بوجه عام، أما هنا فإننا سننظر بشكل أكثر عمقاً في الآثار الاجتماعية على المنهج الدراسي ذاته والعلاقة بينه وبين احتياجات ومتطلبات المجتمع، وسوف نبدأ بسرد موجز لتطوره ليساعدنا على رؤية أوضح وأكثر للضغوط الاجتماعية التي تؤثر تأثيراً قوياً على المدارس وما تقوم بتدريسه.

يرجع المنهج التقليدي للمواد الدراسية لما كان يسمى خلال العصور الوسطى "الفنون التحريرية السبعة" ، حيث وصف القديس "أوغسطين" Augustine (354 – 430 م) في كتابه " تراجعات" وصفاً محدداً لكل واحد منها بعد أن أطلق عليها "الأساليب التهذيبية" "Disciplinae " ، ومن الملفت للانتباه ملاحظة أنه خلال العصور الوسطى كانت مسميات "الفنون" و "العلوم" تتبادل المعنى بينهما بالنسبة لتلك الأساليب التهذيبية ، وكان من المعتقد أن الدراسة المستفيضة والدقيقة لتلك الأساليب قد تكون مقدمة أو تحضيراً أو تجهيز الطالب للدراسة الأكثر عمقاً وصعوبة المتصلة باللاهوت والقانون والطب. وبذلك فإن هذه الأساليب التهذيبية السبعة لم تكن تدريباً مدرسياً فحسب ولكنها كانت أيضاً في الواقع مرتبطة عن قرب بالأدوار والوظائف التي من الممكن أن يقوم بها الأفراد في ثلاث مهن مهمة ، وكانت الأساليب الثلاثة الأول يتعلق بدراسة اللغات وهى القواعد اللغوية، والبلاغية، والمنطق (أو الجدل) Dialectic وهي بدورها تعتبر تمهيدية بالنسبة للأربعة التالية وهي الحساب والهندسة والفلك والموسيقى.

وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت مدارس القواعد اللغوية تؤسس بمال الوقف مبدئياً لتحضير وتجهيز التلاميذ للاستمرار حتى الوصول إلى الجامعة التي تؤهلهم للالتحاق بإحدى المهن الأربعة الرئيسية " الكنيسة والقانون والطب والتعليم" لذلك فإن التعليم التحريري الذي كانت توفره مدارس وقواعد اللغة والجامعات هو في الواقع تعليم مهني، بالإضافة إلى ذلك فإن الكثير من مدارس الوقف توفر للكثير من التلاميذ خلال القرن السابع عشر وما بعده أساساً لتدريبهم على تجارة أو حرفة، ولهذا فإنهم كانوا يتلقون أيضاً نوعاً من التعليم الفني، ونتيجة للتقارب بين العلوم والفنون فإن ذلك ظهر جلياً من خلال محتويات الأساليب التهذيبية السبعة (الثلاثة الأولى والأربعة الثانية) وفي الجامعات القديمة كـ"أكسفورد" Oxford و "كامبريدج" Cambridge التي اشتملت محتويات مناهجها على سلسلة كاملة من المواد الكلاسيكية والعلوم الطبيعية.

والمصطلحات مثل "مفيد" Useful و"عملي" Practical و "هادف إلى المنفعة" Utilitarian و " واقعي" Pragmatic هي كما يبدو متعلقة بالأحوال الاجتماعية لأي عصر ، ففي عصر ما كان من الممكن القول أن مادة مثل "اللغة اللاتينية" كانت هادفة إلى المنفعة ، ثم أتى وقت كانت تدرس لأنها مادة تقليدية فحسب.

وفى نهاية القرن السابع عشر ظهرت بعض الاختلافات بين ما هو " قديم" وما هو "حديث" في كتاب "جون لوك" John Lock المسمى بـ "بعض الأفكار المتعلقة بالتعليم" Some Thoughts Concerning، حيث كان يعترض على ما ينظر إليه على أنه تعليم "غير ذي جدوى" وطالب بتغييره، وطالب "لوك" بمنهج أقل تقليدية وأكثر بكثير من التعليم الفكري والسلوكي والبدني.

وتؤكد قصة تطور المنهج الدراسي في القرن الثامن عشر على انتشار المناهج التقليدية التي أدت بدورها إلى تشكيل أساليب تقليدية تعتمد على الترديد والحفظ عن ظهر قلب وحفظ البيانات والتقليد والمحاكاة ، ومن ثم كان طبيعياً أن يكون هناك تأكيد كبير على التعامل مع الكتب والتذكر منها. وبعد إقرار قانون الإصلاح عام 1832 م كانت هناك زيادة في المطالبة بالمدارس التجارية التي تعلم مناهج مثل الحساب والتاريخ والجغرافيا واللغة الانجليزية والطبيعة ومسك الدفاتر ومسح الأراضي، حيث توفر هذه المدارس ما يعتبر بحق تعليماً منفعياً لبناء مستقبل عملي للتلاميذ ويذكر تقرير "سبينز" Spens ذلك:

"في عام 1855 بدأ مشروع لتوفير مدارس للطبقة المتوسطة من أبناء المزارعين وآخرين من الذين يهتمون بالزراعة، حيث اقترح أن يدرس في هذه المدارس اللغة الإنجليزية والتاريخ والتعاليم الدينية والرياضيات شاملة الحساب والجبر وحساب المثلثات ومسك الدفاتر وعناصر الاقتصاد السياسي، بينما تصبح مواد اللغة اللاتينية والكيمياء والميكانيكا والتاريخ الأوربي والموسيقى مواد زائدة ". مما أدى إلى توسعاً في المنهج نفسه ليس فقط فيما يتعلق بعدد المواد المختلفة ولكن أيضاً فيما يتعلق باستخدامه الاجتماعي.

لقد فضلت "لجنة التحقيق المدرسي" - في تقريرها عن المناهج المختلفة للمدارس - التعليم العام بدلاً من تعليم محسوب أو هادف يعد الأطفال لمهن معينة، فبالنسبة للجنة كانت المواد الثلاثة الرئيسية لجميع المدارس الثانوية هي اللغة والرياضيات والطبيعة، حيث أكدت إن دراسة اللغة هو أمر مهم للغاية، فوضوح الفكر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوضوح اللغة فالأول يستحيل بدون الثاني، وبعد عام 1850 كان منهج معظم المدارس الثانوية قد أصبح يحدد بالاختبارات الخارجية، وازداد ذلك في عام 1873 بتأسيس "هيئة الامتحانات المشتركة" لـ "أكسفورد" و"كامبريدج" التي تمنح شهادة الاختبارات العالية والمنخفضة للتلاميذ البالغي ثمانية عشر وستة عشر عاماً بالترتيب. وكانت هذه الامتحانات مصممة خصيصاً للتلاميذ في المدارس الثانوية وهو أمر يختلف عن اختبارات القبول في جامعة " لندن" الذي صمم خصيصاً لدخول تلك الجامعة.

وأوضح التقرير الصادر عن اللجنة الملكية للتعليم الثانوي عام 1895 أن أعضاء اللجنة اعتبروا أن مناهج المدارس الثانوية يجب أن تشتمل على عناصر ثلاثة محددة وهى "الأدبي" و"العلمي" و"الفني" أما بالنسبة للعنصر الفني فقد شعرت اللجنة أن:

"لإحساس بفائدته العملية في الوقت الذي تنمو فيه المنافسة الصناعية والتجارية بطريقة جدية للغاية تجعله ذو أهمية كبرى، ولا يجب اعتبار الإرشادات الفنية كمنافس للتعليم التحرري ولكن كتخصص من ضمن تخصصاته التي أصبحت جزءاً من حياة الدارس، فيجب عليها بقدر ما تستطيع أن تصبح وسيلة للتحفيز الفكري والتثقيف وتكون مستخدمة بنجاح بحق بواسطة هؤلاء الذين يملكون مقدرة عقلية قد هذبتها أساليب التدريب الأدبية والعلمية".

ومن المثير للاهتمام أنه منذ عام 1895 كانت اللجنة الملكية للمدارس الثانوية تستطيع أن تتحدث عن المنهج بمثل هذا الأسلوب، ومن المعتاد الاعتقاد بأن هناك شيئاً جامداً ومقيداً للغاية عند طبقة الموظفين في مملكة التعليم ، ولكن ذلك ليس صحيحاً فالعاملون في نظامنا التعليمي هم دائماً المجددون في الإصلاح المنهجي وأي فحص للتقارير الرسمية وأوراق العمل يبين أنه كان دائماً يوجد قبول للحاجة إلى الإصلاح والتغيير. وفى مناقشته لمنهج مرحلة ما بعد الابتدائية أشار التقرير إلى "تعليم المراهقين" إلى الاحتياج إلى عرض دراسات واقعية وعملية كأداة للتعليم العام بدلاً من الأهداف الفنية والمهنية للتعليم، وقد أكد التقرير على مراعاة الاهتمام بالقدرات الخاصة للأطفال والظروف المحلية والفرص المتاحة للعمل ونوعية العمل أثناء التخطيط لتطوير المنهج الدراسي، وحث أيضاً على ميزة توليد الاهتمامات من الدراسات المدرسية التي تستمر في الحياة في مرحلة ما بعد المدرسة وتزيد من فرص التمتع الأكثر بالتعليم .

وأشار تقرير "هادو" Hadow منذ حوالي نصف القرن إلى ضرورة اهتمام المنهج بأن يقدم للتلاميذ شيئاً يزيد عن التنافس الأكاديمي أو القدرة على النجاح في الاختبارات فحسب ولا يوجد ما هو جديد أبداً في النداء بـ "التعليم من أجل التسلية" ولكن الأمر كله هو أن إلحاح ذلك الموضوع يزيد بزيادة وقت الفراغ نفسه. وبالنظر في المنهج الدراسي الخاص بالمدارس الابتدائية حدد تقرير "هادو" عدم فائدة وخطورة محاولة الغرس في ذهن التلاميذ ما أسماه "أ. ن. وايتهيد" A.N.Whitehead بـ "الأفكار الخاملة" Inert Ideas التي ليس لها تأثير على النشاطات الطبيعية لجسم وعقل الطفل، كما أنها لا تقوم بإضافة أي شيء إلى تجربته.

ويشبه تقرير "هادو" الابتدائي التقرير الثانوي الذي تم نشره قبل ذلك بخمس سنوات وقد كان يتعلق بشكل حيوي بالخبرة المتزايدة للتلميذ وبزيادة إحكام قبضته على أحوال الحياة ، حيث رأت اللجنة الاستشارية أن المشكلة المتعلقة بالمنهج ينظر إليها من ناحية النشاط والتجربة وليست المعرفة المكتسبة والحقائق المخزنة وكان التأكيد على المثل العليا للامتياز في الحياة والسلوك وليس على العبقرية الفذة في الشئون الأكاديمية.

وقد رأت اللجنة أيضاً أهمية هذا الرأي المتعلق بالمنهج من ناحية الأسلوب المتبع ، وقد ناقشوا احتمالات استخدام ذلك في التدريس داخل الأقسام الأكثر تقليدية في المادة ورأوا أيضاً أن الأسلوب يكمن في اختيار مركز للاهتمام وأن دراسة الأطفال يمكن لفترة أن تتجمع على ذلك المركز أو يشع منه، فالأهمية الكبرى لهذه الأساليب كما تراها اللجنة تتألف من أنها توفر مجموعة مختلفة من المنافذ للتساؤلات التي يطلقها التلاميذ الذين قد يأتوا بمواهب خاصة في تعاملهم مع أي مشكلة ولكنهم في أية حال ينمون أشكالاً من التعاون مع زملائهم يكون له وقعاً اجتماعياً مميزاً، بيد أن التقرير كان حريصاً بالنسبة لاستخدام هذه الأساليب فهي أساليب يمكن إساءة استعمالها وتدفع بالقوة لما وراء حدودها المناسبة وبينما يعتبر من المهم تكامل المواد بأسلوب طبيعي كان من المهم أيضاً في مرحلة ما أن يتم الفصل بينها.

وفي عام 1983 أعاد "تقرير سبينز" Spens Report التأكيد بقوة على قرارات لجنة "هادو" كما أعاد التأكيد على أهمية "النشاط والخبرة" وقد أظهر التقرير أن أحد المؤثرات غير الملائمة للنظام الحالي للاختبارات هو أنها تؤكد على ذلك الوجه من الدراسات المدرسية التي ليس لها إلا أهمية قليلة، ولما كانت أنشطة أي مجتمع تجمع بين كل ما هو متحفظ وإبداعي لذلك فإنه يجب أن يكون لهذين العنصرين مكان في المنهج، فالأنشطة التي تذخر بالعنصر الإبداعي كانت في الواقع لديها الحق الأقوى في أن تحتفظ بمكانه في المنهج ذلك لأنها صدرت عن أعمق احتياجات الإنسان ومثلت أعلى إنجازاته.

إن التخطيط الحريص للمناهج يوفر في أوقات مناسبة ذلك النوع من التعليم للمواطنين الذي كان أيضاً ذو أولوية عالية في المنهج الدراسي، فقد أنكر التقرير أي اعتقاد بأن الثقافة والمنفعة العملية هما بأي حال من الأحوال مقصوران بشكل متبادل فالتعليم يجب أن يوفر التدريب على الاستخدام الصحيح لوقت الفراغ وقد كانت اللجنة غير مستعدة لقبول فكرة أن " أيًّا من النشاطات الجارية في المدارس الثانوية – بفرض أنها تحدث بالأسلوب الذي أشرنا إليه - ليست مفيدة بمعنى أنها ترفع من مستوى الحياة في كل مراحلها ولحظاتها". ويبلغ مستوى حياة كثير من الناس أعلى درجة عادة في اللحظات التي يرجعون فيها إلى إمكانياتهم ومهاراتهم الذاتية المتطورة ، وقد اتفقت لجنة " سبينز" على أن دراسات المدرسة الثانوية يجب أن تقترب في تعاملها مع الشئون العملية للحياة ويجب أيضاً أن ترتبط باحتياجات الإنسان خلال الفترة التي لا يعمل فيها.

أما تقرير "نوروود" Norwood Report الذي نشر في عام 1943 فإنه كان متعاطفاً مع بعض الاتجاهات الحالية المتعلقة بالتعليم كأسلوب تحضير للحياة وكسب العيش وكأداة للاستخدام الصحيح لوقت الفراغ ، ولكن للتقرير بعض التحفظات على الأسلوب المتبع في تطبيق هذه الاتجاهات فقد تصور التقرير إمكانية وجود منهج متواصل للأبد لمواجهة المتطلبات الكثيرة التي تعتبر الأسبوع المدرسي قصيراً للغاية، ولم يعتقد التقرير أن الحياة في مراحلها الكثيرة يمكن توقعها إلى المدى الذي نتصوره دائماً بواسطة أطفال المدارس من خلال التدريبات الخاصة لمواجهة الطوارئ والمواقف المختلفة، وكان على التلميذ أن ينمو ليكون تجربة كبيرة وبمحاولة غير ناضجة للتعامل مع أوجه الحياة خارجة عن تجربته تلك تؤدى به إلى الدخول في طور خيالي ويمكن للمدرسة أن تقدم مساندتها بأفضل صورة لفهم مشاكل الحياة كالآتي:

1- تعزيز خواص العقل المتجانس والمتفاهم وتعزيز الإحساس بالمسئولية.

2- تشجيع موقف السؤال الحر وتطور قوة الوعي الذهني بالإضافة إلى الحكم المستقل.

3- توفير بعض المعرفة والفهم للحقائق والأحداث التي تحدد العالم الذي يعيش فيه التلاميذ.

4- زيادة وعى التلاميذ الذين تتسع حدود اهتمامهم بطريقة طبيعية لمعرفة المشاكل التي ستثير انتباههم فيما بعد.

ويعتقد التقرير أن المساهمات الثلاث الأُول يمكن أن يتم تحقيقها بأسلوب مؤثر للغاية من خلال الحياة والعمل العاديين في المدرسة والموجهين للوصول إلى الغاية المنشودة ولكن المساهمة الرابعة لا تتلاءم مع الفصول التي تحتوى على تلاميذ أكبر سناً ، وهنا يجب وجود محاولة مقصودة للتعليم من أجل التعرف على واجبات وحقوق المواطن.

أما " تقرير نيوسوم" Newsom Report الذي نشر في 1963 فقد تناول مضمون وطبيعة المنهج وكذلك الأساليب التي يمكن تطبيقها لإحياء العظام النخرة من الماضي السحيق، فالانفجار الحالي للمعرفة يؤكد الحاجة الماسة لمنهج جديد وطرق تناول جديدة ومن ثم قد تتمثل أهداف المناهج فيما يلي:

1- تطور المهارات الأساسية في التحدث والكتابة والقراءة والفهم وكذلك بالنسبة للأرقام والمقياس.

2- تطور إمكانيات التفكر والحكم والتمييز والتمتع والفضول.

3- استنباط مجموعة من القوانين الأخلاقية والسلوك الاجتماعي التي يمكن أن تكون مفروضة ذاتياً.

4- غرس فهم للعالم المادي في أذهان التلاميذ وكذلك للمجتمع البشرى.

5- تطوير الإحساس بالمسئولية لعملهم الذاتي وتجاه التلاميذ الآخرين.

6- الدمج بين الأنشطة الخارجة عن المنهج وبرامج المدرسة الكاملة.

7- "الخروج إلى العالم" Go Out Into The World لاستكشاف إمكانيات المجتمع فيما يتعلق بالعمل والأماكن ذات الأهمية الثقافية والخدمة الاجتماعية والإبداع مع استمرار تعليمهم.

وفي فصل من تقرير "بلادون" Plowden Report عن "هدف التعليم الابتدائي" أشار إلى أن الهدف الواضح للتعليم الابتدائي هو "ملائمة الأطفال مع المجتمع الذي ينمون فيه"، لذا فإنه من الضروري أن يتم تدريب الأطفال على أن يتأقلموا ويكونوا أكثر مرونة للتكيف مع البيئة الدائمة التغير، وقد كان من الصعب حقاً تكهن نوع المجتمع بالضبط الذي سينمو فيه هؤلاء الأطفال، ولكننا نستطيع أن نقول: إنه مهما كانت تلك البيئة فإنها حتما ستكون متغيرة ومتطورة، وقد اعتبر التقرير أن التطور من جميع الجوانب للطفل أمر حيوي مهم ، وأن اكتساب المهارات الأساسية ضرورة في المجتمع المعاصر، وبالرغم من أهمية التطور الديني والأخلاقي للطفل إلا أن هناك صعاب تواجه التعليم الديني تلك الصعاب انعكست في الملاحظات الملحقة بنتائج وتوصيات التقرير.

ويعد التعاون بين المدرسة والبيت من أوليات أهداف التعليم الابتدائي، بغرض تصحيح الخلفيات التي ينخرط منها الأطفال بقدر المستطاع، وقد استمر التقرير في التأكيد على تأثير المجتمع في المدرسة بقيمها المعقدة الخاصة حيث جاء فيه: "إن المدرسة ليست فحسب محلاً لبيع التعليم لكنها مكان لنقل القيم والمواقف، وهى مجتمع يتعلم فيه الطفل أولاً وأخيراً كيف يعيش كطفل وليس كرجل المستقبل". وكان أحد أهداف المدرسة هو محاولة تحقيق التكافؤ بين الفرص والحد من المعوقات التي قد تواجه الأطفال ، حيث يجب على الأطفال أن يكتشفوا بأنفسهم الأشياء وذلك من خلال التجربة المباشرة والعمل المبدع ، وفى محاولة لتحقيق تلك الأهداف يجب على المنهج نفسه أن يكون مرناً وأن يستغل البيئة إلى أقصى درجة، كذلك ناقش التقرير موضوع "الاكتشاف" Discovery الذي لم يكن مفسراً تفسيراً دقيقاً وكان مفهوماً بأسلوب خاطئ حيث جاء في التقرير: "إن الأساليب المساعدة على الكشف قد تؤدى إلى اكتشاف الأفكار التافهة وقد تكون أيضاً غير كافية ، إلا أن معظم هذه الأساليب قد يساء استخدامها". وبشكل عام فإن التقرير يساند المشاريع والموضوعات التي تدعم مراكز الاهتمام لدى التلاميذ والتعليم بالاكتساب والمنهج المتكامل.

في عام 1967 قدم مجلس المدارس ورقة عمل مهمة للغاية باسم " المجتمع وتارك المدرسة صغير السن" Society and The Young School Leaver وقد اقترحت هذه الورقة تطوير أهداف معينة للعمل الانضباطي في عالم الإنسانيات وهذه الأهداف هي:

1- تشجيع التسامح والمقدرة على التفكير بطريقة بعيدة عن التحامل والتحيز في إصدار أحكام قيمية.

2- مساعدة أعضاء مجتمع المستقبل على اكتساب النضج الشخصي.

3- مساعدة التلميذ على إشباع احتياجاته الشخصية داخل مجتمع المدرسة.

4- مساعدته على أن يحقق هذه الاحتياجات وأن يفهم المجتمع.

5- مد فهم التلميذ لكي يدرك تعقيد وكمال بيئة الإنسان وحضارته.

6- غرس القيم والمواقف والإمكانيات في الذهن ليتعلم بدلاً من تقديم الجزء الأساسي من المعرفة.

ونتيجة لنشر المجتمع لمعرفته وتحكمه في بيئة تلك المعرفة فقد أصبح من الضروري للمدرسة أن تمثل حلقة الوصل بين المعرفة والأطفال بشكل أوسع ، أو إن أردت القول بعمق أوسع ، ومن المعوقات التي تقف حائلاً أمام المدرسة للقيام بهذا الدور أن يكون الجدول المدرسي مكتظ أو المواد الأساسية لا يوجد لها مكان في الجدول، وقد تعاملت المدرسة مع تلك المعوقات بعدة طرق بينما كانت في الوقت نفسه تقوم بتجربة المناهج الجديدة ، فمدت بعض المدارس أسبوعها من خمسة أيام إلى ستة وفى بعض الأحيان أربعة عشر يوماً وبهذه الطريقة تظهر بعض المواد الدراسية الجديدة في الجدول كل ستة أيام أو ربما مرة كل أسبوعين.

ولكن السؤال: "ما الذي يجب أن يدرس؟ " What Should be Taught?، إن الذي يجب أن يدرس هو ما له انطباعات ليست اجتماعية فحسب بل وفلسفية أيضاً، فإن التغيرات في المجتمع والاحتياجات الاجتماعية تلمح إلى التغيرات في التعليم والمناهج الدراسية وذلك لصيانة وتطوير ذلك المجتمع، ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن أي مجتمع مثالي نتصوره وإنما نتحدث بالأحرى عن المجتمع كما ينبغي أن يكون.

وفي هذا يقول " إميل دوركايم " E.Durkheim " إن الإنسان الذي يخلقه التعليم فينا ليس هو الإنسان الذي صنعته الطبيعة فينا ، ولكنه الإنسان الذي يريد المجتمع أن نكونه وذلك المجتمع تتحكم فيه العوامل الاقتصادية الداخلية". فالضغوط والمتطلبات والتغيرات (السياسية والاجتماعية والاقتصادية) للمجتمع تنعكس بقوة في المنهج الدراسي ، أما الضغوط فهي التي تجعل ما يتم تعليمه ملائماً ومفيداً وأكثر تدفقاً بينما تقدم الآراء الفلسفية لمساندة وجهة نظر " أنه ليس هناك تناقض بين ما هو فني وما هو متحرر وأن ازدواجية الثقافة والمنفعة هي فكرة مضلله". وتنعكس الضغوط الاجتماعية على نظام الاختبارات الذي صمم أصلاً ليكون إجراءاً انتقائياً وأسلوباً للالتحاق بالجامعات والمهن ، ونظراً لأن المجتمع يطالب بمستويات معينة من المكتسبات لمهن معينة بالإضافة إلى أسلوب جاهز للانتقاء . فليس هناك بالتأكيد أي احتمال لإلغاء نظام الاختبارات بل الاتجاه العام لحل المشكلة يسير في الاتجاه المعاكس نحو زيادة وتنوع الاختبارات. فيجب الآن أن يكون هناك مؤهلات للجميع بحيث إن التلاميذ لا يستطيعون النجاح في اختبارات المستوى العادي والمستوى المرتفع من اختبارات الشهادة العامة (G. C. E) يمكنهم أن يحاولوا في اختبارات شهادات أخرى، وفي مجتمع تنافسي يلتمس عدد متزايد من الناس مستويات أعلى من التعليم والمزيد والمزيد من المؤهلات فالمناهج قد تتغير وتتطور في أنماطها الجديدة، إلا أن المتطلبات الاجتماعية في عالم الاختبارات لم تتراجع بالمرة وتقابل المتطلبات الاجتماعية للتعليم العالي المتزايد بزيادة في الجامعات والكليات متعددة الفنون والمعاهد الفنية والمنشأة التعليمية الأخرى للتعليم الإضافي والأعلى بما في ذلك الجامعة المفتوحة.

إن الاختبارات والتعليم الإضافي المؤدى للمزيد من الاختبارات يرتبط بوضوح بمستقبل الفرد العملي وبمهنته وحرفته ، بيد أن المتطلبات المنهجية في وقتنا الحاضر ترتبط بأمور أكثر من مستقبل الطفل في المجتمع فهي – كما حددت تقارير كثيرة – تتعلق بأنماط سلوكه ومعتقداته ومواقفه وبأسلوب حياته ، فالتعليم من هذا المنطلق يرتبط بأنماط لغة الطفل وكفاءته اللغوية ووعيه الإدراكي وبقدرته على إصدار الأحكام والتقييم والإبداع واهتماماته العامة وهواياته، وفيما يتعلق بمشاكل اللغة عنده سيجد التلميذ بشكل متزايد أن المنهج الدراسي ينشد تعويضه عن عجزه وحرمانه اللغوي ، وفى عالم الإبداع تنشغل المدارس في وقتنا الحاضر بإثارة إمكانيات التلميذ عن طريق وسائل مختلفة موسيقية وفنية وأدبية. إن المدرسة لا تقول بوضوح أنها تعلم لملء وقت الفراغ، ولكن – في تطوير اهتمامات الأطفال بأسلوب قد عرف رسمياً باسم الأنشطة الخارجة عن المنهج – من الواضح أن المدرسة تضع في اعتبارها تخليد تلك الاهتمامات لتصبح مهارات يستخدمها التلميذ خارج مبنى المدرسة وفيما بعد حياته المدرسية.

وعلى نحو عام يعتبر أحد أهداف المنهج الدراسي في وقتنا المعاصر هو دفع الطفل للدخول إلى المجتمع نفسه، وكذلك إلى عوالم واحتمالات جديدة من المعرفة، فالتعليم وجد ولا شك للمواطن والحياة العائلية والأبوة والعمل ولفهم مشاكل الحياة. وربما كانت أحد الأخطاء التي نقترفها فيما يتعلق بما يسعدنا أن نسميه "التعليم الجنسي" هو أننا نفصل وظيفة بشرية واحدة وكأنها لا تتعلق بالمعيشة الاجتماعية والتكامل الشخصي التام، فالتعليم للعيش في المجتمع، وفي عائلة، وفي الزواج، وفى واجبات وحقوق المواطن ، سيشتمل بدون شك على فهم أكبر لتنوع العلاقات مما يستدعى معرفة أكثر لبعض الحقائق البيولوجية والاقتصادية، فالتعليم يسهم في مواجهة المتطلبات الاجتماعية ومواصفات العقل المتفهم وتطوير أسلوب الحياة الذاتية المتعلقة بالسلوك الأخلاقي والاجتماعي.

ومهما كان الشكل النهائي الذي سيتخذه المنهج في مدرسة خاصة إلا أنه يظهر أنه هناك أهداف اجتماعية معينة تحتاج إلى أن تتحقق داخل ذلك المنهج، وسيكون من المهم أن نعزو أهمية قصوى إلى قدرات الفرد على تبادل الآراء ، فمهاراته وقدراته على ممارسة الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مجتمعنا يجب أن يتم استثارتها وتنميتها، كما يجب على قواه النقدية أن تنظم وتنمى حتى يجد نفسه قادراً على إصدار الأحكام الشخصية وتقييم تنوع واسع مع قدراته وذكائه ودوره المختار في الحياة ودوره كمواطن وزوج وأب ، كما يجب عليه أن يتقبل السلطة الاجتماعية بالإضافة إلى تقبل فكرة نقدها، ويجب أن يتدرب على التعاون مع الآخرين والمشاركة في حمل عبء العمل حين يوضع داخل موقف اجتماعي ، كما يجب أن يتم تشجيعه على تنمية قيم ترتبط بأسلوب حقيقي إلى ذاته لأنه قام بتحليلها وتفسيرها وامتصاصها. وهي قد تكون قيم ذات طبيعة دينية أو أخلاقية أو جمالية بيد أن التلميذ سيفهم قبل أن يغادر المدرسة أنه في موقف الفرد الذي ينمو ويتطور داخل بيئة ثقافية اجتماعية متكاملة ، وكذلك داخل ثقافته الخاصة المرتبطة بفريق نظرائه وعليه أن يكتشف في طريقة أنه لم ينته من دراسته في سن الخامسة عشر أو السادسة عشر ولكنه بالأحرى قد بدأ في أن يتعلم كيف يتعلم وأنه قد وضع نفسه على بداية الطريق إلى التعلم طول الحياة من أجل النمو ومن أجل أن يعيش.

إن الارتباط الاجتماعي بما يتم تعليمه هو أمر من الواضح أنه مهم ومن الضروري أثناء تأملنا في المنهج أن ننظر في هذا الارتباك ، فهناك دائماً ميل للتأخر عن متطلبات المجتمع كما يقول "ويلر" D.K.Wheeler : " إن خدمات التعليم قد تكون زائدة عن الاحتياجات ولا وجود لها الآن واستبدلت بأخرى جديدة لتواكب التعليم في الوقت الحاضر ، ومهما كان الأمر فإن الأهداف القديمة ليس لها فائدة الآن". فنحن نعيش في عصر التكنولوجيا والاختراعات العلمية والسفر إلى الفضاء وتكنولوجيا الكمبيوتر، والأطفال على دراية بتلك التطورات من خلال وسائل الإعلام والصحافة والراديو والتليفزيون، لذا يجب أن يكون من الطبيعي في العالم مواجهة تلك الموضوعات داخل الفصول من خلال التبادل الفكري، وبرفع سن الانتهاء من التعليم المدرسي إلى ستة عشر عاماً زادت أهمية آخر سنتين لدفع الطفل إلى التعرف على أشكال الفكر وأنماط الحياة في المجتمع الذي سوف يندمج ويعيش فيه. وفي تطور المنهج يجب أن يكون هناك توازن بين احتياجات الفرد واحتياجات المجتمع وليس هناك أي شيء محتوم عن التوازن الاجتماعي فالمسألة هي مسألة التخطيط والتصميم، وفور أن ينهمك المرء في برنامج التخطيط فإنه ينهمك بقدر معين في استغلال التوازن الاجتماعي سواء أكان قرار التجربة وضبط ما يقدمه العلماء لمواجهة المتطلبات أو محاولة لتكافؤ الفرص التعليمية وجعل التعليم للجميع.

وهناك نصان من مصدرين مختلفين يحتويان على ما نريد أن نعرفه عن مشكلة المنهج وبنائه للمجتمع والفرد ، فيذكر تقرير "هادو" أنه: "إذا كان تعليم التلاميذ الأكبر سناً – من ناحية – يحفظ على شكل عام للغاية في الاهتمامات المفروضة في تطور الأفراد فإن التلميذ يميل إلى أن يجد نفسه غير مستعد لترك المدرسة للتعامل مع متطلبات الحياة المعاصرة، أما إذا كان هناك ضغط في منهج الدراسة على احتياجات الحياة اللاحقة ويصبح تدريب التلميذ تدريباً مختصاً للغاية فإن الفرد رجلاً كان أم امرأة قد يضحى به ليصبح عاملاً أو مواطناً ، فالنظام التعليمي المتوازن يجب أن يجمع ما بين هذه المثاليات في المفهوم الواحد للفردية الاجتماعية.

وفي كتابه "التعليم والنظام الاجتماعي" Education and The Social Order كان "برتلاند راسل" B . Russell حساساً تجاه التفرع الثنائي بين الاحتياجات التعليمية للفرد وتلك الخاصة بالمجتمع ، مع أن الحل الذي عرضه لتلك المشكلة ذكره في ألفاظ مختلفة حين قال: "باعتباراتي الشخصية اعتقد أن تعليم الفرد هو أمر أهم من تعليم المواطن ولكن بالنظر في الأمر من وجهة النظر السياسية وباعتبار احتياجات العصر فإن تعليم المواطن يجب أن يأخذ المكانة الأولى".

ولكن "راسل" يقترف خطأ عندما تخيل أن "الفرد" يمكن أن يكون أي شيء آخر غير "المواطن" ، فبالنسبة لأرسطو كان إنساناً دائماً حيوانا اجتماعياً وسياسياً، وتنكشف فرديته فقط في البيئة الاجتماعية أو من خلالها وليس هناك ما يسمى بالتعليم الفردي المتصل تماما. وحتى شخصية " إيميل" Emile التي رسمها "روسو" كان مقدراً له أن يصبح مواطناً فالإنسان يعيش فقط من خلال علاقاته مع الآخرين، وقد حدد " أنتونى ستور" Anthony Storr الموضوع بأسلوب بليغ ومتميز حيث قال: " ليكون المرء مرتبطاً تماماً بإنسان آخر، أو أن تكون نفسك فتؤكد على شخصيتك بكمالها . فإن لدينا مفارقة أن الإنسان يكون بفرديته الكاملة حين يكون متصلاً بزملائه وتكون فرديته في أقل مستوى لها حين يكون منفصلاً عنها ومهما استخدمنا من جمل أخاذة لوصف طبيعة المنهج الدراسي فإنه إذا لم يصل في النهاية إلى تحقيق الهدفين المزدوجين للشخصية الاجتماعية والكمال في الشخصية الفردية فسيكون ذلك دليلاً على فشله في مهمته".

ترجمة للفصل الرابع عشر من كتاب : "The Sociology of Education" : An Introduction , IVOR MORRISH, London, George Allen and Un win ltd. 1972. pp.257 – 267. - ترجمة : أحمد محمد هلالي - عضو هيئة التدريس بقسم الاجتماع – كلية الآداب والعلوم – اجدابيا - جامعة قار يونس- الجماهيرية العربية الليبية - مجلة علوم إنسانية.

16 أغسطس 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق