الأربعاء، 18 مايو، 2011

السرّ الذي دُفِن يوم استشهاد كمال جنبلاط


عصام أبو زكي *


كمال جنبلاط

("الرائد السوري" المشار إليه في مقال "النهار"، من هو؟ سألنا بعض العارفين بالشؤون الأمنية، فأشاروا جميعاً إلى أن الرائد الذي استقبل قتلة كمال جنبلاط ترقّى حتى أصبح رئيساً لجهاز إستخبارات الطيران في سوريا. ألم يحن الوقت، بعد، لكي تطال يد العدالة الدولية قَتَلة كمال جنبلاط؟)

*

ما أشبه اليوم بالأمس.

ما أشبه الرابع عشر من شباط 2004، يوم اغتيال العملاق اللبناني والعربي رفيق الحريري، بالسادس عشر من آذار 1977، تاريخ استشهاد الزعيم الخالد كمال جنبلاط.

يد القتل والإجرام نفسها تغتال أكبر زعيم في البلاد، لأنه تمرد على الوصاية والهيمنة، واعتقد ان عروبة لبنان تنبع من اقتناعاته الحرة، وليس من التعليمات التي ترده عبر الأجهزة او بواسطة المفوض السامي.

من قتل كمال جنبلاط؟

قبيل هذه الجريمة النكراء، التي هزت الضمير اللبناني والعربي والعالمي، ضبطت الجمارك اللبنانية في مرفأ بيروت سيارة أميركية الصنع، وقد أخفيت فيها كمية من المخدرات.

خضرت إلى المرفأ دورية من المباحث العامة لاستلام السيارة والمخدرات، وعند إخراج السيارة من المرفأ، أوقفها حاجز سوري على بابه، وأخذها بالقوة من رجال المباحث اللبنانية. وعندما راجعت السلطات الأمنية اللبنانية السوريين، أفاد رئيس جهاز الأمن السوري في سن الفيل، وهو برتبة رائد، أن السيارة بحوزته. وبناء على طلب قوى الأمن اللبنانية، سلمها الرائد المذكور أفادة خطية بأن السيارة معه وباستعماله الشخصي.

السيارة نفسها تظهر بعد فترة وجيزة في منطقة الشوف، تنتظر مرور القائد كمال جنبلاط، المتوجه من المختارة الى عاليه لحضور اجتماع حزبي. وما إن تمر سيارته، حتى تلحق به السيارة الجانية، وفيها أربعة عناصر، اثنان بلباس مدني، وآخران بلباس عسكري، ثم تعترض طريقه في آخر بلدة بعقلين.

أجبر مرافقا كمال بك على الإنتقال إلى السيارة الأميركية، وصعد إلى سيارته عنصران من العناصر الأربعة، واحد قاد سيارة الزعيم الخالد، وهو إلى جانبه، والآخر جلس في المقعد الخلفي. وقطعت السيارتان مسافة تقدر بحوالي 900 متر، وهناك حصل شيء فاجأ الخاطفين، إذ كان التوقف سريعاً، كما يدل أثر استعمال المكابح في سيارة كمال جنبلاط على الطريق، مما أدى الى اصطدام السيارة الجانية بسيارته من الجهة الخلفية. وعندها ارتكبت الجريمة الرهيبة.

فرّ الجناة في سيارتهم، التي وضعوا عليها لوحة عراقية. ولكنهم اصطدموا بمرتفع ترابي، فتركوها واستقلوا بالقوة سيارة كانت تمر صدفة في المكان، وأجبروا سائقها على نقلهم إلى مقر الرائد السوري إياه في سن الفيل. وخلال انتقالهم الى سن الفيل، كان الجناة يبرزون بطاقاتهم على الحواجز السورية، فيمرون بسهولة وسرعة.

وقد تولّى هذا الرائد في ما بعد منصبا استخباريا رفيعا، ربما مكافأة له على نجاحه في ارتكاب الجريمة.

ما هو الشيء المفاجئ الذي حصل في موقع الجريمة، وأجبر الجناة على التوقف السريع؟

إنها على الأرجح مقاومة الزعيم الخالد لهم، ومحاولته إيقاف سيارته بالقوة، مما أربكهم وأجبرهم على تغيير خطتهم الأصلية، وإطلاق النار عليه، ثم قتل مرافقيه الشهيدين حافظ الغصيني وفوزي شديد.

والسؤال المهم هو، لو لم يجبر الجناة على التوقف وارتكاب الجريمة، الى اين كانوا يقودون كمال جنبلاط؟ انه السر الذي دفن مع استشهاده.

والجواب أنهم، على الأرجح، كانوا يقودونه الى منطقة ذات كثافة مسيحية، حيث يرتكبون جريمتهم هناك، فينفجر قتال طائفي بين المسيحيين والدروز. ويبدو أنهم خططوا لتنفيذ جريمتهم بطريقة شنيعة، تذكي نار الفتنة، بدليل وجود سكاكين حادة وكمية من البنزين تركوها في سيارتهم عندما لاذوا بالفرار.

وهذا يدعم الإعتقاد السائد، والذي لنا عليه أكثر من دليل، ان الأعمال الدموية التي وقعت في الجبل يوم ذاك، كانت بتحريض وتنظيم من الجهة الجانية نفسها، حيث كانت القوات السورية تنتشر وقتها في كل منطقة الشوف.

رحم الله أبو طالب. الرجل الوسيم الذي تميز بشاربيه الأبيضين الكبيرين. وهو، كما يعرف أهالي بيروت، كان يدير محلا للزهور في المحلة التي باتت تعرف باسمه في آخر شارع الحمراء.

رأى أبو طالب في الصحف صورة السيارة التي كان يستقلها الجناة الذين اغتالوا كمال جنبلاط. فتعرف إلى السيارة، إذ كان يستعملها رجال من الإستخبارات السورية، يقيمون في الفندق المواجه لمحله. سارع أبو طالب إلى الإتصال بنا وإبلاغنا هذه المعلومات، فانتقلت قوة الى الفندق المذكور، وحصلت على سجل المقيمين فيه، فتبين أن أسماء الجناة مزورة. وبعدها وصلت عناصر الإستخبارات السورية إلى الفندق على جناح السرعة، وجن جنون عناصرها عندما أبلغوا ان السجل أصبح لدى القوى الأمنية اللبنانية.

كما أفاد عنصر من قوى الأمن الداخلي أنه كان قد شاهد السيارة نفسها قبل الجريمة، قرب مخفر حبيش، وهي تسير عكس السير، يطلق ركابها النار في الهواء لتسهيل مرورها. وعندما طلب التعرف إليهم، أفادوه أنهم ينتمون الى الاستخبارات السورية. وقد نظم العنصر المذكور عندها إفادة بهذه الواقعة.

ليست هذه المعلومات إلا جزءا يسيراً من تحقيق متكامل، أظهر كل تفاصيل الجريمة، وكشف من حرض وراقب ونفذ اغتيال كمال جنبلاط، أو شارك فيه.

وكان التحقيق القضائي في عهدة المحقق العدلي الشجاع والمستقيم القاضي حسن قواص، الذي اصر على جمع المعلومات والسير بالتحقيق دون أن يأبه للمخاطر. فهو لم يكترث لمحاولة خطفه، ثم لاستهداف منزله بقذيفة صاروخية ادت الى احتراقه، في محاولة لمنعه من إكمال التحقيق. والمضحك المبكي أن أحداً في الدولة لم يهتم أيضا بهذا الإعتداء على قاض شجاع.

ولقد تعرضنا شخصيا، أسوة بالرئيس قواص، إلى اكثر من محاولة خطف، الأرجح بقصد الإغتيال، لأننا كنا الى جانب القاضي قواص، نساعده في التحقيق وجمع المعلومات.

وتجدر الإشارة الى أن مرجعا كبيراً في الدولة استدعى القاضي حسن قواص طالباً إليه أن يوقف التحقيق، فرفض طلبه لأنه قاض مستقل، ولا يأخذ تعليمات من السلطة التنفيذية. فاستعان المرجع الكبير بمسؤول قضائي رفيع لتحقيق هدفه.

الغاية من استرجاع هذه الوقائع الاليمة، ليست مجرد استذكار القائد الكبير كمال جنبلاط في ذكرى استشهاده. بل هي دعوة اللبنانيين إلى اخذ العبرة من الحقيقة التي اكتشفت، وأيضا تلك التي دفنت يوم دفن الزعيم الخالد.

إنها لتسليط الضوء على ان ما كان مخططاً في آذار 1977، لا يقتصر على تغييب رمز من رموز الديموقراطية في العالم العربي، تسهيلا لإخضاع لبنان للديكتاتورية، خلافا لتاريخه الديموقراطي الطويل. بل كان المخطط يرمي أيضاً الى تفجير الفتنة بين اللبنانيين، لأن انقسامهم يسهل فرض إرادة الآخرين عليهم.

والأمر نفسه يتكرر اليوم. فبعد عام على تغييب رفيق الحريري، كعقبة في وجه الهيمنة والتسلط، وبعد قافلة الشهداء الذين سقطوا معه أو بعده، تبرز المخاوف مجدداً من اقتتال اللبنانيين في ما بينهم، فتتحول الجريمة الى جريمة في كل بيت.

فليكن الحوار الحقيقي، والعميق، والشجاع، بين اللبنانيين، الحوار الذي لا يتوانى عن طرح أية مشكلة مهما كانت، فليكن هذا الحوار هو الرد اللبناني على كل اغتيال يستهدف قادتهم الكبار.

* قائد سابق للشرطة القضائية في لبنان

شفاف الشرق الأوسط - (نقلاً عن "النهار") Posted: January 11, 2007 04:44 am

0 تعليقات::

إرسال تعليق