السبت، 7 مايو، 2011

المال والسلطة والدين، بين الشيعة والسنّة والمسيحيين


في كل جماعة ومجتمع، تقوم علاقة ما بين المال والسلطة. في لبنان، هناك وسيطة بين الاثنين، اسمها المرجعيات الدينية. أصلاً هي من الوسائط الثابتة في كل أنشطة الحياة العامة، استناداً إلى واقع تاريخي، كما إلى تطبيق راهن، ذهب في التدهور حتى المذهبية، وحتى الزبائنية السياسية المطلقة، لكن المغلّفة بمقولة النظام التعددي والتوافقي.
والواضح أن العلاقة بين المال والسلطة تطورت في كل أنحاء العالم، وعرفت قفزة كبرى مع بزوغ عصر العولمة، وسيطرة «السوق» بوصفها مفهوماً شمولياً على كل مجالات السياسة، وخصوصاً في ظل ظهور مفاهيم «القرية الكونية»، و«السيادة النسبية» ونهاية عصر الأيديولوجيا واندثار مفهوم «الدولة ـــــ الأمة»، لا بل حتى الدولة نفسها. حتى قال أحد السياسيين المحنكين يوماً إننا انتقلنا من زمن «الجيو ـــــ بوليتيك» إلى زمن «الإيكو ـــــ بوليتيك»، مع نسبة «الإيكو» إلى الاقتصاد لا غير.



والتطور نفسه لم يكن لبنان بعيداً عنه، وخصوصاً مع إطلالة الظاهرة الحريرية، بحيث تزامن الحراك السياسي اللبناني مطلع التسعينيات مع العولمة من جهة، والحريرية من جهة ثانية، فاكتمل «نقل» السلطة والسياسة، بزعرور الاقتصاد والمال.
غير أن عنصراً جديداً أضافته الحريرية إلى قواعد الحياة السياسية في لبنان، ألا وهو نقل المتموّلين والأثرياء وأصحاب المليارات من الكواليس إلى الخشبة، ومن خلف الستار إلى الواجهة. قبل الحريري، ومنذ قيام لبنان، كان المتمولون موجودين، لكن خلف السياسيين. مع الحريري والحريرية صار السياسيون والسياسة خلف المتمولين. منذ ثنائية إده والخوري، كان لكل منهما رأسماليوه ومصرفيوه. كانت الأرقام متواضعة، والأدوار كذلك. لكن الأهم أن القاعدة كانت أن يكون المال في خدمة السياسة والرأسمالي في خدمة السياسي. مع الحريري، انقلبت القاعدة، وأضيفت إلى أرقام المقاصّة الخاصة بها بضعة أصفار، وأسباب كافية للدوار.
بعد نحو عشرين عاماً من ولادة هذه الظاهرة، يمكن القول إنها تعمّمت، وصارت موجودة لدى كل الطوائف، مع تمايزات في الحدّة والفقاعة، ومع بعض استثناءات في حالات قليلة، ولأسباب يمكن تعدادها وفهمها في كل استثناء منها.
لكن اللافت في المرحلة الراهنة هو قيام مثلثات علائقية على هذا المستوى داخل كل مذهب. بين المال والسلطة، وبين الركن الثالث الجديد، والدارج اليوم، أي المؤسسة الدينية. هنا، بدأت تظهر بوضوح الفروق بين جماعة وأخرى، ما يستحق ربما الدرس المفصّل والمعمّق.
فلدى الجماعة الشيعية عموماً، استمر شيء ما من نمط لبنان القديم، أي بقاء عامل المال خلف الكواليس. لم يظهر الرأسماليون الشيعة على خشبة السياسة إلا نادراً، علماً بأنهم موجودون بقوة في بعض «المطابخ». غير أن واقع اغتراب الرساميل الشيعية، أو واقع الطابع «المقاوم» للتيار السياسي الشيعي المركزي، أو مفهوم «الخُمْس» الشرعي... كل ذلك أسهم في التخفيف من طغيان نموذج «الملياردير» على الطبقة السياسية الشيعية. والأهم أن «المؤسسة الدينية» الشيعية (رغم التحفّظات الكثيرة منهجياً حيال التسمية) ظلّت خارج سيطرة رساميل الطائفة، التي تبدو في خدمتها، لا العكس.
في المقابل، عرفت الجماعة السنيّة نوعاً من المساكنة بين أضلع المثلث كافة. المال، مع السلطة، مع المؤسسة الدينية، في حالة من التوازي المتكافئ في الشكل والظاهر. علماً بأن البعض يجزم بأن العلاقة في العمق غير ذلك. غير أن ارتباط الأضلع الثلاثة ربما بضابط خارجي ـــــ هو السعودية ـــــ سمح بهذه المساكنة «السويّة».
وحدها المؤسسة الدينية المسيحية خالفت النموذجين الشيعي والسني، حتى كادت تظهر في المناسبات العامة كأنها الضلع الأضعف في مثلث جماعتها، لا بل الضلع الذي يمالئ رأس المال، الذي يسعى إلى السلطة عبر ركوب الدين. وإلا فكيف لمناسبات دينية معينة أن «تغسل» ثروات مشبوهة، وأن يتعامل بعض رجال الدين وفق مبدأ «بالشكر تدوم النِّعَم»... علماً بأن التجارب برهنت أن الرجاحة الفكرية والعقلية والسياسية والأخلاقية لأصحاب تلك الرساميل ضحلة جداً. لا تشذّ عن ذلك إلا أمثلة قليلة لامعة في المؤسسة المارونية للانتشار. أما الباقي فيؤكد فعلاً أن مارون الراهب القديس مات حقاً، ومنذ زمن سحيق...

جان عزيز - العدد ١٣٥١ الثلاثاء ١ آذار ٢٠١١

0 تعليقات::

إرسال تعليق