الأحد، 15 مايو، 2011

خطاب الثورات وخطابات الأنظمة ووظائفها

حفل الأسبوع الذي بدأ بمقتل أسامة بن لادن بعشرات الظواهر والأحداث التي تنذر بتجدد المخاوف لدى الأطراف الدولية والإقليمية، من شتى أشكال الإسلام الجهادي والسياسي على حد سواء. فقد أقيمت صلاة الغائب على بن لادن في عدة مدن وبلدان عربية وإسلامية. وانتشرت شائعات في تونس أن الجيش سيقوم بانقلاب إذا ظهر أن حركة النهضة الإسلامية ستحصل على أكثرية في الانتخابات النيابية آخر العام. واستعصى الرئيس اليمني على الوساطة الخليجية، وعاد للحديث عن صلابة الشرعية الدستورية، أي شرعيته هو، والتخويف من «القاعدة»، ومن التعصب الإسلامي الذي يريد الحلول محله. وفي ظل تفاقم الأحداث الطائفية بمصر (الهجمات على الكنائس بأعذار واهية)، اجتمعت قوى وجهات الحراك المدني والسياسي (باستثناء الإخوان المسلمين) لمناقشة المبادئ الأساسية في الدستور الجديد، وإمكانية تشكيل قائمة واحدة في الانتخابات القادمة، بيد أن النقاش احتدم بشأن موقع الإسلام والشريعة في الدستور المرتجى! واجتمعت القوى القبلية بطرابلس (ليبيا)، معتبرة نفسها البديل الأصلح لمستقبل البلاد، اتقاء للشرور الجهادية التي يمكن أن تأتي من الجهات الداخلة في المجلس الوطني الانتقالي هناك. ودأب إعلام النظام السوري على الحديث عن الإرهابيين والمتسللين والذين أرادوا إقامة إمارة جهادية بدرعا وأخرى ببانياس وثالثة بدوما (وما ذكروا من أمراء الإمارات المزعومة غير اثنين كان معروفا عنهما التعاون مع مخابرات النظام في السنوات الماضية لحشد الشباب للجهاد بالعراق!). وأصر النظام الجزائري على أن «القاعدة» في بلاد المغرب ازدادت قوة لاستيلائها على أسلحة وقدرات في المناطق التي يسيطر عليها المجلس الوطني الانتقالي.



إن هذا الثوران الإعلامي لا يصح التقليل من أهيمته، في نظر المواطنين بالداخل، والذين دعموا حركات التغيير، وحصدوا نجاحا دون خسائر كبيرة في كل من تونس ومصر، كما لا يصح التقليل من أهميته في نظر المراقبين الأجانب بكل من أوروبا والولايات المتحدة، فالمواطنون بالداخل - وبخاصة سكان المدن والتجمعات الكبيرة - يعرفون أن تلك الحركات الثورية استقطبت أول ما استقطبت (ربما باستثناء مصر) شبان البلدات والمدن الريفية الزراعية الصغيرة، الذين عانوا أكثر من القهر والفقر والتهميش في العقود الماضية. وهم يشهدون الآن أحداثا تؤثر في الأمن والاستقرار في مديات متطاولة، ويخشون أو يتوجسون أن لا تنضبط الأمور في المدى القريب. وقد سمعت من شابين أحدهما تونسي والآخر مصري ولا علاقة لهما باليسار، عبارات متشابهة مفادها أن ماركس ولينين كانا على حق في أن الفلاحين لا يمكن أو يصعب أن يصبحوا ثوريين! وإذا كانت أحداث الشغب والفوضى باسم الدين أو بعناوين مطلبية، تؤثر في الداخل الريفي والمديني تأثيرات متفاوتة لكنها سلبية على وجه العموم، فإنها أثرت وتؤثر أكثر في الأوروبيين والأميركيين. فقد تردد الأوروبيون - كما هو معروف - في دعم الحركتين الثوريتين بتونس ومصر، وكان سبب ترددهم الخوف من الإسلام السياسي. ثم اندفعوا في دعم التغيير في العالم العربي، وأظهروا استعدادا للمساعدة في بناء الأنظمة المدنية الجديدة ولا يزالون، لكنهم (وخصوصا الطليان والفرنسيين)، ما استطاعوا كتمان انزعاجهم الشديد من «استغلال» آلاف من التونسيين للفوضى الحاصلة، لكي يلجأوا وبوسائل شتى إلى موانئ وبلدات ساحلية في الدولتين الأوروبيتين. ولا يخشى الأميركيون من الهجرة، إنما بوصفهم قوة الهيمنة، وقوة الحاضر والمستقبل في هذا الجزء من العالم، فإنهم لم يعودوا واثقين من استتباب الأمور للقوى المدنية بسرعة، وبخاصة بعد ما حدث في ليبيا، وبعد ظهور قوة السلفيين بمصر، وإمكان تقدم الإخوان المسلمين على منافسيهم في الانتخابات.

ولنعُد إلى خطابات الأنظمة والوظائف والأدوار التي كانت لتلك الأنظمة في الأربعين أو الخمسين سنة الماضية، فقد كانت هناك اتفاقيات سلام (رعتها الولايات المتحدة) بين مصر والأردن ومنظمة التحرير من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. وبسبب فشل عملية السلام الشامل للتعنت الإسرائيلي، ووفاء الأطراف العربية بالمعاهدات مع إسرائيل، فقد صارت هذه الأطراف على اختلاف المواقع والوظائف، من دعائم الاستقرار من حول إسرائيل، وظلت علائق تلك الأطراف بالولايات المتحدة على وثوق شديد بسبب تلك الوظيفة أو الدور بالذات. وكان خطاب تلك الأطراف يتركز في المجال الدولي على التخويف من الإسلاميين إذا حل بها سوء، أو تخلى الأميركيون (والأوروبيون) عن التزاماتهم تجاهها. وكانت الوظيفة السورية أكثر تعقيدا أو تركيبا، إذ وقع عليها التزام الحركات الثورية واستيعابها، من طريق التبني العلني لخطابها، وضبطها بحيث لا تصل مقاومتها أو ممانعتها إلى الحدود التي تهدد الاستقرار أو إسرائيل. وفي مقابل استمرار النظام واستقراره وأدائه لوظائفه في لبنان وفلسطين وتجاه العراق، ما كانت هناك حركة من أي نوع لتحرير الجولان المحتل، في حين ظل خطاب النظام - وبخاصة أيام الرئيس بشار الأسد - دعم المقاومة، والسد المنيع في وجه الإسلام السياسي، مع استخدام الإسلام الجهادي في العراق ولبنان وفلسطين.

وانقلب الوضع بالمنطقة قلبتين في السنوات العشر الأخيرة: القلبة الأولى احتلال الولايات المتحدة للعراق، وسلوكها مسلك القوة والعصا الغليظة، وقد دفع ذلك سوريا أكثر باتجاه إيران، فتشاركت في سائر ملفاتها معها، وبخاصة في العراق ولبنان وفلسطين. ولذلك فإن الولايات المتحدة سحبت منها تدريجيا التكليفات في البلدان الثلاثة، وبقيت وظيفتها الاستقرارية على حدودها مع إسرائيل شأنها في ذلك شأن النظامين المصري والأردني. أما الانقلاب الآخر فقد حصل خلال ولاية أوباما، وقد عني العودة إلى الدبلوماسية، والقوة الناعمة، والانسحاب العسكري التدريجي دون التخلي عن الالتزامات الاستراتيجية. ومن جهة ثانية: زيادة الضغط على إسرائيل من أجل حل الدولتين. وبذلك فقد تعرض الخطاب وتعرض الواقع الاستراتيجي لكل من إيران وإسرائيل لمخاطر كبيرة، وبخاصة بعد قيام الثورات العربية، فالأنظمة الجديدة والأخرى المعرضة ما عادت لديها دوافع ولا مصالح لفرض الاستقرار على حدود إسرائيل. وبسبب نزول الجمهور العربي إلى الشارع، فإن مناطق النفوذ الإيرانية وقعت كلها تحت خطر شديد، وفي العراق وسوريا ولبنان والبحرين وغزة. ولا يزال إعلام النظام السوري يتحدث عن التآمر على سوريا لدعمها المقاومة، لكن الجميع يعرفون أنه يعني بذلك دعم حزب الله بلبنان، دون أن يفعل شيئا لتحرير الأرض السورية في الجولان، ولذلك اضطر قريب الرئيس الأسد رجل الأعمال المعروف رامي مخلوف للتصريح لـ«نيويورك تايمز» بالوظيفة الأخرى أو الحقيقية: الاستقرار على الحدود مع إسرائيل رهن ببقاء النظام السوري واستقراره! وفي فلسطين تتصالح فتح مع حماس تحت ضغط الشارع ومصر الجديدة، فيزول جيب إيراني أو يكاد. ويحمي مجلس التعاون الخليجي أمنه بالدخول إلى البحرين لكف التهديد الإيراني. ولا يعرف الإيرانيون كيف يسلكون بالعراق بسبب انقلاب سائر القوى الداخلية عليهم بهذا القدر أو ذاك. وينظر حزب الله بلبنان بقلق تارة باتجاه إسرائيل، وطورا باتجاه الداخل العربي المنصرف لتغيير أنظمته أو سياساتها.

وفي الخلاصة: لقد انقضى نظام الجمهوريات العربية الخالدة وانقضت خطاباته. والبقايا الباقية منه تستميت إما لعرقلة التغيير، وإما لاستنقاذ بعض الوظائف. والواقع أن القوتين الأقرب والأكثر إفادة من أحوال العقد الماضي، هما إيران وإسرائيل، فإسرائيل صانت بهذه الطرائق أمنها وسطوتها بمساعدة الولايات المتحدة، وإيران اصطنعت لنفسها مناطق نفوذ على مدى المشرق العربي، ولذا فإن المتضررين من التغيير يتكاثرون: هناك إيران وإسرائيل، وهناك أنظمة «الممانعة»، وهناك أخيرا الإسلاميون المتشددون الذين قوي عودهم في مواجهة تلك الأنظمة. وبذلك فإن اكتمال التغيير وسلامته يقتضي بعد انهيار الخطاب انهيار الوظائف أيضا، وبالترتيب المعكوس: تزول الأنظمة أو تتغير وظائفها وسياساتها فيزول راديكاليو الإسلاميين، ويضعف الإسلام السياسي أيضا. وتتغير المنطقة وتنقلب رأسا على عقب عندما يحدث تغيير بداخل إسرائيل (يؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة)، كما بداخل إيران (فتنحسر مواطن نفوذها وتوتيرها في منطقة غرب الفرات والبحر المتوسط والخليج).

رضوان السيد  الشرق الأوسط 13 مايو 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق