الأربعاء، 4 مايو، 2011

هل من جديد في السياسة التركية إزاء التغييرات الحاصلة في الشرق الأوسط؟ أنقرة تطلب من الأسد إصلاحات «تغيّر وجه النظام» ومحاورة «الإخوان المسلمين»

أردوغان والأسد في صورة من الأرشيف (م. ع. م.)


طوّرت تركيا، منذ صعود «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة، علاقاتها مع جيرانها في هذه المنطقة الواقعة في الجزء الشرقي من البحر الأبيض المتوسّط في سبيل خلق إطار إقليمي مستقر يشكل منفذاً اقتصادياً حيوياً لها أولاً، ويحصن أمنها الإقليمي ثانياً وخصوصاً في المسألة الكردية التي كادت تؤدي إلى حرب بينها وبين سوريا في نهاية عقد التسعينيات المنصرم.
مستوحية تجربة الاتحاد الأوروبي في سياسة الجوار، استقطبت تركيا جارتها سوريا، فبنت مع نظامها علاقة صداقة متنتها ببضع اتفاقيات منها ما يتعلق بالنقل، فحرصت كلّ من تركيا وسوريا على تطوير دورها كقنوات برية رئيسية لنقل إنتاج الخليج من النفط والغاز إلى شرق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا. كذلك تقوم تركيا وجيرانها العرب بتوسيع الطرق وخطوط السكك الحديدية لتعزيز العلاقات التجارية والسياحية والاقتصادية، وقد بدأ مشروع سكة الحديد السريعة لربط اسطنبول بمكة عبر سوريا والأردن، ومن المقرر أن يكتمل بحلول سنة 2012. كذلك قامت سوريا وتركيا بإزالة القيود المفروضة على التنقل عبر الحدود بين البلدين.



لكن إبان الأحداث السورية المستمرة منذ ثلاثة أسابيع، تبيّن أن مداميك هذه العلاقة ليست مبنية على «صخر». فما إن لفحت رياح التغيير ضدّ النظام السوري، حتى بدأت تركيا ممارسة ضغوط على الرئيس بشار الأسد لدفعه إلى القيام بإصلاحات جذرية في نظامه، ما أثار حفيظة الرئيس السوري بشار الأسد، المعروف عنه بأنه لا يحب الضغوط حتى لو جاءت من أصدقاء. ازداد الأمر سوءا حين سمحت تركيا لمرشد «الإخوان المسلمين» في سوريا بتنظيم مؤتمر صحافي يخاطب فيه «الثورة السورية»، ثم أتاحت اجتماعات للمعارضة السورية وتظاهرات رافقتها تصريحات لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان عن أهمية الإصلاحات.
هذه الوقائع المستجدّة في العلاقات، توجب طرح الأسئلة الآتية: هل من ما جديد في السياسة التركية إزاء التغييرات الحاصلة في الشرق الأوسط، وخصوصاً إزاء ما يجري في سوريا؟ وإذا كان الاستقرار في المنطقة و«تصفير النزاعات»، وهي نظرية وزير الخارجية أحمد داود أوغلو، أموراً تصب في المصلحة التركية فهل يضمن أي نظام جديد في سوريا هذا الاستقرار؟ وهل نظرية «صفر مشاكل» كانت قائمة مع الأنظمة من دون الشعوب؟
مزيد من الضغط على دمشق
رأت تركيا أنه من الطبيعي أن تمر علاقتها مع شعوب المنطقة عبر الأنظمة القائمة، ويقول محلل سياسي تركي مقرب من دوائر السلطة في أنقرة لـ«السفير»: «طالما تحدثت تركيا عن دولة المؤسسات والديموقراطية ولم تتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، لكن فجأة وبعد اندلاع ثورتي تونس ومصر اكتشفنا أموراً لم نكن نتوقعها، تتمثل في وجود قوى شعبية يصعب قمعها أو محوها، كما فعل السوريون في الماضي حين سحقوا حركات احتجاجية عدّة، وهذا الأمر لم يعد متاحاً اليوم بعد أن انوجدت في الجغرافيا العربية موجة متصاعدة لصالح الديموقراطية والشعوب ولا تصب في مصلحة الأنظمة الديكتاتورية. هذه الموجة العربية لم تفرز في سوريا معارضة واضحة المعالم يمكن اتخاذها كمحاور وهنا تكمن الصعوبة».
هذا التوصيف التركي لما يحدث سيؤدي بالحكم في أنقرة إلى ممارسة مزيد من الضغوط على حكم الرئيس الأسد في حال عمد إلى استعمال القوة المفرطة لقمع الحركات الشعبية «ولا يمكن لتركيا إلا أن تتعاون مع المجتمع الدولي».
يردّ الأتراك هذا الموقف الجديد مع سوريا والمتناقض مع موقفهم المتراخي إزاء الثورة الليبية إلى مصالحهم الحيوية في الحالة الثانية بحيث يعمل في ليبيا 25 ألف تركي، وثمة استثمارات تصل إلى 30 مليار دولار أميركي وخصوصا في مجال البناء. تعتمد تركيا إذن ميزان صائغ الذهب الدقيق في مقارباتها للتطورات الجارية في الشارع العربي ولو تسبب لها ذلك بنقد عن ردود فعلها المتفاوتة.
ضرورة الإصغاء لمطالب «الإخوان»
الإصلاحات المنشودة التي تتكرر على لسان المسؤولين الأتراك تتعلق بحسب المحلل السياسي التركي «بالديموقراطية وإتاحة المجال للعمل الحزبي المتعدد وتنظيم انتخابات شفافة وحرة تقيم توازناً مع سلطة حزب البعث، وإتاحة المجال للعمل المعارض والسماح بحرية التجمع والتعبير والصحافة»، يضيف: إن هذه الإصلاحات وفي مقدمتها القيام بانتخابات حرة ونزيهة في مهلة زمنية قصيرة تقدم خيارات متعددة لوجه النظام المقبل».
هذه الإصلاحات، التي تلح عليها تركيا، لا يبدو أنها تثير حماسة كبرى لدى النظام في سوريا بل تسبب حساسية، وخصوصاً أنها تأتي من قبل حكومة أردوغان التي ترسل وفداً تلو الآخر للتشديد عليها، ما شكل صدمة للمسؤولين السوريين من التغيير المفاجئ في موقف تركيا. يقول المحلل التركي: «ما نقوم به هو بأسلوب الصداقة، أردوغان والأسد يتكلمان بصراحة في هذه الشؤون، والوزير داود أوغلو دائم الحضور في دمشق ويجتمع بنظيره السوري متشاوراً في هذه المواضيع كلها شارحاً المشاعر التركية وردود فعلنا التي تريد مصلحة النظام لكي يستمر ولا ينتهي، لكن استمراره مرهون باتخاذه خطوات ديموقراطية تمنح الناس أملاً معيناً. أما النقد الموجه لسماح تركيا بعقد اجتماعات لمعارضين سوريين فهي طريقة لإعطاء النظام نموذجاً لوجود أساليب أخرى تتمثل ببدء الحوار مع القوى الرئيسية للمعارضة، علماً بأن تركيا لم تنظم الاجتماعات بل سمحت بها فحسب، ونحن لا يمكننا منعها لأننا نريد أن يتحول المجتمع السوري لمصلحة الشعب، وإذا لم يعمد النظام السوري إلى البدء بإصلاحات فإن النتائج ستكون سلبية على تركيا وعلى لبنان أيضاً وخصوصاً اقتصادياً من جراء موجات النازحين السوريين، وستنشأ سيناريوهات عدّة لا يمكن توقعها مسبقاً».
وعن الشرط الذي تردد بأن الأتراك وضعوه حول ضرورة أن يبدأ النظام السوري إصلاحاته بالحوار مع جماعة «الإخوان المسلمين»، قال المحلل السياسي التركي: «من الضروري الإصغاء إلى «الإخوان المسلمين» وتجنّب قمعهم أو وضعهم تحت الأرض، هؤلاء هم عناصر من الشعب السوري وجزء من المجتمع وبالتالي يجب سماع ما يقولونه والإصغاء إلى مطالبهم وإمكان تمثيلهم في نظام سياسي أكثر ديموقراطية. لقد عاشت تركيا تجربة الحزب الواحد في أربعينيات القرن الماضي، لكنها بدأت في التعددية الحزبية وهذا يحتاج إلى وقت لكن يجب البدء من مكان ما».
وعما تردّد عن نشوء محور أميركي تركي قطري هدفه الضغط على سوريا لفك تحالفها مع إيران، قال المحلل السياسي التركي بأنّ هذا القول «مبالغ فيه، وتركيا لا تريد فكّ التحالف السوري الإيراني وخصوصاً أن إيران هي دولة صديقة لتركيا، ونحن نريد استقرار سوريا ونؤمن بأنه لا يجب التدخل في النظام السوري بطريقة سلبية إنما عبر التشجيع على القيام بإصلاحات، لا محور من هذا النوع لكن تركيا تنسق حركتها مع الولايات المتحدة الأميركية وقد اتصل أردوغان بالرئيس باراك أوباما، ويمكن القول بأن الولايات المتحدة الأميركية تعقد آمالا على الرئيس الأسد ولا خطط أميركية لقلب النظام السوري. أما بالنسبة إلى إسرائيل فإن موقفها غير ملموس لكن لديها مصلحة في الحفاظ على نظام الأسد كما هو لأن الوضع في الجولان يصب في مصلحتها».
وفيما تردد أن موفداً إيرانيا يمثل الإمام علي الخامنئي زار تركيا قبل نحو أسبوع وسلم رسالة سياسية لرئيس الوزراء التركي جدي تشدد على أولوية استقرار سوريا، فيما ينتظر وصول الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى تركيا في الأسبوع المقبل للمشاركة في مؤتمر إنمائي دولي، يقول المحلل التركي نفسه إن تركيا صاحبة مصلحة في أن تكون سوريا دولة مستقرة داخلياً، كما هي مصلحتنا مع العراق، «ونحن لا يناسبنا أي اهتزاز في أوضاع دول الجوار، ولذلك كان حرصنا على أن تبادر القيادة السورية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة التي تكفل تطوير النظام واستيعاب كل شرائح المجتمع السوري».
اتخذت تركيا إجراءات على حدودها الشمالية مع سوريا الممتدة على طول 800 كيلومتر، وناقش مجلس الأمن القومي في اجتماعه الأخير في الأسبوع الماضي تدابير احترازية، منها بعث رسائل إلى النظام السوري لمنع النزوح إلى الشمال التركي، وقد بدأت تركيا بتشكيل خلايا أزمة ووضعت محطات مراقبة على طول الحدود المشتركة لضبط الأمن وأيضاً النزوح إلى الأراضي التركية، وهي تزمع في حال زيادة النزوح وضع مخيمات لجمع الناس ومساعدتهم.
وفي ظل التطورات العربية المتصاعدة منذ ثورتي تونس ومصر، تزمع تركيا مواصلة سياستها «صفر مشاكل» لكن هذه المرة مع أنظمة جديدة، «سنعاود صداقاتنا مع الجميع، بدءاً من مصر، حيث حجم التبادل التجاري التركي المصري يصل إلى 5 مليارات دولار، وسياسة «صفر مشاكل» تعني إقامة وضع مثالي مع محيطنا وسنبذل جهدنا لتصفير هذه المشاكل».
لبنان من المنظار التركي
يختم المحلل السياسي التركي بالتوقف عند علاقة تركيا بلبنان ونظرتها إلى واقعه الراهن ويقول إن « لبنان هو محط اهتمام رئيسي تركي على الرغم من أنه بقي على هامش مع ما يحصل من تطورات عاصفة في العالم العربي، وذلك لأن فيه نوعاً من الديموقراطية والحرية والصحافة الحرة والأحزاب وتداول السلطة، لكن المشاكل اللبنانية تأتي من طبيعة النظام الطائفي الجامد الذي لا يتجاوب مع متطلبات المجتمع اللبناني. لقد أقر اتفاق الطائف سلة إصلاحات لم تطبّق منذ أكثر من 30 عاماً، والعلاج للمسألة اللبنانية يكمن اليوم في تحسين النظام السياسي اللبناني وإيجاد حلول وعدم البقاء أسرى الهيكليات القديمة».

مارلين خليفة   - السفير 4 أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق