السبت، 14 مايو، 2011

الدروز وخنجر الزواج


صورة
نساء الدروز وعاداتهن

نشرت السيدة سيبروك الأميركية مقاله ممتعه في أحدى المجلات الأميركية ضمنتها معلومات عن معيشة الدروز وعاداتهم وأحوالهم الاجتماعية وأظهرت شدة تمسكهم بالآداب القومية
وبمبادئ الطهارة والعفاف إلى غير ذلك مما يتحلى به الشعب الدرزي من الخصال الحميدة والآداب الراقية . وقد رأينا أن نلخص مقال هذه الكاتبة لقراء العروسة لما فيه من البيانات الطلية.
قالت:
السيدة زينب أم يحيى الأطرش أحدى السيدات القلائل غير المقنعات اللواتي رأيتهن في جبل الدروز وهي الجدة الكبرى لأسرة الأطارشة ولما قابلتها كانت مرتدية ثوباً أسود وجالسه على مصطبة عاليه في قصر العورا على مسيرة يوم من السويداء التي هي عاصمة جبل الدروز. وكانت محاطة بأولادها وأحفادها وأولاد أحفادها وكلهم جالسون حولها بكل تأدب واحترام وهم مدججون بخناجرهم وأسلحتهم النارية وفي وسطهم سلطان باشا الأطرش قائد جيوش الدروز في الثورة الحالية وكان هذا الاجتماع قبيل نشوب الثورة بقليل وقد تألب الأطارشة حول جدتهم يستشيرونها في الخطة التي يجب أن ينتجوها بإزاء الفرنسويين.
ومع أنني لم أفهم الحديث الذي دار يومئذ بين القوم لم يكن عندي شك في مغزاه إذ لم يمض على ذلك الاجتماع أسبوع واحد حتى كانت أعلام الثورة تخفق على جبل الدروز من سهول حوران إلى فيافي اللجا.


وقد تلقيت حديثاً رسالة من صديق لي أثق به ضمنها تفاصيل الوقائع التي جرت منذ شبوب تلك الثورة إلى هذا اليوم . ويؤخذ منها أن الفرنسويين عرضوا في أواخر شهر يناير الفائت على الدروز شروطاً بحثوا فيها بحضور جدتهم السيدة زينب . ومع أن معظم الدروز كانوا يميلون إلى قبول تلك الشروط إلا أن السيدة زينب عيرت المتذبذبين منهم ونفخت في الجميع روح النخوة والشجاعة فكانت النتيجة أن الدروز رفضوا شروط الفرنسويين وفضلوا مواصلة القتال.
وفي الرسالة المذكورة أيضاً أن بضع مئات من نساء دروز حوران خرجن مع رجالهن للقتال فسقط منهم خمس عشرة امرأة في ميدان القتال . ولما كنت في جبل الدروز في السنة الماضية علمت عن ثقة أن نساء الدروز كثيراً ما يخرجن مع رجالهن إلى ميادين القتال وأنهن يتقلدن السلاح ويركبن الخيل كما يفعل الرجال تماماً. ومن الروايات الوثوق بها أنه لما نشبت الحرب في سنة 1896 بين الدروز والشراكسة في عمان كانت الست عماد ابنة الشيخ أبي صالح في مقدمة المهاجمين في الوقائع.
ولما قتل أخوها أخذت سيفه وامتطت جواده وأبلت في تلك المعركة بلاء باهراً وحضرت بعد ذلك معركتين كبيرتين كانت تحارب فيهما إلى جانب أبيها.
على أن ذلك لا يعني أن نساء الدروز يخرجون دائماً إلى القتال . وإنما المعروف عنهن أن لهن في الأزمات الوطنية رأياً مسموعاً وأنهن يؤثرن في عقول رجالهن تأثيراً عظيماً. ومع ذلك فليس بين شعوب الشرق كلها امرأة أكثر خضوعا لرجلها من المرأة الدرزية ولا سيما في ما يتعلق بشؤون الزواج والمعيشة البيتية. وللأب والأخوة والزوج على المرأة سلطان غير محدود ولا ينازعهم أحد فيه. وهو نظام يشمل الأمة الدرزية كلها من أعظم عظيم فيها إلى أحقر صعلوك.
ومن عادات الدروز في يوم الزواج أن العروس تهدي إلى عريسها خنجراً ذا غمد أحمر. وهو رمز إلى عقوبة الموت التي تنفذ فيها إذا هي خانت زوجها. وفي حالة ثبوت خيانتها يعيد الزوج ذلك الخنجر إلى حميه أو أولاد حميه ليتولوا بأنفسهم تنفيذ عقوبة الإعدام والدروز لا يعتبرون هذه العقوبة من قبيل الانتقام بل من قبيل الدفاع عن عفاف الأمة بأسرها إذ ما من أحد يغار على العرض والشرف كالدروز.
ولقد علمت عند وجودي في جبل الدروز أن الدرزيات أنفسهن يسلمن بحق الرجل في المحافظة على مبادئ العفاف وأنهن لا يتذمرن أبداً من شدة العقوبة التي تفرضها العادات والتقاليد القومية في حالة خيانة الزوجة لبعلها.
ولذلك ترى هذه الحوادث نادرة جداً حتى صح القول بأنه لا أثر لها بين الدروز على أنني علمت بوقوع بعض حوادث من هذا القبيل ولا بأس من أن أشير إليها هنا بوجه الإيجاز للدلالة على شدة غيرة الدرزي على عرض.
فمن ذلك أن فتاة درزيه حسناء من عائله فقيرة استأذنت والدها في أن تخدم أحدى الأسر الدرزية الغنية المقيمة ببيروت . فأذن لها أبوها في ذلك، فذهبت إلى بيروت وبعد بضعة أشهر سمع أبوها أنها هجرت الأسرة الدرزية ودخلت في خدمة أسرة يهودية، إنها نزعت عنها الحجاب وصارت تلبس الثياب الأوروبية أي البرنيطة والفستان القصير والجوارب الحريرية. وكان أخوها من رجال الجندية فذهب إلى بيروت إلى الأسرة وأخذ أخته قسراً وعاد بها إلى منزل أبيه حيث سجنت نحو أسبوعين تابت الفتاة في خلالهما وكفرت عن ذنبها ثم استأذنت أباها في أن تدخل خدمة أسرة درزيه على أن تظل مبرقعة.
فأذن لها أبوها بذلك فعادت إلى بيروت وبرت بوعدها لأبيها مدة ستة أشهر وشاء سوء حظها أن تتعرف بجندي فرنسي فأحبها وأحبته واتفقت معه أن تتزوجه سراً وتذهب معه إلى مرسيليا فاتصل الخبر بمسامع أخيها فذهب إليها وعاد بها إلى منزل أبيها بجبل الدروز. ثم عقدت أسرتها اجتماعاً حسب عادات القوم فحكم عليها أبوها بالموت.
وفي اليوم التالي أركبها أبوها وأخوتها بغلاً وساروا بها إلى مضيق بين جبلين حيث خنقوها ودفنوا جثتها في مكان بعيد.
وفي الصيف الماضي وقع في إحدى قرى لبنان حادث شبيه بهذا وخلاصته أن أحد شبان الدروز تزوج فتاة درزية كانت قد أقامت مدة بمدينة دمشق كانت قد تعرفت بأحد التجار المسلمين وكانت لها به علاقة.
فأخذها زوجها وعاد بها إلى بيت أبيها. فأرغمتها أمها على الاعتراف فاعترفت بما وقع لها مع ذلك التاجر ونزلها أبوها إلى الإسطبل حيث ذبحها قبل أن يفطر في الصباح.
وليسمح لي القراء بأن أذكر حادثاً أخر من هذا القبيل. وجميع الحوادث التي وقعت من هذا النوع في خلال الجيل الحاضر لا تزيد على خمسة أو ستة. وخلاصة هذا الحادث أن فتاة درزيه تزوجت ابن عمها وخانته. فأخبر زوجها أخوتها فاستقر قرارهم على أن يرغموها على الانتحار دفاعاً عن شرف الأسرتين وهكذا كان. فأرغموها على أن تثب من قمة جرف عال. فسقطت إلى عمق هائل وماتت موته فظيعة.
ثم أشاع أهلها (دفاعاً عن شرفهم وشرف زوجها) أنها هوت من قمة ذلك الجرف قضاء وقدر.
أوردنا القصص السالفة لتصوير معيشة الدروز الحقيقية. وأراني مضطرة أن أشهد بأن المرأة الدرزية راضية بحالتها قانعة بنصيبها من الحياة بل لقد تكون أشد نساء الأرض قناعة.
والمعروف عن الدروز أنهم لا يستعبدون أحداً من جنسهم ولا من غيرهم من نساء العرب . وجميع العبيد الذين في حيازتهم هم من السود وهم يعاملونهم أحسن معامله . نعم إن الاسترقاق ممنوع في جميع المستعمرات البريطانية والفرنسوية وفي البلاد المشمولة بانتدابها. إلا أنه لا يزال باقياً بين الدروز وبين غيرهم من الشعوب الشرقية. على أن العبد يسمس سيده (عمه) وقلما يريد مفارقته ولو كان في ذلك حصوله على حريته.
وقد روى لي الأمير أمين أرسلان (وهو في مقدمة رجال الدروز علماً وأدباً وجاهاً) حكاية تدل على شدة تعلق العبيد والإماء بساداتهم وخلاصتها أنه كان عنده "عبدة" قضت كل سني حياتها في منزله. ويظهر أنها سرقت ذات يوم قطعة الشكولاتة وأكلتها فاستاء الأمير من عملها وطردها من منزله. وفي صباح اليوم التالي رآها مضطجعة على عتبة باب المنزل. فأيقظها وأمرها بالانصراف فلم تنصرف. فخرج إليها أحد الخدم وحاول أن يطردها وضربها بالعصا ولكنها أبت أن تتزحزح من موضعها حتى أضطر الأمير أن يعيدها إلى خدمته.
ومع شدة محافظة الدروز على العرض فإن الزواج عندهم يبنى على الحب المتبادل الطاهر. وقد اتفق لأحد بنات الشيخ شبلي الأطرش (واسمها على ما أظن فردوس) أنها أحبت شاباً من الموظفين عند والدها وكان شجاعاً جميل الطلعة . فذهبت إلى أبيها وقالت له أنها تحب ذلك الشاب. فسألها أبوها وهل رأيته؟
قالت: كلا.
قال: وهل يعلم أنك تحبينه؟
قالت : لا يعلم شيئاً على الإطلاق.
قال : وهل وقعت عيناه عليك.
قالت : رآني مره عند العين وأنا مقنعة ولم ير وجهي.
وكان الصدق ظاهراً على وجه الفتاة. فقال لها أبوها: أولاً تعلمين يا بنية أنه إذا لم يكن زوجك عظيماً فلا يمكن أن يجيء أولادك عظماء.
فقالت: ولكنه شجاع يا أبي وإذا كان أولادي شجعاناً فكفاني ذلك فخراً.
وبعد شهر وهب الشيخ شبلي ذلك الشاب أراضي واسعة وزوجه ابنته.
ولو أن ابنته حاولت أن تقاومه لكانت العاقبة وخيمة. أن الزواج بين الدروز هو عقد مدني محض لا أثر فيه للشعائر الدينية وإنما يصحبه عاده إطلاق النار في الفضاء واللعب بالسيف والترس وقذف الجريد وغير ذلك من أعراض البسط والسرور.
أشرنا سابقاً إلى السيدة زينب أم يحيى باشا الأطرش وقلنا إنها من فضيلات نساء الدروز. وقد أشتهر كثيرات غيرها من النساء الدرزيات في مقدمتهن الأميرة حبوس والأميرة نظيره جنبلاط وقد كانت الأولى منهما أحكم بنات جنسها وأبعدهن نظراً في تصريف الأمور . وهي أم الأمير أمين أرسلان الحالي. يحكي عنها أنها لما توفي زوجها في سنة 1800 تولت الحكم بعده على الجزء الجنوبي الغربي من لبنان كله (تحت إشراف الأتراك) وقد رووا عن حكمتها ودهائها روايات عديدة تكاد تكون خيالية وكانت تصدر الأحكام العادلة في جميع المسائل التي تعرض عليها وكثير ما حكمت بالإعدام على مجرمين من دون وجود أي دليل عليهم ثم تثبت إدانتهم بعد تنفيذ الحكم.
وللسيدة نظيرة جنبلاط نفوذ عظيم جداً ولها قصر في المختارة حيث تحكم كأنها ملكة مطلقة التصرف وهي رأس الأسرة الجنبلاطية التي كان منها أمراء حكموا حلب في القرن السابع عشر وهم يدعون بأنهم من نسل السلطان صلاح الدين . وقد زرتها في قصرها مع صديقة لي فأذكرني مرأى قصرها بتاريخ ألف ليلة وليلة وقصور العباسين. وفي الواقع أن الداخل إلى قصرها يشعر بأنه في قصور الموالي الذين حكموا أوروبا في العصور المتوسطة أو في زمن الإقطاع وقد جرى لنا في هذا القصر استقبال حافل وعوملنا بمنتهى واجبات القرى والضيافة.
وكان الشاب داوود أفندي عز الدين وهو من أقرباء الأسرة الجنبلاطية - معنا يسهل لنا مهمتنا ويشرح لنا كل ما غمض علينا وأننا وأيم الحق لن ننسى بضع الساعات التي قضينها في ضيافة تلك الأميرة الجليلة التي بدى فيها الكرم الشرقي على أتمه.

رأفت صالح - موقع هنا - عن مجلة العروسة في 19 مايو 1926

jawlan.org 25/09/2009

0 تعليقات::

إرسال تعليق