الخميس، 19 مايو، 2011

تركيا والثورات العربية: أين أصبحت رؤيا داود أوغلو؟

ماذا لو كان الموقف التركي تجاه الثورات العربية براغماتيا بالرغم من الآمال العربية التي عقدت على تركيا بعدما أخذت مواقف إلى جانب القضية الفلسطينية وبعد سفينة الحرية في غزة؟
ما هي أسباب التفاوت النسبي في الموقف التركي من ثورة شعبية إلى أخرى ومن بلد إلى آخر؟ كيف تنظر تركيا إلى الثورات الشعبية في الدول العربية؟ وما هي مبادئ ومنطلقات السياسة الخارجية التركية تجاه هذه الثورات؟ وهل صحت تصريحات داود أوغلو بأن ما يجري في العالم العربي "مسار طبيعي للأمور و أن التغييرات التي تشهدها دول الشرق الأوسط ناتجة عن ضرورة اجتماعية، مشددا على وجوب ابتعاد الزعماء عن الوقوف أمام رياح التغيير، وأن على الحكام العرب أن يتبنوا التغيير أو المخاطرة بفقدان مناصبهم؟
كيف يمكن تبرير التدخل الدولي في ليبيا بعد نفي تركيا أن تكون موجة الانتفاضات الشعبية في المنطقة من عمل عناصر أجنبية؟ وتشديد أوغلو أن المنطقة تشهد عهداً من التغيير مثلما حدث في أوروبا الشرقية في أواخر التسعينات وأنه يجب احترام إرادة الشعوب والحفاظ على استقرار وأمن الدول، وضرورة أن يتم التغيير بشكل سلمي، والحفاظ على وحدة وسلامة أراضي الدول العربية؟
يبدو الحديث وكأنه شروط تضعها تركيا، وكأنها رجع صدى لما تقوله الولايات المتحدة في بعض الأوقات، ولكن على من تملى هذه الشروط؟ على المتظاهرين؟ أم على الرؤساء الذين طلب منهم الرحيل؟ أم على الذين حاولوا القيام بإصلاحات وفوجئوا بالمزيد إلى حد الطلب بإسقاطهم؟

مع أن المراقب يرى بوضوح المسار نفسه الذي بدأ في تونس وبلغ سوريا: منظمات مجتمع مدني وحقوق الإنسان تقدم تقارير، ومدونو الإنترنت وتويتر يصعّدون حملات التوتير، ودعوات إلى التظاهر ومعارضون يقطنون في الخارج يدخلون على خط التغيير في ليبيا مثلا وسوريا والبحرين، وأفلام على اليوتيوب ومقابلات مع معارضين واختصاصيين وفضائيات تلعب دور المحرض على التغيير مدعومة من أنظمة لا ديموقراطية وعائلات ملكية، مع كل ذلك تبدو الصورة مشوشة بعض الشيء، وتبدو تركيا تارة محشورة وطورا مرتاحة إلى سير الأمور ولكن؟
الموقف من ليبيا: برغماتية ومكيافيلية كاملة
ألم يقل أوغلو بوجوب الحفاظ على البنية التحتية ومؤسسات الدول وثرواتها، ورفض التدخل العسكري الأجنبي في الدول العربية. ماذا جرى في ليبيا؟ هل أن تقديم العون والدعم للتحولات الداخلية يتم حسب الظروف الداخلية الخاصة بكل دولة؟ وهل رعاية المصالح التركية الوطنية العليا هي المبررات الأساسية للمشاركة في الحرب على القذافي؟ طبعا مع الاستناد إلى الشرعية الدولية والتحرك في إطار القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد تركيا على التمسك بها.
هل انسجمت رؤية داوود أوغلو مع الواقع العربي الجديد؟ هل حدّت الثورات التي يشهدها العالم العربي من سياسة تركيا بإقامة علاقات لا تشوبها مشاكل مع جاراتها (صفر مشاكل) من أجل بناء علاقات أقوى مع القادة العرب؟
ربما أجبرت الأحداث الجارية أوغلو على إعادة النظر في سياسة "اللا مشاكل" التركية. إن السرعة القياسية التي أدت بتركيا إلى مطالبة مبارك بالتنحي والارتباك الذي ساد موقفها من الانتفاضة التي جرت في ليبيا، البلد الذي تشارك فيه نحو مئتي شركة تركية في مشاريع بناء تصل قيمتها إلى أكثر من 15 مليار دولار بالإضافة إلى 25 ألف عامل أو أكثر من الأتراك يطرح تساؤلات حول موقفها الذي لم يكن مفهوما مع أن أردوغان كان قال بأن تدخل الحلف الأطلسي عسكريا في ليبيا سيأتي بنتائج عكسية.
لكن عادت تركيا ووافقت على تولي الحلف جميع العمليات العسكرية في ليبيا، وأرسلت سفن حربية بقيادة الحلف الأطلسي. هل اقتضت مصالحها الاقتصادية هذا التحالف لا سيما أن الإذعان للقرارات الدولية هو مبدأ أساسي في تصريحات أوغلو في الموقف من الثورات العربية؟
هل يمكن القول أن "الديموقراطية في العالم العربي قضت على سياسة إقامة علاقات خالية من المشاكل مع الدول العربية"؟ يبدو أن الديبلوماسية التركية استدركت هذا التغيير وحّدت الموقف الجديد تجاه الثورات مما يثبت بدون جدل أن تركيا تسلك سلوكا براغماتيا تجاه الثورات وتجاه الدول ولا تحيد عن الخط الأميركي بدءاً بمصر وصولا إلى سوريا. بدت تركيا في الآونة الأخيرة لاعِـبا إقليميا ودوليا، لا يقل انخراطه في القضايا التي تبدو داخلية عن انخراط القوى ذات المدى العالمي في القوة والهيمنة. لقد اختصر أردوغان السياسة التركية، عقب مطالبته معمر القذافي بالرحيل بقوله إن سياسة تركيا تمليها المصالح الوطنية وأكد أنه لم يدع القذافي إلى التنحي، بل طالبه بإجراء انتخابات نيابية ورئاسية يمكن أن يشارك فيها وأبناءه، مثلهم مثل غيرهم من الليبيين لكن لم يمتثل. هو يبرر موقفه لكن في كل خطوة يقوم بها الناتو نجد الموقف التركي غير معارض. ربما فهم الأتراك بأن لا دور سياسياً لهم بل يجب عليهم حماية مصالحهم.
ربما كانت لدى أردوغان في البداية مخاوف وهواجس مشروعة من تحول التدخل العسكري إلى احتلال في ليبيا أو إلى تقسيمها طلبا لنفطها، على غرار ما حصل في العراق أو في أفغانستان، لكنه أكد أن تركيا يمكن أن تلعب دورا إنسانيا. ومهما كانت هذه الشروط أو الدور الإنساني الذي تلعبه تركيا في ليبيا فإن هذا الموقف يعتبر تراجعا واضحا عن الموقف الأول الرافض لجميع أنواع التدخل.

العلاقات التركية – السورية بين الحرص والمصلحة

لقد شهدت العلاقات التركية مع كل من إيران وسوريا والعراق والعديد من الدول العربية انتعاشا كبيرا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية. وقعت تركيا سلسلة من الاتفاقيات التجارية مع هذه الدول بما فيها اتفاقات للتنقل بينها بدون تأشيرات سفر. لكن الأحداث الأخيرة في سوريا وما يواجه رئيسها بشار الأسد، أخاف تركيا على مصالحها مع الدولة الجارة التي تشاركها حدوداً بطول 800 كيلومتر ويقع بها شريط كردي على طول هذه الحدود.
موقفها من سوريا مختلف عن موقفها من الدول العربية الأخرى، وهي نقطة تحسب لتركيا ولا تحسب عليها لا سيما مراعاة خصوصية كل دولة وظروفها ومصالح تركيا المتشابكة معها. فهي حاولت الحفاظ على رصيدها وصورتها الجيدة في نظر بعض الشعوب العربية، كدولة مساندة لحقوقهم المشروعة وداعمة لمطالبهم في الحصول على الحرية والديموقراطية، كما تحسين صورتها داخليا أمام شعبها كحكومة ديموقراطية تدعم حق كل الشعوب في الحصول على الحرية، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة المزمع عقدها في شهر حزيران المقبل، وإبعاد شبهة دعم الأنظمة الديكتاتورية عن نفسها وهو الأمر الذي قد يقلل من شعبيتها إلى حد كبير.
في المقابل يمكن القول بأن سوريا منحت تركيا الاستقرار الأمني في المسألة الكردية وفتحت لها الحدود، كما منحتها دور الوسيط بين سوريا وإسرائيل، تماما كما فعلت إيران في اقتراحها تفويض تركيا القيام بمفاوضات البرنامج النووي مع الغرب.
لكن حين بدأت الاضطرابات في سوريا، لم تتردد تركيا في "استضافة" محمد رياض الشفقة، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا في مؤتمر صحافي عقده في إسطنبول حيث شنّ هجوما على الأسد. ومع أن وزارة الخارجية التركية أصدرت بيانا تنصّـلت فيه من مواقف الشفقة بحجة أن الديموقراطية التركية لا يمكنها إلا السماح بإبداء الرأي إلا أن هذا التبرير لم يقنع سوريا لا سيما أن التدخل جاء للتوسط لإشراك الإخوان المسلمين في السلطة. مع العلم بأن هناك معارضات في سوريا وليس معارضة واحدة صحيح أن الإسلاميين أقواها لكن هذا الدعم من قبل حزب العدالة والتنمية الإخواني لم يرق للسوريين، ولا حتى الادعاءات الإعلامية بإسداء النصائح للسوريين مع العلم بأنهم فعلوا، لكن إظهار سوريا وكأنها ضعيفة وقاصرة أثار حفيظة الحكم والشعب المؤيد على السواء. لمن أرادت تركيا أن توجه الرسالة؟ حكما إلى واشنطن.
إن سياسة العمق التاريخي الذي اشتغل عليه قادة تركيا ووزير خارجيتها تحديدا، تفترض الأخوة والجوار والنصح والتعاون والتوفيق وعدم ازدواجية المعايير، لكن لجوء السلطات السورية إلى القوة في التعامل مع المتظاهرين وضع أنقرة في موقف حرج تجاه حليفتها سوريا، وهي عماد سياستها في الشرق الأوسط لذلك أرسلت مسؤول مخابراتها لإقناع النظام السوري بالتخلي عن القوة وبدء الإصلاحات.
إن انتقادات أردوغان للأسد التزمت حدود إبداء النصح، لكن نبرته أصبحت عالية فقط عند دخول الدبابات إلى درعا، إذ خشيت أنقرة من عدم استقرار الأوضاع في سوريا والذي قد ينتشر إلى المناطق الكردية في تركيا، ولا سيما انتقال عدد من مقاتلي حزب العمال الكردي من سوريا إلى تركيا. هذا عدا عن أن الوضع السوري يضع أردوغان وسياسة صفر مشكلات في وضع حرج. هذه الأمور مجتمعة هي التي حملت أردوغان على حض الأسد على الإصلاح الاقتصادي والسياسي من أجل المصالح المشتركة، لا سيما أن سوريا تشكل بوابة تركيا على العالم العربي. تتمنى تركيا أن ينجلي الوضع في سوريا سريعا وأن يقود الأسد دفة الإصلاح من داخل حزب البعث أولا، أي البدء بالإصلاح الداخلي والإصلاحات الأخرى المطلوبة، والتي أبدى الأسد استعداداً لتطبيقها لا بل بدأ فيها.
هل هناك تأثير للتحركات ضد نظام الأسد على السياسة الداخلية في تركيا التي ستشهد انتخابات عامة في حزيران المقبل؟ ليس بالضرورة، كما أن تأثير العلاقات الاقتصادية المتميزة لتركيا مع جارتها لم تتأثر كثيراً بالأحداث. لكن نظاماً ديمقراطياً إصلاحيا في دمشق سيضع تنمية العلاقات الاقتصادية مع أنقرة في صدارة أولوياته. لا شك في أن سلوك أردوغان يرضي جمهور حزب العدالة والتنمية الذي يؤيده في إقامة علاقات مع سوريا والعالم العربي.

بقلم هدى رزق (أستاذة جامعية)  النهار 19 أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق