الخميس، 26 مايو، 2011

أخناتون إله الموحدين

أخناتون، إله الموحدين

أخناتون
يعتبر أخناتون شخصية تاريخية على العكس من موسى، مثلا. أخناتون من المنظور التاريخي، هو مؤسس ديانة التوحيد، أو بالأحرى يشكل الحلقة الانتقالية بين تعدد الآلهة ونشوء الدين المركزي بإله واحد. ديانة أخناتون لم تلقى رواجا في مصر، بل على العكس واجهت الازدراء والرفض والفشل. من ناحية أخرى يظهر بوضوح أن إبداعات أخناتون الفكرية قد أصبحت ملهماُ لليهودية وورثتها المسيحية والإسلام. لماذا نجح موسى وفشل أخناتون؟

موسى لا يعتبر شخصية تاريخية، إذ لا توجد لدينا دلائل موضوعية على وجوده، ليبقى أسطورة بطل لملحمة العهد القديم والأب الروحي للشعب اليهودي. غير أن تأثيره على تطور المعاني الدينية والفلسفية يمكن مقارنته فقط مع أخناتون. عند دراسة الديانة التي ابتدعها أخناتون ومقارنتها بما تقدمه اليهودية الموسوية نجد العديد من نقاط الالتقاء والتشابه، ليس فقط في المضمون وإنما في الهدف أيضا. أخناتون، تماما مثل موسى وحتى محمد، سعى لخلق ديانة جديدة من اجل إعطاء أتباعه هوية وانتماء وشخصية متميزة يوحدهم ضد الأخطار الخارجية ويمنع ذوبانهم.

في الوقت الذي فشل فيه مشروع أخناتون، نجد أن موسى نجح بفضل الظروف التاريخية التي واجهتها جماعته، ولربما إضافة إلى الخصائص الشخصية لموسى. في العصر القديم كانت الأساطير والروايات تصبح ملكية عامة على الفور، تقتبس بين المجتمعات بدون تغييرات كبيرة، بالرغم من انه يعاد صياغته لتستوعب خصائص الشعوب المقتبسة. أفكار موسى تتكون من فكرة أخناتون عن " التوحيد الصحيح"، ونبذ بقية الآلهة ورفض التعددية، وامتلاك الإله الخاص ليصبح امتياز وهوية. بدون أخناتون كان من الممكن أن لا يظهر موسى في ذلك الوقت.

من أجل فهم دوافع أخناتون لا بد من تحليل عصر أخناتون ومقارنتها بالتغييرات الكبيرة. مجتمع أخناتون كان يظهر وكأنه توقف عن التطور، والأفكار التي أتى بها أخناتون تنقله من حالة السكون إلى حالة مخالفة، تماما كما كان الأمر ما قبل الثورة الفرنسية والثورة الروسية. أخناتون قام بإلغاء جميع الآلهة القدماء وحرم تعظيمهم وأبقى إلها واحداً هو إله الشمس، وهو شخصيا التجسيد الحي لهذا الإله على الأرض والناطق باسمه وعند موته سيلتحم بالإله، ليجعل نفسه الشخصية التالية لهذا الإله. بهذا الشكل، أبقى مضمون الديانة المصرية القديمة التي تعتبر الفراعنة هم ممثلي الآلهة على الأرض والتي ستتحد مع الآلهة بعد الموت، وأبقى صلاحية الممثل الشخصي للإله (عوضا عنها جاءت الأديان السماوية بشخصية النبي التي لم تكن معروفة في عصر الفراعنة)، وهذا يضمن له شرعية انصياع الناس له، وكبح الكهنة التي تنازعه السلطة. لقد أصبح أخناتون الوحيد الذي يملك الحقيقة المطلقة، ووحدة الإله تضمن وحدة السلطات ووحدة الشعب خلفه، وشخصية مصرية متميزة عوضا عن هوية مشتركة مع بقية الشعوب. إن دين أخناتون يتميز بنفيه للماضي والاستعاضة عنه بتعظيمه شخصيا لكونه ممثل الإله على الأرض.

ولكون دين أخناتون قائم على التمثيل الشخصي للإله على الأرض لذلك لم يكن من الممكن أن يبقى بعد وفاته، لهذا السبب تركه الناس وعادوا إلى كهنتهم وآلهتهم السابقة التي لم تمت. نقطة الضعف هذه تجاوزتها الأديان السماوية اللاحقة عندما أصبح الداعية " موسى" مجرد وسيط مؤقت، ووظيفته يمكن أن تستمر في رجال الدين وليس في سلالة بالوراثة. هذه الفكرة العبقرية جعلت علاقة الإله مع الناس لا تموت بموت الوسيط. تجربة أخناتون نراها من جديد في التجربة اللينينية، عندما تموت الفكرة بموت صاحبها لعدم القدرة على التشبث بالشخص بعد موته، لتعود الديانة التي لها إلها لا يموت إلى الحياة.

ما هي علاقة موسى بأخناتون؟ ديانة موسى كانت تتميز بالقواعد الأخلاقية إضافة إلى توحيد أخناتون.. موسى بذاته شخصية أسطورية، على العكس من أخناتون. هذا يعني أن موسى قد أضيفت إليه عناصر قصصية من اجل إعطاءه الهالة التي يفقدها باعتباره إنسان عادي. القصص في العصور السابقة كانت لا تملك حقوق تأليف، ويجري تتداولها بين الشعوب، بعد تعديلات بسيطة لتلائم المنطقة المحلية. قصة موسى التي يتداولها التوراة والقرآن جرى اقتباسها عن القصص البابلية ليعاد صياغتها فتصبح ذات بيئة مصرية. غير أنها في نفس الوقت تشير بوضوح إلى أن موسى كبر وترعرع في بيئة مصرية ذات علاقات إلهية خاصة. . هذا الأمر ينطبق تماما على مدينة طيبة عاصمة الفرعون أخناتون.

إن كون موسى شخصية مصرية، أسست ديانة اليهودية، يفسر بوضوح أسباب غياب اليهودية من الوثائق المصرية. إن موسى كان مصريا واليهودية هي ديانة ظهرت بظهوره وليس قبله، ولذلك فالمصريين لم يشيروا إليهم كيهود، لأنهم مصريين. ولكن موسى تربى في بيئة طيبة واستوعب ديانة التوحيد، غير انه لا يملك شرعية الفرعون، أو مشروعه. إن إضافة الملامح القصصية على شخصية موسى تعطيه هالة مقدسة يفتقدها وتقدم له شرعية مفقودة.. لهذا السبب جرى تحوير القصة البابلية لتصبح عن موسى.

في ذات الوقت نرى أن موسى لم يكن ينظر إلى الدين بمنظور رجل الدولة، بل شخص تقي تربى تربية دينية.. تماما كما نرى اليوم الفارق الكبير بين الأصوليين الذين يعتنون بالبعد الأخلاقي للدين وبين ولي الأمر الذي يهتم بالبعد السياسي. هذا الفرق بين الدورين هو الذي جعل دين موسى يمتلئ بالقواعد الأخلاقية ويفقد بعده السياسي. في نفس الوقت نجد انه من الصعب الاعتقاد أن يهتم الإله بتنزيل قواعد أخلاقية، لكون القواعد الأخلاقية لا يمكن أن تشكل رسالة سماوية مطلقة: إن الأخلاق نسبية، ويجري تطبيقها من خلال الإنسان الذي لا يمكن أن يكون موضوعي على الإطلاق.. وإذا كان الإله مهتم بالأخلاق لكان خلق الأسس التي تسمح بجعلها موضوعية. إن عدم موضوعية الأخلاق يجعلها ذاتية وغير قابلة لتكون دين لا يتغير عبر المكان والزمان.. وبالتالي لا يمكن أن تكون إلهية. أن الدين الذي يقوم على رؤية أشخاص لا يمكن أن يكون حقيقي، لأن الحقيقة موضوعية لا تعتمد على وجود الإنسان.

وإذا كانت هدف موسى هو بناء دعوة توحيد تقوم على قواعده الأخلاقية، فلا بد أنه عاصر وتربى على تعاليم أخناتون، ورأى بأم عينه سقوط وانهيار عبادة إله الشمس المرتبطة بعبادة الفرد، التي ابتدعها أخناتون. هناك شيئين يمكن أن يكونوا قد أثروا على طريقة موسى في طرحه دينه، الأولى أن وفاة أخناتون، وسيط آتون، أدى إلى وفاة دينه، والثاني أن موسى لا يملك شرعية تسمح له بالتكلم باسم الإله الواحد لكونه ليس من نسل فرعون. هذين الأمرين يحتمان اختلاق طريقة جديدة لتمثيل الإله. إن الناس تحتاج إلى إله لا يموت بموت ممثله. والثاني أن الممثل يحتاج إلى شرعية تبرر كونه هو بالذات الناطق الرسمي باسم هذا الإله الأبدي والوحيد. غير أنه لا نعرف شيئا عن موسى. إن مصادرنا عن موسى لا تزيد عن أساطير اليهود ومن اقتبسها منهم من بعدهم، بدون مراعاة أن أسطورة اليهود مقتبسة عن البابليين، وليس لها أصل في الحقيقة.

إن عظمة موسى هو في قدرته على اقتباس أخناتون وإعادة طرحه بصورة أكثر ملائمة واقرب إلى الإنسان العادي وحاجاته، وجعله دين قادر على الحياة بدون صاحبه. صياغة موسى قدمت الوسيلة للحفاظ على شخصية أصحابها وتميزهم عن محيطهم، وجعلتهم متماسكين وقادرين على التفاعل كجماعة واحدة. وهو ذات الأمر الذي سعى إليه محمد لبناء الدولة العربية، في مقابل نفوذ الدول العظمى في ذلك الوقت.

فكرة أخناتون كانت إله واحد لا صفات له، وقوانين أخلاقية عامة موضوعية. في حين نجد أن موسى يقدم لنا إيديولوجية مختلفة. إنها تفقد لطقوس ما بعد الموت التي كانت تميز الثقافة المصرية، وموسى ليس إلها وإنما فقط وسيطه، في حين أن ممثل موسى أمام القبائل كان أخوه هارون. أخناتون كان ليس فقط الناطق الرسمي وإنما جزء منه ويستمد شرعيته من علاقة الالتحام مع الإله.

بهذا الشكل يعتبر موسى حلقة انتقالية بين تعدد الآلهة القديم وبين ديانة التوحيد. وهنا نرى ثلاث معضلات رافقت ديانة موسى: الأولى: القوانين الأخلاقية القاسية التي تتعارض مع مصالح بناء دولة. الثانية: التغاضي التام عن توضيح العلاقة ما بعد الموت، والثالثة: إن هذه التعاليم كانت موجة لبناء عرق متميز ولعزله.

" شعب الله المختار" كان هو الرشوة الذي قدم لأتباع موسى من أجل القبول بهويتهم الجديدة، تماما كما يفعل اليوم أصحاب الدعوات الجديدة من طوائف ومذاهب. المعجزات والأسطورة البطولية كانت بهارات لا غنى عنها في ذلك الزمن، وقد جرى اقتباسها بكل رحابة صدر. العلاقة بين الواقع والذاتية والموضوعية تجري من خلال التقاليد والعادات والامتيازات. بهذا الشكل ظهرت اليهودية، الدين الذي أصبح مجموعة إثنية، وحصلت على حقها بالأرض الموعودة. لم يكن بالإمكان أحسن مما كان.

التاريخ هو أحداث موضوعية لا علاقة له برؤية الإنسان وتمنياته أو تصوراته عنه. من هنا فإن ما يدعيه شخص أو فئة لا يمكن اعتباره تاريخ طالما لا توجد براهين موضوعية عليه. ليس من النادر أن تكون الأحداث التاريخية المتداولة بين الناس ممتلئة بالإضافات والتحويرات البطولية التي تتلاءم مع أماني الرواة أو تصوراتهم، وبالتالي تملك علاقة غير مباشرة بالواقع. صعوبة استخراج التاريخ الحقيقي من بطن الأسطورة يعرقله أن قصص الأسطورة جرى بناءه تمنيات شخصية وتعكس عالم غير واقعي. في الأسطورة يتحول الإنسان العادي (الشخصية الحقيقية للحدث) إلى بطل له قدرات خارقة وحتى يصل إلى مستوى أشباه الآلهة. لنتصور معا كيف سيقوم شخص ما في العصور السالفة بكتابة فكرته التي تحث الناس على عدم البقاء تحت تأثير سعي الحياة وإنما التفكير بالقيم الروحية أيضا. إن الطريقة للوصول إلى ذلك هو فصل الهدف عن الواقع ورفعه للسماء ولكن في نفس الوقت جعله يخدم مصلحة فئة من الناس، وإلا فأن لا أحد سيعيره أي أهمية. مثلا إذا بدأ شخص بالتفكير في القيم الروحية العميقة فسيقع على الفور في صدام مع العالم المادي ويتوقف عن الاهتمام بعائلته ونفسه والسعي للغنى.

من هنا نرى أن الإيديولوجية المرتبطة بشخص حي مصيرها الموت بعد وفاته، في حين أن بناء إيديولوجية على قاعدة الشخص الأسطورة بالارتباط مع إله يجعل هذه الإيديولوجية لا تموت وتحظى على الدوام بصفة رومانسية، والأكثر أن الشخص الذي ابتدعها يبقى حيا إلى الأبد. في هذه النقطة نرى الفرق بين موت عبادة الفرد في شخصية أخناتون ولينين والقائد الضرورة صدام وبقاء الشخصية التي تحولت إلى أسطورة مثل موسى وعيسى ومحمد.

إن الفكرة القائمة على الأسطورة لا يمكن قتلها. والطريقة الوحيدة لقتلها هو العلم. كما نعلم كان رجال الدين المسيحيين والمسلمين على السواء يدافعون بحزم عن فكرة أن الشمس تدور حول الأرض، غير أن العلم وضع الأمور في نصابها وأجبرهم على التخلي عن "إيمانهم" في هذا الشأن. أساس قوة العلم في كونه غير روحاني، وبالتالي لا يعتمد على الأشخاص وتمنياتهم أو مشاعرهم واعتقاداتهم، بل ولا يعتمد حتى على الآلهة أو الله، حتى ولو كان موجود حقا. إذا كانت نظرية النسبية هي قانون الطبيعة، فحتى الطبيعة ، مهما وصلت من ذكاء، ليست بقادرة على تغيير هذا القانون. في هذا الإطار يكون العلم أقوى من الفكرة المؤسسة على " القدرة المطلقة للإله"، لكونه في حقيقة الأمر تعبير فارغ.

على العكس نجد أنه من غير الممكن تحطيم العلم، لكون لا أحد يملك الحق بتمثيل العلم ولأنه لا يوجد فيه شيء قابل للثبات. لهذا السبب فإن الصراع مع العلم لا مستقبل له. العلم هو نتاج نشاط جميع العلماء قاطبة في نفس الوقت، ويقف على أكتاف من سبقوه، وتقدم المعرفة فيه على أساس التراكم الموضوعي.

بقلم حمدي الراشدي - حرر في: May 1 2008, 04:54 AM

أساطين التوحيد عبر العصور: أخناتون مؤسس التوحيد

أخناتون، أو أمحوتب الرابع، أو أمنحوتب الرابع، هو فرعون مصري من الأسرة الثامنة عشرة، وهي أول أسر الدولة الحديثة، في عهد الفراعنة، وقد بدأت عهدا عرف بعهد الإمبراطورية. ضمت هذه الأسرة بعض الفراعنة المشهورين في التاريخ، ومنهم أحمس الأول، وتحتمس الأول حتى الرابع، وأمنحوتب الأول حتى الرابع( وهو أخناتون) وتوت عنخ آمون.عاش أخناتون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد،وحكم مدة 17 سنة، ( 1379-1362 ) وكان ابنا للفرعون أمنحوتب الثالث وزوجته تي. وقد كان والده فاتحا كبيرا، فقد احتل مناطق شاسعة إلى الشمال وإلى الجنوب من مصر، وبنى إمبراطورية كبيرة.

وجاء في الموسوعة البريطانية، المجلد الأول، صفحة 401:" أن أخناتون كان أحد أعظم المصلحين الدينيين في التاريخ. وأنه أحدث في عهده تغييرات ثقافية جذرية. وقام بانقلابات في المفاهيم الدينية، لذلك اختلف المؤرخون فيما بعد، في تحديد شخصيته، فمنهم من قال، إنه كان مثاليا نبيلا وأول من أسس أركان التوحيد، ومنهم من قال إنه كان من أسوأ الحكام في التاريخ.".
وجاء في كتاب الأستاذ سعيد حمود ملاعب، "حضارة الحكمة والحكماء عبر العصور"، بيروت، 1985، الجزء الثاني، صفحة 84:" كان هذا الملك النبي، أو النبي الملك، يملك من العلم والحكمة، ما لا يعرفه أحد. ولم يكن أخناتون ملكا مصرياً، بل عاهلا عالميا، انتشرت تعاليمه ومبادئه فيما يتعدّى العالم القديم، لتصل إلى جزر المحيط الهادئ... هكذا وفي قمة مجدها الذهبي، أنجبت مصر لها وللعالم فرعوناً نسيج وحده، لم يأبه للجاه والمجد والسلطان، ولكن بذل قصارى الجهد لإعلاء شأن الإصلاح الديني، ولتحقيق انتصار عقائدي على الكهنة، ذوي الغنى والسيطرة "عبدة آمون"، وهكذا حاول أمنحوتب الرابع، إحداث ثورة دينية، وأصر على عبادة قرص الشمس " أتون"، مستبعداً عبادة آمون وبقية الآلهة المصرية المتعددة. لم تكن السلطة عند أخناتون غاية، بل وسيلة لبعث عبادة الأحد. فكرس أيامه ولياليه، تعبدا أمام محراب الإله آتون، الذي لا شريك له. ولكن واجهت المصلح الكبير مصاعب ومتاعب، فوقف الكهنة وقادة الجند يؤلبون الرأي العام ضد إصلاحات أخناتون الجذرية، خاصة بعد أن اعتبر هذا الفرعون القدوة، أن زكاة الحياة الروحية والسياسية الفاعلة المجهادة الدؤوبة لنشر دين التوحيد، فوق ربى مصر أولا، ثم في بقية أقطار الدنيا".
وجاء في كتاب: "تاريخ الجنس العربي" للأستاذ محمد عزة دروزة، بيروت، المجلد الثاني ، صفحة 152، عن أخناتون ما يلي:" وأشهر ما اشتهر به هذا الملك، هو الانقلاب الديني الذي قام به، وهو العدول عن الشرك إلى التوحيد، وعبادة القوة الكامنة وراء قرص الشمس، التي وصفها بالإله الواحد، الذي لا شريك له، وسمّاه آتون. واعتبر قرص الشمس رمزا له، وحسب وبنى له معبداً في طيبة، وحرّم عبادة آمون إله الشمس وغيره من الآلهة، وغير اسمه، فصار أخن أتوب، بدلا من آمون حتب، وأمر بمحو اسم آمون عن أي مكان وأثر، وتحطيم تمائيله، وأخذ ينشر مذهبه الجديد في طول البلاد وعرضها، ويحارب المذاهب الأخرى، وقد أفلح في حركته، لأن للفرعون قداسة تجعله في نظر الشعب معصوما، وإن مقدِّمات هذا الانقلاب، ظهرت في عهد تحتمس الرابع، ثم في عهد أبيه، وجدت لوحة ظهر فيها الجد يعبد قرص الشمس ويسميه آتون، وقد تدلى منه شعاع ينبعث من الشمس حاملا إليه الخيرات. وهذه الصورة تنطبق إلى حد كبير على الصورة الرمزية التي اتخذها أخناتون لمذهبه، وحيث عُرف من الآثار أن هذا الجد قد ثار على سلطان كهنة آمون، وانتزع من يدهم وظيفة رئيس كهنة القطريْن وقلدها أحد قواده. وحيث سمّى أبوه قارباً كان يتنزه فيه في بحيرته الصناعية بمدينة هايو طيبة، "تحن أتن" ومعناها آتون يضيء، وحيث عرف أن أخناتون نفسه، أخذ يتظاهر بمذهبه الجديد في حياة أبيه، دون معارضة من هذا الأب، فلم يكن هذا الأب يموت ويتولى الابن الملك حتى أتم مذهبه وأعلنه."
" وقد قام صراع وصيال شديديْن، بينه وبين كهنة آمون، فحمله هذا على ترك طيبة وإنشاء عاصمة جديدة في الشمال، سماها ماعت (ومعنى الكلمة مقر الصدق)، كما سماها أخي تاتون، معنى الكلمة (أفق أتون) وكانت على أنقاض مدينة طينة، إحدى المدن القديمة، وهي التي برز منها ويُعرف مكانها اليوم باسم تل العمارنة. وقد جعل الطابع المذهبي الجديد، طابعا للمدينة الجديدة، حيث أمر كل موظفيه ورجاله، بنقش اسم آتون والأدعية التمجيدية له، على واجهات بيوتهم فيها. وقد سجّل خبر إنشائه هذه المدينة، في لوحات عديدة أشاد فيها بما كان من عنايته وبإنشائها وما أنفقه عليها. ولقد أنشأ هذا الملك لآتون معابد عديدة في مدن الوجهين القبلي والبحري، وبلاد النوبة وسوريا. وقد عُثر على نقوش عديدة تتضمن أناشيد وتمجيدات لآتون، فيها الدلالة على أن المقصود منه، هو الإله الواحد، خالق الأكوان ومدبرها، والمحيط علمه بكل شيء. منها ما عُزي لأخناتون نفسه، ومنها ما عُزي لغيره من أتباعه، ومنها ما فيه مماثلة لبعض مزامير داوود... "
وجاء كذلك في كتاب حضارة الحكمة والحكماء ص 77 عن أخناتون ما يلي:

"ويعطي أخناتون آتون، مظهر التوحيد، والقدرة الفائقة، ومظهر العالمية، فهو الذي خلق وأوجد مصر وسائر البلدان الأخرى، وفرّقها وجعل لكل منها لغة خاصة بها، وجعل أتون لكل إنسان مكانا، وأمّن له قوته وغذاءه، وحدد له حياته، ومن دراسة العقيدة الآتونية يتبين، أنها كانت تمتلك معطيات سياسية في سبيل إيجاد الهوية وديانة عالمية. وهي للمرة الأولى التي تظهر فيها مثل هذه الدعوات. وبعد أن ألغى أخناتون الآلهة الأخرى، وهدم معابدها، وأوقف عبادتها، بقي معظم الناس على ديانتهم القديمة. ودلت الحفريات الأثرية، أن شخصا واحدا فقط جاء مع أخناتون من طيبة. أما الباقون فقد كان همهم التقاط عقود الذهب والمكاسب التي يلقيها الملك والملكة، عند ظهورهم من شرفات قصرهم، كما تمثلهم المنحوتات المكتشفة."
"لقد وضع أخناتون أسس إصلاح جذري، ومما لا شك فيه، أن أخناتون كان رسول عهد جديد، ورجلا مثاليا، يعمل بوحي من عبقرية متوقدة كامنة في أعماقه. ومن ثم تمثلت فيه حقبة تاريخية، تمخّضت وهي وشيكة الانهيار، عن قوة خلاقة متفجرة. وقد حملت مقومات الإصلاح أيضاً عصرا جديدا للتقدم الفني والصناعي، خاصة في أخيتاتون. وفي غضون حكم أخناتون، برزت أروع أمثلة للفن المصري، وبذلك نصل إلى مرحلة العمارنة."
ويضيف الكاتب محمد دروزة ص 158 :
"ولأخناتون آثار متنوعة وُجدت في مختلف أنحاء مصر تحمل اسمه، من تماثيل ولوحات وأواني وقطع حجرية وبقايا منشآت ومعابد دينية، في أماكن مختلفة. ومن اللوحات واحدة عليها صورة أخناتون مع أسرته، وهم يتعبّدون لقرص الشمس آتون، أمام مائدة قربان، أرسلت عليها أشعة آتون. وتولى العرش بعد أخناتون، أخوه سمنخ كارع، ويظهر أنه أراد التزلف إلى كهنة أمون رع، الذين كانوا ناقمين على أخيه، فترك مدينة أتون إلى طيبة، وتسمى باسم رع، غير أن حكمه لم يطل. وتولى العرش بعده توت عنخ أمون المشهور." 

al-amama - 25 يونيو 2009

أخطر مفاجأة في تاريخ الأديان

الفرعون المصري إخناتون هو أبو الأنبياء وجلجامش وحمورابي


هذا الموضوع لا يمكن السكوت عليه أو المرور عليه مرور الكرام. فرغم أنه لا يمس عقائدنا بشكل مباشر حيث إننا نؤمن بالحنيفية السمحة أيا كان مصدرها أو جنسية الداعي إليها وهو الخليل إبراهيم عليه السلام ومن بعده رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أنه يقلب موازين تاريخ الأديان، ويعيد ترتيب - بل وقلب - الأحداث التاريخية بشكل يخالف ما درجت عليه كل المصادر المعروفة، ويحطم الثوابت التي كانت قد استقرت عبر القرون والعصور المختلفة.
فالتوراة تشير إلى أن الخليل إبراهيم ولد في بابل وأن الأحداث التي مر بها وقعت كلها في العراق وأنه سار بدعوته إلى الشام وفلسطين، والقرآن يؤكد أن خليل الرحمن ذهب إلى الجزيرة العربية وأنه وولده إسماعيل قاما بإعادة بناء بيت الله الحرام بمكة المكرمة، ويروي القرآن الكريم كذلك أحداث المواجهة التي وقعت بين إبراهيم وقومه وتحطيم الأصنام وإلقاء إبراهيم في النار، دون تحديد زمان أو مكان لهذه الأحداث.

وقد درج المفسرون للقرآن الكريم عند حديثهم عن قصص الأنبياء وخصوصا قصة سيدنا إبراهيم، إلى اللجوء إلى المصادر الإسرائيلية كالتوراة والتلمود وكتب المؤرخين اليهود لملء الفراغات التاريخية في القصة، وهو ما عكس تناقضاً في الأحداث، وارتباكاً في الروايات جعل الكثيرين يطالبون بتنقية قصص الأنبياء من الإسرائيليات التي تسللت إليه عبر كتب التفاسير والتراجم بأنواعها وأزمانها.
وهذا هو المدخل الذي دخل منه الباحث المصري سعد عبد المطلب العدل إلى مشروعه المثير للجدل: »إخناتون أبو الأنبياء - والخليل أخناتون في القرآن الكريم«، فهو قد لاحظ أن التوراة لم تذكر أي شيء عن الـ 75 عاما الأولى في حياة الخليل إبراهيم إلا في إطار »فك اشتباك« ينظر إلى الأحداث من بعيد، وأن القرآن الكريم لم يحدد تواريخ للأحداث التي يرويها وأن كتاب الله - رغم صدق كل رواياته - لم يحدد جنسية ولا مكانا لميلاد وحياة الخليل إبراهيم فلجأ سعد عبد المطلب العدل إلى الكتب التاريخية والشواهد الأثرية ليظهر أمامه فجأة الملك المصري أمنحتب الرابع الشهير باخناتون وأول موحد في الحضارة المصرية القديمة، على أنه أبو الأنبياء، إبراهيم عليه السلام، وأن عملية التضحية التي كان محورها إسماعيل عليه السلام لم تقع في الجزيرة العربية كما هو معروف بل حدثت في منطقة قلعة الكبش، وتحديداً في الموقع الحالي لجامع ابن طولون في مصر.
والمفاجأة الأهم أيضا أن أخناتون - حسب رأي المؤلف - هو نفسه »جلجامش« صاحب الملحمة البابلية الشهيرة، وهو نفسه »حمورابي« صاحب المدونة التشريعية التي هي في الأساس صحف إبراهيم التي أشار إليها القرآن الكريم.
ورغم أن فكرة الربط بين أخناتون وإبراهيم عليه السلام ليست جديدة، إذ أنها كانت محوراً لكتاب قام بتأليفه كاتبان فرنسيان يهوديان وصدر في باريس فإن المؤلف المصري سعد عبد المطلب العدل تفوق على الجميع وتجاوزهم في مشروعه من الناحية المنهجية والفكرية، إذ استخدم المراجع والشواهد والآثار التاريخية بطريقة محكمة جعلت الفكرة قريبة إلى القبول والتصديق بل إن جهات إيرانية وإماراتية عكفت على ترجمة المشروع ونقله إلى اللغات المختلفة وهو ما سيثير ضجة في الأوساط الدينية والأثرية في العالم.
في البداية يشير المؤلف سعد عبد المطلب العدل إلى أن من عجائب القدر وهزءات التاريخ أن أول من يفشي لنا بجزء من السر - سر الآباء العظام - هو اليهودي المؤرخ المعروف باسم جوسيفوس الذي عاش في الإسكندرية القديمة عام70م حيث يسرد لنا في ثنايا كتابه »ضد أبيون« تاريخ مصر الذي بدأ - حسب وصفه - بتاريخ الآلهة وقسّم التاريخ إلى ثلاثين أسرة تبدأ بالملك مينا وتنتهي بالإسكندر الأكبر.
والعجيب والملفت للنظر في قصته أن جوسيفوس أغفل جزءاً هاما من التاريخ المصري القديم، ألا وهو قصة وتاريخ أول الموحدين »إخناتون« بل إنه رغم هذه الغفلة تعرض لهم وصورهم وكأنهم مملكة إناث أو مخنثين.
فمن خلال العرض التسلسلي لملوك مصر العظام يسقط السيد جوسيفوس أهم حقبة من التاريخ لما لها من القيمة الروحية، والفكرية والفلسفية ما يمكن بها أن يتغير تاريخ البشرية جمعاء.
ويشير المؤلف إلى أن هذا الإغفال من جانب المؤرخ اليهودي كان متعمداً لإخفاء دور اليهود في إحراق مكتبة الإسكندرية حيث يتهمهم في دراسة منطقية مفصلة بإحراق المكتبة التي كانت تضم أكثر من 700 ألف مجلد، كي يخفوا الحقيقة التاريخية المهمة وهي إن الملك المصري أخناتون هو أبو الأنبياء إبراهيم وأنهم لا ينتمون إليه كما يروجون.

الملك النمروذ

وبعد سرد طويل للشواهد التاريخية والأثرية والقراءات المفصلة يبدأ المؤلف سعد عبد المطلب العدل قصته قائلاً:
جدير بالذكر أن لقب »فرعون« كلمة مركبة من كلمتين: بر* عا، وتعني البيت العظيم وهو رمز للحكم كأن نقول في عصرنا: البيت الأبيض أو الكرملين، وغيرها.
و هذا اللقب لم يكن معروفاً إلا بداية من الملك تحتمس الثالث 1305-1551ق.م - مؤسس الإمبراطورية في الدولة الحديثة فحين تتكلم التوراة في قصة يوسف الصديق عليه السلام تشير إلى الفرعون وعليه يكون من الخطأ الذي لا يغتفر للباحث أن يرد زمن إبراهيم مثلا إلى عصر الهكسوس أو يقولون بأبعد من ذلك في حكم ملوك الدولة الوسطى، لأن إبراهيم هو الجد الثاني ليوسف، أي أن هذا اللقب »فرعون« لم يكن معروفاً في الدولة القديمة ولا في الدولة الوسطى.
ويتحدث باحثو اليهود عن الملك »النمروذ« ويقتبسه التراثيون الإسلاميون، عنهم ولكن دون أن نعرف لملك يسمى كهذا أية هوية، وتاريخ الرافدين وقوائم ملوكهم يرفض رفضا باتا أن يكون بين ملوكه ملك باسم هكذا فما الموضوع إذن؟
كان حكم تحتمس الرابع ومن بعده خلفه أمنحتب الثالث طويلاً ومستقراً فازدهرت الفنون الراقية، فظهرت ثلاثة أجيال من المصورين والمثالين والمعماريين والحرفيين على مستوى رفيع، أمكنهم من تنفيذ كل ما أنيط بهم من أعمال ولم توجد بعد ذلك فترة أخرى تحقق فيها مثل هذا الازدهار لفن النحت مع الضخامة في حجم التماثيل وفي عمل المجوهرات الدقيقة وأعمال التماثيل الصغيرة من الخشب والعاج.
وقد كان المقر الملكي على الأرجح في غرب طيبة، فمن المؤكد أنه بنى قصرا منيفاً هناك ويقترب هذا البناء لأن يكون مدينة صغيرة أو مجمعاً يغطي ما يقرب من ثمانية أفدنة، وكان يسمى »الملقاطا« أو »قصر المسرات«، وكان هذا القصر متصلاً بمعبد جنازي بواسطة ممر، وخصص لعبادة آمون، وكان بناء ضخماً لدرجة أنه استخدم فيما بعد كمحجر وكأنها هي سخرية القدر حيث تباهى الملك بأنه بناه »ليبقى للأبد« ولكي »يخلد خلوداً أبدياً«، ومن كل ذلك لم يبق اليوم منه سليما سوى تمثالين عملاقين للملك أطلق عليهما فيما بعد »تمثالا ممنون«، بقي أن نذكر أن الآسيويين كانوا ينطقون لقب الملك أمنحتب الثالث نب معت رع: نمرورا، وهذا النطق هو بعينه الـ - نمروذ - فإذا كان تاريخ الرافدين ليس بين ملوك نمروذ فها نحن قد عثرنا عليه الآن في مصر وكل الصفات التي قيلت عن هذا النمروذ تنطبق تماما على نمروذنا هذا. أما اسم تارح أو تارخ أو زارع أو آزر، كما هو في الآية القرآنية فكلها تخريجات من لقب الملك أمنحتب الثالث: بن معت رع وعليه فقصة إبراهيم تدور بينه وبين أبيه ولا ندري كيف وصل المفسرون إلى النتيجة الغريبة أنه عمه أو خاله رغم أن كل الآيات تذكر »أباه« أو مع النداء »يا أبت«.

الخليل إبراهيم

لقد عاش الملك والإله أمنحتب الثالث - نب معت رع- نمروذ - حياة مزدوجة، حياة الإله أو ابن الإله المهيمن على الدين والدولة في مملكته يحكمها بما أملاه عليه وحيه هو، وعلى الجانب الآخر اخذ كإنسان يرشف الملذات رشفاً ويعبث بحياته وحياة الآخرين غير آبه بما سيحدث في الغد والغد القريب.
وفي ليلة من ليالي عام 1390 ق.م ولدت له زوجته الملكة – تي - غلاما زكيا، وأعطته اسم أبيه - أمنحتب »آمون راض« ولم يكن احد ليتكهن بما سيحدث في المستقبل القريب جداً، ولم يكن احد ليتكهن أن من صلب هذا الأب العابث سيخرج من سيسير الدنيا كلها ويملؤها بترنيمات الوحدانية الحلوة العذبة، ليحقق بذلك ثورة مالها من شبيه في تاريخ البشرية.
شب الغلام أمنحتب الابن على حب الطبيعة والتأمل فيها وفيما وراءها يبحث عن الخالق الحقيقي لهذا العالم بعدما رأى في ورش العمل الكثير في جميع أنحاء مصر النحاتين ينحتون آلهة من حجارة متعددة أشكالها وأحجامها وألوانها فأخذ بماله من حدة وذكاء وفطنة يدرك سخافة ما ينحتون ويصنعون.
وتتوالى الأيام والفتى يكبر ويناقش الكبار من معلميه في مدرسة أون - هيلوبوليس حيث تلقى تعليمه - ورجال القصر في كل ما يعن له من أسئلة غريبة واستفسارات وهم من أمره يعجبون. وما إن قوي عوده واشتد، نما لديه كم معقول من المؤيدين له في أفكاره حتى بدأوا خلسة يدبرون شيئا ما.
لقد هداه تفكيره إلى تلقين مجتمعه درسا فلسفيا تربويا وعملياً، حيث وضع خطة طموحة لتحطيم تلك الأوثان العملاقة هو ومن تبعه، متخفين متنكرين فهداه تفكيره إلى البدء بتماثيل مدعي الألوهية - أبيه - ليروا ما إذا كان سيتصرف كإله أم كبشر ضعيف، وفي ذات الوقت يبعثون بفعلتهم هذه روحا جديدة في كيفية استخدام المنطق، والعقل السليم في التأثير على التفكير لدى عامة الناس لكسب مزيد من المؤيدين وخير بداية تكون بالمعبد الجنائزي في غربي طيبة حيث استغلوا فرصة غياب الملك الأب بعيدا عن العاصمة وأعملوا معاول الهدم والتحطيم في جميع الأصنام والتماثيل التي كانت في مدخل المعبد على الجانبين »أمنحتب الرابع أو أخناتون مصور وهو يحمل المعول على جدار معبده في الكرنك« وكانوا جميعاً ملثمين أو على الأقل قائدهم، فلما عاد الملك الإله إلى عاصمته فوجئ بهذا المصاب، فلما سأل عن الفاعلين لم يجد إجابة سوى أن هناك فارسا متخفياً أو ملثما قاد هذه المؤامرة، ونعجب عندما نتعرف على الكلمة من اللغة المصرية التي أطلقوها لتعبر عن الفاعل بل إنها كشف حقيقي نهديه إلى كل من يقدر العلم - حسب رأي المؤلف - والإبداع تلك الكلمة ا لمصرية هي: »إبرام« وهي كلمة لو حللنا أجزاءها لوجدناها تتكون من كلمتين مصريتين الجواد »النوع الأصيل من الخيول، ورام أورامه أورمتش وتعني رجل، فيكون معناها الحرفي: الرجل على الجواد والمعنى التركيبي: الفارس.
وإذا كان الحال هكذا وكانت كلمة إبراهيم لقبا وصفة لمحطم الأصنام فماذا يا ترى تعني هذه الكلمة؟
المعروف أن سيدنا إبراهيم لم يكن عربيا ولم يكن للعرب على ذلك العهد وجود، ولغة إبراهيم لم تكن بالقطع اللغة العربية ولم يكن قوم إبراهيم يعرفون العربية، ومن ثم كان اتخاذ الله إبراهيم خليلاً له يعبر عنها بلغة مفهومة لإبراهيم وقوم إبراهيم لا سيما أنها صارت لقبا وصفة له، وهذه الصفة ترجمة لكلمة »أخناتون« والتي تعني خليل الرب ترجمة من المصرية إلى العربية التي أراد الله تعالى أن يعلمنا بهذه المعلومة بواسطتها.
ونفس الحال هنا مع صفة ولقب إبراهيم فكلمة إبراهيم معجمة وليست عربية على الإطلاق، بل إنها ليست عبرية كذلك فقد حاول كتاب اليهود شرح هذه الكلمة بلغتهم لكنهم فشلوا وقد يتساءل البعض: لقد أتت باقي الآيات القرآنية كلها في القرآن والتي تخص سيدنا إبراهيم بصيغة وكأن إبراهيم هو اسمه نقول له نعم، فبعد أن حدثت وقائع تحطيم الأصنام واكتسب إبراهيم هذا اللقب صار عبد الله هو اسمه الذي يميزه ويعطي له هويته، وأنعم به من اسم، لا سيما بعد أن عرفنا معناه.

آية باقية

قصة تحطيم الأصنام المعروفة عن سيدنا إبراهيم يقابلها في التاريخ حملة تحطيم التماثيل التي قام بها أخناتون في مصر ولم يكتف إخناتون بتحطيم تماثيل العاصمة بل أن حملته امتدت فشملت مصر بأكملها بل ومن الشلال الرابع جنوبا إلى معابد سورية في الشمال أما المعابد الضخمة الشاهقة فقد امتدت إليها يد التحطيم أيضا فكشط ما على جدراتها من أسماء الآلهة بل وكلمة آلهة في صيغة الجمع، لأنه لم يكن يرضى إلا بإله واحد.
أما وقعة تحطيم الأصنام فثابتة في مراجع التاريخ المصري كلها ومسرح هذه الوقائع ما يزال قائما حتى الآن في البر الغربي من مدينة الأقصر الحالية - عاصمة الدولة الحديثة - ولكن لم يصل لنا من أطلاله ما يدل على فخامته وعظمته إلا التمثالان المعروفان الآن بتمثالي »ممنون« المنحوت كل منهما في قطعة واحدة من الحجر المستخرج من محاجر الجبل الأحمر الواقع بجوار عين شمس والمبنيين بارتفاع يصل إلى العشرين مترا وتحاك حول هذين التمثالين أساطير لا علاقة لها بصاحب التمثالين وبانيهما وهو أمنحتب الثالث أو النمروذ. وهذا التمثال الذي يقف إلى جانب الآخر الذي تم إصلاحه هو »كبيرهم« الذي طلبه إخناتون ليقول الحقيقة لقومه وليعترف أنه نفسه أي التمثال هو الذي كسر باقي التماثيل، ذلك بالطبع باق مكانه حتى اليوم ليكون آية الله الباقية التي تؤكد صحة القصة القرآنية أيضا من الناحية التاريخية مائة بالمائة »قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون«.

إسّح إدًح إمبو

لقد كانت الظروف التي اضطرت الملك الشاب والداعية الخليل إخناتون وأتباعه إلى الهجرة من طيبة ظروفاً قهرية فقد تكالب الكهنة في معاداة الديانة الجديدة وأتباعها، واستطاعوا أن يكسبوا الملك الأب العجوز الخرف إلى صفهم لكن لا بد من حل يرضي جميع الأطراف، فكان قرار الداعية هو مغادرة المكان والبحث عن مكان آخر له مواصفات تتفق وطبيعة الدعوة - التوحيدية.
بحث الداعية عن مكان مناسب ووجده فعلاً، منطقة تقع الآن في محافظة المنيا - 240 كيلو متراً جنوب القاهرة - في الصعيد الأوسط، منطقة لم تطأها قدم كافر من قبل ولم تدنس بعبادة آلهة أخرى ولم يسجد فيها لوثن من قبل، ولم يعبد فيها ملك بشر في داخل حدود تلك المدينة المقدسة التي حملت اسم »أخت آتون« أي مسكن الرب أو بيت الرب.
وفي يوم 13 من الشهر الرابع للفيضان في السنة الخامسة من حكم الملك الشاب أخناتون »حوالي سنة 1360ق.م« أعلن الانتهاء من بناء المدينة المقدسة، وودع الخليل إخناتون مدينة طيبة عاصمة الشرك وولى شطر مدينة التوحيد وسط احتفالات بتدشينها، ويقدر تعداد المدينة بعد سكنها ما بين خمسين إلى مائة ألف نسمة، وقد جعلت شعارها »إسًح إدّح إمبو«، وتعني بالمصرية القديمة: »الشريف إلى جانب الفقير معا في مكان واحد«، إشارة بذلك إلى المساواة التي عمت أرجاء مدينة التوحيد فلا فرق بين ملك ورعية ولا سيد ولا مسود ولا أبيض ولا أسود فالكل في الديانة الجديدة سواسية كأسنان المشط.
وكانت عربة الملك الشاب وخليل الله التي يجرها حصانان تجوب شوارع المدينة مصحوباً بزوجته جميلة الجميلات نفرتيتي »السيدة سارة«، وفي المدينة الجديدة تزوج الداعية والخليل من زوجته الثانية السيدة »كيا« وصيفة من وصيفات القصر، بعد أن أنجبت له السيدة نفرتيتي »سارة« البنات فقط، والسيدة كيا هي من وصيفات الملكة المقربات واسمها يعني بالعربية: الغريبة أو الأجنبية، والذي ترجم إلى العبرية فيما بعد إلى »هاجر« وهنا بُشّرت بمولود ذكر سمته »نفر نفرو أتون مري واع إن رع« أو »نفر نفرو آتون مري كيا« وترجمته: محسن المحسنين، حبيب موحد الإله أو: محسن المحسنين، حبيب أمه كيا.
أما نفرتيتي فقد ترجم اسمها إلى العبرية ليصبح سارة وكلاهما في المصرية والعبرية يعنيان: جميلة الطلعة.

محنة الإحراق

اختلف المفسرون في تفاصيل كثيرة فيما بينهم حول هذه الحادثة التي جاءت مقتضبة في الآيات القرآنية التي ذكر فيها الإحراق الأمر الذي دعاهم ليس فقط لتفسير ظاهر النص بل إنهم اخترعوا الكثير من الحكايات التي لا علاقة لها بالقصة الحقيقية مثل المغالاة في المدة التي استغرقها المهاجمون في جمع الحطب والهشيم اللازم للإحراق والكيفية التي تم بها والحقيقة أنه لم يكن يلزم لحرق شخص واحد كل هذا العناء لأنه بالقليل كان يمكن فعل ذلك.
إن آيات سورة الممتحنة: »قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم«.. الآية.. تشير إلى أن إبراهيم لم يكن وحده كما يتوهم الكثيرون بدليل قوله تعالى: »والذين معه«.
فكيف تمت عملية الإحراق كما ذكرها القرآن الكريم، الخبر اليقين يقدمه لنا دليل تاريخي دامغ عبارة عن بردية مصرية معروفة ومشهورة في العالم أجمع وهي بردية »إيبوور« المحفوظة في متحب »لايدن« في هولندا فبعد أن استقر الخليل في مدينته الجديدة، مستغرقاً هو وأتباعه في عبادة الله الواحد، توجهت أمه الملكة »تيا« إلى عاصمة التوحيد »أخت آتون«، وبمجرد وصولها أعلنت اعتناقها للديانة الجديدة، وبقيت في المدينة إلى جوار ابنها مما أثار حفيظة الملك الأب وباقي كهنته فراحوا يحيكون المؤامرات ويدبرون محاولات الاغتيال، ولكنها كلها باءت بفشل ذريع، واجتذب الكهنة الذين كانوا يتوجسون خيفة من وفاة الملك الأب المتوقعة في أي لحظة وبالتالي يأتي ولي عرشه الداعي إلى التوحيد ليطالب بعرش أبيه، اجتذبوا قائد الجيش »حور محب« في صفهم، وحشدوا جيشا ضخما وحاصروا مدينة التوحيد ثم أضرموا النار فيها إضراماً لمدة 9 أيام.
المهم أن الخليل نجا في من نجوا من سكان المدينة وانسحب في سرية خارجا من الجحيم في اتجاه الشمال حيث كان له مؤيدون.
ولأن لب مذهب الخليل ولب رسالته هي الدعوة للسلام وإفشاء السلام وتفادي العنف حتى لو اعتدي عليهم، فإن الموحدين مع كثرتهم لم يحاربوا الجموع المحاصرة لهم.

الذبيح

وسط هذه المعمعة وهذا البلاء العظيم بدأت فلول الهاربين تتجمع في شمال البلاد في مدينة »أون حور« أو عين شمس الحالية والتي أطلقت عليها التوراة: »حاران« أي مع القلب من حورأون، حيث قابلوا زعيمهم ونبيهم الذي أخذ بكل تأكيد يقوي من عزمهم وهو في ذات الوقت مبتلى وفي حالة نفسية يرثى لها ويجيء الامتحان والابتلاء الأعظم: اذبح ابنك الوحيد، ووريث عرشك إن عاد لك عرش بعد هذا. ونحن نعرف أنه رزق ولدا من زوجته الثانوية »كيا« قبل ذلك بثماني أو تسع سنوات في مدينة التوحيد، فماذا فعل الخليل؟
استجاب لأمر ربه وذهب بابنه ليذبحه على ربوة في موقع يطلق عليها للآن قلعة الكبش، وهي في موقع جامع أحمد بن طولون بالقاهرة الحالية(لم تكن القاهرة بعد قد نشأت في هذا المكان) ولكن الله لما علم إخلاصه وإسلامه فدى ابنه بكبش، فكان لهذا الفداء عظيم الأثر في نفس الخليل وأتباعه من المؤمنين في وقت كانوا فيه في أمس الحاجة لما يرفع معنوياتهم ويشحذ هممهم.
وقد يقول قائل: نحن نسمع لأول مرة أن عملية الفداء وقعت في مصر ويجيب المؤلف: نقول أولا: إن وقوعها في الجزيرة العربية غير مؤكد وغير مبرهن عليه، وثانيا: وقوعها في مصر وفي هذا التوقيت كان ضرورة لتعظيم الابتلاء فكما وصفنا الحالة التي كان عليها الخليل سالفا فإن مكانها وتوقيتها هنا هما الأوليان، ولو أن الحادث حدث في الجزيرة العربية لم يكن ليصبح بهذا التأثير حيث يكون الخليل بوصوله إلى الجزيرة العربية قد بلغ مأمنه، أي أصبح خارج منطقة الخطر، وفي مأمن من القوات المصرية التي كانت لا تزال تتعقبه إلى خارج المملكة المصرية كلها، والجزيرة العربية لم تكن داخلة في نطاق المملكة لأنها لم تكن بعد آهلة بالسكان.
وتغير اسم ابن الخليل من (نفر نفرو آتون) إلى إسماعيل، وهي كلمة مصرية تعني »الفداء« أو الذبيح أو القربان«.
وبعد حادثة الفداء بعدة شهور وعندما وصلوا إلى »تيماء« في الجزيرة العربية بشر الخليل بإسحاق، وهو اسم مصري أيضا وتعني الكلمة: البري أو الوحشي لأنه بُشر به في وقت لاحق لوقعة الفداء هذه، وعلى وجه التحديد في موضع يحمل اسم »تيماء« شمال الجزيرة العربية وقد سمي المكان بهذا الاسم المصري أيضا ليسجل هذه البشرى، كما هو الحال في جميع مسميات الجزيرة العربية، فالكلمة تعني في اللغة المصرية، البشرى بولد ذكر، ومحاولة التوراة تغيير المفدى به من ا سماعيا إلى إسحاق مرتبطة بمحاولتها إلغاء الجزيرة كلية من خريطة الرحلة الإبراهيمية فعند اليهود لم يذهب إبراهيم إلى الجزيرة ولا إلى مكة ولم يرفع القواعد من البيت.

في بلاد النور

وبعد تجمع الأتباع، وقد أصبحوا جميعا غير مرغوب فيهم في بلادهم كان لابد للداعية أن يشحذ هممهم وقد رأى برهان ربه في حادثة الفداء وأيقن أن لا مفر إلا في مغادرة البلاد فبشر أتباعه ببلاد كلها نور بعد أن رفضتهم ولفظتهم بلاد الظلام، وبلاد النور هي الحجاز لأن كلمة الحجاز هي الأخرى كلمة مصرية وتعني النور.
ويأتي خبر هذه الرحلة في دليل أثري يصفها بتفاصيلها، وهذا الأثر يسمى »حجر العريش« وموجود بمتحف الإسماعيلية في مصر، ويشير نص »حجر العريش« إلى أن المكان الموعود الذي سيقلهم هو »باخيت المضيئة« التي هي بكة، ولأول مرة يزول العجب عندما أطلق القرآن اسم بكة على أم القرى مكة المكرمة.
وقد سلك ركب التوحيد الذي أرغم على الخروج إلى المنفى طريق حورس الشمالي من قلعة الكبش إلى العريش، فلم تسعه الأرض كلها على رحابتها، واستقبلته مكة التي هي باخيت أو باكيت أو بكة وجبال النور التي هي أرض الحجاز.
وجاء الذهاب إلى هذا المكان القفر في قلب الصحراء وفي أحضان الجبال لأن الاتفاقية التي أبرمت بين قوات مصر الوثنية في ذلك الوقت - حسب رأي المؤلف - متمثلة في كهنة آمون وقائد الجيش »حور محب« الذي حكم مصر فيما بعد، وبين نبي دعوة التوحيد إبرام الفارس وخليل الله أخناتون كان لابد أن تنص على أن يغادروا إلى خارج حدود المملكة المصرية بأسرها والتي كانت تضم آنذاك مصر وجنوبها ثم فلسطين وسورية وبلاد نهارينا حتى الفرات، حتى لا يقيموا لهم دولة داخل الدولة المصرية.
وستظل الحال هكذا لهذه القبيلة على طول التاريخ المصري، فهم ممنوعون من الدخول بالطريق الرسمي - طبعا إلى داخل المملكة المصرية كلها - إلا أن يحصلوا على صك أمان من فرعون مصر، كما فعل يوسف الصديق عليه السلام أو بطريق غير شرعي بالتخفي أو بطريق آخر هو القوة، وما كان ذلك ضمن برنامج السلام الاخناتوني الإبراهيمي.
وراح الخليل إخناتون يتضرع إلى ربه كما ورد في سورة إبراهيم: *وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام. رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم، ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك الحرام ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون«.. الآيات.
ويقول أغلب المفسرين في هذا الموضع من الآيات إن الخطاب في بقية الآيات موجه من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى أتباعه ولكنا نقول - يقول المؤلف - في »وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم« إن هذا لا ينطبق على المسلمين في مكة لأنهم لم يكونوا قد هاجروا منها بعد، والذي يؤيد كلامنا أن السورة مكية. وشرط معرفة المكي والمدني للمفسر شرط هام في التفسير ويجب مراعاته.
وحسب النص القرآني »ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعاملين« فانه لما خرج أبو الأنبياء وتبعه ابن أخيه لوط لم تكن لتستقبلهم أي ارض سوى ارض الجزيرة العربية للسبب الذي ذكرناه، ولكنا نفاجأ بان كل كتب التفسير بلا استثناء تجمع على أنها ارض فلسطين، وهذا في حد ذاته خطأ كبير ويناقض في حقيقة الأمر الآية القرآنية التي ينطلقون منها إلى هذا المعنى:
»ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين«.
ويقولون في تفسير الآية من سورة الأنبياء أن الأرض المباركة هنا هي ارض فلسطين، وهذا خطأ لأننا إذا قلنا أن سليمان كان مقر حكمه في ارض الشام فلسطين، فالبديهي انه عندما تجرى الريح مسخرة بأمره يكون اتجاهها إلى مكان آخر وليس إلى حيث يقيم، لان حرف الجر »إلى« يفيد الإرسال في اتجاه آخر غير الذي نحن فيه، ويكون الأولى أن نقول انه يسير الريح إلى ارض أخرى غير فلسطين. فما تلك الأرض المقصودة أن لم تكن ارض الحجاز؟
وبعد ذلك جاء الأمر من الله إلى الخليل برفع القواعد من البيت في مكة، لكن المؤلف يرفض أن يكون إبراهيم وإسماعيل هما اللذان قاما وحدهما ببناء البيت، فهذا لا يمكن تصوره لان مسألة قطع الأحجار من جبلها وتهذيبها لتصبح في النهاية صالحة للبناء هو عمل شاق ومضن ومتخصص، فالعمل دائما وفي كل زمان ينسب إلى قواده.
ويعتبر سعد عبد المطلب العدل أن مسألة بحث السيدة هاجر عن ماء لتسقي وليدها إسماعيل وتفجر بئر زمزم على يدها، وترك الخليل زوجه هاجر برضيعها في الصحراء حيث لا بشر ولا وسائل تعينهم على معيشتهم، وكذلك زيارة إبراهيم لإسماعيل ومسألة تغيير العتبات التي يكررها خطباء المساجد، من الخرافات والأساطير والخزعبلات التي حشا بها المسلمة من أهل الكتاب كتب تراثنا، فاخناتون دخل الجزيرة مع أتباعه ملكا وغادرها ملكا وترك ابنه (إسماعيل) ملكا عليها، فبنى وأتباعه لأنفسهم ما يليق بملكهم من القصور والبيوت، وعاشوا في عز يمكن مقارنته بعزهم في مصر.
بعدها خرج إبراهيم وبعض أتباعه إلى جنوب الرافدين وأسس مدينة أوروك وسورها وانطلق منها ليكون إمبراطورية كبرى تعرف بإمبراطورية بابل، وبدأ الخليل إبراهيم برنامجه السياسي بتغيير اسمه لأسباب أمنية إلى»خل شمش« المعروف لدى دارسي الأدب الملحمي بجلجامش، وهذا الاسم ليس غريبا أو جديدا ولكنه الترجمة الحرفيه إلى البابلية لكلمة أخناتون التي تعني الخليل أو خليل الرب. وكانت نهاية الإمبراطورية عندما تكالبت قوى البغي على الخليل جلجامش ليخرج مرة ثانية إلى الجزيرة العربية ثم منها متخفيا إلى فلسطين.
وابتداء من أحداث الرحيل من أور الكلدان وعندما بلغ سن الخامسة والسبعين واتجه إلى صحراء الجزيرة ثم إلى ارض الكنعانيين، تكاد تكون هذه نهاية قصته، وليس بدايتها كما صورتها التوراة المحرفة، فكل الأحداث التي تلتها التوراة هي نوع من »الفلاش باك« لمعظم ما حدث في الخمسة والسبعين سنة الأولى من حياته، هذا هو منهج التحريف الذي استخدمه مزورو التوراة، ويبدو انه في بابل حدثت لليهود وحدهم البلبلة التي تكلموا عنها في توراتهم، فلم يتذكر كاتبو التوراة من الوقائع الحقيقية من حياة الخليل إلا اللمم.
وينفي المؤلف قصة عودة إبراهيم إلى مصر وما روى في الأثر من كذبه على الفرعون حيث يراها قصة موضوعة من اليهود خشية أن يظهر التنقيب عن الآثار على مر الزمن علاقة إبراهيم بمصر كما أن الخليل إبراهيم ليس كذابا وما يليق به ولم يفعل.
بقي التأكيد على أن مشروع سعد عبد المطلب العدل في طريقه إلى العالمية، من خلال الترجمة التي أعدتها جهات إماراتية وإيرانية، حيث سيثير جدلا واسعا بما يطرحه من قراءة تاريخية مغايرة لتاريخ الأديان.

الوطن الكويتية - تحقيق - حسن عبد الله: 18/12/2008

0 تعليقات::

إرسال تعليق