الخميس، 26 مايو، 2011

المسيحيون العراقيون: حفريات عن جذور تاريخية

المسيحيون العراقيون (1/5): حفريات عن جذور تاريخية

مقدمة: أهمية الموضوع


المسيحيون العراقيون
نظرا لاهتمامي الشديد بالتاريخ الاجتماعي العراقي واعتزازي الشديد بكل الأطياف الاجتماعية العراقية، وخصوصا طيف المسيحيين منهم بمختلف مللهم وطوائفهم وطبقاتهم، فاسمحوا لي بمعالجة سلسلة تاريخهم، وتحليل تكوينهم، ومقاربة عراقيتهم من خلال درس انثربولوجي.. فضلا عن رؤى منهجية مهمة، ثم تحليل الجذور التاريخية وربطها بالواقع المعاصر خصوصا وان المسيحيين العراقيين - كما قلت في كل ما نشرته عنهم سابقا -، هم من أقدم سكان العراق الحضريين، والذين عاصروا سلاسل اسر حاكمة، ومنوال عدة دول متنوعة إبان أحقاب متعددة، وقد اثروا الحياة العراقية والإنسانية بالمزيد من العطاءات الحضارية والثقافية.. ولما كانت الآلاف المؤلفة منهم قد غادرت وهاجرت من العراق نحو العالم الجديد إبان القرن العشرين ولأسباب شّتى سياسية واجتماعية وأمنية بالدرجة الأولى، فان من الواجب الاعتناء بحياة هذا الطيف المتلون سواء كان في مدننا العريقة أم في أريافنا الشمالية الخصبة.. وإنني اشكر كل الذين تداولوا عدة مقالات قمت بنشرها عن المسيحيين العراقيين منذ العام 2003، واشكر أيضا كل الذين دعوني إلى مؤسساتهم الأكاديمية من أجل المشاركة في موضوعات خاصة بالمسيحيين العراقيين، وأثني على بادرتهم الرائعة بالتعريف بأهم ما لدينا نحن ليس في العراق وحده، بل في كل منطقتنا من سكان قدماء شاركونا السراء والضّراء وعاشوا على أرضنا منذ آلاف السنين.. مؤملا تحفيز العرب كلهّم من اجل معرفة حقائق مجتمعاتهم كاملة من دون أي تعّصب لملة، أو دين، أو طائفة، أو عرق..

الاستشارات

لقد اعتمدت في كتابة هذه " الدراسة " على جملة كبيرة من المصادر والمراجع المهمة سواء بالعربية أو بلغات أخرى، وقد استفدت من معلوماتها الواسعة، خصوصا، وان بعضها قد استخدمته منذ سنوات خلت في بحوث ودراسات أخرى. هنا، ينبغي القول ان ثمة كتابات عدة من قبل مؤرخين وعلماء اجتماع عراقيين تدارسوا المجتمع العراقي وعشائره ومدنه ومحلياته والعديد من اطيافه السكانية كالاكراد والتركمان والصبة المندائيين واليزيدية والشبك وحتى اهل الجبايش، ولكن لم نجد اية دراسات اجتماعية حديثة عن كل من اليهود والمسيحيين العراقيين. وبالرغم من ذلك كله، فلقد اعتمدت هنا اساسا على المصادر والمراجع التي كتبها مسيحيون عراقيون وبعض المستشرقين. هنا اشير الى ما كتبه كل من بطرس نصري الكلداني وماري بن سليمان والمار أدي شير والاب لويس شيخو اليسوعي وعمر بن متى والقس اسحق ارملة وبطرس عزيز والمطران سليمان صايغ وروفائيل بابو اسحق والعلامة انستاس ماري الكرملي والمؤرخ يوسف غنيمة والبروفيسور ماتييف، والمار غريغوريوس صليبا شمعون والدكتور يوسف حبي والمؤرخ هرمز ابونا والمؤرخ جورج البناء والدكتور ابرام شبيرا والدكتور بهنام ابو الصوف والدكتور لويس ساكو وبنيامين حداد وايشو مالك جوارو وغيرهم.. ومن المؤرخين والمستشرقين الغربيين: السير هاري لوك وجون جوزيف وجوستن بيركنس وبوزورث وعزيز عطية وجارلس فريزا والبرت حوراني وسيتون لويد ودبليو ويكرام وغيرهم. وبهذا الصدد، فإنني أقدم الشكر الجزيل لكل من ساعدني في توفير المصادر والكتب والمقالات، واخص بالذكر المؤرخ جورج البناء والسيدة أميرة بنت شموئيل والأستاذ بهنام حبابة والدكتور باسل بهنام والدكتور فاضل بيات (الذي أمدّني ببعض مصورات الأرشيف العثماني) وغيرهم.

لماذا هذا " البحث "؟

أنني اقدم هذه المحاولة البحثية الى المسلمين قبل المسيحيين، ليدرك البعض حقائق التاريخ، وقوة التحديات.. وهنا أدعو علماء التاريخ ورجال الاجتماع والانثربولوجيا من المسيحيين والمسلمين في منطقة الشرق الأوسط كلها، للعمل والتنقيب من اجل تقديم دراسات معمّقة وحيادية من دون أية انحيازات مذهبية، ومن دون أية تضخيمات تاريخية، ومن دون أية ادعاءات لا تستند إلى وثائق وآثار دامغة.
علينا أن نوّضح في محاولتنا المتواضعة هذه، بأن المسيحيين العراقيين اليوم ومنذ أحقاب مضت، بنية غير متماسكة أبدا، فهم ينقسمون إلى نوعين من الانقسام، أولاهما: انقسام مذهبي يجعلهم مللا طائفية غير متلاقية، إذ كانت إلى زمن ليس ببعيد لا تتزاوج ولا تتصاهر ولا تشترك معا ليس لأسباب كنسية فقط، بل لأسباب اجتماعية وطبقية، إذ نجد أن فوارقَ بنيوية مترسخة بين أبناء المدن من الحضر وبين ابناء القرى الفلّيحية (= الفلاحين ). وثانيهما: انقسام تاريخي يجعلهم ( ضمن الانقسام الأول ) طوائف عرقية ولغوية متنوعة، أي بين من يتكلم العربية باللهجة الموصلية وبين من يتكلم بالآرامية المحلية. وسنشهد من خلال محاولة في حفريات هذا " الموضوع" الشائك بأن المسيحيين بشكل عام والعراقيين منهم بشكل خاص لم تهدأ انقساماتهم منذ مطلع نشوء المسيحية في الشرق، كما هو حالها في أحقاب تلت في الغرب، بل وان الغرب المسيحي قد أثّر تأثيرا واضحا في كل من التركيبتين الأولى والثانية منذ القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر.
أتمنى أن تنال كل أطياف العرب الاجتماعية عطفا حقيقيا، خصوصا إذا ما علمنا بأن المسيحيين العرب والعراقيين بالذات، هم من أقدم الناس، وأمجد الأقوام في تعايشهم وشراكتهم مع المسلمين منذ مئات السنين.. ولم تحدث أية صراعات دموية، ولا أية مشروعات قتل جماعية، كما يدعي البعض من الجهلاء بالتاريخ، أولئك الذين يريدون أن يختلقوا الفتن الجديدة في مجتمعاتنا من دون معرفتهم بحقائق التاريخ والمجتمعات، وهم يوهمون الناس بأن صراعات دينية مأساوية قد حصلت بين المسلمين والمسيحيين، ولا يمّيزون أصلا بين الصراعات العرقية والاختلافات الدينية، ولا يستوعبون من وقف مع المسيحيين ومن وقف ضدهم.. إننا في العراق، وبشهادة بطاركة ومطارنة وقسس وكّتاب.. يقرّون بالحياة التاريخية المشتركة المسالمة، وعلى رأسهم شهادة الكاردينال عمانوئيل دلي الذي يقف على رأس الكنيسة المسيحية الكلدانية في العراق والعالم. لقد سادت المحبة وعّم الاعتزاز بهذه الأقوام العريقة والجميلة في كل مكان من ارض العراق، وخصوصا في المناطق القديمة التي عاشوا فيها منذ آلاف السنين.

شجرة الكنية
رؤى منهجية واشكاليات الموضوع

إن من يبحث من المؤرخين في هذا " الموضوع "، وخصوصا في جذوره القديمة، سيجد صعوبة بالغة جدا في رسم ملامح حقيقية عن الأصول المشتركة، أو المفترقة بين بقايا الأقوام العراقية القديمة، وهذا ينسحب في حقيقة الحال على المسيحيين العراقيين الذين وجدنا كم الاختلافات في ما بينهم كبيرة حول عراقة كل ملّة من الملل، وقد أتى هذا " الاختلاف " في التسميات التاريخية والشكليات الاجتماعية بطبيعة الحال أكبر من الاختلافات المذهبية والكنسية واللاهوتية في تقديم كل ملّة نفسها على الأخرى، فمنها ما يكتسب طابعا دينيا حقيقيا بمجمل انقساماته التي شهدها التاريخ، ومنها ما يصبغ نفسه بالصبغة القومية كي يبحث له عن جذور عريقة جدا لتأكيد أصالته وهويته وهو ليس بحاجة إليها أبدا كونه يمتلكها.. وربما كان ذلك صحيحا.. ومنهم ما نجده يبعد نفسه عن بقية النحل القومية، كي يقدم نفسه وصبغته باعتباره هو الأصل، فالسريان مثلا هم غير الكلدان، وان كّلا منهما غير الآثوريين، ربما كان الأصل واحدا، ولكن المشكلة في التسميات والتفسيرات. ولعل مصطلح " السريان " و " الآراميين " هو الأقدم في الأدبيات الكلاسيكية، إذ أن كلا من تسميتي " الكلدان " و " الاشوريين أو الآثوريين " هي تسميات تاريخية حديثة ولدت في القرون المتأخّرة ومستلهمة عن حقائق تاريخية قديمة..
ولقد قرأت مشاحنات وحوارات ساخنة تؤكد نزعة الانفصال السرياني الآرامي عن العروبة في حين كان البعض من المسيحيين أنفسهم قد وجد بأن السريان عربا ! ولقد وجدنا من يؤكد عروبة المسيحيين مستندا على مناذرة العراق وغساسنة سوريا أو غيرهما.. بل وان العديد من المستشرقين يؤكدون بأن الآرامية هي أخت العربية كونهما من جذر واحد نما من الجزيرة العربية.. واليوم، بدأنا نسمع بمصطلح جديد هو " الكلدوآشوريين " كحاصل جمع يدمج الكلدانيين والاثوريين معا في تسمية واحدة.. وهو المأخوذ من عنوان العلامة أدي شير " كلدو آثور " لكتابه. ولقد قرأت – مؤخرا - كتابات مسيحية عاطفية ضد العرب أنفسهم، بل ووصل الأمر ببعض الأخوة أن يجعل المسيحية العراقية لا تمّت بأية صلة الى العروبة، علما بأن كل المفكرين والادباء والمثقفين النهضويين المسيحيين الاوائل قد حمل مشعل العروبة منذ القرن التاسع عشر، بل واعدم بعضهم مع الشباب المسلمين على يد جمال باشا السفاح في بدايات القرن العشرين.
وتبدو الصورة ضبابية ومشوّشة حتى عند المسيحيين العراقيين أنفسهم، فميراثهم الكنسي يتفوق جدا عندهم على ميراثهم التاريخي وخصوصا من الناحية الوثائقية.. ولا ننسى بأن الانقسامات التي واكبت مسيرتهم التاريخية الطويلة على مدى زمني يقرب من ألفي سنة قد جعلتهم يفسرون معلومات مبتسرة ونادرة تفسيرات تلاءم كل طرف منهم على حساب الطرف الآخر.

صراع التسمّيات من الانقسامات الدينية الى الانقسامات القومية

إنني كمؤرخ عراقي وعربي ومسلم، لا أريد أن اتدخّل أبدا بشأن الانقسامات الداخلية لدى المسيحيين العراقيين، إلا بالقدر الذي انقله عن هذا أو ذاك منهم.. ولما كنت على علاقة وطيدة ولي صداقات قوية بكل الأطراف من الملل والطوائف المسيحية العراقية، وأتعاطف مع الجميع منهم، فلا أريد أن اتبّنى أي موقف لهذا على حساب ذاك. ولكن دعوني أتوكأ على رؤية الأستاذ بنيامين حداد عندما فسّر منتقدا " الأزمة " في واحدة من مقالاته التي اسماها بـ " صراع في التسميات ".. إذ يقول: " استميحكم عذراً أيها الأخوة إن قلت: أننا قد أصبنا بعقدة التسميات، فأجدادنا الأوائل.. تخلوا عن كل تسمياتهم القومية بلا استثناء، ليس هذا وحسب بل أنهم أقاموا حاجزاً منيعاً يفصلهم عن كل ما يمت بصلة إلى كل ما يذكرهم بالعهود الوثنية السالفة.. وتبعاً لذلك أطلق علينا إخوتنا العرب تسمية (السريان) دون تمييز بين كنائسنا، ليس هذا وحسب بل إن أجدادنا بعد أن كانوا قد تبنوا إلى جانب لغتهم الآكدية، اللغة الآرامية التي تمكنت من فرض نفسها ومن ثم أن تطغى وتزيح لغتهم الأصلية الآكدية، عمدوا هنا أيضاً إلى نبذ اسم اللغة الجديدة هذه أي الآرامية كما ذكرنا، وأبدلوه بالسريانية، بسبب ما كان من علاقة لفظة الآرامية بالعهود الوثنية. أما الغربيون ونقصد بهم هنا الفرنجة، فقد أطلقوا علينا بدورهم لفظة Syriac أو Syrian. وعلى لغتنا Syriac أي أن كلاً من العرب والفرنجة أطلقوا علينا جميعاً ودون تمييز لفظة السريان والتي ارتضيناها لأنفسنا بعد التنصر. وتلك لعمري شهادة بيّنة من العرب والغرب على أننا شعب واحد وأمة واحدة، ولم يفرقوا بيننا كما فعلنا نحن تجاه أنفسنا ".
ويتابع قائلا: " أن كرسي الجاثاليق المشرقية بعد أن انشطر إلى أكثر من كرسيين، فلقد اتخذ الشق الذي تبنى مذهب روما الكاثوليكي اسم (الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية) وسمي الجالس على هذا الكرسي (بطريرك بابل على الكلدان) ولم ينفِ صفة المشرقية عنه. واحتفظ الشق الثاني من الكنيسة بمعتقده، أما كنيسته فقد أضاف إليه لفظة (الآثورية) فغدت تكنى (الكنيسة الشرقية الآثورية) أو (الكنيسة الشرقية الآثورية القديمة). في حين لم يتخلَ الشعب في كلتا الكنيستين عن تسمية (سورييا: سورايي). التسميات التاريخية القومية (الكلدانية والآثورية وغيرهما) التي أعيدت وكنيت بها كنائسنا، فبالإضافة إلى أنها بتعددها عملت على تكريس وترسيخ التشتت والتمزق.. فهي قد أوجدت من الغموض والارتياب لدى الكثيرين في صدق الانتماء العقائدي، من كلا الطرفين، سواء من حمل التسمية الكلدانية أو الآشورية. فالآشوريون على ما تذهب الغالبية العظمى من المؤرخين هم من الأصول السامية الآكدية ولغتهم الأصلية هي الآكدية، نزحوا من السواحل الغربية للخليج العربي، واستوطنوا في حوالي 3000 ق.م المنطقة الشمالية من بلاد الرافدين الممتدة على ضفة نهر دجلة اليمنى وأسسوا دولتهم. كما يخبرنا الآثاريون بأن موطن الكلدانيين الأوائل على الشواطئ الغربية للخليج العربي حيث تأسست هناك منذ القرن الثامن عشر قبل الميلاد أو ربما قبل ذلك، سلالة الأمراء التي عرفت لدى المؤرخين بسلالة (القطر البحري) ومن ثم زحفوا نحو الشمال إلى (سهل شنعار) وأسسوا دولتهم المعروفة في بابل. وهذا يعني أن أجدادنا القدامى بغض النظر عما تسموا به من تسميات شعب واحد، وجد على أرض واحدة ومنها انطلق واستوطن بلاد النهرين من شماله إلى جنوبه " ( انتهى النص ).
من جانب آخر، اصدرت الحركة الديمقراطية الآشورية في نوفمبر / تشرين الثاني 1991 كراسا بعنوان: " الكلدان مذهب ام قومية.. " تؤكد فيه ان الكلدانية مجرد انتماء مذهبي للكاثوليك الملتزمين بالطقس الشرقي ( ص 17 ). وللتأكيد على ذلك تضمن مقولات ونصوص وآراء كتبها كل من الاب يوسف حبي في بحثه " من هم مسيحيو العراق "، وبهنام ابو الصوف في محاضرته " علاقة كلدان اليوم بكلدان الامس " استنادا الى احكام المطران ادي شير والمطران يوسف بابانا والقس بطرس نصري ويوسف ككا وغيرهم.

تباين التسميات

يقول العلامة أدي شير في كتابه المعروف (كلدو آثور): "ومن البلاد التي كان أصل سكانها كلداناً (بيث قطرايي) المقصود بها الساحل الغربي للخليج العربي من الكويت شمالاً وحتى أقصى عمان جنوباً، وكان سكان تلك البلاد يتكلمون الكلدانية" ويقول صاحب كتاب (الآشوريون في التاريخ) إيشو مالك جوارو: "ومن البلاد التي أصل سكانها من الآشوريين، سكان السواحل الغربية للخليج العربي وكانوا يتكلمون الآشورية". وصاحب كتاب (كلدو آثور)يعتبر الآشوريين والكلدانيين شعباً واحداً مستنداً إلى مراجع عديدة من ضمنها ما جاء في الكتاب المقدس (تكوين: 10: 11 ـ 12) ونصه: "ومن تلك الأرض (يقصد أرض بابل) خرج آثور وابتنى نينوى وساحات المدينة وكالح، وراسن بين نينوى وكالح وهي المدينة العظيمة" ويضيف أدي شير قائلاً: "ومما يشهد جلياً على أن الآشوريين والكلدانيين شعب واحد، كون لغة الآشوريين ولغة الكلدانيين واحدة وكذلك قل على ديانتهم وتمدنهم".
وفي موضع آخر من كتابه المذكور يقول نقلا عن جوارو: "إن سكان الجزيرة وآثور والعراق على اختلاف مذاهبهم، هم كلدان آثوريون جنساً ووطناً. ولقد دعوتهم (كلداناً آثوريين) لأنهما في الأصل شعب واحد نظراً إلى الديانة والعوائد والشرائع والآداب والصنائع، فضلاً عن أن اسم سكان الكلدان والآثوريين أطلق دون تمييز على شعب واحد في التواريخ القديمة، إذ كانت الدولتان تتضامنان غالباً فتصبحان دولة واحدة. ولا عبرة للحروب المتواصلة بينهما فإن بين سبارطة وأثينا أيضاً كانت الحروب متواترة، وهذا لا يمنعهما من أن تكونا ملة واحدة، فإن لسانهما كان واحداً وكذلك قل عن عوائدهما. " ويخلص قائلا: " هذا كله نعرفه ولكن نحرّفه. ونروح نتشبث بتسمياتنا المختلفة. أليس بمقدورنا أن نقول: إن تشبث كل منا بإحدى تلك التسميات هو في حقيقته موقف مفتعل.. "
وماذا أيضا؟
على ضوء هذه الآراء، فقد تابعت القرارات التي أصدرها المؤتمر العام الكلداني السرياني الآشوري الذي انعقد في بغداد بتاريخ 22 تشرين أول / أكتوبر 2003 تحت شعار ( وحدتنا وحقوقنا القومية والوطنية في العراق) وما تضمّنه بيانه الختامي الذي أثار منتقديه من المسيحيين العراقيين بأنه – كما وصفوه - وبالاً على مستقبل فرق الشعب الآرامي العديدة في المنطقة دون الأخذ بعين الاعتبار الوضع الجغرافي وأهمية الحجم السكاني لكل فريق وطائفة من أبناء المسيحيين في العراق. وأنها قرارات غير منطقية فيما يخص تسمية المسيحيين، إذ تزيد في وتيرة الانقسامات الحالية بين طوائفهم لأنها صبّت برمتها في صالح أبناء الطائفة الآشورية الصغيرة العدد والتي تعد اليوم ثالث طائفة كنسية في العراق بحجمها الصغير. إذ أن حجم الطوائف المسيحية في العراق اليوم يبدو على النحو التالي – مع تحفظاتي على هذه الأعداد -: الكلدان ما يقارب عددهم 600 ألف شخص، والسريان ما يقارب عددهم 300 ألف شخص، والآشوريون ما يقارب عددهم 100 ألف شخص ". أي أن إجمالي عددهم الكلي هو مليون نسمة عراقي، وقد أكدّ الكاردينال عمانوئيل دلي قبل أيام في حديثه على قناة الجزيرة الفضائية أن عدد المسيحيين العراقيين هو مليون. ولكن السؤال: كم هو حجم المهاجرين والفارين من مسيحيي العراق إلى شتات العالم منذ خمسين سنة حتى اليوم؟ وكم هي نسبة الذين هجروا المدن الأساسية في العراق من المسيحيين، وخصوصا من بغداد والموصل وبغداد؟

حفريات في جذور العراق الإنثربولوجية

لو تعمقنا في حضارة العراق – حسب التسمّية العربية - و (موزوبوتيميا) – حسب التسمّية الإغريقية - أو (بيث نهرين) – هكذا التسمية الآرامية القديمة - لوجدناها أول من وحدت الإله الخالق غير المنظور والعظيم على كل الآلهة، لكن تحت اسم مختلف كل مرة، حيث نجد اولاً عند السومريين الإله أنليل الذي قتل تنين البحار ليحل السلام في الكون، ثم مردوخ أو آشور في بابل ونينوى. لقد استمر شعب ارض الرافدين يحتفل بعيد اكيتو، ولكن للأسف الشديد قلت قيمة ذلك العيد لديه، وخاصةً بعد انهيار كيانه السياسي واعتناقه للديانة المسيحية، حيث بدل هذا " العيد " تاريخه رويدا من الأول من نيسان / أبريل إلى الأول من كانون الثاني/ يناير عيد رأس السنة الميلادية، كما أن تعرضه عبر قرون طوال إلى الظلم والاضطهاد، جعله يبتعد أو ينسى الكثير من أعياده العراقية القديمة. ولكن بمرور الزمن، بدأ العراقيون يمتلكون الوعي بعراقيتهم، فأهتموا بإحياء تراثهم الأصيل، وابتعدوا عن ممارسة طقوسهم الرسمية القديمة، ولكنهم كانوا على امتداد تاريخ طويل، يجدون مكانهم اللائق في العراق سواء كانوا من الكلدانيين أم السريان أم الآثوريين.. وهم لا يكفوا يرددون أغنيتهم القديمة عن نينوى، قائلين:

نينوى نينوى يا نينوى،
كم كانت الليالي جميلة
تذكّرتُ ليالي السّهر
والأيّام الحلوة الصّافية 

سقوط العامة
عطشتُ لذلك الجمال
ولنظرة العيون تلك
اِشتقتُ كثيراً لذلك الحديث
ولعدّ النّجوم
تذكّرتُ الأنهار
وتلك المياهَ العذبة
آهٍ ! ماذا أفعل للأيام الّتي أبعدتني عن أحلامي
الأيّام تشهد بأن حبّكِ جرحٌ لن يُنسى
وبأنّكِ أنت ستُصبحين حياتي وحبيبةَ الايّام
نينوى نينوى يا نينوى،
كم كانت الليالي جميلة
تذكرت ليالي السّهر
والأيّامَ الحلوة الصّافية

التكوين التاريخي للانثربولوجي المسيحي

للمسيحيّة تاريخ عريق في العراق يعود إلى بدايات المسيحيّة الأولى. وتتعدّد الروايات حول دخول المسيحيّة العراق، ومنها أنّ أوّل جماعة مسيحية قامت في العراق، كانت في مملكة حدياب بإقليم الموصل، وهو إقليم موازٍ لنهر دجلة، وقاعدته مدينة ألموصل الحدباء. وكان أوّل مَن تنصّر آزاد الحديابيّ في العام 59 للميلاد، وهذا تاريخ مبكر جدا. وثمّة مَن اعتبر أنّ القدّيس توما الرسول هو أوّل مَن بشّر في العراق. وهناك مَن يعتقد أنّ المبشّر الأوّل في العراق هو آدي (تدّاوس) أحد الرسل السبعين الذي أرسله توما الرسول. وهناك مَن يؤكّد أنّ انتشار المسيحيّة في العراق ونواحي آشور وبابل بدأ على يدي الرسولين توما وبرثلماوس. على اية حال، نمت المسيحية وانتشرت في العراق وهي تواجه تحديات كبرى.
لقد انقسم المسيحيون الأوائل إلى ثلاث فرق أساسية، هي: الملكانية والنسطورية واليعاقبة. فالملكانيون هم اتباع أريوس الذي قال بأن المسيح مخلوق، وليس مولوداً من الأب، ولذا لا يساويه في الجوهر.أما النسطوريون وهم أتباع نسطور، فقد قالوا بأن للمسيح طبيعتين إحدهما إلهية والثانية بشرية، فهو بالأولى ابن الله وبالثانية ابن مريم. أما التيار الثالث وهو حزب اليعاقبة، فيعتقدون أن المسيح هو الله نزل إلى الأرض. ولقد انقسمت الكنيسة إلى فرعين: الكنيسة الغربية في روما والكنيسة الشرقية في القسطنطينية ( مع وجود الكنيسة القبطية الارثودكسية في مصر وتوابعها والتي لا علاقة لمسيحيي الشرق بها )، ولم تكن للكنيسة الشرقية أية علاقة لها بالغربية، ثم أخذ الخلاف يتسع ويتشعب، وأخذت الفرق تتوالد فتنشأ منها فرقا جديدة وأحزابا جديدة بالرغم من الجهود العديدة التي بذلت لتوحيد الكنيسة (وسنأتي لاحقا لتوضيح جذور الانقسامات المسيحية).
إن معظم المسيحيين العراقيين هم من الكلدانيين الذين يتبعون الكنيسة الكاثوليكية الشرقية، وهم مستقلون عن روما مع كونهم يعترفون بسلطة البابا الروحية. يقول الكلدانيون عن أنفسهم: إن الكلدانيين شعب قديم يتحدث العديد منهم اللغة الآرامية وهي لغة السيد المسيح، علما بأن هناك من يقول بأن التسمية الكلدانية " بمعناها المتداول اليوم يعود أصلها إلى القرن الخامس عشر، عندما اعلن نساطرة قبرص المؤمنين بعقيدة الكنيسة الشرقية النسطورية خضوعهم للكنيسة الكاثوليكية الرومانية وقبولهم لمعتقدها اللاهوتي.. " (الكلدان مذهب أم قومية، ص 11). أما الفئة المهمة الأخرى فهي فئة الآشوريين (أو كما يطلق عليهم في الأدبيات المحلّية بـ الآثوريين) ويقولون إنهم ينحدرون من الإمبراطورية الآشورية والبابلية، وقد انتشروا في أنحاء الشرق الأوسط بعد انهيار إمبراطوريتهم في القرنين السادس والسابع قبل الميلاد. وقد اعتنقوا المسيحية في القرن الأول الميلاد حيث تعتبر كنيستهم الشرقية الأقدم في العراق.. أما الفئة الثالثة، فهم السريان، وهم ينتمون إلى الكنيسة السريانية الآرثوذكسية وهم اليعاقبة الذين أخذوا اسم يعقوب البرادعي، بالإضافة إلى طوائف بروتستانتية متعددة. وهناك اليوم في العراق أيضاً من يتبع الكنيسة السريانية الكاثوليكية التي انقسمت عن الأرثودكسية إثر تكثلك بعض السريان. وهناك الأرمنية الأرثوذكسية والأرمن الكاثوليك الذين نزحوا من تركيا هرباً من المجازر في بداية القرن العشرين (أنظر دراستي التي نشرتها عنهم بثلاث حلقات، إيلاف). وهناك أيضاً الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك بالإضافة إلى الأنغليكانيين والإنجيليين والسبتيين.

انتظروا الحلقة القادمة بعنوان: الطيف العراقي: درس إنثربولوجي

سيّار الجميل GMT 8:30:00 2010 الخميس 11 نوفمبر - إيلاف

الأرمن العراقيون.. الخصوصيّة والجاذبيّة والأسرار الحيويّة!

الحلقة الأولى: الجذور والأغصان


مقدمة

1/ الأرمن عراقيون


لقد غبنت مجموعات اجتماعية عراقية عديدة، تعد تشكيلاتها مؤسسة لبنية المجتمع العراقي اليوم.. نعم، غبنت طويلا من قبل الدارسين والعلماء والمؤرخين العراقيين الذين كتبوا عن حياة المجتمع العراقي، دون التطرق إلى تفاصيل أولئك الناس الذين لم يكونوا مجرد أصفار على الشمال، بل امتازوا بحيويتهم وجهودهم وخصالهم التي أسدوا من خلالها خدمات كبيرة إلى المجتمع على امتداد تاريخ طويل.. ومنهم الأرمن الذين لهم تاريخ حافل بالمنجزات والسمعة الحسنة، وكانوا على الدوام من الناس الحاذقين والمهرة.. صحيح أن لهم خصوصيتهم، شأنهم شأن أي تكوين اجتماعي آخر ضمن حلقة المجموعات الأخرى، إلا أنهم كانوا من المسالمين الذين ندرت مشاكلهم نتيجة تماسكهم الاجتماعي، والفتهم وتجانسهم مع بعضهم الآخر في المدن العراقية التي سكنوها، ولكنهم دفعوا أثمانا غالية في وجودهم كعراقيين، وهم يحتفظون بالجميل الذي أسداه لهم العراقيون الأوائل عندما فتحوا أبوابهم لهم، فتعايشوا مع الجميع من دون أية نعرات خلاف، ولا أي اتكالية على الآخرين في كسب رزقهم مع دوام العلاقة الرائعة بينهم وبين الآخرين، فضلا عن تمسكهم بوطنهم العراقي، وعدم إثارتهم لأية مشاكل سياسية أم اجتماعية. صحيح أن العراق استقبل الأرمن الذين جاءوا إليه بعد تشردهم وإفنائهم في موجتين للنزوح من تركيا شمالا واستوطنوا العراق، ولكن ثمة حقائق تاريخية تؤكد أن هناك من الأرمن من كان له وجود في العراق منذ القدم، بل وان بعضهم قد استوطن العراق منذ العصور الوسطى فثمة معلومة تقول بأن أبرشية للأرمن قد أنشأت في البصرة 1222م، وأن آخرين من الأرمن قد استوطنوه عبر تضاعيف العصر الحديث.

2- مصادر المعلومات ومراجع البحث

إن الأرمن جزء حيوي في بنية المجتمع العراقي الذي نتدارس اليوم تشكيلاته بكل ألوانه وأطيافه التي ينبغي تدارسها بمنتهى الموضوعية والحيادية والأمانة العلمية وبمنهجية واضحة والاعتماد على مصادر موثوقة لا مراجع تافهة. لقد اعتمدت على عدة مصادر وكتابات وشواهد وذكريات ومعلومات رسمية وكنسية أرمنية في كتابة هذا " الموضوع " الذي تندر المراجع عنه بالعربية، ولقد أسعفتني مقالة الكاتب والمؤرخ الأرمني آرا أشجيان عن الأرمن العراقيين، والرجل ارمني عراقي يقطن اليوم في أرمينيا، وقد ساعدتني مقالاته كثيرا، فضلا عن مصادر مهمة كتلك التي نشرها صائغيان، أو التي كان قد حكاها لي الدكتور الراحل حنا جقماقجيان مع معلومات عدة أسدتها لي عائلته الكريمة. إضافة إلى معلومات الدكتور الموسيقار فريد الله ويردي قبل سنوات طويلة مضت. لقد استفدت أيضا من كتابات المؤرخين الأرمن، وأشهرهم: يعقوب سركيس ونرسيس صائغيان ورازميك سيمونيان.. إضافة إلى بعض الكتب بالتركية والانكليزية، ووقع بيدي مؤخرا ما كتبه كل من الصديقين الكاتبين ليث الحمداني في تعقيبه على واثق الغضنفري، فأكبرت جهدهما الوطني.. كما قمت بعدة اتصالات مع السيدة الفاضلة دكراروهين طوقاتليان وولدها الصديق العزيز ميناس جاقماقجيان وقد أرسلوا لي بمعلومات قيمة جدا، وخصوصا عن أوضاع الأرمن العراقيين في هذه الأيام العصيبة. فلهم كل الشكر والعرفان.

الأرمن العراقيون: الجذور والأغصان

1/ من الماضي القديم حتى اليوم


الأرمن، شعب عريق ينتمي إلى الآريين، وقد عرفوا في المناطق الشرقية والوسطى من آسيا الصغرى (= الأناضول ) منذ الألف الثالثة ق.م. وكانت لهم إمبراطوريتهم القديمة التي امتدت في شرق الأناضول حتى سواحل البحر المتوسط، وان لهم تاريخهم العريق في منطقة الشرق الأوسط، ولهم دورهم التاريخي الذي أخذ بالأفول نتيجة التحديات الكبرى التي تعرضوا لها. والأرمن من المسيحيين القدماء جدا، واندمج مذهبهم بقوميتهم اندماجا قويا، وبقوا يعتزون بذلك، ويدافعون عنه دفاعا مستميتا. صحيح أن لهم جمهوريتهم الأرمينية اليوم، والتي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي قبل تفككه، إلا أنهم ينتشرون على رقعة واسعة من الأرض المزدحمة بمختلف الأعراق القديمة.. ولقد تعرضت مناطقهم وأوطانهم إلى موجات اكتساح عدة من قبل إمبراطوريات قديمة، ويشير المستشرق الفرنسي المعروف غوستاف لوبون في كتابه " حضارة العرب " إلى أن الأرمن القدماء قد سجلوا في سجلاتهم الكنسية وتناقلوا في موروثهم بأن تاريخهم لم يعرف ارحم من العرب في تعاملهم مع الأرمن إبان الامتدادات العربية الإسلامية الأولى.
نعم، لقد تعرّضوا إلى تحديات كبرى سواء من خارج مملكتهم، أم من داخلها بحكم صراعات السكان المحليين المتنوعين.. ولعل أشهر المجازر، تلك التي حدثت بحقهم بين 1894- 1896 إبان حكم الدولة العثمانية، تلتها مجازر 1915-1923 والتي انتهت بتأسيس الجمهورية التركية على يد الغازي مصطفى كمال أتاتورك. لقد تشّرد الآلاف من الأرمن في بلدان عدة من الشرق الأوسط، وخصوصا العراق وسوريا ولبنان ومصر.. لقد وصل عدد الأرمن في العراق بعد المجازر المريعة التي تعرضوا لها إلى 25-30 ألفاً.. وسكن الأرمن المُهجًّرون في البدء مدينة الموصل، ونزح قسم منهم إلى بعقوبة، ثم سكنوا في منطقة نهر عمر قبل أن يقطنوا مناطق مختلفة في العراق، فيما هاجر قسم آخر منهم إلى خارج العراق.
إن الغالبية العظمى من الأرمن العراقيين اليوم هم أحفاد وأولاد أولئك القدماء من القاطنين الأوائل، أو من صلب هؤلاء المُهجًّرين الجدد الذين أصبحوا عراقيين بعد أن توطنّوا العراق وعشقوا الحياة العراقية وعملوا من اجل تطوير اقتصادياته المتباينة. ويتراوح عدد الأرمن في العراق حالياً بين 18-20 ألف نسمة يسكنون بغداد والبصرة وكركوك والموصل وزاخو ومناطق أخرى من العراق. ونقلا عن السيدة دكراروهين طوقاتليان أن أمها التي وصلت مع المهاجرين المشردّين حكت لها، وكانت شاهدة عيان بأن المهاجرين الأرمن عندما وصلوا إلى الموصل، استقبلتهم العوائل الموصلية بسلال من الخبز والحلاوة.

2/ الشخصيات التاريخية

يفتخر الأرمن العراقيون بشخصيات أرمنية مهمة جدا خدمت العراق تاريخيا، وبانجازات حققوها في الماضي ويستمرون في تحقيقها في الحاضر. وقد ورد في تاريخ العراق أسماء عدة ملوك وحكام حكموا العراق، وكانوا من أصول أرمنية منذ القدم، وصولا إلى العصور الوسطى، وخدم بعضهم مع القادة العرب المسلمين، وكانوا من الأمراء الأرمن الذين عرفوا بمصداقيتهم ونزاهتهم وأنشطتهم التطبيقية في كل الميادين، فضلا عن جعل بعضهم مساعدين، وكانت لهم صلاحياتهم التفويضية في شؤون العراق إبان العصور العباسية، ويذكر أن أصل كل من السلطان بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل في القرن الثالث عشر الميلادي كان أرمني الأصل، أي في نهاية العهد الأتابكي، وكان الرسام الشهير الواسطي الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي أرمني الأصل أيضا. ويعد يعقوب أميرجان، وهو بغدادي المولد، من الشخصيات الأرمنية البارزة، وأسدى خدمات كبرى للعراق عند قيادته مجموعة من رجال البصرة للدفاع عن بغداد والمحافظة عليها، والقتال دفاعا عنها، حينما حاصرها طهماسب قولي خان مع جيوشه عام 1732. وترد أسماء شخصيات أرمنية عراقية شغلت عدة مناصب ببغداد إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومنهم: بيدروس كوركجي الذي كان رئيسا للفرائين.. ويوسف كيفورك رئيس الصيارفة، وستراك بوغوصيان المفتش العام للبنك العثماني. أما التاجر الأرمني المعروف نعوم سركيس فكان أول من سكن الشطرة وشجع الناس للسكن فيها.

العراق وأرمينيا: حفريات لروابط جيو تاريخية

تشير الحفريات التاريخية إلى أن العراق وأرمينيا كانت بينهما علاقات قديمة جدا، نظرا لاقترابهما بعضهما من الآخر جغرافيا.. وان العلاقات بين الطرفين تعود إلى العصور القديمة تاريخيا. قلت في كتابي " العثمانيون وتكوين العرب الحديث: من اجل بحث رؤيوي معاصر والمنشور ببيروت 1989 " إن كلا من العراق وأرمينيا كانا ساحتي صراع بين الإمبراطوريات المتصادمة في الشرق الأوسط.. منذ القدم وحتى الصراع العثماني ـ الإيراني الذي استمر أربعة قرون كاملة منذ بدايات القرن السادس عشر وانتهاء ببدايات القرن العشرين. كما استطعت أن أتحقق جغرافيا في كتابي الآخر " حصار الموصل.. المنشور عام 1990 " من استخدام المسلك التجاري الذي كان يربط أرمينيا بالعراق من خلال مسالك الموصل التجارية نهرا وبرا عبر الجبال باتجاه بحيرة وان.
لقد استقر العديد من الأرمن في بلاد ما بين النهرين بتأثير امتدادات دجلة والفرات تجاريا في مختلف العهود، إذ وجدت كنائسهم معهم منذ العصور الوسطى.. وزاد توّطن الأرمن في العراق إبان العصر الحديث، أي في القرون الخمسة الأخيرة، وخصوصا منذ القرن السابع عشر، كما تشير المصادر التاريخية إلى ذلك، ويشير الخوري ناريك أشخانيان راعي كنيسة الأرمن الأرثوذكس في العراق: إن أول هجرة للأرمن إلى العراق كانت من مناطق إيران إلى البصرة فبغداد، ثم الموصل في بدايات القرن السابع عشر. ووجدنا كم استقر من الأرمن في الموصل والبصرة خصوصا في القرن الثامن عشر.. وشاركوا العراقيين معاناتهم مرورا بالقرنين التاسع عشر والعشرين. ومع وجود بقايا من الأرمن العراقيين منذ القدم، إلا أن العراقيين استقبلوا الأرمن النازحين منذ بدايات القرن العشرين، وكانوا حماة لهم بعد أن نفروا خفافا وثقالا اثر المذابح الدموية التي تعرضّوا لها في شرق تركيا وخصوصا في العام 1915. ( لقد أطلعني طبيب الأسنان الراحل الدكتور حنا جاقماقجيان عندما كنت طالبا في الجامعة على مجموعة صور قديمة منها ما نشر ومنها ما لم ينشر عن ركامات من جثث القتلى الأرمن الذين راحوا ضحايا تلك المجازر البشعة التي كانت تمثّل حربا عرقية بين السكان المحليين المختلطين وهم من الترك والأرمن والكرد في شرقي الأناضول ). ويقول أشكانيان: " نحن مدينون للعرب، فقد فعلوا ما باستطاعتهم للترحيب بنا، كما سمحوا لنا بالعمل والترقي في المراتب الاجتماعية بعد أن وصل الناجون من (المذابح)، وغالبيتهم من اليتامى، حفاة إثر فرارهم في متاهات الصحراء هربا من الموت ".
أما في مجال التجارة، فقد أخذ التجار الأرمن يتواردون من اسطنبول إلى العراق منذ بدء الربع الأخير من القرن الثامن عشر، بفعل الحراك الاقتصادي وقوة الأسواق الدولية التي ازدهر العراق بها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وينقل الكاتب الأرمني آرا أشجيان قول جان باتست روتسو قنصل فرنسا في بغداد في كتابه المعنون: (Description du pachalig de Bagdad)، ما يأتي: "إن نصارى بغداد سواء كانوا كاثوليكاً أو غير كاثوليك يعيشون عيشة عديمة الرّفاه وهم يتعاطون البيع والشراء الداخلي ويزاولون مهنة الطباعة على الأقمشة (البصم) وغيرها من المهن اليدوية. وأما العدد اليسير من التجار ذوي اليسار فيهم فمعظمهم أرمن من استانبول قد اغتنوا بمعاطاة التجارة بالأحجار الكريمة والشال مع إيران والهند". ويتابع أشجيان كتابته قائلا: " لا غرو في ذلك، لأن الأرمن على ما قاله السائح الفرنسي المدعو بيتون دي تورنيفور: ليسوا أسياد تجارة الشرق فحسب، بل لهم شطر وافر في تجارة أعظم مدن أوروبا ". ويتابع ما تحدث به الرحالة الانكليزي جاكسون عن أن الأرمن هم الذين يتحكمون في الاقتصاد والتجارة في بغداد، وأن النحاس الذي كان يبعث من قبل التجار الأرمن من الموصل إلى بغداد والبصرة كان من النوع نفسه الذي يجري صنعه في إنكلترا. ويتحدث عن مشاهداته في المدينة بالقول:" وتوجد فيها سوق واسعة مزودة بمختلف أنواع المواد... والأرمن هنا يؤلفون التجار الرئيسيين والمعامل المستعملة في بغداد قليلة وهي محدودة.. ويبعث الأرمن الموجودون في الموصل عن طريق دجلة بكميات كبيرة من النحاس تنقل في أرماث من الأخشاب التي تشد إلى بعضها بعضاً ومتى وصل الرمث إلى بغداد بيعت أخشابه فيها لأنها جد نادرة هناك.ومن ثم يشحن النحاس إلى البصرة في سفن شراعية..ويكون النحاس... من نفس النوع الذي يجري صنعه في انجلترا. إن هذه التجارة التي لم يكن أحد قبلاً يمارسها قد ازدادت بسرعة فغدت تجري بنطاق واسع...وأنا مقتنع أن هذه السلعة ستثير بمرور الوقت سخط أصحاب المعامل الانجليزية. فالعمل في هذه البلدان أقل نفقة بكثير مما هو عليه في أوروبا، وهذا مما يساعد الصناع على نقل مصنوعاتهم إلى السوق بسعر أرخص ويهيئ ربحاً أوفر للمشتغلين فيها".وكان الأرمن، مع اليهود، يشكلون غالبية موظفي الشركة الانكليزية التي تحولت إليها ملكية شركة بغداد للقوة الكهربائية بعد الاحتلال البريطاني للعراق في عام 1917. أضيف إلى ذلك ما ذكره العديد من الرحالة والآثاريين الذين جاسوا عدة مناطق من الشرق الأوسط إبان القرن التاسع عشر، وخصوصا أولئك الذين امتدوا برحلاتهم في شرقي تركيا وغربي إيران والعراق بصدد الأرمن ومشكلاتهم الاجتماعية مع غيرهم من سكان المنطقة والتي قادت إلى صراعات لا ترحم، وكان من نتائجها أن استؤصل الأرمن عن أوطانهم ومدنهم وفر الناجون إلى من يحميهم.

الأرمن العراقيون: كنائسهم ومدارسهم وجمعياتهم ونواديهم

1/ الكنائس


أنهم تكوين مستقل عن المسيحيين العراقيين سواء كانوا كلدانا أم سريانا أم أثوريين، ومستقلين مذهبيا أيضا، فلهم كنيستهم الأرثودكسية وكنيستهم الأخرى الكاثوليكية. وتتوزع كنائسهم العديدة في ابرز المدن العراقية التي سكنوها، ومن أشهر تلك الكنائس في بغداد، كنيسة القديس كرابيت للأرمن الأرثوذكس في منطقة كمب سارة، وكنيسة القلب الأقدس للأرمن الكاثوليك في الكرادة الشرقية، وكنيسة القديس كريكور للأرثودكس في الباب الشرقي، وكنيسة الأرمن في الجادرية، وكنيسة سيدة الزهور للكاثوليك في الكرادة، وكنيسة مريم العذراء للأرمن في الميدان وتعد هذه الأخيرة من أقدم الكنائس الأرمنية ببغداد. وتوجد كنيسة قديمة لهم في الموصل وأخريات في كل من البصرة وكركوك وزاخو.. وقد افتتحت كنائس جديدة لهم، ولكنها تعرضّت لتفجيرات خلال السنوات الأخيرة من قبل إرهابيين.

2/ المدارس

وللأرمن مدارسهم الخاصة بأولادهم وبناتهم، إذ أنشأت أول مدرسة أرمنية في بغداد عام 1852 باسم (تاركمانجاتس وتعني: المترجمون). وأول مدرسة للبنات افتتحت من قبل الطائفة الأرمنية في العراق عام 1901، وكذلك أول روضة منفصلة عن الابتدائية سنة 1913. وفي عام 1917، دمجت مدرسة البنات مع (المدرسة الزابيلية) الأرمنية، لتتكون منهما أول مدرسة مختلطة في العراق. وفي عام 1921، افتتحت مدرسة للأرمن في منطقة كمب الكيلاني ببغداد سميت لاحقاً (مدرسة سفاجيان). وقد دمجت مدرستا (تاركمانجاتس) و(سفاجيان) عام 1948 لتتكون منهما (مدرسة الأرمن المتحدة الأهلية)، وكانت تضم صفوفاً وطلبة من كلا الجنسين في المراحل الدراسية من الروضة وحتى الإعدادية، والتي استمرت حتى عام 1974، حينما جرى تأميم جميع المدارس الأهلية في العراق. وتقول إحدى الدراسات إنه أعيد افتتاح (مدرسة الأرمن الابتدائية الأهلية المختلطة) في 15 تشرين الأول / أكتوبر 2004. وهناك مدرسة قديمة خاصة باسم مدرسة الأرمن بالموصل وتقع في الدواسة قرب حديقة الشهداء. وكانت هذه المدرسة الخاصة قد بنيت بجهود أرمنية، وأموال أهلها الأرمن، ومن دون مساعدة من أي شخص أو دولة... بنيت بالتبرعات الأرمنية آنذاك لحين أن تم تأميمها. هنا يتساءل المرء: بأي حق تؤمم مؤسسات خاصة تبرع بها الأهالي، ولم تكن الدولة قد صرفت عليها فلسا واحدا؟ وليس هذه المدرسة وحدها فقط، بل كان هناك مدارس أخرى لهم في بعض المدن العراقية. إن أول طالب عراقي حصل على مجموع 599 من 600 في الامتحانات العامة للدراسة الإعدادية الثانوية (الصف السادس العلمي) كان الأرمني زافين بانوسيان، وذلك في العام الدراسي 1982-1983

3/ الجمعيات

وللأرمن في العراق جمعياتهم الاجتماعية والثقافية والرياضية، إذ جرى منذ العام 1911، تأسيس الجمعية الخيرية الأرمنية العمومية في بغداد، ثم أغلقت وأعيد افتتاحها عام 1959، وكانت تضم فرقة للغناء الفولكلوري الأرمني.. كما كانت جمعية الشبيبة الأرمنية الأرمنية قد تأسست منذ العام 1926، وانبثقت عنها عام 1954 فرقة كورال (كوميداس) للغناء الفولكلوري الأرمني، واشتهرت بعروضها الرائعة في الخمسينيات. مع جمعية ثقافية في البصرة فضلا عن جمعيات خيرية في كل من الموصل وبغداد والبصرة.. أما النادي الرياضي الأرمني (الهومنتمن)، فقد تأسس عام 1949. وتأسست الجمعية الثقافية لنساء الأرمن عام 1961.. وكان لهذه الجمعيات والنوادي حرياتها في ممارسة أدوارها الثقافية والحضارية بإقامة الأمسيات الثقافية والاجتماعية والعروض والمهرجانات الرياضية من دون أية معوّقات أبدا.. وحقق بعضها انجازات مهمة باسم العراق مهمة. وقد رفد الأرمن العراقيون أنفسهم وعلى مدى سنوات طوال بالثقافة الخاصة بهم، وخصوصا خلال النصف الأول من القرن العشرين، فبرز منهم نخبة من المختصين والمثقفين والمبدعين الذين ساهموا مساهمات حقيقية في خدمة المجتمع العراقي في حقول مختلفة، حتى بدأ التضييق عليها لاحقا.

4/ المطبعة والصحف الأرمنية

كانت أول مطبعة أرمنية قد تأسست في بغداد عام 1874، والتي من خلالها، طبعت كتب المناهج المدرسية وصحيفة بونج بعد صدورها عام 1890 [16]. لقد اصدر الأرمن العراقيون عدة صحف ونشرات وأدلة عمل، إذ صدرت في بغداد عدة صحف أرمنية، منها صحيفة مدرسية مطبوعة باسم ( بونج: تعني الباقة ) منذ عام 1890، واستمرت تصدر على مدى سنتين. ثم صدرت صحيفة ( تايكرس: أي دجلة) عام 1924، ولكنها توقفت بعد بضعة إصدارات. ثم صدرت صحيفة ( كويامارد: تعني صراع الوجود) الأسبوعية للفترة 1948-1954، وأعيد نشرها للفترة 1957-1958. وكانت مدرسة الأرمن المتحدة الأهلية تصدر صحيفة ( كايدز) ( أي: الشرارة) المدرسية، مع إصدار الكتاب السنوي باسم (ماشدوتس). كان هذا " الكتاب " قد وثق الحياة المدرسية بكل أنشطتها وفعالياتها وحياة الجماعات الأرمنية في العراق منذ ستينيات القرن الماضي وحتى تأميم المدارس الأهلية في العراق عام 1974.. واليوم، لا توجد للأرمن العراقيين أية صحيفة تعبر عن ذاتهم، باستثناء نشرات تصدرها مطرانية الأرمن الأرثوذكس في العراق باسم ( كانتيغ ) ( تعني: القنديل ) إلى جانب نشرات أخرى متفرقة.

انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية الموسومة: حذاقة الصنّاع وعظمة المشاهير.

سيّار الجميل GMT 18:00:00 2010 الأحد 17 أكتوبر - إيلاف

الأرمن العراقيون (2/3): حذاقة الصنّاع وعظمة المشاهير

الأرمن العراقيون.. الخصوصيّة والجاذبيّة والأسرار الحيويّة!


الشخصيات العامة الأرمنية

ينقل لنا الأستاذ آرا اشجيان عن الرحالة الانكليزي جاكسون الذي وصل إلى بغداد يوم 14 تموز-يوليو عام 1797 قوله: " قليل جداً هو عدد الأوروبيين الذي يزاولون الأعمال التجارية في بغداد أو يحتفظون لهم بقناصل فيها. فالانكليز مثلاً ليس لديهم قنصل في بغداد ولكن أعمالهم تدار من قبل أحد الأرمن المدعو (خوجة مايكل) وهو رجل محترم.. ولقد كنت أحمل رسائل معي إلى أرمني آخر يدعى خوجة سطيفان بابك وهو من الأثرياء الكبار ويتكلم الإنجليزية بطلاقة وأنا أعتقد أنه المقيم الوحيد في المدينة الذي يلم باللغة الإنجليزية".
ومن الشخصيات الأرمنية العامة فوسكان مارديكيان (أوسكان أفندي) الذي كان وزيراً للبريد والبرق في الدولة العثمانية، وبناء على دعوة وجهت له من قبل الحكومة العراقية في عشرينيات القرن الماضي، أصبح خبيراً مالياً في وزارة المالية العراقية، وطوًر النظام المالي في العراق وترجم عدة نصوص قانونية من العثمانية إلى العربية. وبرز أيضا، اسم سيروب إسكندريان مديراً للإدارة النهرية في بغداد عام 1910، وأيضا هناك سرابيون سيفيان الذي شغل المنصب نفسه قبل الحرب العالمية الأولى إبان الحكم العثماني، ثم شغل في عام 1921 منصب السكرتير لوزير المالية عقب تأسيس النظام في المملكة العراقية. ومن الشخصيات الأرمنية أيضا، مركوريان مدير شعبة المصرف العثماني الذي عين عام 1910 رئيساً لأول غرفة للتجارة في بغداد، وقد غدت على زمنه مرجعاً للأمور التجارية. أما ديكران إيكماكجيان، فقد توّلى منصب سكرتارية مجلس إدارة السكك الحديدية العراقية لسنوات طوال.. وكان كاسبار بوغوصيان رئيساً لأمناء صندوق السكك الحديدية. وهناك مسؤول أرمني آخر اسمه إبكار هوفهانيسيان الذي نصّب مديراً عاماً للمواصلات، ونظير خدماته وإبداعاته، منح وسام الرافدين من الدرجة الثالثة. وكان فاهي سيفيان، مسؤولاً مالياً في بغداد أثناء حكم الدولة العثمانية، ونصّب في خمسينيات القرن الماضي مفتشاً للري العام ببغداد، وقد أسهمت جهوده الممتازة والإجراءات الطارئة التي اتخذها في إنقاذ العاصمة بغداد وضواحيها من أسوأ فيضان تعرضت له بغداد في العام 1954. كما وجد اثنان من المدراء العامين في الموانئ والسكك الحديدية في مدينة البصرة، وهما كريكور كولويان وازكاناز فارتانيان. ولقد عرف في مجال السياسة والدبلوماسية اسكندر ستيبان ماركاريان، إذ كان قد انتخب عام 1947 في البرلمان العراقي ممثلاً لجميع المسيحيين في العاصمة بغداد، ولابد من ذكر كل من القنصلين الفخريين لبلجيكا في العراق، وهما: ديرفيشيان وسيمون غريبيان، وأن نذكر أيضا قنصل النرويج الفخري في العراق آرام سيمرجيان. وفي أرمينيا بعد الاستقلال في عام 1991، تقلد اشخان مارديروسيان منصب وكيل الوزارة في وزارة الزراعة ثم الخارجية، وهو من أصل عراقي.

كولبنكيان: مؤسسة دولية خدمت العراق والعراقيين

أود هنا أن أتوقف قليلاً عند شخصية متميزة وشهيرة لدى كل العراقيين في القرن العشرين، متمثلة بالثري ورجل الأعمال والإحسان الأرمني (كالوست كولبنكيان) وما قدمه للعراق من خدمات كبيرة. فقد كان كولبنكيان يحتفظ بنسبة 5 بالمائة من مجموع أسهم شركات النفط التي طورها، وهي حصته من الأراضي التي كان يمتلكها في كركوك والتي غدت حقولا نفطية منذ العهد العثماني. ومن هنا جاءت كنيته الشهيرة "سيد الـ 5 بالمائة" (Mr. Five Percent) وكانت له حصة 5 بالمائة من أسهم شركة النفط العراقية (IPC). وقد أنشأت مؤسسة كولبنكيان، التي تهتم بشكل أساس بالمشاريع الثقافية والفنية في العالم، ملعب الشعب الدولي وقاعة الشعب في بغداد، وأريد القول انه من دون ملعب الشعب الدولي، كان العراق سيبقى من دون أي ملعب دولي حتى يومنا هذا!! كما منحت مؤسسته الخيرية المئات من الزمالات الدراسية للطلبة في العراق ودول العالم كافة، بغض النظر عن ديانتهم أو قوميتهم أو طائفتهم. وقد استفاد عدد كبير من الطلبة العراقيين من هذه الزمالات، ومنهم من وصل إلى مناصب رفيعة في الدولة. كما ساهمت مؤسسة كولبنكيان في بناء القسم الجديد لمدرسة الأرمن المتحدة الأهلية في بغداد والمستوصف الملحق بها عام 1962، وأنشأت مدرسة في زاخو عام 1969، وملعباً في كركوك. كما ساهمت المؤسسة في بناء كنيسة الأرمن الأرثوذكس في ساحة الطيران ببغداد للمدة 1954 – 1957، ومدرسة ثانوية للأرمن في حي الرياض ببغداد، إلى جانب إهداء أعداد كبيرة من الكتب والمناهج الدراسية للجامعات والكليات والمعاهد ودور العلم العراقية. لقد قام كولبنكيان بزيارة خاصة إلى الموصل في سنة 1969 برغبة عارمة من لدنه، واستقبله رؤساء الملة الأرمنية استقبالا يليق به وعلى رأسهم الأخوان حنا وبدريك جاقماقجيان، وكان أن اقترح على الحكومة العراقية بناء جامعة كبرى في الموصل على حسابه الخاص تكون من أرقى الجامعات وتجمع كل التخصصات، وخصص لها باختياره موقع ساحر في منطقة البو سيف جنوبي المدينة يطل على نهر دجلة، كما وقام بتجديد وترميم الكنيسة الأرمنية، ولكن مشروع الجامعة اخفق لأسباب عدة، علما بأن الأرض قد منحت من كل من آل الجليلي وآل جاقماقجيان لبناء المشروع.. فخسر العراق مشروعا حضاريا وثقافيا كبيرا لأسباب تافهة. وهنا أود الحديث عن آل جاقمجيان وهم من اعرق العوائل الأرمنية في العراق.

آل جاقماقجيان في الموصل ودورهم الاجتماعي

تمتد جذور هذه الأسرة الكريمة ووجودها في العراق إلى أكثر من ثلاثمائة سنة، وهي من الأسر الأرمنية النبيلة التي عاشت في الموصل، تقول الرواية التاريخية إن مؤسس الأسرة الأول حنا جقماقجيان قد استقدمه والي الموصل الحاج حسين باشا الجليلي زمن حصار الموصل من قبل نادرشاه بين عامي 1741-1743م إلى الموصل من منطقة سعرت في تركيا اليوم، إذ كان ماهرا بصنع الأسلحة، وبعد انفراج الحصار وعم الانتصار، طلب منه الوالي أن يبقى في الموصل ليعمل فيها وأسرته، فاشتغلوا بتجارة السجاد والأخشاب والخيول.
وقد اشتهر عميد الأسرة ميناس جاقماقجيان عند مطلع القرن العشرين، وكان صاحب مزارع وأنعام، وكنت اسمع عن أدواره المهمة في حماية الأرمن المهاجرين وتأمين سلامتهم وتوطينهم والحفاظ على أعراضهم.. كان فارسا مقداما ورجلا صادق القول والعمل، وقد احترمه أهل الموصل كثيرا، وكانت له علاقاته القوية مع أعيانها وكل رجالاتها.. أما أخوه سركيس أفندي جقماقجيان، فكان يحتل نفس المكانة في النفوس... وهو أول مختار أرمن في الموصل حيث بدا بجمع العوائل المهجّرة من تركيا والتي نزحت إلى الموصل، وكان راعي شؤون الطائفة الأرمنية آنذاك 1915 ويعود إليه الفضل والدور الكبير في لمّ شتات المهجّرين الأرمن إلى العراق آنذاك. لقد سجل الكاتب التركي ياسكين أوران في كتابه بالتركية والموسوم (Mk ' Adli Cocujun Techiranilari 1915 Ve sonrasi ) مشاهد تراجيدية محزنة جدا عن تلك المأساة. ويروي فيه حوارا مع أحد المعمرّين تتضمنها حكايات شاهد عيان للأحداث عن هجرة الأرمن من تركيا إلى العراق، ونقلا عنه، إذ كان شاهد عيان وعمره 95 سنة كيف ذهب إلى الموصل والتقى مع رجل مسن يدعى سركيس أفندي جقماقجيان يعمل في تجارة السجاد وانه كان في ذلك الوقت أي أثناء الحرب الأولى مختارا للأرمن في الموصل، ومسؤول عن اليتامى ودار العجزة التي أنشأها بذلك الوقت ومسؤول عن الكنيسة الأرمنية... إذ كان في سنة 1857 قد بنى كنيسة الأرمن في الموصل الكائنة في سوق الشعارين بقلب المدينة القديمة. وتروي السيدة طوقاتليان بأن سركيس أفندي التقى الحاكم البريطاني، فتأثر الأخير بفكره وعقليته ومنطقه، فأعطاه ورقة تمنحه صلاحية الدخول إلى أي بيت في الموصل لإخراج كل الصبايا الصغيرات والأطفال الصغار، ووضعهم في دار للأيتام بناه خصيصا لعيشهم تحت إشرافه. لقد كان عمله مشرفا وأخلاقيا لحماية أعراض ملته وإنقاذ الأطفال الأرمن وخصوصا من البنات والصبايا.
أنجب أخوه ميناس أربعة أبناء رحلوا جميعا، وهم الدكاترة حنا وسعدون وبدريك ( وكانوا قد اختصوا بطب الأسنان ) أما ولده الأصغر جوزيف فقد عمل مديرا للتوزيع في شركة نفط العراق لثلاثين سنة، ثم رجع إلى الموصل ليدير شؤون مزارعه، وكان قد اقترح توزيع أراض من أملاكه على موظفي الشركة لغرض بناء بيوت سكنية في مجمع سكني، ولكن قوبل مشروعه بالرفض من قبل الحكومة العراقية..
كان المرحوم حنا جاقماقجيان يتميز بقدراته النادرة في معرفة الخيول العربية وأصولها وله فراسته في معرفة قدراتها ومدى سرعتها اشتهر بعلم الفروسية والخيول وارثا هذه الخصال عن والده ميناس جقماقجيان.. وكان العراقيون يطلبون منه أن يكون رجل الهاندي كاب أي رجل الأوزان في السباقات لكثرة خبرته بالخيول وتولعه بها، فكان يلبي مطالبهم من دون أي مقابل.. وهناك حادثة تحكى إلى اليوم في مجالس أصدقائنا يذكروها... كيف عرف حنا أفندي مهرة درة شمر في احد معارض المهر عند احد القبائل العربية خارج الموصل، ويقال إنه يعرف المهرة أو الحصان ويؤصله من مجرد معاينته له. أما أخوه الدكتور بدريك، فقد اختير رئيسا للطائفة الأرمنية لسنوات طوال.. لقد تشرد أبناءهم اليوم في شتات العالم. يقول أحدهم: " وإلى يومنا هذا نحن أحفادهم ولكننا أصبحنا غرباء في بلد خدمناه في كل الأزمنة وآخرها أنني دافعت جنديا عن العراق 13 سنة جنبا إلى جنب أخوتي العراقيين في خندق واحد... واليوم أصبحنا نحن غير المرغوب فينا.. "!

الأطباء الأرمن

في مجال الطب، كان أول من ادخل تلقيح الجدري إلى بغداد أوهانيس مراديان الذي قدم إلى بغداد عام 1786. وكان أول طالب عراقي يوفد إلى الخارج للدراسة على نفقة الدولة عام 1921 أرمنياً، واسمه أرستاكيس، وقد أوفد إلى مدرسة البنغال البيطرية في الهند لدراسة الطب البيطري. وكانت أول طبيبة عراقية عينتها وزارة الصحة، أرمنية، هي الدكتورة آنة ستيان، وأول فتاة عراقية دخلت مدرسة الطب في بغداد وتخرجت فيها سنة 1939 كانت الطبيبة ملك ابنة السيد رزوق غنام النائب عن مسيحيي بغداد في مجلس الأمة وصاحب جريدة العراق، ويعتبر شيخ الصحافة العراقية. ومن الأطباء المعروفين الدكتور كريكور أستارجيان، وله مؤلفات بالعربية عن التاريخ والثقافة الأرمنية. واشتهر في الموصل قصر أستراجيان في الساحل الأيسر، وكان تحفة معمارية رائعة بناه على الطراز الياباني، وبقي تراثا شامخا حتى أزيل عن الوجود قبل سنوات. وهناك الدكتور هاكوب جوبانيان، وهو من مؤسسي كلية الطب في العراق وحاصل على وسام ملكي عراقي (وسام الرافدين من الدرجة الثانية عام 1954) تقديراً لخدماته في مجال الطب والدكتور كارنيك هوفهانيسيان وغيرهم. وهناك كل من الدكتور كره بيت والدكتور موسيس، وقد اشتهرا شعبيا في الموصل. أما الدكتور ديكو أندريوس الإسفنديار، فهو طبيب أسنان مشهور ومميز في بغداد، كانت عيادته الخاصة تقع في بغداد في منطقة (نفق الشرطة) وهو طبيب ممتاز جدا، على الأرجح أنه هاجر إلى الولايات المتحدة (ولاية ميشغان) في التسعينات.

السير آرا درزي: أرمني عراقي وزيرا للصحة البريطانية حاليا

السير الدكتور آرا وارتكيس ترزيان، المعروف حالياً بالسير درزي، من أصل عراقي أرمني، ولد ببغداد ودرس الابتدائية فيها، ثم انضم إلى كلية بغداد لست سنوات، وحقق نجاحه في البكالوريا عام 1978، وكان والده من كبار رجال الأعمال في العراق، وبعد ذلك غادر العراق برفقة أسرته إلى دبلن في ايرلندا التي درس الطب فيها ثم تخصّص.بالجراحة.. لم يكن اجتماعيا ولا يميل إلى الرياضة أيام دراسته، كان شديد الذكاء وليس له إلا الدراسة، وكان يتردد مع والديه على نادي جمعية الشبيبة الأرمنية في بغداد. ذاعت شهرته جراحا قديرا، وأصبح رائدا في العمليات الجراحية الكبرى فمنح لقب ( سير ) وهو في سن مبكرة، ثم اختير وزيرا للصحة البريطانية، ولم يزل في منصبه حتى يومنا هذا.

الفنانون الأرمن

1/ المصورون


أما في مجال التصوير فقد عرف المصور السينمائي خاجيك ميساك كيفوركيان، وهو من أوائل الرواد في مجال التصوير السينمائي ومن الرواد القلائل في تقنية التصوير في العراق والوطن العربي. والمصور الصحفي الرائد أمري سليم لوسينيان شيخ المصورين الصحفيين العراقيين الذي صور ملوك وزعماء العراق وارشف جزءاً كبيراً من تاريخ العراق، والمصورين الفوتوغرافيين المعروفين أرشاك (صاحب ستوديو أرشاك) وجان (صاحب ستوديو بابل للزعماء والرؤساء ) ومصور الآثار كوفاديس ماركاريان، وفي الموصل اشتهر كل من المصور آكوب والمصور كوفاديس شهرة عريضة.. والفنان المصور آكوب كريكور بنجويان هو خال المصور الكبير مراد الداغستاني الذي اشتهر دوليا بلقطاته الذكية المعبرة، ويعّد هذا الفنان من أعظم المصورين في العالم. أما المصور آكوب ( أو يلفظ: هاكوب ) الذي كان يصور كل المناسبات الرسمية آنذاك في المتصرفية والمخيمات الكشفية والزيارات الرسمية في الموصل، فهو أشهر من نار على علم، وكان مدرسة في التصوير تخرّج على يديه العديد من الفنانين المصورين الذين اخذوا عنه الدقة والحرفية.

2/التشكيليون

وفي مجال الفنون، برز الفنان الرائد بهجة عبوش الذي أنجز صورة عماد يسوع المسيح في سقف كنيسة الأرمن الأرثوذكس في بغداد، وأقيم معرض شامل لأعماله في المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد، والفنان التشكيلي أرداش كاكافيان الذي كتبت موسوعة (لاروس) الفرنسية عنه وعن الفنان التشكيلي العراقي جواد سليم، وساران فارتان ألكسندريان الذي شارك في نشاطات الحركة السريالية بباريس منذ عام 1947 وله العديد من المؤلفات النثرية والدراسات، والرسام التشكيلي يرجان بوغوصيان وهو من رواد السرياليين العراقيين، والفنان التشكيلي انترانيك اوهانيسيان الذي اشتهر بلوحاته الخاصة.

3/ المسرحيون والمخرجون والمغنّون

هناك ممثلة المسرح القديرة أزادوهي صموئيل لاجينيان، والمخرج والممثل والمخرج القدير كارلو هارتيون، والمخرج السينمائي العالمي أشخان أفيديس (حكمت لبيب)، وهو من مدينة بعقوبة، والفنانة والمخرجة المتميزة سيتا هاكوبيان التي اشتهرت منذ أربعين سنة في الغناء العراقي، وقد أحبها الشعب العراقي، ولم يزل يذكرها بأطيب الذكر، وقدمت للثقافة العراقية أكثر من 70 عملا، ثم تحوّلت إلى الإخراج اليوم، واقترنت بالفنان المخرج عماد بهجت، وتعد ابنتهما نوفا عماد بهجت واحدة من الفنانات العراقيات في كندا، وهي تمتلك صوتا جميلا. وفي مجال الكتابة والإخراج المسرحي، نال هرانت ماركاريان في عام 1994 بطاقة العضوية في اتحاد الكتاب في أرمينيا، تقديراً لجهوده ونشاطاته في هذا المجال، وقدم حتى تكريمه 17 عملاً مسرحياً، وفي الموسيقى برز كل من الفنانين: كريكور برصوميان وآرام بابوخيان وبابكين جورج وآرام تاجريان ونوبار بشتيكيان، وعازفة البيانو الشهيرة بياتريس اوهانيسيان. وفي مجال المقام العراقي يبرز اسم الأب نرسيس صائغيان البغدادي (1878-1953) الذي امتاز بوفرة معلوماته عن المقام وجميع قراء المقام العراقيين يرجعون إليه لمعرفة أدق المعلومات عن المقام العراقي وصنوفه. وللأب صائغيان أيضا مؤلفاته في التاريخ واللغة ودراسة أصول ونسب العائلات المسيحية البغدادية، وقد نشر بعضها في كتيبات أو في مجلات معروفة مثل (لغة العرب) و (نشرة الأحد) و (النور). وكان سيساك زاربهانيليان موسيقاراً له تميّزه في الأوساط الفنية، ويعد احد فلاسفة الموسيقى الشرقية، وعازفاً بارعاً على آلتي العود والكمان، وكان قد ألف قطعاً موسيقية، مستخدماً فيها مقامات صعبة لم يجرؤ موسيقار غيره على التقرب منها.

الأدب والكتابة والتربية

في مجال الأدب برز الكاتب والباحث القدير يعقوب سركيس الذي ألف (مباحث عراقية)، وكان ضليعا بتاريخ العراق الحديث، حتى يقال بأنه المؤلف الحقيقي لكتاب ستيفن هيمسلي لونكريك المشهور " أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ". وهناك الكاتب المعروف يوسف عبد المسيح ثروت، والكاتب ليفون كارمين (استيبانيان)، والكاتب ليفون شاهويان، والمفكر والكاتب بابكين بابازيان. وكان عبد المسيح وزير مثقفا قديرا ومترجما بارعا جاء إلى العراق مع طاقم الملك فيصل الأول وكان من رجال الفكر والمعرفة ووضع القاموس العسكري ومؤلفات أخرى وترجم كتبا عسكرية عدة لوزارة الدفاع العراقية. وفي مجال الكتابة الصحافية يبرز اسم جيراير غاريبيان الذي ألف عدداً من الكتب المهمة، وأجرى العشرات من المقابلات مع الشخصيات الأرمنية المعروفة على الصعيدين السياسي والأدبي. وهناك كل من الكاتبين اليساريين آرا خاجادور وشكري كرابيت بيروسيان عضو نقابه الصحفيين.، وهناك أيضا الكاتب شانت كندريان. أما في مجال التربية، فبرز الأستاذ والمربي الفاضل مهران أفندي سفاجيان المختص باللغات الأوروبية، وكان يحاضر في اللغة الفرنسية عام 1908 في المدرسة الجعفرية (ابرز مدارس بغداد آنذاك) واعترف بفضله وخدماته الجليلة تلامذته، ومنهم صادق البصام الذي أصبح في العهد الملكي وزيراً للتربية عام 1941 والعدل عام 1942 وغيرهم.

مجالات أخرى

في مجال التجارة ورجال الأعمال يبرز اسم هايك طوقاتليان في العراق، وخصوصا في تجارة السيارات، وكان الرجل احد المهاجرين الأرمن من تركيا إلى العراق أثناء الحرب الأولى وبعد أن فقد اثنتين من أخواته في الطريق ووالده أيضا.. وصل إلى الموصل حافي القدمين بدون مأوى... فاستوطنها ودرس فيها ثم استقر في بغداد وبعد أن اجتهد في العمل أصبح من اكبر التجار، وأسس مؤسسة وشركة عالمية باسم إنترناشيونال للحاصدات والجرارات.. ومن بعدها اخذ وكالة شركة مارسيدس الألمانية. وهناك أيضا عائلة سيروب كندريان، وهي من العوائل المعروفة في الموصل أيضا، وقد كانوا يعملون كمقاولين تعتمد عليهم الناس اعتمادا كبيرا. كما اشتهر في الموصل أيضا بوغوص بمحلاته في الدواسة للأدوات الاحتياطية.
وفي مجال الهندسة، كان المهندس المعماري مارديروس كافوكجيان من المهندسين المعماريين البارزين في الموصل من 1941-1946، وقد وضع المخططات الهندسية لضواحي الموصل وأربيل والعمادية. كما أن له مؤلفات بالأرمنية عن أصل الأرمن. وكذلك المعماري الأرمني المعروف خاجاك ماراشليان. وبرز اسم الضابط سيروب تافيت في المجال العسكري، وتوباليان في مجال الطيران المدني. وكان هناك بعض المعلمين الأرمن ومن أشهرهم البارون أردا فاوست وغدا مديرا للمدرسة وهناك البارون خاجيك والأب خورين وغيلاهم.

الشخصيات النسائية العامة

للمرأة الأرمنية، شخصيتها المتميزة، وقدراتها وكفاءتها.. وتعتبر ربة بيت من الدرجة الأولى، فضلا عن حسن تربيتها لأولادها وبناتها، وحرصها على التقاليد الأرمنية.. ناهيكم عن إجادتها إدارة البيت واحترامها للرجل والسهر على خدمته والمحافظة على شرفه. إن الأرمنية بشكل عام تحرص حرصا شديدا على الاقتران بالرجل الأرمني، إذ لا يمكنها أن تستبدله بآخرين أبدا حتى وان بقيت عازبة مدى حياتها. إن من أشهر الشخصيات النسوية الأرمنية العراقية العامة قد مثلتها بأوسع أبواب الشهرة الست سارة إسكندريان التي عرفت من قبل أهل بغداد باسم (سارة خاتون) أو (سارة الزنكينة)، وسمي حي كمب سارة في بغداد باسمها لأنها المالكة الحقيقية له. وقد كانت قصتها تراجيدية تناقلتها الأجيال في العراق، إذ ورثت عن أبيها تركة كبرى سطا عليها عمّها وهي يتيمة صغيرة، ووقعت تحت سيطرته، ثم كبرت البنت وكانت جميلة جدا، فوقع في حبها والي بغداد الشهير ناظم باشا، فرفضته رفضا باتا.. وهاجرت إلى فرنسا واقترنت هناك، ولكن حياتها بقيت مضطربة، وعادت إلى بغداد وهي صاحبة ثروة كبيرة وأملاك واسعة خسرتها جميعا لإنفاقاتها وتبرعاتها ووقفت مع الأرمن المهاجرين وقفة إنسانية، وعاشت بقية حياتها في عسر وضنك، ولكنها بقيت عزيزة النفس شامخة تعتز بعراقيتها حتى توفيت. وهناك السيدة ريجينة خاتون التي أوقفت عدداً من الأراضي للطائفة شيدت على إحداها دارا للمسنين، وهي المؤسسة الأهلية الأولى التابعة للطائفة، وشيدت على الثانية مدرسة ثانوية كانت قد استملكت قسراً من قبل النظام السابق عام 1974.. وهناك شخصية نسائية أرمنية أخرى في الموصل هي هايكانوش خانم والتي كانت تراعي النساء وتحتفظ بهم وترسلهم إلى سوريا أو لبنان طبعا بعد المخاطبات والرسائل لوجود أو العثور على أخواتهم أو إخوانهم في تلك البلاد فيتم إرسالهم إلى هناك لكي تتجمع الأسرة مرة أخرى وتعود الحياة معهم شيئا فشيئا. وهناك نسوة أخريات من الأرمنيات اللواتي ساهمن مساهمة حقيقية في رفد العراق بكل جميل على امتداد القرن العشرين.

الرياضيون الأرمن

وفي الرياضة حصل جيراير كايايان على أول بطولة لكمال الأجسام في العراق عام 1949، ومثل جورج تاجريان العراق في (3) بطولات اولمبية في رياضة الدراجات وحصل على بطولات عالمية في سباق الدراجات للمسافات الطويلة. كذلك برز اسم بطل المصارعة كريكور عجميان، والحكم الدولي في بناء الأجسام كاريكين سيمونيان، والحكم الدولي أوهانيس يسايان في المصارعة وكمال الأجسام، ولاعب كرة القدم آرا همبرتسوم أوهانيان.

إسهامات الأرمن في الصناعات المختلفة

كما أدخل الأرمن إلى بغداد صناعة الكاشي الموزاييك والحواشي المزخرفة والصناعات الموسيقية والمأكولات وصناعة العجلات (الربلات) والتصوير الفوتوغرافي. كما يمتهن الأرمن الصناعات الدقيقة والصياغة وميكانيكية السيارات وهناك شريحة من أكفأ مصلحي السيارات ومنهم الفيتر آرتين، وكان هناك العديد من الحلاقين والخياطين والطباعين والنقاشين.. ففي مجال الطباعة، اشتهر سركيس بدروسيان بمطبعته في بغداد، ولقد اشتهر الخياط طاطول بالموصل وعرفنا ابنته الآنسة أسدغيك واحدة من أكفأ السكرتيرات وأنشطهن في جامعة الموصل، إذ بقيت سكرتيرة لعميد كلية الاداب سنوات طويلة.

انتهت الحلقة الثانية وتلحق بها الحلقة الثالثة: دياسبورا شعب بلا وطن بديل.

سيّار الجميل GMT 17:00:00 2010 الخميس 21 أكتوبر

الأرمن العراقيون (3/3): دياسبورا وطن بلا بديل!

الأرمن العراقيون.. الخصوصيّة والجاذبيّة والأسرار الحيويّة!

طيف اجتماعي عراقي حيوي


عندما يذكر الأرمن في العراق، لا يمكن لأي إنسان أن ينكر خصوصيتهم التي تميزهم عن بقية أبناء المجتمع، اذ تعتبر بالنسبة للجميع خط احمر لا يمكن لأحد أن يتجاوزه أبدا، وتتمثل باستقلاليتهم في عاداتهم وتقاليدهم وعبادتهم ودراستهم وتربية أبنائهم وأفراحهم وأتراحهم.. انه طيف اجتماعي عراقي لا ينكر دوره البالغ في خدمة المجتمع، والمعروف عن الأرمن العراقيين مهاراتهم وحذاقتهم وذكائهم، فضلا عن أمانتهم وكلمتهم القاطعة، ولا يمكن أن تجد أي واحد منهم يتكّل على الآخرين، فهم منتجون وان شغلهم الشاغل عملهم وإجادتهم فيه، وهم بين خصوصيتهم واستقلاليتهم تجدهم من أكثر العراقيين مسالمة ومعايشة بين أبناء المجتمع.. يندمجون فيه أثناء النهار سواء في الشارع أو الورشة أو العيادة أو السوق أو المؤسسة.. الخ كما وأنهم ارتبطوا بتراب العراق ارتباطا وثيقا، وعشقوا العراق.. صحيح أنهم محافظون على لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم.. وهذا من حقوقهم المشروعة كقومية لها وجود في هذا العالم، ولكنهم برعوا في خدماتهم وإبداعاتهم.. بعيدا عن التوجهات السياسية أو النزعات الإيديولوجية.. فكان إن حافظوا على وجودهم في وطنهم العراق..، ويقدّر الباحثون نسبتهم بالمرتبة الخامسة بعد كل من العرب والكرد والتركمان والفرس.. علما بأن المؤرخ بطاطو يقدر نسبة الفرس في العراق بالمرتبة الخامسة بعد الأرمن اعتمادا على إحصاء عام 1947.
إن غالبية الأرمن في العراق يتواجدون في العاصمة بغداد حيث يقدر عدد الأرمن في بغداد ما بين 10 إلى 12 الفا، في حين أن تعداد الأرمن في عموم العراق يقدر ب 20 ألف نسمة,كما توجد تجمعات وكنائس أرمنية في مدن رئيسية أخرى مثل البصرة و الموصل و كركوك بالإضافة إلى وجود تجمعات للأرمن في بلدات صغيرة في كوردستان العراق مثل زاخو و افرروك. إن اغلبهم يتحدّرون من الناجين من المجازر التي ارتكبت إبان الحرب العالمية الأولى. ويقول تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية إن الوجود الارمني في العراق يعود إلى القرن السابع عشر، عندما غامر تجار من الأرمن في التجوال ضمن قوس يمتد من إيران نزولا باتجاه مرفأ البصرة قبل أن يصعد باتجاه بغداد. ولدى كنيستهم الواقعة في ساحة الطيران ببغداد سجلات تعود إلى عام 1636. وقد كشفت عن وثائق تاريخية مهمة في ستات بيبلوتك ببرلين منذ ثلاثين سنة تشير إلى قوة العلاقة التي كانت تربط العراقيين بالأرمن إبان القرن الثامن عشر، وخصوصا بعد فشل حصار الموصل عام 1743 والذي قادة نادرشاه، اذ تعلمنا تلك الوثائق عن ازدهار الأسواق التجارية الدولية والإقليمية والمحلية في كل من بغداد والموصل والبصرة.. ويتحدث اغلب الأرمن في العراق باللغة الارمنية وبلهجة غربي أرمينيا.

الخصوصية والمثابرة

لم يكونوا أدوات للآخرين للإضرار بالعراق، إذ ليست لهم أية صلات سياسية أو إيديولوجية بأرمينيا ولا بغير أرمينيا، فعواطفهم مع العراق لا مع غيره أبدا.. وبالرغم من وجودهم في العراق منقسم بين أرمن ارثودكس وأرمن كاثوليك.. إلا أن الناس في العراق، لا تهتم لمثل هذه التقسيمات التي لم تكن إلا في أروقة الكنائس، إذ يعتبر الأرمن طيفا جميلا يتعايش سلما وبحيوية بالغة مع المجتمع العراقي، وليس له الا ان يكون منتجا في خدمة المجتمع وليس عالة عليه، ناهيكم عن ان هذا " الطيف " لا دخل له لا في السياسة ولا الأحزاب ولا يطمح لأي منصب ولا لأي جاه في الدولة وهنا أتكلم بشكل عام، ويمكن استثناء حالات فردية لانضواء بعض الأرمن في الأحزاب اليسارية، وخصوصا الحزب الشيوعي العراقي وعلى رأسهم المناضل العمالي الصلب آرا خاجادور الذي كان له تاريخ رجولي في الحركة النقابية العراقية، فضلا عن المناضل سركيس بدروسيان الذي يحدثنا عنه الصديق ليث الحمداني في مقالة له وهو يصف عمق وطنية سركيس الذي كان يردد قائلا: " انا عراقي أرمني وليس أرمني عراقي "!
إن الارمني العراقي يحترم ذاته ويريد البقاء والحفاظ على كرامته.. والمشهور عن الأرمن اعتزازهم بنفسهم وبقوميتهم وتراثهم وشرفهم وأخلاقهم.. فهم لا يريدون أن يسببوا أية مشكلة لأحد، ولا يريدون من هذا الأحد أن يسببّ مشاكل لهم.. إن اندماجهم في المجتمع العراقي يشابه إلى حد كبير اندماج الأرمن في كل من سوريا ولبنان.. بل يتمتع الأرمن العراقيون ببقائهم محافظون على لغتهم الارمنية التي يتحادثون بها في بيوتهم، ولهم أيضا مدارسهم الخاصة التي ترعى أبناءهم وتعمل للمحافظة على تراثهم وفولكلورياتهم التي يعتزون بها اشد الاعتزاز. إن الأرمن العراقيون يختلفون عن الأرمن اللبنانيين كون هؤلاء لهم دور سياسي من خلال حزبهم وحركتهم الفكرية، وقد ساعد على ذلك اختلاف الظروف الاجتماعية والسياسية بين كل من البلدين العراق ولبنان.

الأرمن وارتباطهم بالعراق

لقد امتلك الأرمن العراقيون حضوراً متميزاً في العراق، إذ امتازوا كحرفيين مهرة ومتخصصين أذكياء في حقول مختلفة من الصناعة والتجارة، وقد عرف عنهم أن أعمالهم تتميز بالدقة والنزاهة، كما وأنهم أصحاب كلمة، وان سجاياهم الإنسانية عالية جدا، فان قالوا كلمة أوفوا بعهدهم، وان وثقوا بالآخرين، منحوهم صداقتهم وولائهم.. وقد اشتركوا جنبا إلى جنب مع بقية أطياف العراقيين في الحرب والسلم دفاعا عن العراق، وشاركوا مشاركة فعلية في بناء الاقتصاد العراقي، ورفد الخدمات للعراق. ولعل سائل يسأل سؤالا مهما: لماذا تمتّع هؤلاء الأرمن في العراق بخصوصيتهم وبنفس الوقت نجاحهم ومنجزاتهم مقارنة ببقية الجماعات العراقية الأخرى؟ استطيع القول بأنهم بقوا في وجودهم بالعراق، كتلة اجتماعية واحدة غير منقسمة على نفسها، وأنهم قد عاشوا في المدن الكبيرة، فكانوا جميعا أبناء مدن ولم يكونوا أبناء ريف، فلم يهمشوا أبدا , لم ينظر إليهم نظرة دونية.. إن الأرمن تعلقوا بالعراق وطنا وترابا، ولم تشغلهم السياسة أكثر من انشغالهم بالمجتمع.. صحيح أن لهم استقلاليتهم، لكنهم لم يتدخلوا بالشأن العام، أو يصطدموا مع الدولة.. فبقوا يحافظون على هويتهم. صحيح، أن قلة نادرة منهم انتمت إلى أحزاب سياسية، ولكن لم تصطدم هذه الجماعة بأي نظام سياسي في العراق. لقد تعرّضت واحدة من العوائل الارمنية في بغداد إبان السبعينيات أسوة ببقية العوائل العراقية الأخرى إلى هجمة ما سمي بابي طبر الذي شكّل ظاهرة مخيفة في العاصمة وقت ذاك لقتله عائلات بكاملها ليلا والتمثيل بجثثها.. ومن دون اية أسباب! وقد أثارت تلك الظاهرة المبيتة الرعب في المجتمع العراقي، وخصوصا في بغداد والمدن الكبيرة.
اذكر أن استياء الأرمن كان كبيرا من قرار نظام الحكم السابق بغلق مدارسهم الخاصة الأهلية، ودمجها بالمدارس الحكومية، ولم يراع مشاعرهم القومية التي يعتزون بها كثيرا، ويريدون من أبنائهم وبناتهم أن يتعلموها، ومن حقهم الطبيعي أن يتعلموها، وأنهم لا يمكن أن يتعلموها في مدارس حكومية أبدا، بل في مدارس خاصة بهم، ولم تكن مدارسهم تعمل إلا ضمن مناهج وزارة التربية والتعليم، وتخضع في مسؤولياتها لمديريات التربية والتعليم في العراق وأجهزة الرقابة والتفتيش عليها. لقد بقي القرار ساري المفعول طوال سنوات الحكم السابق حتى سقوطه، فكان أن عادت الحياة إلى مدارسهم الخاصة.

الخاتمة والنهايات
ماذا اخلص بعد هذه الجولة في تاريخ الأرمن العراقيين وتكوينهم؟ ماذا انتهت إليه الأحوال هذه الأيام؟ ما الذي يمكن فعله من اجل هذا الطيف العراقي الرائع؟ ولا يمكنني أن اختتم هذه " الرؤية " من دون الوقوف على المحنة التي تلم بالأرمن وكالتي يجتازها كل العراقيين اليوم.. ومتى تنفرج الأمور وتهدأ الأحوال وتستقر الاوضاع. فما نوع المحنة التي تعرض لها الأرمن في العراق مؤخرا؟

الاضطهاد الأخير

لقد دفع الأرمن العراقيون أسوة بغيرهم من العراقيين النجباء، أثمان باهظة من حياتهم ودمائهم وتشرّدهم على امتداد تاريخ طويل من وجودهم. ولعل مأساتهم التاريخية تشكّل خصوصيتهم التراجيدية ليس في العراق وحده، بل امتدت مع وجودهم عبر التاريخ.. وكان تشرّهم التاريخي ديسابورا حقيقية عند مفصل القرنين التاسع عشر والعشرين.. قاد موجات كبرى منهم إلى الفناء حتى وصلت بقاياهم نحو الجنوب، ليستقر من بقي منهم على قيد الحياة في العراق، إذ رحب بهم العراقيون ترحيبا خاصا، وشاركوهم عواطفهم ومآسيهم، فوجد الأرمن في العراق أهالي لهم، وملاذا مطمئنا، ووطنا خصبا بديلا، وبلدا آمنا، ومجتمعا راقيا حماهم من كل غوائل التمزق والضياع.. وخّلصهم من كل تحديات البطش القاتلة، ومن قسوة القبائل الهمجية التي لاحقتهم. لقد استقروا في العراق وتجنسوا فيه، وأحبوه حبّا جمّا، وتخبرنا الروايات المختلفة أنهم قد تجانسوا مع كل تكوينات السكان الاجتماعية، فخدموه خدمات رائعة.. لكنهم اليوم يعانون ومنذ سقوط النظام السياسي السابق معاناة كبيرة لا يسمع الناس بها أبدا، فهم يؤثرون الصمت حفاظا على من تبقى منهم.. لقد خدم كل أولادهم في صفوف الجيش العراقي أسوة ببقية أبناء العراق، وامتزجت دماؤهم مع كل دماء العراقيين.. وكانوا هم أيضا مادة عراقية لخدمة العلم، ووقودا في الحروب سواء في حرب العراق وإيران 1980 – 1988 على مدى ثماني سنوات، أو حرب عاصفة الصحراء 1991، أو مآسي الحصار إبان التسعينيات ومرورا بحرب 2003 وانتهاء بمعاناتهم من حرب الإرهاب والتفجيرات والقتل والتهجير حتى اليوم.

دياسبورا جديدة

لقد تعّرض العراقيون الأرمن إلى الاضطهاد في خضم موجات الإرهاب الدموية التي اجتاحت العراقيين في السنوات الأخيرة على عهد الاحتلال، أي أنهم كانوا مادة دسمة للقتل والتهجير أسوة بغيرهم من سكان العراق.. وقتل العديد من أبنائهم وبناتهم، فكان أن بدأت هجرتهم المأساوية من جديد تاركين مالهم وحلالهم من بيوت وأراض ومزارع ومعامل ومحلات وأسواق.. إلى المجهول، بل غدا بعضها عرضة للتسيّب وبطش الآخرين. لقد فرغت مناطق بأكملها في العراق منهم، كما تعرّضت كنائسهم ومدارسهم للهجوم والتنكيل بالرهبان والقسس وخطف البعض منهم وفقد نهائيا ولم يعثر عليه.. كما ترك العراق حوالي 3000 أرمني عراقي في حين بقي حوالي 15 ألف آخرين داخل العراق حتى عام2007م. حيث يقدر عدد الأرمن العراقيين الذين نزحوا إلى سورية بعد احتلال العراق عام 2003 بحوالي ألفي ارمني، بينما ترك العراق 1000 أرمني توجهوا إلى أرمينيا في حين ترك العراق الى الاردن حوالي 500 شخص. كما قتلت أكثر من سيدة ارمنية في أكتوبر2007 / تشرين الأول عندما أطلق عليهن حراس أمنيون خاصون لشركة أسترالية النار في منطقة المسبح في بغداد.
واعتمادا على تقرير مهم صادر عن واحد من مراجعهم، جاء فيه: لقي ما لا يقل عن 45 أرمنيا مصرعهم منذ سقوط النظام السابق عام 2003 في أعمال عنف طائفية أو إجرامية، وقد تعرض 32 منهم للخطف مقابل فدية مالية لا يزال اثنان مهم في عداد المفقودين. ويؤكد مصدر أعلى، وهو من مراجعهم الارمنية قائلا: أن عمليات الخطف توقفت عام 2008. وكان في أواخر عام 2004، أضرم مهاجمون النار في كنيسة للأرمن تم تشييدها حديثا في مدينة الموصل قبل تدشينها بأيام. وللكنيسة الأرمنية مدرسة ومقبرة تبلغ مساحتها حوالي نصف هكتار.

صامدون ومثابرون

ولم يزل هناك من الأرمن الصامدين الذين لم يبرحوا العراق أبدا، ويصر بعضهم على البقاء والالتصاق بالتراب حتى لو طاله القتل ـ كما تخبرنا مقالة واثق الغضنفري ـ فهم متعلقون بوطنهم. فمثلا كانت هناك 225 عائلة ارمنية تسكن الموصل قبل 2003... اما بعد 2003، فلم يبق إلا حوالي 10 عائلات فقط قبل ثلاثة أعوام. ولقد حصلت على معلومات خاصة من أعلى المصادر الارمنية في العراق تقول بأن إحصائية للأرمن الموجودين حاليا فعليا في الموصل هم 45 عائلة فقط وكل عائلة تتكون من 2 شخص في البيت... أما الباقون، فقد آثروا الهجرة إلى خارج العراق والقسم الآخر أصبح متشتت بين القرى المسيحية في سهل نينوى... هذه الإحصائية من رئيس طائفة الأرمن... وبخصوص الحلة!!! هناك لدى الأرمن أراضي خاصة لهم من قديم الزمان وقبل الهجرة، اذ سكنوا في تلك المناطق انذاك واليوم أصبحت للوقف لان كل اهلها وناسها سافروا إلى خارج العراق وبقيت الأراضي وقف. ويقول الارشمندريت ناريغ اشكانيان (63 عاما) بينما كان احد الكهنة يسجل آخر الولادات والوفيات في صفوف الطائفة، " نحن هنا لنبقى فهذه أرضنا أيضا، رغم ما نواجهه من مصاعب في بعض الأحيان". ويبلغ عدد أفراد الطائفة حاليا نحو 12 ألفا بينهم سبعة إلى ثمانية آلاف في بغداد، فيما يبلغ عدد السكان في العراق 29 مليون نسمة.

وأخيرا: منوال التشظي

أود هنا القول، بأن الأرمن كانوا وما زالوا عراقيين، فهم متجنسّون عراقيا، وليس هناك كائنا من كان أن يبخس حقهم المشروع في العراق، أو أن ينفي دورهم التاريخي في خدمة العراق والعراقيين، أو يلغي مواطنتهم العراقية الصرفة.. فضلا عن كونهم لم يتقدموا بأية مطالب.. ولم نشهد وجود أي أرمن جدد يطالبوا بتجنيسهم. إن تشرّدهم اليوم في أماكن عدة في العالم أسوة بغيرهم من العراقيين الآخرين، يشكّل نكسة مريرة للمجتمع العراقي الذي اختلف بين الذي كان عليه في بدايات القرن العشرين عندما استقبلهم ورعاهم، وبين بدايات القرن الواحد والعشرين عندما لم يقف معهم في محنتهم القاسية اليوم! إن مناشدات عدة تأتي من راعي كنيستهم بطريرك الأرمن يطالبهم فيها بالبقاء في العراق وان يحفظوا وجودهم وموروثهم الخصب، وان يستمروا في خدمة العراق، ويواصلوا مسيرة الابآء والأجداد، وخصوصا ذاك الذي قدموه للعراق والعراقيين في القرن العشرين.

انتهت.

سيّار الجميل GMT 16:00:00 2010 الثلائاء 26 أكتوبر

0 تعليقات::

إرسال تعليق