الأربعاء، 4 مايو، 2011

الأحوال الشخصية في لبنان: أية مرجعية؟ أي مسار حقوقي؟

ناشطون أمام البرلمان يطالبون بإقرار الزواج المدني. (أرشيف "النهار")


لطالما افتقرت أنظمة الأحوال الشخصية إلى نظرية حقوقية عامة في سبيل تفسير مضامينها وتبايناتها وإجراءاتها ومفاعيلها، وبخاصة مرجعياتها في البناء الحقوقي العام.
أُدرجت غالباً أنظمة الأحوال الشخصية في كليات قانون (ولا نقول حقوق) في لبنان والمجتمعات عربية عامة في إطار القانون الخاص المتعلق بالعائلة وأهملتها تالياً من أقسام القانون العام. يتمظهر الافتقار إلى نظرية عامة في مؤلفات لبنانية وعربية في القانون الدستوري حيث مُؤلفون، عندما يتطرّقون إلى بعض المواد في الدستور اللبناني (9 و10 و19) وفي دساتير عربية عامة حول الأحوال الشخصية يُسارعون إلى إدراج الموضوع في إطار مصطلح "الطائفية" وإيديولوجيات الرجعية والتقدمية حول أشكال إدارة التنوع الديني والثقافي.

تطور البحوث المقارنة

المحامي والأستاذ الجامعي والباحث إبراهيم طرابلسي في كتابه الصادر حديثاً بعنوان "أنظمة الأحوال الشخصية، في لبنان: بين الأصالة والتحديث" (دار صادر) يجمع البُعدين النظري والتطبيقي في خبرة جامعية وحقوقية يومية في منازعات الأحوال الشخصية. انه يُؤسس لمرجعية لبنانية وعربية وعالمية في أنظمة الأحوال الشخصية التي هي إطار دستوري في إدارة التعددية الثقافية والدينية وهو إطار يندرج في منظومة الأنظمة الفيديرالية الشخصية أو الإدارة الذاتية على أسس شخصية.



يُشكل المؤتمر الرابع لـ "منتدى الفيديراليات" الذي عقد في نيودلهي في 4-8/11/2007، بمشاركة أكثر من خمسمئة من المهندسين السياسيين والباحثين في العلم الدستوري المقارن من كل القارات والذي اختتمت أعماله رئيسة جمهورية الهند، تحولاً جوهرياً في البحوث حول فاعلية مختلف الأشكال الدستورية في إدارة التنوع. عنوان المنتدى: "الوحدة في التنوع: التعلم من بعضنا البعض".
منذ المؤتمر الأول الذي عُقد في مورا Morat (سويسرا)، افتتاح معهد الفيديرالية في كانون الأول 1984، بالتعاون مع الجمعية الدولية للعلم الدستوري، حصل تطور بارز في توسيع مفهوم الفيديرالية التي لا تقتصر على تقسيمات جغرافية، بل قد تكون على أُسس شخصية في الحالات حيث الأقليات الثقافية غير متمركزة في مناطق محددة، وذلك استناداً إلى التراث الدستوري العثماني. هذا التراث عربي، وإسلامي أيضا، وعلى أساسه تمكنت الإمبراطورية العثمانية لأكثر من أربعة قرون من حكم مناطق شاسعة متعددة الدين والمذهب والإثنية.
ضربت الأنظمة العربية بدرجات متفاوتة، باستثناء لبنان، التقاليد الدستورية في الفيديرالية الشخصية (أنظمة الملل، حرية التعليم للمؤسسات الدينية...) بحجة تحقيق الاندماج، أو بالأحرى "الانصهار" أي بقوة الحديد والنار. وترافقت الإيديولوجيات الاندماجية القسرية عربياً مع ذهنية الاستيلاء على الأرض بين مجموعات دينية وتقاسم السلطة جغرافياً ومذهبياً بشكل يتخطى مجرد التنافس الانتخابي النيابي والبلدي. أدى ضرب التقاليد الدستورية العربية بعد عهود ما سُمي التحرر إلى تفكيك مساعي الوحدة وإلى تأزيم العلاقات بين الشعوب. وليس في المنطقة العربية تقاليد في الفيديرالية الجغرافية.

خمسة ضوابط حقوقية

إن الإدارة الذاتية الحصرية، في بعض الأنظمة في العالم وحسب المادتين 9 و10 من الدستور اللبناني، يجب أن تتضمن في سبيل انتظامها ستة شروط على الأقل:
1. أن تكون محددة لبعض القضايا.
2. أن تكون متساوية أي أن لا يطغى أي نظام خاص في الأحوال الشخصية على آخر في حال تنازع بينها كما هو الحال في لبنان.
3. أن تتولى هيئات مركزية ضبط المعايير بشأنها. يُذكر في حالة لبنان دور محكمة التمييز في قضايا الأحوال الشخصية والدور الناظم لوزارة التربية والتعليم العالي.
4. ضرورة توفر مخرج بحيث لا يجوز إرغام شخص على الانتماء إلى مجموعة أو طائفة.
5. أطُر لامركزية إدارية فاعلة في سبيل تسريع عملية التقرير التي قد تتعطل بسبب تجميع القضايا داخل السلطة المركزية وإدخال هذه القضايا في صراع على النفوذ.
6. ثقافة المجال العام العابر للطوائف للحؤول دون الانغلاق.

حماية الحقوق الثقافية

منذ الخمسينات من القرن الماضي، ألغت سلطات عربية الحق الممنوح للطوائف في إنشاء مدارسها الخاصة، إما من طريق تأميم التعليم، وإما من طريق مُراقبته بصورة مباشرة. لم يُؤد ذلك إلى اندماج ثقافي اكبر. وكذلك ألغي تدريجياً التمثيل النسبي المضمون في المجالس السياسية والإدارات العامة. أما في ما يتعلق بنظام الأحوال الشخصية، فإنه لا يتمتع بالمساواة مع الشريعة الإسلامية، باستثناء حالة لبنان حيث لا تحظى أية طائفة بأي تفوق على طائفة أخرى في ما يختص بنظام الأحوال الشخصية الخاص بها، الأمر الذي شجّع على تراجع التحايل على القانون.
وأوجد النظام اللبناني، من حيث المبدأ، كما يورد إبراهيم طرابلسي، وسيلة عملية خلال الانتداب الفرنسي لتطبيق فيديرالية شخصية منفتحة أو غير مُغلقة عندما لحظ، بموجب القرار 60 ل.ر في 13 آذار 1936، إنشاء طائفة الحق العام التي لا تعرف التشريعات العثمانية وجودها. فالذين لا ينتمون إلى طائفة، أو الذين يرغبون في التخلي عن انتمائهم الأصلي بالولادة، يمكنهم الانضمام إلى مجموعة الحق العام التي هي طائفة غير مذهبية.
أن نشوء إسرائيل، على أسس دينية، وبتحويل الدين إلى قومية صهيونية، يدخل تقسيماً جغرافياً وهندسة شعوبية ويخلق مأزقاً داخل الدولة العبرية ذاتها وفي علاقاتها مع محيطها المباشر، في فلسطين المحتلة، وفي محيطها الإسلامي والمسيحي المجاور. وأعادت حروب لبنان في 1975-1990 إحياء مشاريع تقسيم جغرافي لما لا ينقسم.
لكنه يقتضي اليوم العمل على عصرنة ودمقرطة أنظمة الأحوال الشخصية في لبنان والمنطقة العربية عامة في اتجاهين: نحو جعل هذه الأنظمة أكثر مساواة في الحالات حيث تفتقر هذه الأنظمة إلى المساواة، وجعلها منفتحة بشكل يحق فيه لكل شخص الانتماء إلى نظام مدني اختياري في الأحوال شخصية. الكتاب الجديد لإبراهيم طرابلسي هو المدخل لعلم دستوري مقارن ونظرية حقوقية معاصرة لأنظمة الأحوال الشخصية.
ليس عمل الباحث والمحامي والأستاذ الجامعي إبراهيم طرابلسي مجرد إغناء للمعرفة الحقوقية، بل المدخل لثقافة دستورية وحقوقية تُعالج إشكاليات عديدة من الحياة العامة في لبنان حيث، فكراً وممارسة، نحن غالباً متأرجحون في فدرلة جغرافية مُستحيلة في حين يقتضي التقيد بموجبات الميثاق اللبناني فدرلة شخصية لها شروط ومرتكزات في إطار نظرية فصل السلطات.

قلق ودعوة إلى الجدّية

ما يُميّز كتاب إبراهيم طرابلسي مرجعيته الدستورية استناداً إلى أحدث الأبحاث المقارنة، وشُموليته مختلف جوانب الأحوال الشخصية، واعتماده على الخبرة الطويلة والمعاشة في المحاكم المذهبية وشؤون العائلة، وأمانته لتراث قضائي لبناني عريق أُهمل غالباً في البحوث، ومُقاربته التحديثية لمنظومات حقوقية هي اليوم عنصر نقاش واسع على المستوى العالمي.
لطالما في لقاءاتي مع القاضي الكبير منح متري شجعته لنشر خبرته في محكمة التمييز في شؤون الأحوال الشخصية. منح متري هو من ابرز المنظّرين لمفهوم النظام العام من خلال اجتهادات رائدة. يذكر طرابلسي العديد من اجتهادات منح متري، بخاصة في إطار دراسة رقابة الهيئة العامة لمحكمة التمييز على الإحكام المذهبية والشرعية.
مما يقترحه المؤلف إنشاء غرفة خاصة في محكمة التمييز للنظر في الاعتراضات المقدمة إليها استناداً لأحكام المادة 95 من قانون أصول المحاكمات المدنية الجديد (اعتراضات على الإحكام والقرارات المذهبية لأسباب تتعلق باختلاف ايجابي أو سلبي على الاختصاص). قدم المؤلف الاقتراح بتكليف من هيئة تحديث القوانين في مجلس النواب برئاسة النائب السابق أوغست باخوس. وفي مجال انفتاح أنظمة الأحوال الشخصية يُورد المؤلف، مضموناً وتفصيلاً وتحليلاً، مشروع الرئيس الياس الهراوي: الذي لا يقتصر على الزواج بل على مفاعيله في العائلة عامة والإرث.
كتاب طرابلسي دعوة إلى الجدية في مقاربة أنظمة الأحوال الشخصية: ولماذا الجدّية؟ بسبب حالات التهرب من القانون، وإبدال الدين والمذهب لأسباب لا علاقة لها بالإيمان، والنزاعات الناشئة عن اختلاف الدين، وضرورة حماية الطفولة... كتاب طرابلسي يؤسس لدراسات قضائية مقارنة حول الإدارة الديموقراطية للتعددية الدينية.
في المجتمعات العربية الأخرى غير لبنان الأزمة أكثر تفاقماً.    ما يُبرر قلق المؤلف ودعوته إلى الجدية أن قواعد حقوقية بديهية في الحرية والمساواة والممارسة الإيمانية والموجبات العائلية منتهكة في حالات التحايل على القانون.
المنطلق العلمي والاستنتاجي الذي يؤسس له طرابلسي في دراسة أنظمة الأحوال الشخصية دستوري وحقوقي وعائلي بعيداً عن مقاربات إيديولوجية وعقائدية وسياسية وسجالات تقليدية رائجة. هذا المنطلق هو بطبيعته عابر للطوائف لان مرجعيته مفهوم النظام العام في قضايا الأحوال الشخصية في الأنظمة الفيديرالية الشخصية.

بقلم أنطوان مسرّة  - عضو المجلس الدستوري – النهار 4 أيار 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق