الثلاثاء، 24 مايو، 2011

الأفكار الاقتصادية لدى أرسطو (384 - 322 ق.م)

أرسطو
عرف الفكر الاقتصادي في اليونان القديم تطوراً ملحوظاً في القرن الخامس الميلادي، نتيجة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت في أثينا، ونتيجة للتوسع الكبير الذي حدث في أثينا والبنية السياسية الديمقراطية التي سادت في تلك المرحلة "ديمقراطية السكان الأحرار". وهذا ما كان مسيطراً على حركة الأفكار سواء ما جاء به أبناء أثينا أو ما جاء به الأجانب الذين استضافتهم. ولكي نعيد بناء الإيديولوجية والنظام الاقتصادي لدولة أثينا، نجد أنفسنا ملزمين أن نستقي ذلك من أعمال أفلاطون وأرسطو والفلاسفة والمفكرين العظماء في الحضارة اليونانية، بل وأحياناً لا بد من العودة إلى الفلسفة والشعر والأدب اليوناني. وتنظيم هذه الأفكار حول أهم الظواهر والمشكلات الاقتصادية والفعالية والنشاط الاقتصادي لدى المجتمع اليوناني.

لقد حاول أرسطو أن يقف وقفة تحليلية أمام بعض المشكلات والظواهر الاقتصادية. ولذلك يعد أرسطو أول المفكرين القدماء الذين أعطونا ما يمكن تسميته "بذور نظرية اقتصادية" تقوم على تحليل الظواهر والمشكلات المتعلقة بالنشاط الاقتصادي. أي أنه دفع الاقتصاد دفعة قوية نحو الأمام في سبيل أن يصبح علماً متميزاً ومستقلاً ومتكاملاً، على الرغم من أنه لم يتمكن من جعل الاقتصاد علماً مستقلاً. ( )
1 - اختلاف أرسطو عن أفلاطون:
نلاحظ أن أرسطو يختلف في عدد من الأمور مع معلمه أفلاطون، ويرى أرسطو أن جمهورية أفلاطون غير قابلة للتطبيق وغير إنسانية أو سعيدة، وخاصة ما يتعلق ببعض المبادئ التي نادى بها أفلاطون مثل: مشاعية النساء والأملاك بالنسبة للطبقة الحاكمة والجنود، تقسيم المجتمع وبشكل حاد إلى طبقات، التضحيات التي كان يطلبها المجتمع من كل مواطن. ويحاول أرسطو التأكيد على الشروط العامة التي تؤمن حسن سير العمل في "المدينة"، بدلاً من فرض نظام سياسي دقيق ومحدد كما يفعل أفلاطون. ويسعى أرسطو لأن يقيم ما هو أكثر من مدينة عادلة على غرار أفلاطون، أنه يسعى إلى إقامة مدينة عادلة وسعيدة. "وهو يرى أن السعادة تكمن في الممارسة الكاملة للفضيلة".
أما بالنسبة للشروط العامة التي يحددها أرسطو لتؤمن حسن سير العمل في المدينة وجعلها سعيدة فهي: امتداد معتدل، أراض محدودة بحيث يسهل الدفاع عنها، وتمكن جميع الناس فيها أن يعرف بعضهم بعضاً، وضع جغرافي قريب من البحر لتأمين المواصلات وسهولتها. وتتغير هذه الشروط بتغير نمط الدولة: فحكم الأقلية يحتاج إلى قلعة، والديمقراطية تتلاءم مع السهول المنبسطة والمساحات الواسعة. ( )
لقد ظل أرسطو ضمن دائرة الصيغ التقليدية التي جاء بها من سبقه من الفلاسفة الإغريق. من خلال: مناصرته ودعوته للمدينة المحدودة "المقلصة"، وأن يبقى المواطن الحر متحرراً من سائر المشاغل اليدوية "العمل الجسدي" أو التجارية تحرراً كلياً، والأعمال الوحيدة التي أُعجب بها أرسطو هي المداولة والعدالة أو الجيش أو الدين، وهو يرفض الطغيان المفرط والملكية الناقصة، وهو هنا يربط بين الموضوع السياسي والموضوع الاجتماعي.
في حين كان أفلاطون خيالياً وفيلسوفاً شاعرياً خلط بين السياسة والأخلاق، نجد أن أرسطو منطقياً ونظامياً وعملياً في آرائه وأبحاثه ونظرياته. ونستطيع أن نوضح الاختلاف بين المعلم "أفلاطون" وتلميذه "أرسطو" وفقاً لما يلي: ( )
- لقد جعل أفلاطون الأخلاق علماً أساسياً وعد السياسة فرعاً من فروعها، أما أرسطو فقد عكس الأمر ونظر إلى السياسة على أنها علم العلوم أما الأخلاق والاقتصاد فعدّهما فرعين في فروع السياسة تهدف إلى إسعاد الجماعة البشرية.
- كان أفلاطون مؤمناً بحكم الأقلية التي تتصف بسمو مداركها وملكيتها للثروة، أما أرسطو فقد حدد أن أفضل أنواع الدول هي التي يشترك أفرادها اشتراكاً فعلياً في إدارة شؤون بلادهم عندما يكون ذلك بمقدورهم.
- أنكر "أرسطو" القاعدة التي تقول إن قوانين الدولة تطاع فيما إذا وافقت مصالح الأفراد، ونادى بضرورة إطاعة قوانين الدولة سواءً صادفت هوى في نفس الفرد أم لم تصادف. لأن الإنسان مدني بطبيعته. والدولة نظام طبيعي وضروري.
- (إن الحق والعدل موجودان طبيعياً. وإن وظيفة الدولة تطبيق هاتين القوتين "الحق والعدل" الطبيعيتين بما يتناسب مع حاجات الأفراد المختلفة، معدلة قواعدها العامة في بعض الأحيان حتى تمنع الظلم عنهم وتحقق الإنصاف بينهم). ( )
- نادى أفلاطون بالمساواة الطبيعية بين الرجل والمرأة، في حين يرى أرسطو أن هذه المساواة غير واقعية لأن المرأة في ذاتها أقل من الرجل.
- حاول أفلاطون إهمال دور الأسرة، ولكن أرسطو يمجد الأسرة ويرى فيها مجتمعاً بسيطاً يتم فيه تعلم الفضائل المدنية واكتسابها.
2 - الرقيق، الملكية، القيمة والنقود في فكر أرسطو:
أقر أرسطو وجود الرقيق، ذلك لأن الأفراد مختلفون في قواهم العقلية والفكرية، فخلق فريق منهم سيداً وخلق فريق آخر مسوداً رقيقاً. (ومن امتاز من الفريق الأول بالعقل وسمو الإدراك صلح للحكم، أما الباقي من هذا الفريق فعليه أن ينفذ أوامر الحكام ويطيع ما يصدرونه من أوامر وتعليمات). كما احتقر أرسطو كل المهن التي تتصل بإنتاج الثروة وقال: (إنها من أحقر وظائف الأسرة مع اعترافه بضرورتها). وخصص العبيد والأجانب "غير اليونانيين" للقيام بهذه الحرف والمهن. كما أكد على أن العمل في الزراعة وتربية الحيوان والصيد في البر والبحر أشرف من الاشتغال في التجارة. أما بالنسبة للربا "إقراض النقود بفائدة" فلم يقره أرسطو وعدّه عملاً منافياً للعدالة. وهو يرى (أن توزيع الثروة بين الأفراد من العوامل الهامة التي تؤثر في شكل الحكومة، كما أن مهنتهم تؤثر في كفايتهم وخطتهم السياسية، وأن الثورات ما هي في الغالب إلى مشاحنات بين الذين يملكون الكثير من الثروة والذين لا يملكون إلا القليل منها). ( )
انتقد أرسطو الآراء التي كانت تنادي بإلغاء الملكية الخاصة، واستبدال نظام الملكية الجماعية أو المشاعية به. ذلك لأن النظام الجماعي أو المشاعي – حسب رأيه – يؤدي إلى منازعات بين الأفراد حول توزيع ما ينتجونه من سلع وخدمات فيما بينهم، وهذه المنازعات قد تؤدي بالنظام إلى انحلاله وسقوطه.
ويفضل أرسطو نظام الملكية الخاصة فيترك لكل فرد حرية تملك الأموال لأن هذا النظام يعتمد على حب كل فرد لذاته، فيسعى كل فرد لتنمية ملكيته وإنتاجه، ولكن يجب إدخال اعتبارات الأخلاق بأن تقوي لدى الملاك الشعور بمسؤولياتهم في مواجهة غير الملاك فيستخدمون بعض ما ينتجونه من أموالهم لمساعدة من لا يملكون. فمن الخير إذن أن تكون الملكية خاصة على أن يوجه الملاك إلى استخدام ما ينتجونه استخداماً يفيدون به الجميع بفرض بعض المبادئ الخلقية عليهم. ( )
ثم توصل أرسطو إلى ما يمكن أن نسميه نقطة البدء في بحث نظرية القيمة التي تحتل مكاناً بارزاً في الاقتصاد السياسي. حيث ميز أرسطو بين نوعين من القيمة لكل سلعة هما القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية. وأوضح أن كل سلعة (رأس ماشية مثلاً) تكون لها قيمة استعمالية تنتج عن عملية استخدام هذه السلعة في إشباع الحاجة الإنسانية لمنتج هذه السلعة. كما أن للسلعة (رأس الماشية) قيمة تبادلية وهي ما نحصل عليه من سلع في السوق نتيجة لمبادلة رأس الماشية بالسلع التي يحتاج إليها مالك هذه السلعة.
ومن الموضوعات الهامة التي بحثها أرسطو موضوع نشأة النقود ووظائفها والأساس الذي تستمد منه قبولها بين الناس. وفي رأيه أن الناس في المراحل الأولى من التطور كانوا يلجئون إلى المقايضة، في عملية المبادلة لتحصيل كل منهم على ما يلزمه لتلبية حاجاته عن طريق مبادلة الفائض عن حاجته من السلع التي أنتجها مباشرة بالسلع التي تفيض من إنتاج الآخرين (سلعة مقابل سلعة، قمح مقابل قطعة قماش). ولتسهيل عملية المبادلة والتغلب على المشكلات والصعوبات التي تواجه الأفراد في عملية المقايضة، تم التوجه لاختيار سلعة من السلع وجعلها وسيطاً للمبادلة فيما بينهم، فنشأت بذلك النقود وكانت تلك السلعة التي اختيرت من المعادن وكانت توزن في كل عملية من عمليات المبادلة لتحديد وزنها. وتطورت النقود ثم أدرك أرسطو أن للنقود وظيفة أساسية كونها وسيطاً للمبادلة ووظيفة ثانية أنها أداة لقياس قيم السلع المختلفة، ووظيفة ثالثة، وهي كونها أداة نحتفظ بوساطتها بمدخراتنا (مخزن القيم). وحسب رأي أرسطو إن النقود إنما تقبل بين الناس بسبب القيمة التي تكون المادة التي تصنع منها. وقرر أرسطو أن الاحتكار غير عادل لأنه يقوم على استغلال البائع للمشترين. ( )
ولم يكن هناك تجديد كبير في " المدينة" المبنية على الشروط التي ينادي بها أرسطو بالمقارنة مع مدينة "أفلاطون" حيث نلاحظ أن مدينة أرسطو موصوفة كما يلي: "هناك شعب من الشغيلة يغذي نخبة من المواطنين هم في الوقت ذاته المحاربون والذين يؤلفون المدينة وحدهم. ولم يقترح هنا أي (دستور) خاص". وبالمقابل بما أنه من المتفق عليه أن ليس لأحد من المواطنين فوقية على سواه تمنحه الحق في أن يختص بالسلطة فإن الأمر الهام هنا هو الاهتمام بتحسين النسل، والرقابة على الولادات، وغذاء الأطفال وتربيتهم، وتعليمهم. لذلك نجد أ ن أرسطو يولي التقنية والأخلاق اهتماماً أكبر من الاهتمام بالنصائح السياسية الخالصة.
الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
جامعة دمشق – كلية الاقتصاد

( )- د. لبيب شقير،.
( ) - أنظر: جان توشار، ص70-71.
( ) - أنظر: يوسف جميل نعيسة، المصدر السابق، ص114-116.
( ) - المصدر السابق، ص116.
( ) - المصدر السابق، ص118.
( ) - أرسطو، السياسة، الكتاب الثالث، الفصل 9.
( ) - أنظر: د. أحمد درغام، ص26-27.

مصطفى العبد الله الكفري - الحوار المتمدن - العدد: 1017 - 2004 / 11 / 14

0 تعليقات::

إرسال تعليق