الثلاثاء، 24 مايو، 2011

نحو تحديد نظري لمفهوم الهوية

ترى: ما الذي يجعل جماعة من البشر، تعد بمئات الملايين تطرح على نفسها منذ أزيد من قرن سؤال الهوية؟
لماذا العرب مسكونون بهاجس الهوية، ولا يكفون عن طرح السؤال: من نحن؟ أتراه سؤالاً حقيقياً أم سؤالاً زائفاً؟ سؤال تقدم أم سؤال أزمة؟ سؤال حرية أم سؤال تسلط؟
سؤال الهوية المطروح علينا، ليس سؤالاً مجرداً عن مفهوم الهوية منطقياً، انه سؤال ثقافي سياسي إيديولوجي بامتياز.
غير أننا لا نستطيع أن نحلل تلك العلاقات التي ينطوي عليها سؤال الهوية دون التحديد النظري لهذا المفهوم. والبحث في تعدد دلالاته، ومعانيه وتعيين وظائفه.

الهوية مفهوماً: ما يتقوم به الشيء صفة أو صفات أساسية ثابتة لا يكون الشيء المتعين شيئاً إلا بها. إنها الصفات الجوهرية الثابتة التي تقوم بعامل التميز. الهوية ـ إذاً ـ بقدر ما هي تعبير عن الثابت، هي في الوقت نفسه تعبير عن الاختلاف، لأنها حقل تمييز، والتمييز هو تحديد الاختلاف.
ولسنا واجدين أية مشكلة ذات شأن عندما يتعلق الأمر بهوية الأشياء والحيوان، فمهما اختلف حول هوياتها يظل الاتفاق هو السائد.
فمن ذا الذي ينكر أن النهر مجرى من الماء ينبع من مكان أو أمكنة ثم يصب في مكان آخر، إن صفات ثانوية للنهر قد تميز نهراً عن نهر دون فقدان ماهية النهر كالطول والعرض واتجاه المصب... الخ.
بل حتى لو حددنا الإنسان المجرد دون أصل وفصل من حيث هويته الكلية لا يكون هناك اختلاف حتى لو اغتنى بصفات متعددة. فالغنى لا ينفي الاتفاق على تحديد هوية الإنسان المجردة، كالنطق والتفكير والضحك والإبداع والشعور بالجمال... الخ.
تتعقد ـ أمامنا ـ الهوية وتغدو مشكلة بسبب ارتباكها بالوعي. فتحول الهوية الإنسانية، اقصد هوية الإنسان إلى مشكلة بسبب وعي الإنسان لتعينه، ووعي تعينه ذاتي بامتياز.
ها هي الذات تحدد هويتها بوعيها لذاتها على نحو محدد. الذات هنا ليست مجرد فرد، أنها جماعة، جماعة تنطوي بالضرورة على أفراد يعون ذاتهم بانتمائهم للجماعة.
وهكذا تغدو أشكال الوعي الذاتي أشكالاً لوعي الهوية.
ليس مهما أن نسأل عن الأساس الموضوعي للوعي الذاتي. فقد يكون الوعي الذاتي وهماً من الأوهام. غير أن هذا الوعي الواهم قادر على أن يصنع هوية ووعياً بالهوية. المهم هو أن هناك دائما أساساً لإنتاج الوعي الذاتي بالهوية.
فإذا كانت الهوية ثمرة وعي ذاتي، فإن الوعي الذاتي وعي بذات تنطوي على جملة من الأبعاد. فحتى الوهم الذاتي لا يستطيع أن يظهر إلا بوجود ما يصدر عنه الوهم.
يحول الوعي الذاتي بالذات الهوية إلى مشكلة حين يصل وعي جماعة من الناس إلى أشكال متعددة من الوعي بالهوية، ويكون هناك اختلاف ونفي متبادل بين الهويات الموعى بها، وقد تتحول إلى أساس لتناقضات عميقة تؤدي إلى صراع إيديولوجي سياسي عنفي... الخ.
وتزداد المشكلة ـ اقصد مشكلة الهوية تعقيداً إذا انطوت الجماعة على عدة هويات في آن، وإذا انطوت على هويات مستيقظة وهويات نائمة قابلة للتيقظ في شروط محددة. وإذا انطوت على هويات سالبة لبعضها البعض. وإذا كان الوعي بالهوية وعياً «جوهرياً» ثابتاً.
ولما كان الوعي بالهوية يتكون تاريخياً ثم يلبس لبوساً لا تاريخياً عند بعض الجماعات، فإن أي تناقض بين التاريخ والهوية، الهوية التي صارت لا تاريخية ـ إيذان بظهور التعصب (الهوياتي) ـ والذي يجعل من كل هوية متعينة بجماعة عرضة لحشد ما لا حصر له من القيل الإيديولوجي، وغير الإيديولوجي والتعامل معه على انه حقيقة مطلقة بامتياز. وهذا هو الأصل في تحول الوعي بالهوية إلى وعي مفيد. ويغدو أكثر عناداً إذا ما كان الحشد الإيديولوجي اقتطاع فترة من التاريخي واعتبارها تاريخ الجماعة الحق.
إن تاريخية الهوية البشرية، هوية الجماعة الواحدة تحدد الهوية من حيث الثابت والمتحول فيها.
فالمكان واللغة بالنسبة لبعض الجماعات ثابت، والمتحول قيم وعادات ونمط حياة. غير أن شروطاً تاريخية، اجتماعية وسياسية وحضارية ـ كما سأبين ـ قادرة على أن تجعل المتحول ثابتا (هوياتياً) والثابت متحولاً.
ولعبة الوعي بالهوية لا حدود لها، سواء لدى الجماعات أو لدى الأفراد، أو لدى الأجيال، بل ولدى جيل واحد. وحقل اللعبة هنا مليء بالخيارات، وبخاصة إذا كان الحقل مزروعاً بالهويات الجاهزة. المتعايشة دون أن تحقق هوية واحدة ما انتصاراً ساحقاً على الهويات الأخرى دون أن تلغيها، بل تحولها إلى حالة من الضعف قابلة للنسيان.
وظاهرة النكوص (الهوياتي) لا تفهم إلا انطلاقا من فهمنا لحقل الهويات الذي تحدثت عنه، فحتى لو كانت هوية متوارية تحت التراب فإن البشر ـ لحاجات عملية ـ مصلحية قادرون على بعثها وإنمائها حتى لتغدو أحياناً وحشاً (هوياتياً).
وإذا ما انتقلنا من هذا التحديد النظري المجرد للهوية كما نرى إلى مشكلة الهوية في الوطن العربي لنطبق عليها ما كنا قد جردناه، فإننا لواجدون التعين الأكثر وضوحاً لما ذهبنا إليه.
وعندي أن الهوية لم تتحول إلى مشكلة في هذه المنطقة المترامية الأطراف إلا بسبب التاريخ الحديث والمعاصر الذي حال دون تكوين (الأمة ـ الدولة).
ماذا نعني بأن الهوية في الوطن العربي مشكلة:
المشكلة بالتعريف: تعدد إجابات تنطوي على اختلاف قد يصل حد التناقض عن سؤال واحد. والهوية مشكلة في الوطن العربي تعني تعايش عدة هويات وتناقضها معاً دون أن تنتصر هوية تجعل من الهويات الأخرى منتحية، أو نائمة أو غير مشعور بها.
فمن المعلوم أن المنطقة العربية تحتوي على أقوام (عرب، وكرد، أمازيغ، أرمن، وشركس). والعرب هم الأكثرية. من المنطقي والتاريخي أن تكون العروبة بما هي هوية دالة على التميز هي الهوية المنتصرة والسائدة على ما سواها من الهويات دون إلغاء الشعور بالهوية الإثنية لدى الأقوام الأخرى.
لكن الواقع لا يدل على انتصار كهذا وفق معيار الممارسة، فإلى جانب هذه الإثنيات كمصدر أساسي من مصادر الوعي بالهوية فإن هناك الدين، فالإسلام والمسيحية منبهان للوعي بالهوية بوصفها هوية دينية.
وداخل الإسلام، فإن الطوائف الدينية الإسلامية، تعيد إنتاج الهوية الدينية بوصفها هوية طائفية. كما تعيد الطوائف الدينية المسيحية إنتاج هويات مسيحية طائفية.
إلى جانب هذين النوعين من الهوية، فإن سكان شبه الجزيرة العربية والعراق وجزء من بلاد الشام، ما زالت الهوية لهم الناتجة عن وعي الأصل القبلي حاضرة بجلاء حتى لتكاد تتحول إلى الهوية الأكثر حضوراً وبروزاً.
فضلا عن ذلك، فإن السلط الحاكمة في المناطق العربية المتنوعة، تسعى جاهدة عبر الرموز والجنسية والحدود إلى تكوين هوية مناطقية باسم الدولة التي لا وجود لها في أية منطقة عربية بالمعنى الحقيقي للدولة. غير أن بعض الحمقى من أهل السلطان وكلاب حراستهم يزينون مثل هذه الهوية بالقيل الإيديولوجي الذي يبدأ بـ أولاً لبنان. أولاً الأردن. أولاً مصر أولاً... وهكذا...
فالإثنية والدين والطائفة والعائلة والمنطقة والسلطة المسورة بحدود سياسية أشكال من الهويات السائدة والمتناقضة والتي تحمل خطاباً إيديولوجيا مبرراً لكل هوية.
لتضمن كل هوية من هذه الهويات وموقعها من تشكل الوعي الإيديولوجي بها. نحن أمام وقائع لا مجال لنكران وجودها، ثم نحن أمام وعي هذه الوقائع وبخاصة الوعي الإيديولوجي.
العرب. البربر، الكرد، إثنيات لأقوام موجودة تاريخياً. دعك عن وعي كل أثنية عند أصحابها الذي يصل حد القول إن كل أثنية تشكل أمة.
يتحدد الوعي بالإثنية في المنطقة العربية بوصفه وعياً بالأصل أولاً. يقود الوعي بالأصل إلى تصور عرقي للهوية لا يعني أن يتأتى عن ذلك التصور عنصرية ما، لكن وعي الهوية بوصفها أصلا أثنياً يحول الأصل إلى طريقة في الوعي (الهوياتي) يأتي على مفهوم الأمة بوصفها هوية تقوم على الشعور المشترك.
فضلا عن ذلك، فإن بعض الأقليات الإثنية تعوّل على فكرة الأصل التاريخي القديم لتأكيد تمايزها التام عن الأكثرية. بل ويصل بها الحد إلى تنامي الشعور الشوفيني لديها تجاه الأكثرية التي تراها طارئة على مكان سكناها.
وليس هذا فحسب، فهناك أشكال من الوعي بالهوية تأسيساً على تاريخ قديم. فنصادف مهاجراً من حوران إلى جبل لبنان ليعلن انه ليس عربياً بل فينيقياً، ومصرياً أصله من اليونان ليؤسس وعيه (الهوياتي) بانتمائه إلى أجداده الفراعنة ويعلن مصر فرعونية.
وهكذا، صحيح أن هذا الوعي (الهوياتي) يظل محصوراً في ثلة من النخب التي ينمو لديها المتخيل العرفي الزائف، لكنه قابل لان يتحول في ظل الأزمات المسدودة الحلول إلى إيديولوجيا عنفية.
والحق أن كل هذه الهويات المتيقظة بدرجات متفاوتة هي التي تجعل من الهوية مشكلة في عالمنا العربي، عالم الهويات المتعددة. وتزاد المشكلة تعقيداً حين تتحوّل هذه الهويات إلى إيديولوجيات تعصبية أو عنفية، أو شوفينية بامتياز.
والهوية الإيديولوجية الشوفينية «المتعصبة أو العنفية» هي التي ترفع من شأنها بشكل مرضي وتستصغر شأن الهويات الأخرى وتتعالى عليها، فتتحول الهوية الشوفينية إلى هوية نافية للآخر وسالبة لحقه.
وفي هذا الأمر تستوي هوية الأكثرية مع هوية الأقلية. بل إن هوية الأقليات أكثر شوفينية لهويتها من هوية الأكثرية، ذلك أن تأكيد وجودها الصغير والضعيف يستدعي منها تعصباً مرضياً.
فدعوة بعض مثقفي الأمازيغ في المغرب إلى رحيل العرب من حيث جاؤوا شاهدا على تلك الصورة الشوفينية لهوية الأقلية. وحديث بعض المنتسبين إلى أحزاب طائفية في لبنان عن القيمة الكيفية للطائفة مقابل قيمة عددية لأخرى هو الآخر تعبير عن شوفينية مرضية. وقس على ذلك شوفينية الهوية القومية العربية عند بعض القوميين من حيث الإعلاء المطلق للعرب على باقي الأمم... والهوية الإسلامية السياسية التي تعود بنا إلى الماضي لتحقق في الحاضر.
والحق أن انتقال الهوية من حالة إنثربولوجية ـ إنسانية إلى حالة إيديولوجية معلم هام جداً من معالم الانحطاط الحضاري والأخلاقي والسياسي. إنها حالة أزمة واقع وأزمة وعي بامتياز. وليست الحركة الصهيونية إلا الشاهد الأمثل على همجية الهوية الإيديولوجية.
والعرب من الأقوام القليلة التي تشعر بأن هويتها معرضة للخطر من قبل غزو دائم للغرب، فتحول الغرب من دول ذات طبيعة استعمارية توسعية مسيطرة إلى دول تعادي هوية، مع غض الطرف عن السمة الأساسية للغرب. وهكذا يتحول الواقع الاستعماري الجديد إلى غزو ثقافي.
فمنطقة كالسعودية لا سيادة لها على سياستها ونفطها ومتحكم بقرارها أميركيا تبذل كل الجهود من أجل إظهار نفسها المدافعة الأكبر عن الهوية الإسلامية.
وحين أيقظ الاحتلال الأميركي للعراق كل الهويات النائمة في هذا البلد وشحذ بعض الهويات المتيقظة نشط القيل الإيديولوجي من قبل عملاء الاحتلال عن الهوية وصار العراق مسرحاً لصراعات هويات إيديولوجية زائفة.
وعندي أن النكوص التاريخي الذي يعيشه العرب اليوم والذي ملمحه الأساس صراع الهويات التي لبست لبوس الايدولوجيا، ليس مرده إلا عدم انتصار فكرة الدولة في الوطن العربي والاكتفاء بفكرة السلطة. واستمرار السلطة بلا دولة واحدة من أكبر الكوارث التي يعيشها العرب.
ذلك أن غياب الجوهر الحقيقي للدولة المعاصرة والتي تقوم على أساس المواطنة والمساواة، والاكتفاء بسلطة تؤكد التمايز (الهوياتي) وتحول الهوية إلى عصبيات متعصبة هو الذي يفسر لنا عدم انتصار الهوية الجامعة (هوية الدولة).
إن فكرة (الدولة ـ الأمة) على ما فيها الآن من طوباوية، هي الحل الأمثل لمشكلة الهوية في الوطن العربي.
فكما أن فكرة الدولة تخلق فكرة المواطنة والمساواة، فإن مفهوم الأمة يحقق حال الانتساب إلى الأمة، لكل المتعدد الهوياتي. إذ أن الأمة لا تنفي تعدد الإثنيات داخلها والهويات المستندة إلى الإثنية، بل إن (الأمة الدولة) ـ أو (الدولة الأمة) تغتني أكثر بحضور الهويات بالمعنى الإنثروبولوجي ـ الإنساني للكلمة وتقضي على شروط تحول الهوية إلى إيديولوجيا.
أما استمرار السلط المتكئة على عصبيات طائفية عشائرية دينية مناطقية فهو الشرط لعدم انتصار العصبية القائمة على الانتساب إلى (الأمة ـ الدولة) بكل ما تحمله هذه (الأمة ـ الدولة) من تناقضات طيفية وفكرية وإيديولوجية.
وعندما تنتصر (الأمة ـ الدولة) وتنتصر الهوية الطبقية إيديولوجيا، ذلك أن تقسيم المجتمع إلى طبقات يحرر المجتمع من تلك الهويات المتعصبة المبنية على الإثنية والدين والتاريخ الزائف.

أحمد برقاوي - السفير 08/06/2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق