الأحد، 1 مايو 2011

أحداث تمحو نظامَ قرن كامل (1)

نشاهد اليومَ ظهورَ شرقِ أوسطٍ جديد. الشعوبُ العربيةُ فقدَت صبرَها، الأنظمةُ وظيفتَـها، الأديانُ الثلاثةُ تعايشَها، والمذاهبُ الإسلاميةُ هُدنتَها. مجموعةُ صراعاتٍ عُضال أنهكَت المجتمعاتِ العربيةَ الحالية ونَخَرت عِظامَ البنيةِ القائمة. الكياناتُ تصدَّعت والقادةُ فَسَدوا. أمهل الشعبُ الأنظمةَ نحوَ مئةِ عامٍ لحل الصراعاتِ فتفاقمت. أنّى لهذه الأنظمةِ أن تَجِدَ الحلَّ فيما هي تَـقْـتات منها، لا بل هناك أنظمةٌ من هو أب هذه الصراعات، وأخرى من هو ابـنُها.
60 سنةً عمرُ الصراعِ العربي ـ الإسرائيلي. 40 سنةً عمرُ الصراعِ بين الفِلسطينيين أنفسِهم. 36 سنةً عمرُ الصراعِ في لبنان وعليه. 32 سنةً عمرُ الصراعِ الخليجي الإيراني. 31 سنةً عمرُ الصراعِ بين إيران والعراق. 54 سنةً عمرُ الصراعِ في اليمن وبين اليمن والسعودية. 64 سنةً عمرُ الصراع بين لبنانَ وسوريا. 60 سنةً عمرُ الصراعِ في مصر. 31 سنةً عمرُ الصراع في إيران، 22 سنةً عمرُ الصراعِ في الجزائر، 61 سنةً عمرُ الصراعِ المغربي ـ الجزائري حولَ الصحراءِ الغربية، 70 سنةً عمرُ الصراعِ مع الأكراد. 62 سنةً عمرُ الصراعِ الأردني ـ الفلسطيني.

وفيما كانت الأنظمةُ والدولُ الأجنبيةُ وإسرائيل تستغِل هذا الواقع، أنتجت الصراعاتُ أزماتٍ وحروباً وفِتناً ومؤامراتٍ ومآسي من دونِ أن يُحقِّق نظامٌ واحدٌ حُلماً عربياً واحداً: لا وحدةَ ولا استقلالاً، لا حريةَ ولا ديموقراطية، لا أمنَ ولا سلاماً، لا نمواً ولا فرصَ عمل، لا كرامةَ ولا انتصاراً. الكبتُ والهزائمُ والانقسامُ والفقرُ والخوفُ والسجونُ هي مجموعُ تقديماتِ الأنظمةِ العربيةِ لشعوبها طَوالَ المئةِ سنةٍ الماضية. الأنظمةُ القوميةُ قَمعت شعوبَها بذريعةِ الوَحدة، والأنظمةُ العسكريةُ قمَعتها بذريعةِ الأمن، والأنظمةُ الأصوليةُ قمعَتها بذريعةِ الشريعة.

منعرجات مشروع التغيير

وما يجري منذ سنواتٍ في بلادِ الشرق، وتحديداً منذ سنتَي 1990/91 (حرب الخليج الأولى)، يُعيد طرحَ مجملِ المفاهيمِ والكِياناتِ والأنظمةِ التي أعقبَت الحربين الأولى (1914 / 1918)، والثانية (1939 / 1945) وما رافقها من معاهداتٍ وتسوياتٍ دوليةٍ وإقليمية. إن التفسيراتِ التي أُعطِيَت للحروبِ والأحداثِ التي وقعت في الشرق الأوسطِ وآسيا الصغرى منذ حربِ العراق سنةَ 2003، كانت متناقضةً على العموم. غَلَب عليها مفهومُ الصراعِ بين الشرقِ والغربِ وغاب عنها وجودُ صراعٍ آخر، وهو الأساسي، بين مُكـوِّناتِ الشرقِ نفسِه. كان يجب أن ننتَـظرَ ما يحدُث اليومَ لـنُدرِكَ التفسيرَ الواضحَ والشاملَ ونَعِيَ مفعولَ الحربِ الأميركية في العراق.
إنْ كان ما يحصُل اليومَ يُـعبِّـرُ عن نَفاد صبرِ الشعوبِ العربية، فإنه يَـلتقي مع شعورِ الدولِ الكبيرةِ بأن الشرقَ الأوسطَ القديمَ (الحالي)، اسُتنزِفَ واسُتنفِدَ طَوال العقودِ الماضية؛ ولا بدَّ من ابتداعِ جغرافية سياسيةٍ جديدةٍ تضمَن مصالحَ الدولِ الكبيرة (الاستراتيجية والاقتصادية) وتسمحُ لشعوبِ المَنطقةِ بتحقيقِ بعضِ طموحاتِها الذاتية (حرية وبحبوحة). مجموعةُ عواملَ متلاحقةٍ تُشجِّع العالمَ الغربيَّ على التحرّكِ في هذا الاتجاه، وهي: وجودُ ثرواتِ الطاقة، دولةِ إسرائيل، سقوطُ الاتحادِ السوفياتي، فشلُ الأنظمةِ العربيةِ ببناءِ دولٍ مؤسَّساتية، تصاعُدُ التياراتِ الإسلاميةِ المتطرفِّـة، الامتدادُ الإيراني فالتركي على حسابِ الإسلام العربي، انتشارُ دائرةِ الإرهاب، وتَـوْقُ الشعوبِ نحو الحريةِ وحقِّ تقريرِ المصير.
تتزامنُ ثوراتُ الشعوبِ العربيةِ مع مشروعِ الشرقِ الأوسطِ الجديد الذي وضَـعَته الولاياتُ المتحدةُ الأميركية بعد تشاورٍ مع مجموعاتِ تفكيرٍ عربيةٍ وأوروبيةٍِ وإسرائيلية. لكنَّ تعديلاتٍ عديدةً طرأت على هذا المشروعِ خِلافاً لمصالحِ أميركا والعربِ وإسرائيل في آن معاً. وبعدَ حربَي أفغانستان والعراق والثوراتِ العربية، بات المشروعُ بمثابةِ "مُشاعٍ" برَسمِ مَن يضعُ يدَه عليه أولاً.
بدأ المشروعُ الأميركي ـ الأوروبي مسارَه الحديث من العراق (تحرير الكويت) وإيران (الملف النووي) بغيةَ أن يصلَ إلى كلِّ المشرقِ العربي ودولِ مجلسِ التعاونِ الخليجي (حلّ النزاع العربي ـ الإسرائيلي). خطا المشروعُ الأميركي ـ الأوروبي خَطواتٍ مهمةً في مفاوضاتِ مدريد سنةَ 1991 (اعترافٌ عربيٌّ بإسرائيل والتزامٌ بمفاوضاتٍ سلميةٍ وتطبيعٌ تدريجي)، وفي اتفاقاتِ أوسلو سنةَ 1993 (قَبولُ إسرائيل إقامةَ سلطةٍ فِلسطينية على أراضٍ احتلتها سنةَ 1967). لكن أحداثَ 11 أيلول 2001 الإرهابيةَ في نيويورك حوّلت اتجاهَ المشروعِ نحو أفغانستان. وما أن انتهت العملياتُ العسكريةُ الكبرى في كابول، حتى ضَغطت إسرائيلُ على الولاياتِ المتحدة الأميركية، فأعادت المشروعَ إلى العراق سنةَ 2003 لإسقاط النظام، على أمل أن تكونَ إيرانُ المحطةَ التاليةَ بسببِ مَلـفِّـها النووي ودورِها الإشكاليِّ في المَنطقةِ والعالم. غير أنَّ إيران وسوريا تَسبَّبتا سنةَ 2005 بنقلِ المشروعِ نحو لبنان بعد التمديدِ لرئيسِ الجمهوريةِ، إميل لحود، خلافاً للقرار الدولي 1559، وبعد اغتيالِ رفيق الحريري. انطلقت "ثورة الأرز" فانسحبَ الجيشُ السوريُّ وأُنشئَت المحكمةُ الدوليةُ وعُزِلَ المحورُ الإيرانيّ السوريّ. وفي صيفِ 2006 وَقعت حربُ جنوبِ لبنان، فتفَاجأت إسرائيلُ بصمودِ حزب الله، لكن سوريا وإيران، رُغم انتعاشِهما الموقت، فهِمتا الرسالةَ الأميركية ـ الإسرائيلية، فقبِلَتا القرارَ 1701، وأبدت طهران استعداداً للتعاونِ مع المنظمةِ الدولية للطاقةِ الذَريَّـة، فيما عَـيـنُ نظامِها على الوضعِ الداخلي المتحفِّز للانفجارِ بأشكالٍ شـتّى.
وإن عرّجَ المشروعُ الأميركيُّ على السودان من خلالِ استفتاءٍ شعبيٍّ أَسفرَ عن انفصالِ الجنوب، ظلَّ يَتنقّل بين العراقِ ولبنانَ وإيران وإسرائيل وفِلسطين، إلى أن اندلَعت ثوراتُ المغربِ العربيّ وتَبِعتها ثوراتُ المشرقِ العربي. وواضحٌ اليومَ أن المشروعَ الأميركيَّ يَطوف على كل المَنطقةِ مُمتَـطِياً أحصنةً عدة: الحربُ، الديبلوماسيةُ، القراراتُ الدولية، الضغوطُ الاقتصادية، الانتخاباتُ والاستفتاء، وأخيراً ـ لا آخراً ـ الثورات.

لعبة الأمم وإرادة الشعوب

بين هذا المشروعِ الأميركيّ والثوراتِ العربية نقاطُ تقاطعٍ عامةً تُشكِّل قاعدةَ مصالحةٍ بين الإسلامِ والغرب. كان الغربُ استعماراً فصار إعماراً، وكان حليفَ الأنظمةِ فصار صديقَ الثورات. المشروعُ والثوراتُ يطمَحان إلى تغييرِ الأنظمةِ والمجتمعاتِ العربية والإسلامية، لكن قد يفترقان لدى البحثِ عن البدائل. وهنا تبدأ المنافسة بين لعبةِ الأمم وإرادةِ الشعوب. والمنافسة لا تعني بالضرورة طلاقاً، بل مجالاً للتفاوض والاتفاق. فها إنَّ جزءاً من أسبابِ تأخُّرِ حسمِ مصيرِ بعضِ الثوراتِ يعود إلى إجراءِ مفاوضاتٍ بحثاً عن بدلاء، لئلا تنتقلَ الدولُ العربيةُ إلى ديكتاتورياتٍ وتيوقراطياتٍ جديدةٍ وفوضى غيرِ بناءة. إنَّ مشكلةَ العالمِ العربي هي أن عربةَ التغييرِ فيه يقودها حصانان يسيرُ كلُّ واحدٍ منهما في اتجاهٍ مختلف: واحدٌ نحو المجتمعِ الديني والآخرُ نحو المجتمعِ المدني، والثاني هو الأضعف.
تسارعت الأحداثُ منذ أواسطِ شهر كانون الثاني 2011، فاندلعت ثوراتٌ في بلدانٍ عربيةٍ موزَّعةٍ بين المغربِ (تونس، الجزائر، مصر، ليبيا) والمشرقِ (سوريا، العراق، كردستان) وشبهِ الجزيرةِ العربية (اليمن، البحرين). وباستثناء مملكةِ البحرين، حيث أُخمِدَت الانتفاضة، لافتٌ أنَّ الثوراتِ لا تزال تَـقتصرُ على الجمهورياتِ دون الممالك (بَـعدُ)، عِلماً أن لا فارق فعلياً بين الاثنين، ذلك أنَّ الحُكمَ الوراثيَّ صار يُطـبَّـق في الجمهورياتِ العربية بشكلٍ غيرِ شرعي، بينما مبدأُ الوراثةِ في الممالكِ شرعيٌّ ويخضَعُ لأصولِ الشَوْرى والكفاءة، كما أن حريّـاتٍ معينةً مضمونةٌ في الممالكِ العربيةِ أكثرَ مما هي مصونةٌ في هذه الجمهوريات. والطريفُ في المشهد العربيّ أنَّ ملوكَ وأمراءَ دولِ مجلسِ التعاونِ الخليجي يقترحون على رؤساء جمهورياتٍ التخلّيَ عن السلطةِ، فيما هم يَبقَوْن في السلطةِ حتى يَستدعيَهم ربُّ العالمين.
الثوراتُ الجاريةُ متفاوِتةُ الحجمِ (انتفاضات أو احتجاجات) ومتعدِّدةُ الأبعادِ (دينية أو ديموقراطية) ومختلِفةُ المصائر (وحدوية أو تقسيمية). رُغم هذه المفارقات، تظلُّ المطالبةُ بالحريّـةِ ـ لا بالديموقراطيةِ ـ الجامِعَ المرحليَّ الأساسيَّ لكل هذه الثورات، لأن القمعَ هو القاسِمُ المشترَكُ الأساسيُّ لكلِ الأنظمةِ العربيةِ رغم اختلافِ بُنيتِها الدستوريةِ والاقتصاديةِ وسياساتِها وتحالفاتِها الإقليميةِ والدولية.

إشكاليات قوى الثورة

يَشتركُ في حركةِ التغيير، في كل بلدٍ، أربعُ قِوى رئيسيةٍ مختلفةِ المواقعِ والدوافعِ والأحجام، وهي: أولاً: الرأيُ العام ويُطالب بالتغييرِ الشامل. ثانياً: الحركاتُ التقدميةُ المعارضِةُ وتََـأملُ بولادةِ حُكمٍ ديموقراطي. ثالثاً: الحركاتُ الإسلاميةُ، وأبرزُها الإخوانُ المسلمون، وتسعى لقيامِ أنظمةٍ دينية. ورابعاً: المؤسساتُ العسكريةُ والأمنيةُ وتحاولُ إبقاءَ التغييرِ داخلَ مؤسساتِ الأنظمة. ويُضاف إلى هذه القِوى جِهاتٌ فِتنويةٌ تختلفُ هُويَّـاتُها ومراميها حسْبَ خصوصيةِ كلِّ مجتمعٍ وبلد. وغالباً ما تتحرّكُ هذه الجِهاتُ بتوجيهاتٍ خارجيةٍ لضربِ نقاوةِ الثورةِ وحَـرْفِ أهدافِها.
حيث ستنجحُ الثورةُ، المرجَّحُ أن يَـبرُزَ الجيشُ في المرحلةِ الأولى، وتَحكمُ القوى الأربع معاً في مرحلةٍ ثانية، إلى أنْ تَتمكّن الأحزابُ الدينيةُ من السيطرةِ في المرحلةِ الثالثة. أما المرحلةُ الأخيرةُ فستشهَدُ صِراعاً جديداً وعنيفاً وعُنفياً بين الحركاتِ الأصوليةِ والقِوى الديموقراطيةِ والمؤسسات العسكريةِ، ولا أحدَ يستطيعُ منذ اليوم التنبؤَ بهويَّـةِ المنتصِر، وإن كانت المعطياتُ الحاليةُ تُعطي أسبقـيَّـةً للحركاتِ الدينية، خصوصاً إذا عَرَفت هذه الحركاتُ أن تخرجَ من ظلامـيَّـتِها والسيرَ في نهجٍ منفتحٍ ومعتدلٍ يعترفُ بالتعدديةِ والمساواةِ في المواطنية، عِلماً أن مصيرَ كلِّ ثورةٍ مختلفٌ عن الأخرى.
إنَّ نَموذجَ العَلاقات بين الولاياتِ المتحدةِ الأميركية والحزبِ الإسلامي في تركيا ("العدالة والتنمية") موجودٌ في خلفيةِ الحِراكِ العربيِّ الحالي. فالحركاتُ الإسلاميةُ الأصوليةُ العربية تأملُ بانفتاحِ واشنطن عليها، وهذه تَـأمَلُ باعتدالِ تلك الحركات. إن البراغماتـيَّـةَ هي سِمةُ سياسةِ واشنطن، فقُبيلَ أحداثِ 11 أيلول 2001، لم تكن الإدارةُ الأميركيةُ حاسمةً في شنِّ حربٍ على أفغانستان، لا بل سَمحت لِكَـنّـةِ "ريتشارد هِلمز"، الرئيسِ السابقِ لوَكالة الاستخباراتِ الأميركية، بفتحِ مكتبِ علاقاتٍ عامةٍ في واشنطن لمصلحةِ نظامِ طالبان "السوبر ـ أصولي" توطئةً للتعاونِ معه في مواجهةِ التحالفِ بين موسكو والصين في مَنطقةِ جَنوب آسيا.
تلافياً لمثلِ هذا السيناريو، غيرِ مضمونِ النتائج، لا يجوزُ أن يبقى النظامُ العربيُّ الجديدُ ديكوراً جديداً لمعطياتٍ ثابتةٍ وعقائدَ جامدة. ولا يجوزُ للإنسانِ العربي أن يثورَ كمواطنٍ ثم يَحكمُ كإسلاميٍّ. إنها مسألةُ مِصداقية. وأيُّ إخلالٍ بها سيدفعُ العربَ غيرِ المسلمين إلى إقامة حكمٍ ذاتي غيرَ عابئين بأيِّ محظورٍ أو تُهمة.
الشعوبُ الأوروبيةُ التي انتفضَت ضِدَّ القبضةِ السوفياتيةِ والشيوعيةِ لم تَخُن نفسَها بعد التغيير، فأقامت أنظمةً ديموقراطيةً ونَشَرت الحرية. لذا، تبقى الثوراتُ العربيةُ على الأنظمةِ ثوراتٍ ناقصةً ما لم تَصُبّ في بحرِ الحريةِ والديموقراطية، وما لم تُرافِقْها ثورةٌ موازيةٌ في الدينِ الإسلاميّ. الحداثةُ الإسلاميةُ شرطٌ بُنيويٌّ لنجاحِ الثوراتِ العربيةِ في تحديثِ شعوبِها سياسياً وحضارياً. ولو لم تَقُم الشعوبُ المسيحيةُ في الغرب بتطويرِ الفكرِ المسيحي وترسيمِ دورِ الكنيسةِ الدُنيوي، لما نجحت ثوراتُها السياسيةُ والاجتماعية. وليس من قبيلِ الصُدفِ أنَّ تكونَ الثوراتُ الدينيةُ والفكريةُ في أوروبا سَبقت نحوَ قرنٍ الثوراتِ السياسية.
وفي السياق نفسه، إن مشكلةَ الدولِ العربيةِ ليست بحدودِها بل في مجتمعاتِها. فحدودُ الدولةِ اللبنانيةِ، التي تَضُمُّ 18 طائفة، صَمدت رُغم الحروبِ المتتاليةِ والاحتلالات بفضلِ مجتمعٍ لبنانيٍّ كان مُتقدِّماً وديموقراطياً ومعتدِلاً، بينما دولٌ عربيةٌ متجانِسةُ الدين، إسلامٌ بإسلام، لم تَصمُد بسببِ وضعِ مجتمعاتِها المتأخرةِ والمظلومة.
لكونُ الإسلامِ الحاليِّ متعددَ المذاهبِ والعشائرِ والقبائلِ ويعيشُ صراعاتٍ دمويةً، سيؤدّي حُكمُ الأحزابِ الدينيةِ إلى تفتيتِ الكيانات القائمة. فـتُـفرَزُ الدولُ العربيةُ على أساسِ الانتماءِ المذهبي والعِرقي والقَبلي، وحسْبَ أمكنةِ وجودِ منابعِ النفطِ والغاز. هذه الأوضاعُ تؤدي إلى تثبيتِ دورِ الدولِ الأجنبيةِ تحت شعارِ نشرِ الديموقراطيةِ وتقريرِ مصيرِ الأقليات، فـيُـعاد تقسيمُ العالمِ العربي إلى دولٍ أصغر من دولِ "سايكس ـ بيكو" في المشرق، ورسائلِ "ماكْماهُون" في الجزيرةِ العربية. وغالَبُ الظنِّ أيضاً أن تُعطى "وعودُ بَلفور" جديدةٌ إلى أقلياتٍ عربية، هذه المرة، لإنشاء ولاياتٍ على غرارِ ما كان الأمرُ في ظل السلطنةِ العُثمانية. لذا بقدرِ ما أتفاءلُ بأحلامِ الثوّار، أتشاءمُ بمصيرِ الثورات.

سجعان القزي [ نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية - السفير 30 نيسان 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق