الخميس، 28 أبريل، 2011

مواكب المستضعفين ومشاهدهم الحسينية الخمينية... مصدر الفقه والولاية والسياسة والحرب ومعيارها

لا يكتم ساسة إيران الخمينية تربعهم في سدة سلطنة إقليمية "مترامية"، على قول أحدهم في كلامه على لبنان والحزب الشيعي المسلح فيه. وهم يسعون جهدهم في سبيل مطابقة حدود السلطنة هذه حدود الانتشار أو "الشتات" الشيعي في المشرق العربي، وشبه جزيرة العرب وآسيا الوسطى وجنوبها (الهندي والباكستاني). ويغلب التصريح التلميح حين يتناول كلام الإيرانيين، من الحرسيين الثوريين (الباسدران) على وجه الخصوص، بلدان الطوق "الفلسطيني"، وهي لبنان وسوريا وفلسطين نفسها. وللعراق، منذ سقوط صدام حسين، شأن خاص. فهو معقل الشيعة العرب الأول، عدداً ومكانة جغرافية وسياسية وموارد وتاريخاً، ومسرح المنازعة "الأهلية" الأعرض والأوسع في صفوف المسلمين، وملتقى ثلاث مدنيات كبيرة: العربية والفارسية والتركية (إلى الكردية، وهي مدنية من غير دولة متصلة)، ترجحت على الدوام بين الخصومة والمنابذة وبين التلاقح، وجمعت بينهما. ولكن العراق قطب تشيع مستقل على هذا القدر أو ذاك. والتحاقه بإيران، المتشيعة دولة وسياسة، أو إلحاقه بها، ليس باليسير، على رغم رجحان الكفة الإيرانية مؤقتاً. وقد لا يكون في المتناول، احتسبت العوامل الظرفية الخارجية (مرابطة قوات الائتلاف) أو احتسبت العوامل التاريخية والأهلية المديدة.

صراع الولايتين
 

وتنزع المسارح العربية إلى التقدم على المسارح الأخرى، وآسيا الوسطى والجنوبية في مقدمتها. وتمُتّ إيران إليهما بروابط قومية (إثنية)، من طريق الهزارة الأفغان والباشتون والأذريين والتركمان والهنود، قوية. ويبرز الإعلام أثَرَ الحرب الأميركية والدولية على حركات الإرهاب، وعلى الانتشار النووي والديكتاتوريات المارقة، في تخليص إيران من عدوين لدودين، الصدامي العروبي والطالباني القاعدي والأفغاني. ولكنه سرعان ما يغفل العدو الثاني، وينسى تهديده في 1999 ـ 2000 حدود إيران الشرقية، وحمله إيران على السكوت عن اغتيال ديبلوماسييها واستخبارييها في مزار الشريف، شمال أفغانستان، وطلبها السلامة. ويقدم ساسة إيران المسارح العربية على المسرح الآسيوي ـ والمسرح اللبناني على المسرح العراقي. فـ "انتصاراتهم" على المسارح الأولى أوضح منها على الثانية، أولاً. ويفترض أن البلد الذي يجوز حمله على "القضية" الفلسطينية الجامعة، ونسبته إليها فرعاً من فروعها، الخلاف عليه أقل من الخلاف على بلدان تتجلى فيها المصالح القومية، والأطماع الاستراتيجية، من غير قناع "إسلامي"، ثانياً.

ولا ريب في أن تصدر النزاع العربي ـ الإسرائيلي النزاعات الشرق أوسطية، والتعتيم على خلافات بلدانها ومجتمعاتها الإقليمية والداخلية والدولية، وعلى الخلافات الإيرانية ـ العربية جزء من هذه، لا ريب في أن الأمرين مصلحة إيرانية ملحة. فساسة إيران الخمينية يريدون قيادة "الكتلة" العربية، السياسية والاقتصادية، والاحتماء بها من تهديد السياسات الأطلسية النظامَ الخميني ومكوناته: الاستبداد الداخلي وضربه نطاقاً من العزلة عن العالم وأطواره، واعتراض طريق المفاوضات الإقليمية والنفخ في المنازعات الإقليمية والدولية، والانتشار النووي (وسيلة إلى اعتلاء مكانة حاسمة في موازين القوى). ولكن مسالك النفوذ الإيراني ليست كلها من صنف موازين القوى الظاهرة والبارزة. فبعض المسالك هذه يدق على النظر، ويتوسل إلى أغراضه، السياسية في معظمها وغير السياسية، بالشبكات الدينية، المذهبية حكماً والاجتماعية. فالتشيع ليس اعتقاداً أو معتقدات وحسب. والأدق القول إن معتقداته تلابس شعائر ومباني وأفعالاً ومراتب تواتي سياسات ومنازع وأفكاراً، ويسع السياسات والمنازع والأفكار هذه أن تُعمل الشعائر والمباني والأفعال في سبيل بلوغ أغراضها، أو في سبيل الصرف عن أغراض أخرى ومحاربتها. وهذا ما قال به جهاراً نهاراً روح الله خميني. وهو من ينسب إليه مشايعوه ومريدوه "صحوة" قومية واعتقادية سياسية يحملونها على "الإسلام" و"أمته"، والاثنان ليسا براء منها. فالرجل ـ وكان يومها عالم دين منفياً من بلده، إيران، وحوزة تعليمه، قم، لجأ إلى تركيا قبل أن ينقل منفاه إلى النجف بالعراق غير بعيد من أقرانه وتلامذته وبلاده ـ ذهب في محاضرات ألقاها في "ولاية الفقيه"، أو "الحكومة الإسلامية" (1969)، إلى أن عالم الدين ليس عالماً، على معنى النظر في النصوص والأحكام والمعاني. وهو ليس عالماً بالدين، على معنى المعاملات والفرائض أو حتى المعتقدات إذا افترضت هذه عالماً ساكناً ليس فيه، أي ليس قوامه قسمة ما بين المستضعفين المظلومين وبين المستكبرين الظالمين، وليس قوامه تالياً صراع ولايتين و"دولتين".

وعلى هذا، فعالم الدين الخميني، أو الفقيه، هو طالب الولاية والمندوب إليها ندباً لا خيار له فيه ولا رأي. وهو "خارج" على الظلم والظالمين وأدعياء "الخلافة" (الخالفين). وخروجه على هؤلاء، وعلى ظلمهم واستكبارهم، فرض أو فريضة غير مرهونة بوقت أو ظرف، ولا متعلق لها بمواتاة الوقت أو الظرف، على خلاف زعم الفقهاء المهادنين (أهل الاستكبار والظّلَمة). فطلب "العدل" فرض لا ينقطع، وغير مقيد. والعالِم بعلم "أهل البيت" والعصمة (والمظلومية وإنكار الظلم والاستكبار) مدعو، من "علمه" وتراثه وتراث من ينتسب إليهم بنسب لا يقتصر على "العلم" ويتعداه إلى الدم وروابطه وإلزامه، مدعو إلى طلب الولاية والقيادة والدولة بالقوة والسياسة والخدعة، وإلى تصديع أركان السلطان. وهو مدعو في سبيل إعلاء كلمة "الدين" أي في سبيل الولاية والقيادة باسم المعصومين المظلومين، إلى ترك مناهج الفقهاء المحافظين و"الصامتين" (على قول محمد صادق الصدر، والد مقتدى "الشاب"، والشهيد الصدري الثاني وقتيل صدام حسين في1999)، وتعليمهم، والانقلاب على علمهم المزعوم، ونفاقهم في المسائل الثانوية. وهذه كنى عنها خميني بـ "فقه الحيض والنفاس"، على ما قال قرِفاً ومزدرياً على شاكلة قرف محمد عطا، مريد "الشيخ" أسامة بن لادن ومقدم "غزوة" نيويورك، وازدرائه النساء، وطلبه ألا يحضرن غسله ولا دفنه بعد موته (في وصية كتبها في 1996). وإنكار الفقه هذا، إذا كان يستحق الاسم بعد، يكافئه، على وجه آخر، مديح فقه مضمر، تضمره شعائر العامة مثل عاشوراء والمواكب الحسينية والاحتفالات (الإيرانية) الكثيرة بموالد أهل بيت، وأسابيعهم وأربعيناتهم، وببيعاتهم المفترضة ومقاتلهم. ولا ينفي منها خميني، ولا خالِفوه، الحج إلى مكة. فهم سعوا سعياً حثيثاً ومريراً في ضم الحج إلى مواكبهم ومسيراتهم، واختصاره في شعيرة واحدة هي التلبية، وقلبها إلى معنى واحد هو البراء (من الشيطان)، وحمل "الشيطان" والشر على رأسه "الأكبر" أو الأعظم، وهو، على قولهم الديني والميتافيزيقي والخلاصي والأخروي معاً وجميعاً، والدعاوي السياسي، "أمريكا". وحادثة 1987 ومقتل مئات الحاج فيها، علم على السعي هذا. ولا تزال وكالة الأنباء الإيرانية تروي، إلى اليوم، موقف التلبية على وجه ملحمي وبطولي لا يمت إلى الوقائع إلا بصلة الرغبة.

النقض على الفقه

والحق أن بعض الأعمال التي نشرها، أخيراً معهد الشرق الأدنى الفرنسي ("إيفبو") وباحثون على علاقة به على هذا القدر أو ذاك ـ وهي "عوالم الشيعة وإيران"، دار كارتالا، 2007، و"وصف حزب الله"، دار سندباد، 2008، ونشرت العملين صابرينا ميرفان، و"التشيع والسياسة في الشرق الأوسط، إيران والعراق ولبنان وأنظمة الخليج الملكية" وكتبته لورانس لووير، دار أوترمان، 2008 ـ تتناول الانقلاب الخميني هذا على استحياء وخجل. ولعل مرد الاستحياء والخجل الدراسيين إلى تناول نهج فقيه خمين على مثال مدرسي، فقهي ونصي، ومقارنته بمدارس فقهية أخرى، سابقة أو معاصرة أو لاحقة، وعقد المقارنة هذه على أبواب المرجعية والاجتهاد والتقليد، إلى ما يلحق بها من وكالة وتدريس وجباية وأحكام. وقد يثمر هذا دراسات دقيقة في علاقات المراجع بعضهم ببعض، وغلبة بعضهم على جماعات متشيعة في هذا البلد أو ذاك، وخلافاتهم في سعيهم إلى الانتصار لمرجعية التقليد (ونعود إلى بعضها في سياق العجالة). وهي أقرب إلى دراسات الأنساب. وشأن هذه في تعرف الهويات، وبنائها، وأحلافها ومنازعاتها وانقلاباتها، في مجتمعات "محمومة"، على قول دوركهايم، غير قليل. والمثال المدرسي، الفقهي والنصي، وإن لم يغفل السياقات السياسية، ولا الحوادث الراجحة التي تصبغها بصبغتها التاريخية ـ على ما يصنع بيتير هارلينغ وحميد ياسين ناصر في مقالتهما في "الحالة الصدرية" بـ "عوالم الشيعة"، على نحو جلي ـ يهون شأن "الحمى" التي أصابت معظم مجتمعات الشرق الأوسط "العريض" أو "الأعرض"، على قول فرنان بروديل في الدوائر المتوسطية التي تحف دائرة البحر الأبيض المتوسط، وتعمل فيها توسيعاً صوب أحواض قريبة، بحرية أو صحراوية أو جبلية. وكان للحركات "الخمينية"، قبل "خروج" صاحبها ودعوته وبعد خروجه ودعوته، سهم في دبيب الحمى، أو يقظتها، وفي انتشارها في الأجسام الأهلية المتفرقة. فالتشيع الخميني، منذ فاتحته الإيرانية والقمية في حزيران 1963 (وإحصاء عدد الضحايا في "عاشوراء الثانية" على عدد ضحايا كربلاء)، تعمد البناء على أنقاض التشيع المذهبي، المدرسي والفقهي والسلكي، والقيام على تقاليد مستقرة تنسبه إلى الإسلام السني، والطعن فيها. وصورة هذا الإسلام في الرواية الإمامية الإثني عشرية "المعتدلة" لا تخرجه من الإسلام المحمدي وحسب، بل من التدين والتوحيد والتأنس في نهاية المطاف. و"ولاية الفقيه" أقرب إلى نقض حاد وعنيف على الفقه والفقهاء منها إلى مدرسة جديدة من مدارس الفقه الجعفري. وحمل الولاية، أو السيادة والأمر، على فقيه ينبغي ألا يصرف عن المعنى الجديد الذي ملأ به روح الله خميني "آنية" الفقه الإمامي. فهو خلّص الأحكام، ومناطاتها وعللها (على قول ابن بابويه، شيخ أهل الحديث الشيعة وجامع رواياتهم و "قصصهم")، من ضوابطها الحرفية واللغوية والتأويلية. وهذه ضوابط تناقلها سلك العلماء والمدرسين وكانت سند اختصاصه بالعلم والاجتهاد. وأناط إجراء الأحكام وتحقيقها، بنصاب "حي"، حاضر ومتجدد الحضور، هو "المستضعفون" على نحو ما يمْثلون في إقامة الشعائر والمواكب والمسيرات والمجالس.

ويتبوأ المفهوم، أو الصورة، مكانة عالية في المقالة الخمينية الجامعة، "النظرية" والعملية. وهو حمال أوجه ومعان. فحمل على معنى اجتماعي، وجعل كفء الفقراء والمعوزين والمساكين والمهاجرين والنازحين من الأرياف إلى المدن. والأرجح أن التأويل الاجتماعي هذا دخيل على خميني وثقافته ولغته. وهو لا يدفعه، ولا ينفيه. وترك أعوانه ومريديه ينسجون خيوطاً كثيرة، وروابط متينة بجماعات تشترك في العسر وضيق ذات اليد. ولكن "عاشوراء الثانية" المفترضة قامت، من بعض وجوهها، رداً على إصلاح زراعي شاهنشاهي أصاب، فيمن أصاب، كبار العلماء من ملاكي الأراضي الزراعية الواسعة، وورثة إدارة "المؤسسات" الوقفية الكبيرة وفروعها الكثيرة والمتشابكة (في مدن "العتبات" والزيارة). وبعض أقرب المقربين إلى الرجل، من علي أكبر هاشمي رفسنجاني إلى محمد صادق خلخالي، أثرياء عريضو الثراء، وأولاد أثرياء وآباء أثرياء، على ما لا ينفك محمود أحمدي نجاد ينوه ويندد إلى اليوم. والحق أن الثورة الخمينية، على ما تسمي تيمناً بمصطلح محدث لا يضرها ولا ينفع في فهمها، لم تسرع إلى صوغ "برامج اجتماعية"، على معنى حديث، على خلاف ارتمائها المستعجل والمحموم في دوامة منازعات إقليمية لم تنته فصولها، وتتجدد بين الوقت والوقت. وتأويل "المستضعفين" المرتبي، وهو العامة على خلاف الخاصة و"أهل القوة"، ويوضع على اشتراك جماعات في نفيها من السلطة واستبعادها منها، اقرب إلى "الحقيقة العملية" الخمينية (على معنى ماكيافيلي). ودعوة العامة إلى الخروج على السلطان، ودولته وأهله، تختزن عنفاً وراديكالية وخلاصية ودواماً تفوق ما قد يترتب على الدعوة الاجتماعية من نظائر هذه (العنف والراديكالية...)، من غير أن تنكر الدعوة الاجتماعية أو تشيح عنها.


وتبقى "العامة"، شأن الفقراء وأهل العوز، باباً يشترك فيه التشيع عموماً، وفرقته الخمينية خصوصاً، مع حركات ثورية أخرى، سياسية واجتماعية، إسلامية أو أهلية وعصبية. والاشتراك هذا، أو الشراكة، قد يرتضيه خميني، ومريدوه وأنصاره، مضطرين في فصل من فصول القيام على السلطان المستكبر، على ما حصل فعلاً في أيام القيام الأولى على الشاه محمد رضا بهلوي، وعلى ما يحصل في فصل تال من فصول انتزاع الولاية اللبنانية والولاية العراقية (في إطار "دولة" وطنية أو خارج الإطار هذا). ولكنه حلال بغيض ومؤقت. فالاشتراك في قواسم مشتركة شأنه في الخمينية شأن الحلف مع قوى طبقية غير صافية في اللينينية، يُقبل ويرتضى شرط أن يسند الشريك المؤقت أو الحليف الظرفي على نحو سند الحبل عنق المشنوق، على قول لا يعوزه الانبهار بالعنف. وما ينفرد به التشيع، ولا يشاركه فيه شريك، هو جمع الفقراء وأهل العوز والعامة و "الحسينيين" في واحد. والواحد الفريد هذا هو مستضعفو خميني ومريد له وأنصاره وبعض وارثيه. وعلى هذا، فتعريف "المستضعفين"، السياسي الخميني ـ وهو تعريف أعمله صاحبه في الحوادث التي أطاحت الشاه بإيران، وأعمله أنصاره وموظفوه الاستخباريون والديبلوماسيون بلبنان في العقد التاسع المنصرم، وتُعمله بعض الفرق العراقية، على تردد وخلاف فيما بينها، ولم يعمله المشايعون في بلدان الخليج ولا في أفغانستان ولا في باكستان، ويتردد الحوثيون في إعماله باليمن ـ، هو السير على خطى (الإمام) الحسينية في مواكب عاشورائية وكربلائية، وبعث عاشوراء ثانية وثالثة ورابعة، والنفخ فيها، إلى أن يخرج منها "شعب المستضعفين" على صورته المثالية ـ الأنموذجية المرجوة والمنشودة. فالموكب الحسيني العاشورائي، وجموعه المترامية والغفيرة ("المليونية")، والماشية مرصوصة لا تلوي، والقاصدة إما ضريحاً وإما جبانة تقوم على أطرافها حسينية أو مهدية (وهذه اختصاص إيراني)، والمستذكرة على الدوام قتيلاً مظلوماً لا نصير له أو مولوداً منذوراً لقتل عاجل أو آجل، والمنتظرة ثأراً عادلاً يقيم سلطانها على أنقاض الخلق ـ الجموع هذه في موكبها الواحد وطوافها المقيم هي المستضعفون، على مراد صاحب "ولاية الفقيه" أو "الحكومة الإسلامية". والموكب، والأصح لفظة الجمع (المواكب)، المواكب الحسينية إذاً هي القرينة على شعب المستضعفين وشيعتهم "السياسية"، أو كيانهم، على نحو ما "الغابة المسلحة"، على زعم إلياس كانيتي، هي العَلَم الأسطوري على "الشعب" الألماني والجرماني.

والمعنى هذا، على مراد روح الله خميني، هو معنى مولَّد أو توليدي وعملي. فهو لا يصف حالاً سابقة، ولا يعرّف ماهية معقولة، بل يشترط شرائط على بلوغ غاية أو قصد، ويقيد بلوغ الغاية أو القصد بتحقيق الشرائط هذه. وهو يعلق التحقيق على العزم، أي على الفعل والعمل والمباشرة. وهذه "حداثة" فعلية، تفوق وتتقدم بأشواط النقل التقني. و"الفقيه" الخميني، على خلاف الفقيه الجالس لتدريس المبادئ، والمحاضر في السطوح والخارج، والمفتي في مسائل الطهارة والصلاة والقبلة والصوم والاستخارة والمواريث والمناكح والوصايا والخُمس، هو المنتصب للولاية على العزائم قبل ولاية الأحكام. فهذه يجوز تعليقها أو نسخها للضرورات، ولا يمتنع من هذين ما كان منها بمنزلة الأصول والأركان. و"الدستور" الخميني عهد إلى مجلس خبراء عتيد بالتعليق أو التعطيل أو "النظر" والاجتهاد، إذا ألحت الحاجة وطرأت الطوارئ. وهي على الدوام طارئة في "الحكومة" الخمينية. وصاحب الفقه، والحال هذه، هو أهل المواكب الحسينية التي تقدم وصفها وعلى ما تقدم وصفها. ومستضعفو المواكب هذه هم أصحاب الفقه أو صاحبه على معنى مستودعه. وفقه الولي، ولي الأمر، ولي أمر الأمة، هو وديعة في المستضعفين من أهل المواكب الحسينية العاشورائية. وهو وديعة فيهم وليس بأيديهم أو بين أيديهم. وهم لا يملكون التصرف بالوديعة، ولا رأي لهم فيها. فالتصرف والرأي يفترضان محلاً خارج ما يُتصرف به أو يُرى الرأي فيه، ويقتضي فعلُهما الخارج هذا. والمستضعفون الحسينيون، على ما يقول خميني، ليسوا بهذا المحل. فهم فعل خالص أو محض. وفقههم هو المسير الحاشد والهادر والمستميت الذي تقوض استماتته السلطان، وتدك أركانه، حال الخروج، خروج المستضعفين، في الموكب الحسيني، ومسيرهم موكباً.

التعريف

وقد يبدو المستضعفون، على هذا، فكرة متداعية، أقرب إلى "الشعر" و "التصوف" منها إلى السياسة والفعل السياسي. وهذا ما حسب محمد رضا بهلوي. فنسب صاحبَ 15 خورداد ("عاشوراء الثانية") إلى "التصوف الهندي" ونفاه من التشيع الإمامي ومن فقهه واجتهاده المدرسيين والمعروفين. ولكن الجواب الخميني كان صارماً وحازماً. والحق أن الجواب هذا، وهو الخروج على العرش البهلوي، وعلى صاحب العرش، وإطاحتهما في أشهر قليلة، أشبه الحقيقة الفعلية شبهاً يكاد يكون روائياً. فـ"الجماهير" التي استجابت نداء نزيل النجف وحبيسها، ثم ضيف نوفل ـ لو شاتو بضاحية باريس في أشهر 1978 الأخيرة وشهري 1979 الأولين، وكانت خليطاً من العمال وأهل الأصناف والحرف والبازار والطلاب وعامة جنوب طهران وصغار المعممين، هذه "الجماهير" تصورت، لنظرة أولى عابرة وسريعة، في صورة فئات اجتماعية مقهورة. وحسبها مراقبون كثر صنو جماهير أو جموع الحركات السياسية والاجتماعية التي صنعت "الثورات الديموقراطية"، وبابها الجامع هو اسم "1789" (كناية عن الثورة الفرنسية الكبرى)، هنا وهناك. ولكنها انقلبت بين إغماضة عين وانتباهها، وتحدث الزلازل والكوارث والظهورات والتجليات في أوقات هذا إيقاعها، انقلبت إلى مواكب مستضعفين حسينية. وآية الانقلاب الداهم هذا هو ارتداء الأكفان، وطلب الشهادة واستباقها، واستدعاء القتل واستدراجه من طريق اصطناعه وافتعاله (حرق أزلام "الثورة" وحراسها، قبل الاسم الرسمي، 400 متفرج في صالة سينما "عبادان" تمثيلاً على "وحشية" الشاه)، ونفي الفرق والاختلاف من صفوف المواكب المرصوصة، واستبطان "التكليف" استبطاناً أعمى وصامتاً، والخروج من تكليف التدبير والسعي والحرث والنسل والعمارة والخلافة (في الأرض) إلى الطاعة وحصر الفقه فيها.

و "الحق" الأول الذي يطلبه المستضعفون الخمينيون، ويباشرونه منتشين، هو الحق في المسير في موكب حسيني. فالموكب الحسيني هو الإيذان بولادة المستضعفين مُحدثاً أو فاعلاً تاريخياً (أو "دولة عظمى إقليمية" وربما "دولية"، في عبارة لاحقة ومضمرة في المقدمات هذه). وهو تحقيق فقه الولي الفقيه وولايته، على معنى ملك الأمر والكرامة معاً. والولادة، على هذا النحو والمثال، مثلت الثورة الإيرانية والخمينية عليها تمثيلاً عريضاً عرض المسرح الإيراني والشرق أوسطي في عهد الإعلام المعولم وخطواته الأولى (على "المسرح" الفلسطيني الفدائي وطائراته المخطوفة ورهائنه). فكانت حوادث الثورة البارزة مواكب المستضعفين، ومقاتلهم ومشاهدهم. وعندما استولى الخمينيون على الحكم، واحتاروا في صرم حبل ثورتهم (وهذا ما لن يكفوا عنه أينما رحلوا وحلوا، على ما تشهد أزقة البصرة والكوفة والكاظمية وبيروت ومارون الراس وباب التبانة والشويفات وسوق الغرب ومشغرة وحي الشجاعية)، تهدد نضوب المواكب وشحها الثورة في صميمها. ولم ينقذها من التآكل، من إقوائها على عرشها، إلا قادسية صدام حسين المزعومة. وقضى فقه الحرب الخميني بحمل ميادين القتال على ساحات المواكب الحسينية وطرقاتها وجسورها (تلك التي يقتل في التدافع عليها 900 نفس في ساعة واحدة على ما وقع قبل سنتين ببغداد). ودعا ولي القتال والجهاد المقاتلين إلى قتال موكبي، إذا جازت العبارة. وعلى المثال هذا مشوا إلى الحرب وخاضوها، وخلفوا نحو 600 ألف قتيل إيراني، ثلثهم ربما من الفتيان والأولاد الذين لم يبلغوا أو بلغوا لتوهم. وهذا ليس تبديداً إلا في نظر المستكبرين والمنافقين والطاغوت (وهم الأميركان والصهاينة واليهود و14 آذار في هذا الوجه من "المنطقة")، بل هو ثقافة أصيلة لا تشبه ثقافة المستشرقين، ولا يفهمها المستشرقون ولو حرصوا ورغبوا. "دولة" المهدي وحروبها

والحق أن ولادة المستضعفين على هذا النحو، عن يد القابلة الخمينية بإيران سبق موسى الصدر إلى الحدس فيها بلبنان قبل نحو عقد تام من الزمن (ويزعم أمير طاهري في سيرته المبكرة للرجل أن منفي النجف الإيراني "يدين" للمجتهد اللبناني ـ الإيراني الشاب بفكرة المستضعفين أو المحرومين، ويحمل طاهري، فيما أحسب، القرابة على اللفظتين). فالتظاهرات الشيعية و "اللبنانية" الحاشدة واللجبة في مطالع العقد الثامن بين بعلبك وصور، ودعوة خليط اجتماعي متنافر إلى التظاهر والاعتصام القريب من الاعتكاف الحسيني ومن "يوم الحشر". والتقريب بين الاحتجاج الاجتماعي والسياسي العادي وبين انتظار الخلاص وساعته، وتصوير مجيء القائد الإمام في صورة المبعث أو صورة الثأر ـ هذا كله أرهص بالمواكب الخمينية من غير أن يبلغ سطوعها. ولعل بعض السبب في قصور المواكب الصدرية ("اللبنانية") عن نظيرها الخميني اللاحق هو قوة انخراط شيعة لبنان، يومها، في سياقات سياسية واجتماعية وثقافية وطنية وهجينة (قياساً على الصفاء الإيراني) حالت بينهم وبين الذوبان والتحلل في لجة الموكب أو المشهد المحض. ولكن المواكب الصدرية آذنت بالمواكب الخمينية، بإيران ثم بلبنان والعراق من بعد، وغرفت من معين مشترك. ولا يقتصر المعين على "الذاكرة" الإمامية الحسينية، بل يتعداها إلى الفقه السياسي أو فقه الولاية، معاملات وعبادات، اليوم وغداً وليس البارحة وحدها ولا في المرتبة الأولى. وعلى هذا فلورنس لووير (في مقابلتها التي تتناول حركات التشيع في الخليج في كتابها) وأوليفييه روا (في مقالته التي تقتفي أثر الثورة الإيرانية في الشرق الأوسط)، محقان في جمع العوامل المؤثرة في انفجار الثورة الخمينية بإيران، والعوامل الآيلة إلى "صحوة" الشيعة وتململهم ببلدانهم ومجتمعاتهم وإقامتهم الجسور المتفاوتة مع طهران وأجهزتها الدعاوية والاستخبارية والبوليسية، إلى توليد الخروج الخميني من ظروف وملابسات محلية "موضوعية" ومشتركة، على قدر أو آخر. وهو (الرأي) يتناول الخروج هذا، حيث حدث وحصل، على وجه الحركة السياسية الساكنة والعاقلة، وعلى خلاف الحركة المحمومة (على ما تقدم)، وعلى معنى الغليان والذوبان الحسينيين. وتدير المعالجة على هذا المثال الظهر للجدّة السياسية الحادة التي تفتقت عنها الخمينية، ولانقلابها الحاد على معاني الولاية والفقه والاستضعاف، أو تجديدها المعاني هذه في سياقة اجتماعية وتاريخية تحاول وصف الموكب الحسيني العاشورائي بـ"دولة" المهدي وسلطانه في الأرض.

وما "أخفق" موسى الصدر في إنجازه بلبنان "الفلسطيني" ـ لبنان فلسطين والعروبة، على قول وليد جنبلاط الراجع في الانعزال والسيادة ـ، قبل خروج روح الله خميني واستيلائه على الأجهزة الشاهنشاهية، واستدراجه الحرب العراقية ـ الإيرانية وخوضه إياها وفيها خوضاً موكبياً ومشهدياً، أتمه الجهاز الخميني المسلح والأمني "اللبناني"، ونجح في إتمامه نجاحاً فاق نجاحه ربما في إيران نفسها. فما صنعته الحروب الملبننة (والقوامون عليها، وساسة سوريا بعد ساسة المنظمات الفلسطينية على رأسهم) بلبنان واللبنانيين، مجتمعاً وسياسة، ليس في وسع قوة محلية أن تصنعه وحدها، ومن تلقائها. فتضافرت السياسات الإسرائيلية والفلسطينية والسورية ـ ومن ورائها متفرجون وممولون وسعاة خير وشر عرب ـ على تصديع الجماعات والمراتب الاجتماعية والسياسية، وعلى صناعة عامةٍ، ومستضعفين من أكوام المهجرين والهاربين والمتساقطين (من هيئات سكن وعمل واجتماع)، ومن شراذمهم الخائفة والممتحنة. فورثت مكاتب الأجهزة الخمينية بطهران، ومبعوثوها إلى لبنان، ما لا يحلم به ولي فقيه أو مقاتل أو داعية أو خازن (مال) أو عين (راصدة)، وهو مادة مواكب ومشاهد وخاماتها الأولى على "فطرتها" المزعومة. فصنعت جمهورية موكبية حسينية وخمينية من عشرات المسيرات "المليونية"، وهي يومها لم تكن تحشد إلا مئات أو آلافاً قليلة وغير مؤلفة، ومن حملة أكفان حقيقية "يختبرون" من غير حساب إفضاء المسيرة أو الموكب، تحت الأعلام السود الخفاقة برجاء إدراك المهدي وتعجيل فرجه، إلى قتل محتوم وكثير و"عادي" بأيدي "الصهاينة"، وفي أحيان قليلة بأيدي "اليزيديين" (من "أبناء" موسى الصدر وأنصار خلفه على "أفواج مقاومة"" يديرها ضباط عمليات واستطلاع ورصد سوريون).

وولدت "أمة حزب الله"، وطليعتها الفرقة الخمينية والحرسية ونواتها المقاتلة والأمنية، من رحم المواكب والمسيرات والمشاهد، المتصلة بالمَقاتل وأعمال القتل والاغتيالات، هذه. ورعت الولاية الخمينية الحرسية تكوين عالم رحمي وسفلي منكفئ ومنقطع من عالم "اليقظة" المشترك، عالم الناس الأسوياء المنصرفين إلى مشاغل الحرث والنسل وهمومهما، على نحو ما رعت الوصلة بين "العالمين" جيئة وذهاباً. وطمأنت أهل "العالمين" إلى قوة عللهم ومسوغاتهم وارتكازها في مقاصد الخلق و"أسراره" المحجوبة إلا عن أعين صفوة الصفوة. والحرب على أشكالها وصورها ـ حرب شيعة المؤمنين المظلومين على الكفار الظالمين واليزيديين الطاغوتيين، وحرب المستضعفين على المستكبرين، وحرب الجائعين على المتخمين، والحرب الأهلية، والحرب الوطنية، وحرب التحرير، وحرب "المسلمين" على "الصليبيين" و"اليهود" ـ الحرب هذه، وموكبها ومسيراتها ومشاهدها ومقاتلها وذروتها النووية، هي البطن الولود التي تنعقد ثمرتها أجيالاً وأفواجاً من المستضعفين السائرين لا يلوون إلى مدينة السد، مدينة الشيعة الإماميين الحسينيين الفاضلة. وتتجدد قسمة العالم الرحمي السفلي وعالم اليقظة والأسوياء في ثنايا الحروب هذه. فبينما يخلد أهل عالم اليقظة والسعي إلى أعمالهم و"تجارتهم" وأولادهم ونسائهم، ينصرف أهل الصفوة، وعلى رأسهم "الإنسان الكامل"، وهو من لا يشك محمود أحمدي نجاد في أحقيته بالولاية (على الفقيه المحترف والمقتصر على "الثورة الأولى")، إلى إعداد خطط الحروب الناشبة والآتية. ويوجهون دعاتهم وسفراءهم، على ما كان إسماعيليون أخوان الصفاء يقولون، على شاكلة "الحاج رضوان" وعشرات من ضباط استخبارات الحرس، إلى هذا الوجه من أقاليم "الأرض" المأهولة بـ"شيعتنا" أو ذاك. فيقتلون أو يُقتلون. ويرسون "دعائم الإسلام" على هذا، ويعلون صرحه ومثاله. ويستوي في العمل العظيم هذا من يجهرون نسبتهم إلى "ولاية الفقيه" ومن يتحفظون عن النسبة هذه وعنها. وبينما يتسلى الدارسون والباحثون بتصنيف هؤلاء وأولئك وتمييز بعضهم من بعض، وتشخيص الفروق والملاحن الفقهية (في مراتب الشفاعة وأصحابها!)، يجتمع "المستضعفون" في مواكب ومشاهد حسينية واحدة ومرصوصة، ويسيرون إلى ملاقاة "الأميركان" و "الصهاينة" كل يوم، ومع كل صلاة وبيان (صادر عن) مكتب مأذون ومستوفٍ شرائط المكتبية والفتوى والعدالة.

ولعل العراق، أو العراقيين، على المعنى الجغرافي نفسه، هو أو هم الحبة الثالثة من حبات السبحة الحسينية الخمينية المأمولة. وإخفاق الخمينيين الحرسيين، إلى اليوم، في بعث حركة مستضعفين غالبة، لا يعود إلى الانقسام على ولاية الفقيه، ولا إلى الخلاف بين مقتدى الصدر وبين آل الحكيم. والحق أن تناول المسألة على هذا الوجه، الفقهي التقليدي والمدرسي، يصرف عن الانتباه إلى الوجه السياسي الاجتماعي الذي رعى ويرعى ولادة "مستضعفين" حسينيين وخمينيين، وحركتهم، حيث يولدون، وحين يولدون. ولم يشك شيعة العراق، لا في 1991 ولا في 2003، غداة انهيار صدام حسين و "دولته"، في أقوم الطرق، وأسرعها وأجداها إلى إنشاء دولتهم "الإمامية" التي أعدت العدة لها أحزاب "الدعوة" و "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" في المنفى الإيراني، وتوقعها ابن محمد صادق الصدر "الشاب"، وخلفه على حركة صدرية ناشئة، ثمرة "جيشه" المهدي. فاحتفلوا بخروجهم في مواكب ومسيرات، وباستئناف هذا الخروج والإقرار بحقهم فيه، فوق احتفالهم بسقوط الطاغية الظالم. ولم ينغص عليهم فرحتهم بمواكبهم ومشاهدهم انتهاز الزرقاوي، والعصابات القومية البعثية، وربما بعض "الأهل" والحرسيين المتسللين، فرصة المواكب والمشاهد والتوسل بها إلى إيقاع مقاتل "حسينية"، على ما يتمنى "المستضعفون" ويرجون، فيها.

فالولي الذي يطلبون ولايته لا يهم أن يكون فقيهاً بحسب الحرفة والمهنة. ولم ينتظر مقتدى الصدر رشده الفقهي قبل مباشرته إنشاء "جيشه". وزملاؤه على رأس الحزب الخميني المسلح في لبنان لا يدعون فقهاً، ولا يزعمون علماً غير العلم الذي استودعوه. ولا يطعن هذا في تألههم وتألقهم، ولا يدعو أولياء أمرهم إلى غبطتهم على إنجازاتهم أو إلى نسبتها إلى أنفسهم من دون "المستضعفين". ففقه هؤلاء شأنه شأن "الثقافة البروليتارية" في عهدة لينين وستالين وجدانوف وسوسلوف، هو فقه "جماعي"، أو فقه الجماعة التي تحكم الصفوة باسمها، وبالإنابة عنها. وفقهاء "المستضعفين" هم جسم مرصوص، أي جهاز منتخب من نبهاء الموظفين وشجعانهم، أي هم "نوماكلاتورا"، على قول روسي وسوفياتي بائد ومقيم معاً. وقد يتكشف عميل استخبار فاتك، بعد موته "مثخناً أو قتيلاً" بيد صديق أو عدو، عن جهبذ من جهابذة "المستضعفين"، وشريفاً من أشرافهم. ولا ريب في أن من قدر ويقدر على تنظيم مسيرات بعلبك، والضاحية الجنوبية، ومسيرات "التحرير" إلى جنوب لبنان (في أيار 2000)، ومسيرات إخلاء الجنوب نفسه في تموز 2006 والعودة إلى الجنوب في آب، ومن قدر ويقدر على فصل حربه الخاصة من الحرب الوطنية والإيهام بأنها واحدة، واستيلاد الإيهام هذا "سياسة" تبدو سياسات البلاطات الفلورنسية والإيطالية قياساً عليها لعباً بريئاً وساذجاً ـ لا ريب في أنه "فقيه" يستحق ولاية مطلقة وكينونية.

وضاح شرارة - المستقبل - الأحد 3 آب 2008 - العدد 3036 - نوافذ - صفحة 10


عاشوراء النبطية تعصى على حزب الله: "التطبير" زاد والعراقي "الفالي" يعبّئ الجمهور

صورة

شهدت عاشوراء في النبطية تغييرات كثيرة منذ بداية إحيائها مطلع القرن الماضي وحتى يومنا هذا. تغييرات اقتصرت على الشكليات ولم تمس جوهر الذكرى أو مضامينها، كما أنها حدثت في معظم الأحيان بناء على تبدل المزاج السياسي لأبناء الطائفة الشيعية.

ولا شك أن للتواصل الذي كان قائماً، وما زال، بين الحوزات الشيعية في النجف وعلماء "جبل عامل" الأثر الواضح في دخول الشعائر الحسينية من ندب ومجالس عزاء وغيرها إلى النبطية.

وجاء في "تاريخ الشعائر الحسينية في مدينة النبطية"، الصادر عن النادي الحسيني فيها، أن هذه الشعائر كانت تُمارَس بطريقة سرية أيام السيطرة العثمانية على البلاد. ويبدو أن الشيخ عبد الحسين صادق، جدّ إمام المدينة الحالي، قد استغل بعد عودته من النجف ضعف السلطة العثمانية في أواخر أيامها، وانشغالها بالحرب العالمية الأولى، ليبني "النادي الحسيني" في النبطية عام 1909 ويخرج إحياء هذه الشعائر تدريجيا إلى العلن.

صورة

الاحتفال بعاشوراء في بيروت العثمانية مسموح.. للإيرانيين فقط!!

تزامن بناء "النادي الحسيني" في النبطية مع قدوم عائلات إيرانية تتعاطى الشأن التجاري سكنت في المدينة وجوارها وعمل أحد أفرادها، وهو طبيب من آل "ميرزا"، الذي أدخل عادة "التطبير"إلى المدينة، على استحصال ترخيص من الخارجية العثمانية في اسطنبول بوساطة من القنصل الإيراني في بيروت، سمح للمقيمين الإيرانيين فقط بالاحتفال بذكرى عاشوراء على طريقتهم الخاصة.

صورة

سجلت عاشوراء عام 1919 أول مشاركة علنية بين العائلات الإيرانية وأهالي المدينة. إلا أن تمثيل الواقعة وترديد الندبيّات والأشعار كان باللغة الفارسية، وبقي الحال على هذا المنوال حتى العام 1926.

في هذا العام استعادت عاشوراء النبطية هويتها العربية، حيث قام الشيخ عبد الحسين صادق (الجد) بكتابة نص المسرحية التي تجسد الواقعة باللغة العربية، وأداها عدد من أبناء المدينة. وهكذا أصبحت مدينة النبطية مقصدا للطائفة الشيعية في العاشر من محرم من كل عام، وأطلقوا عليها اسم "مدينة الحسين".

صورة
عاشوراء النبطية في العام 1979

الشيخ صادق (وحركة أمل) ضد حزب الله

لم تسلم عاشوراء النبطية من الرياح السياسية التي تعصف بالطائفة الشيعية من وقت لآخر. وتسبّب دخول حزب الله مطلع التسعينيات، مع بداية وضع يده على الساحة السياسية في الجنوب، على خط إحياء الذكرى بظهور أعراض حساسية دينية لدى إمام المدينة الحالي الشيخ عبد الحسين صادق وكذلك سكانها. فقد اعتبر الشيخ عبد الحسين صادق استباحة حزب الله لشوارع المدينة في العاشر من محرم تحديا شخصيا له ومحاولة لإقصائه عن منبر الحسينية الذي ورثه عن أجداده ومصادرة لإرث العائلة. في تلك الأيام اجتاح حزب الله فجأة مراسم الذكرى، وفي تحد واضح لإرادة الشيخ صادق وتقاليد المدينة حرّم "التطبير" في اليوم العاشر وترك للهيئة الصحية التابعة له إقامة مراكز للتبرع بالدم على مقربة من النادي الحسيني. كما بدأ بتنظيم مسيرات جماهيرية تتردد فيها الشعارات السياسية والحزبية. وفي خطوة استفزازية أخرى، صار يقيم مجالس العزاء في خيمة كبيرة تتسع لأكثر من ألف شخص نصبها عناصره مقابل "حُسينية" المدينة.

صورة
الشيخ عبد الحسين صادق في مأتم "شهداء لقمة العيش" الذين قضوا في حادث الطائرة الإثيوبية

في هذه الأثناء وجد الشيخ صادق نفسه أعزل في مواجهة جيش جرار يحاول الإطباق على تاريخ المدينة وحاضرها. فلعب دور المستضعَف وأجاده، واستطاع أن يشكل من أبناء مدينته درعا واقيا بوجه حملة الإبادة التي يشنها حزب الله ضده. وكان له ما أراد. فتجمع النبطانيون على كلمته وضربوا حوله سورا بشريا لم يستطع حزب الله اختراقه. هنا تنبهت قيادات "حركة أمل" التي كانت تجر أذيال خسارتها لمعركة وجودها في النبطية لهذه المسألة، فوجدت بالشيخ العتيد ضالتها لإعادة ترميم حضورها، فبدأت بالالتفاف حوله. وكان لاقتران إحدى بنات الشيخ صادق من مسؤول متقدم في حركة أمل أثره في انفتاح الشيخ سياسيا على "الحركة"، وبالعكس.

"حسينية" النبطية لا ترفع صور نصر الله وآيات الله الإيرانيين!

وهكذا انقلبت مراسم عاشوراء من كونها مناسبة دينية إلى حلبة صراع سياسية. وصارت تشهد كل عام مواجهات و إشكالات دموية بين عناصر حزب الله وحركة أمل.

مناخ الاستقرار السياسي بين حزب الله وحركة أمل الذي ظهر عام 2005 بعد عملية اغتيال الرئيس الحريري لم تنعكس مفاعيله على أجواء عاشوراء في النبطية وظل عنصر الكيمياء مفقودا بين الشيخ صادق وقيادات الحزب. وبقيت "حُسينية" مدينة النبطية الحسينية الوحيدة في المنطقة بأكملها التي لا ترفع على منبرها صورة للسيد حسن نصر الله أو صورا لمراجع تقليد إيرانيين.

صورة
الشيخ محمد الباقر الفالي
 

ومن باب مسايرة حركة أمل واحتواء الشيخ صادق، يبدو أن حزب الله قد اتخذ قراره هذا العام والعام الماضي بالتحديد بمشاركة المدينة وما تمثله في إحياء مراسم عاشوراء، وإلغاء مراسمه الخاصة. لكن المشاركة انحصرت بالحضور الرسمي السياسي فقط، ولم تتعداه إلى الحضور الجماهيري الذي يقاطع، بقرار آخر ربما، المجالس العاشورائية في المدينة ويستعيض عنها بمجالس خاصة تقام في قرى وبلدات المنطقة.

عودة "النجف"

شكّل انسحاب حزب الله من عاشوراء النبطية فرصة للشيخ "العنيد" لمعاودة التقاط أنفاسه وترتيب البيت العاشورائي كما يريد. وعادت "النجف" لتحضر مجددا في الاحتفالية السنوية بعد أن استقدم الشيخ قارئ العزاء العراقي الشهير السيد محمد باقر الفالي في الموسمين الأخيرين.

قدوم السيد الفالي إلى النبطية أحدث ضجة كبيرة، ليس على صعيد السياسة هذه المرة، بل على صعيد المفاهيم والقناعات. فرغم أنه حوّل "مجالس عاشوراء" إلى ما يشبه الهرطقة، وضاعف من إفراغ المناسبة من مضامينها، مبتدعا أسلوبا جديدا في الخرافة والتضليل واختلاق القصص الساذجة والأساطير عن أهل البيت في جو من الفوضى التاريخية، مكرسا عادات جديدة لا توحي سوى بالتخلف وتدني المستوى الفكري في التعاطي مع المناسبة -التي كانت فلكلورية أساسا- وعلى ذمة الجاحظ بقوله "الناس عشاق لكل غريب"، سجلت مجالسه حضورا شعبيا يفوق الوصف. وصارت تغص قاعات الحسينية وأروقتها وباحاتها ومداخلها بالمشاركين من داخل المدينة وخارجها، واستطاع بذلك أن يعيد إلى آل صادق بعض ما اندثر من مجدهم العاشورائي.

ويُذكَر أن الشيخ الفالي كان قد تسبّب بأزمة في الكويت، حينما أمرت سلطاتها بترحيله في 16 نوفمبر 2008 بعد استجواب قدّمه نوّاب "سلفيون" ضد وزير الداخلية. كما سبق أن انتقده المرجع الراحل محمد حسين فضل الله والشيخ السعودي حسن الصفّار,

عراقيو النبطية

ويقال أن استقدام الفالي يكلف الشيخ صادق الذي يقتطع أجره من أموال وقف النبطية، بدل قراءة العزاء، مبلغ 40 ألف دولار أمريكي، هذا عدا عن تكاليف سفره ذهابا وإيابا، وإقامته عشرة أيام في أحد فنادق العاصمة، مع حاشيته بالطبع! كما أن اعتماد لجنة عاشوراء في تمثيل المسرحية على تقنيات جديدة والاستعانة بمخرجين سينمائيين وممثلين معروفين يكلف مبالغ طائلة تقدر بمئات الآلاف من الدولارات تُصرف من الأموال الشرعية، بينما يبقى محتاجو الطائفة خارج دائرة الاهتمام. ولذلك أصبح الشيخ مؤخرا هدفا للمساءلة المالية، ويوجه إليه البعض تهمة التصرف بأموال وقف النبطية، أو حتى تجييرها باسم نجله "مهدي". كما يطالبه العراقيون المقيمون في النبطية بالأموال التي تتدفق إلى حساباته من العراق ولا يرون منها شيئا (في 11 ديسمبر نقلت "المركزية" أن إشكالا وقع بين عراقيين داخل مدينة النبطية خلال إحياء مراسم عاشوراء تبين أن بعضهم يوالي السيد مقتدى الصدر والبعض الآخر أياد علاوي ما دفع الجيش إلى حل الإشكال وتوقيف المتورطين.)

بالعودة إلى أجواء الذكرى، فقد برز هذا الموسم ارتفاع أعداد "المطبرين" بشكل مخيف، وبمشاركة كثيفة في هذه الظاهرة من قبل العراقيين المقيمين في النبطية. ولوحظ تركيز قراء العزاء على استنهاض العاطفة المذهبية والمبالغة في إظهار الحب والولاء لأهل البيت تحت ستار أيديولوجي – ديني الهدف منه تعبئة الجمهور الشيعي وتحويله إلى جمهور طائفي لخدمة أجندات سياسية معروفة.


الأحد 19 كانون الأول (ديسمبر) 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق