الأربعاء، 7 سبتمبر، 2011

الطائفية والقفز على الجثث

إن أردت أن تفسد حواراً ثقافياً راقياً فما عليك سوى أن ترمى وسط المتحاورين نتفاً من سيرة السجال المذهبي، أو بحسب اللغة العقدية المدقعة (ما شجر بين الصحابة)، كيما تختبر القدرة التفجيرية للغرائز الطائفية، حين تندلع في هيئة استحضارات متناوبة للتاريخ العبء بشقيه السني والشيعي، حيث يخوض سماسرة المشاريع المشبوهة، وهم من مشارق بلاد العرب ومغاربه، لعبة الابتزاز، بعد أن أيقنوا بأن وزنهم (المالي) مكفول بحجم استثمارهم الطائفي.
سؤال بحجم الدول: من الذي هرّب بضاعة مذهبية وطائفية إلى الساحتين العراقية واللبنانية، على سبيل الاستنكار، وهما المرشّحتان، حداثياً، لامتصاص أشدّ الوجبات العلمانية عسراً؟
في حديث طائفي بامتياز: يقول رئيس حكومة لبناني لمسؤول عراقي مقرّب من رئيس الوزراء نوري المالكي إن الشيعة في العالم لا يتجاوزون 10 في المئة، فردّ عليه المسؤول العراقي: إذا توحّد الـ90 في المئة في دولة واحدة يمكن حينئذ الحديث عن أقلية وأكثرية.. وكان الهدف من المنازلة المذهبية المكثّفة أن وجود أغلبية شيعية في العراق لا يخفي حقيقة كونهم جزءاً من أقلية! ما يلفت قبحاً في هذه المنازلة، أن المسؤول العراقي، جاء في مهمة لتجسير الفجوة مع الأشقاء العرب بعد سقوط النظام العراقي السابق في نيسان/ إبريل 2003.
تصريحان، على الأقل، نافران صدرا الشهر الفائت عن عضوين بارزين في (تيار المستقبل) أقل ما يقال عنهما إنهما لا ينتميان إلى المجال الثقافي اللبناني. في تصريح النائب عمار الحوري عضو (كتلة المستقبل) في 17 أيلول (سبتمبر) الماضي جاء في ردّه على موقف حزب الله الدفاعي من اللواء جميل السيد «هذا الحزب وبرغم لونه المذهبي لم يتورع عن دعم من هدّد زعيم السنّة»، في إشارة إلى رئيس الحكومة سعد الحريري.
وفي 20 أيلول/سبتمبر، عقد النائب المستقبلي محمد كبّارة مؤتمراً صحافياً قال فيه «إن من يتعرض لزعيم السنة.. سترد عليه الطائفة السنية بتهذيب لسانه..».
لا يمكن أن تقرأ تصريحات كهذه في سياق سياسي ولبناني محض، فلا التاريخ السياسي ولا الذاكرة اللبنانية تسعف على اختزان هذا اللون من المكوّنات الطائفية، خصوصاً أن أصحابها، مع تقديرنا لكل النزعات الدينية المحافظة والمكتومة لدى كل الأولياء الصالحين في المضمار السياسي اللبناني خصوصاً والعربي عموماً، فإن مستوى الابتذال الخطابي ينبئ عن بلوغ الوعي السياسي وسط النخبة الحاكمة نقطة العقم والانسداد التاريخي.
ولن أذهب بعيداً، فمثل هذه التصريحات تستظل بما أتقنُ معرفته منذ ربع قرن. فقد قرأت في الأدبيات الدينية السعودية القديمة والحديثة ما يشعرني بكثافة المعنى وسطوته لمصطلحات ذات مدلولات عقدية وتاريخية وأحياناً سيسيولوجية، ولا أظن من هذا تراثه يعجز عن اختراق الوعي العربي العام وتلغيمه طائفياً.
قبل عامين تقريباً، كنت وليبراليا سعوديا مقرّبا من الحكومة على هامش طائفي في مؤتمر حول (السعودية) عقد في مدينة منتون على الحدود الفرنسية الايطالية. يجادلني ليبرالي سعودي في السياسة وهو يمسك بكأس الخمرة ذات استراحة من جلسات المؤتمر فيردّ بعبارة من قبيل: نحن السنّة نملك كذا وكذا! لم يتحسس الليبرالي السعودي يده وهو يجهر بتمثيل مليار مسلم، فيما هو ينتمي لما هو دون 2 بالمئة من مسلمي العالم.
مهما يكن، ففي موسم الجنوح الطائفي تغادر الحقائق الكبرى أوكارها وتصبح كطيور مهاجرة، ولا يمكن أن تجتمع الحقيقة والطائفية تحت سقف واحد، كما لا يمكن أن تجتمع الفلسفة والمؤامرة.
في الطائفية، الصراخ ليس على قدر الألم، بل بحسب كفاءة المشاغبة والمشاغلة، ولذلك فإن تضخيم الحوادث الصغيرة وإطالة أمدها يتحوّلان إلى مثابة «مصيدة لؤلؤ» لدى السياسيين المنغمسين حتى الذقون في مستنقع الطائفية.
مثال واحد يكشف ما تشهده العلاقات السعودية الإيرانية في الوقت الراهن من توتّرات علنية وكامنة، ولا يغيب عنها العامل الطائفي الذي يتقن السعوديون توظيفه ببراعة نفطة.
في كلمة الملك فيصل في مجلس الشيوخ في إيران 17 ديسمبر 1965 يخاطب الشاه قائلاً «يا صاحب الجلالة: إن لكل هدفه، وإن لكل أمة اتجاهها ومصالحها، فإذا نظرنا إلى الأمة العربية والأمة الإيرانية، لا نجد هناك أي خلاف، نفس الأهداف، ونفس المصالح، وهناك ما هو أهم وأعظم من ذلك، عقيدتنا الإسلامية التي تربطنا جميعاً مع كثير من أمم العالم، لا يقل مقدراها عن ثلث سكان العالم..». هل هجر الشعب الإيراني ترابه وهويته القومية ليصبح اليوم غير ما كان قد أمسى عليه في الوعي الديني السعودي؟ كلا، ولكن السياسة تجعل من حقائق الجغرافيا والتاريخ بمثابة نصب تذكارية لأمم بائدة في الوعي الطائفي.
قناة «العربية» تصف التحالف الوطني العراقي الذي يضم ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني بـ«التحالف الشيعي»! ويصبح من ينعت الدولة السعودية بالوهابية طائفياً.. هكذا تفعل الطائفية في النزاهة، فالطائفية بات لها حرّاس وقضاة وأخيراً وكالة حصرية.
الغرائزية تتفجّر في منتديات حوارية سعودية، والرؤية الكونية تتشكّل طائفياً، وبها وحدها يتم تحديد المسافات بين بني البشر، وقياساتهم «خصوصاً حين تكون الرؤية معجونة بالعنصر القبلي»، وفي آخر النهار تتوزّع الأحكام على من هو الطائفي والوطني. ومن غرائب الطيش الطائفي أن «إسرائيل» تخرج من قائمة الخصوم، وتصبح العداوة ذات طابع محلي.
مقالة الليبرالي، ولكن بمواصفات سعودية، عبد الرحمن الراشد كتب مقالاً «لماذا الحزب مرتبك وخائف» في صحيفة «الشرق الأوسط» في 29 أيلول/سبتمبر الماضي يقول فيه إن «الحزب ـ أي حزب الله ـ يخاف أن تتسبب المحكمة في شرخ طائفي في لبنان»، وهذا صحيح، وقد أعلن الحزب عن ذلك سرّاً وعلانية، ولكن ما لا نفهم سياقه التساؤل المشفوع برأي ورؤية طائفية كقوله «أليس ما يفعله حزب الله اليوم قمة الطائفية، فهو يريد إيقاف محاكمة قتلة زعيم سني، ويلاحق قيادات سنية لإيقاف المحاكمة، أليست هذه ممارسة طائفية أسوأ من حكم المحكمة غدا؟». هل ثمة مغزى لطائفية محقونة بلغة طائفية، أقل ما يقال عنها إنها محاولة في التذاكي المفتعل ولكن من غير إقناع مضمون.
في حديث المفتي العام للسعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ في 28 أيلول (سبتمبر) لخطباء وأئمة ودعاة سعوديين في الرياض وصف الكلام الطائش للمدعو ياسر الحبيب بأنه طأطأ «رؤوس كثير ممن يزعمون بعدم انحراف منهجهم» في إشارة واضحة للشيعة. ويضيف بأن الحادثة أوقفت تمدد التشيع «في بعض البلاد التي كاد التشيع يجتاحها». بل اعتبر المفتي ذلك «نعمة من الله كشف عوارهم». لنتذكر مرة أخرى «مصيدة اللؤلؤ» حين لا تكون غير الطائفية ملاذاً إنقاذياً من الإفلاس.
تصدر الرؤية الطائفية لدى عدد من العلمانيين، حد المجون، عن عبث طفولي بالمقدّس الديني، وليس عن سلوك من أي مستوى بالضرورة على الأقل، فيما تصدر الرؤية الطائفية لدى المفتي السعودي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ عن تصوّر نمطي لتاريخ المذاهب في المجال الإسلامي. ولكن قد يكون استعمال السياسي للخطاب الطائفي أشد خطراً من استعماله من لدن الديني، ببساطة، لأن المحرّض لدى السياسي هو المصلحة دون سواها، بما فيه الديني، بينما بالنسبة للديني فإنه أقل حظاً وقدرة ـ إن شئت ـ في توظيف أدوات أيديولوجية في معركة سياسية، رغم أن ذلك لا يسقط خطورة الديني في مواطن أخرى نبّه عليها الكواكبي في «طبائع الاستبداد»، والنائيني في «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة».
ما يلزم فضحاً هو منابع الطائفية، كما منابع الإرهاب، ولا يكفي مجرد شجب الخطاب الطائفي. في لحظة ما بات كشف ما وراء الستار جزءاً من مقاومة الأمة لمحاولة ليس تشويه بل «إذلال الوعي»، الذي يجري على أيدي مقامرين برائحة النفط. لا يكفي مجرد التحذير من وجود خطر جماعي، بل المطلوب، فرضاً، الإشارة بالإصبع إلى مصدر الخطر نفسه.
ولا بد من خاتمة مختلفة هنا: ما يلزم الجهر بسوئه، أن في التراث السني والشيعي ما يمكن وصفه بالمخازي ويتطلب انعتاقاً مطلقاً من مصادر الهلع الخاصة والعامة، من أجل إخضاع هذا التراث للفحص الشامل، لتنقيته والتأسيس لمنهجية جديدة في مقاربة التراث والتعاطي معه، للحيلولة دون السماح لسماسرة السياسة بالقفز على الجثث. فالعبث وحده المظهر الأكثف في المجون الطائفي لأن العقل أول المستقيلين في اللحظة الأولى التي تبدأ الطائفية نشاطها.

فؤاد إبراهيم [ باحث في الفكر السياسي من السعودية - 21/10/2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق