الجمعة، 26 أغسطس، 2011

جدلية الشرق والغرب في الرواية العربية

إن الغرب الأوروبي الذي سام الشرق العربي مختلف ألوان الاضطهاد منذ تفكك الخلافة الإسلامية متدرجا في انتهاج أساليبه التوسعية قد نهض في بعده الحضاري على دعامتين أساسيتين هما:

الحضارة اليونانية الكلاسيكية، والكتاب المقدس.

إذ بقدر ماكان يرمي إلى استعادة أمجاد المسيحية التي دحرتها الفتوحات الإسلامية علي مر قرون من الزمن, كان ولا زال يؤمن بضرورة استرداد الهيمنة اليونانية في أبعادها الحضارية.
وإذا كان الفتح الإسلامي قد أتاح للأمم التي كانت تدين ديانات أخرى غير الإسلام ممارسة عقائدهم و التمتع بكامل الحقوق التي كان يحظى بها المسلمون الفاتحون، فإن الغرب المسيحي لما استعاد زمام الأمور عتى في الأرض فسادا على الرغم من أن أصوله شرقية ما دام قد تغذى من خامات الحضارة اليونانية, وتبني مبادئ الكتاب المقدس.

فالعلاقة إذا بين الشرق والغرب حسب تصوري لم تكن علاقة صدامية, ولا دموية في البدء لأن أصول الحضارة الغربية أساسا منبعها الشرق مهبط الرسالات.

وهكذا تطورت العلاقة بين الشرق والغرب وفقا للنوايا التي تبنتها في البدء الكنيسة في شكل تبشيري انتهج أساليب متعددة، وحين فقدت الكنيسة سلطتها علي الحياة السياسية الغربية تلقف المهمة العسكريون الذين مارسوا أساليبهم التوسعية وفق منطق الهيمنة الإستذماريةوالاستيطانية التي أذاقت الشعوب المستضعفة الويلات.

وقبل أن أنتقل إلي معاينة جدلية الشرق و الغرب في الرواية العربية ممثلة في " قنديل أم هاشم " ليحي حقي" و (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم مع الإشارة إلى روايتي (الحي اللاتيني) لسهيل إدريس و"موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح.

حري بي طرق مفهوم كل من الشرق والغرب مادام يشكلان مركزية الدراسة ولكن ليس من منطق جغرافي وإنما من منطق حضاري.

يقول إدوارد سعيد: إن الشرق هو "مجموعة الأقطار المنتشرة في آسيا و بعض الأقطار في إفريقيا مما يطل على حوض البحر الأبيض المتوسط, وبعض أجزاء من أرويا الشرقية (1.

يتقاطع هذا التعريف مع التعريف الذي ورد في القاموس الموسوعي "لاروس ",الذي حدده بأنه (أي.الشرق) : )آسيا وجزء من مصر و أوروبا نسبيا باعتبار أوروبا الغربية (2 . والمتأمل في مختلف التعريفات التي شملت مفهوم " الشرق" يلفيها محصورة في تمايز الديانات ,و تباين المصالح .

لذلك يرى"قاسم السامرائي" في كتابه الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية أن الشرق اصطلاح ابتدعته أوروبا لكل أرض وراء حدودها شرقا إلى اليابان ، بيد أن هذا المصطلح بدأ يتزحزح عبر قرون ليقتصر في مفهومه العام و الغامض أيضا على الشرق الأوسط و ما في هذا الشرق من أديان ، و ثقافات، أو حضارات مختلفـة ( 3.

لقد كانت الحضارتان الفارسية و الرومية تمثلان الشرق و الغرب قديما, وكانت بينهما صراعات دائمة تتنازع القوة والجبروت, وبمجيء الحضارة العربية الإسلامية انتقل الصراع بين المسلمين و الروم، ثم تحول هذا الصراع إلى صراع عقدي بين المسلمـين, والصليبيين ليتواصل في صورة أخرى تجلت في الصراع بين العثمانيين والأوربيين, وهو الصراع الذي تولدت عنه فكرة الاستعمار الحديث الذي قام على الغلبة و الهيمنة, وفرض النموذج الأوروبي و الأمريكي على شعوب آسيا وإفريقيا 4.

أما الغرب فقد نعت بأنه تلك (الشعوب التي شاركت في الحروب الصليبية، و التي تعرف حاليا باسم بريطانيا، هولندا ، بلجيكا ، فرنسيا ، ألمانيا ، إسبانيا ، و البرتغال.

وهي دول تشترك في أحلاف عسكرية مع أستراليا و كندا و الولايات المتحدة، و تشمل ما يعرف باسم الكتلة الرأسمالية ، و أحيانا باسم الغرب). 5

إن خلفية العلاقة إذن كانت مؤسسة على ذهنية التصادم و الصراع وفق معادلة طرفها الأول تحكمه قوة استعمارية تريد فرض هيمنتها وسطوتها بأساليب الردع والإذلال، أما طرفها الثاني فتحكمه قوة روحية مستمدة من التشبث بالقيم الإنسانية النبيلة في إبعادها الشرقية ، غير أن هذه العلاقة و بعد أحداث 11 سبتمبر صارت تقلق الغرب أكثر، فاختلقت أسلوبا جديدا للتغلغل أكثر في كيان الشرق من خلال ماسمي الحوار الحضاري بين الشرق و الغرب.

والذي يهمني في هذه الورقة ليس تفكيك و تشريح هذه العلاقة القديمة الجديدة إنما الذي يعنيني هو الحوار الثقافي العميق الذي تمثله بعض الروائيين العرب ممن عاشوا, وعايشوا الثقافتين الشرقية والغربية قصد إجلاء صورة الغرب في ضوء بعض أعمالهم.

هؤلاء هم:

ـ توفيق الحكيم في روايته عصفور من الشرق الصادرة في عام 1937.

ـ يحي حقي في قصته الطويلة قنديل أم هاشم 7 الصادرة عام 1944.

ـ سهيل إدريس في روايته الحي اللاتيني الصادرة 1953.

ـ الطيب صالح في روايته "موسم الهجرة إلى الشمال الصادرة عام 1966.

إن الفترة الممتدة بين صدور عصفور من الشرق وموسم الهجرة إلى الشمال, والمقدرة بحوالي 30 عاما أراها كافية لرصد العلاقة بين الشرق والغرب من جهة, وإبراز صورة الغرب من خلال العدسة الروائية العربية, وكذا الموقف الفكري والجمالي إزاء هذه الصورة.

مفاصل تقاطع هذه الأعمال:

أ- البطل.

تتقاطع هذه الأعمال المنتجة عبر ثلاثين عاما في انتقاء شخصية البطل، فالبطل في كل هذه الأعمال جامعي مثقف من الطراز العالي.

فبطل عصفور من الشرق (محسن) يسافر إلى عاصمة فرنسا "باريس" لدراسة الحقوق فيقع أسير حب حسناء فرنسية تدعى (سوزي) تعمل بائعة تذاكر في إحدى أعظم مسارح باريس فيحلق في سماء الرومانسية المفعمة بالأحلام الشرقية, وحين يصحو على حقيقة هذه المرأة يستجمع كل قواه ويرحل نحو الأفكار الواقعية التي تشده إلى آفاق الشرق.

أما بطل (قنديل أم هاشم) فطالب من ريف مصر يخفق في الحصول على مقعد جامعي في بلده يدعى "إسماعيل" نشأ وترعرع على التقاليد الإسلامية الموروثة يسافر إلى "إنجلترا" لدراسة طب العيون فيتعرض إلى تأثير قوي من جانب الثقافة الغربية )الرواية ترصد تطورات هذا الشاب الروحانية في سلوكه الأخلاقي و الاجتماعي و الفكري من خلال علاقته العاطفية بـ ماري " البريطانية) 8. لينتصر بعد حوار فكري عميق إلى ضرورة الانتصار إلى الثقافة الشرقية دون إغفال حتمية الأخذ من الثقافة الغربية.

بطل "الحي اللاتيني" مثقف لبناني يهاجر إلى باريس للحصول على الدكتوراه في الأدب العربي ، فيقيم علاقة مع فتاة فرنسية يمارس من خلالها كل ما حرم منه في مجتمعه الأم بعيدا عن تلك الرقابة التي كان يفرضهاعليه مجتمعه.

ـ بطل موسم الهجرة إلى شمال " مصطفى سعيد" يسافر بدوره إلى بريطانيا قصد الحصول على الدكتوراه , فيتعرف على امرأة يسقط من خلال علاقته الجنسية بها علاقة الشرق و الغرب ، غير أن بطل هذه الرواية يختلف عن أبطال الروايات السابقة,وذلك لكونه يتذكر باستمرار ما فعله المستعمرون الأوروبيون ببلده ولاوطن العربي.

في ضوء هذه الملخصات المبتسرة ندرك أن أبطال هذه الروايات يقصدون الغرب ممثلا في فرنسا و بريطانيا لإرواء ظمأهم العلمي و الجنسي في آن واحد,غير أن الجنس يوظف توظيفا رمزيا المقصود به إبراز فحولة و ذكورة الشرق, بالمقابل تنعيت الغرب بالأنثوية و الخنوع تحت الرغبة الجنسية الكاسحة, لأن النيل من المرأة الغربيةـ في تصور الروائي العربي ـ معادل فني وظف توظيفا رمزيا للنيل من الغرب برمته,فإذا ما ارتوت هاته الشخصيات عادت إلى أوطانها لتنسجم مع المجتمع الذي نشأت فيه تحارب الجهل و التخلف.

أما رواية عصفور من الشرق " و قصة " قنديل أم هاشم " فتتفق في عدة نقاط أهمها:

رمزيـة الولي الصالح:

تتجلى رمزية "الولاية في رواية عصفور من الشرق, وقصة "قنديل أم هاشم" في ضريح السيدة زينب رضي الله عنها، و تبرز أكثر عند توفيق الحكيم الذي صدر روايته بقوله (إلى حاميتي الطاهرة السيدة زينب) 9. وتتكرر لفظة السيدة زينب على مسار الرواية ثمان مرات.

وحين يعمد توفيق الحكيم إلى إبراز الأجواء الروحية لكنيسة "سان جرمان" ساردا الطقوس الكنسية التي يمارسها النصارى, وما يتبع ذلك من مراسيم العزاء قبل دفن الميت, يستعيد الشعور بالرهبة, والخشوع الذي يغشاه, وهو يتعتب ضريح السيدة زينب بالقاهرة يقول على لسان الراوي:

"هنا أيضا عين الخشوع وعين الشعور، الذي يهز نفسه كلما دخل في القاهرة مسجد السيدة زينب " 10

ثم يقارن بين هذا السكون وذلك السكون الجاثم علي ضريح" السيدة زينب" فيخاطب نفسه قائلا: "... عين السكون، وعين الظلام في الأركان، وعين النور الضئيل الهائم كالأرواح في جو المكان .. إن بيت الله هو بيت الله في كل مكان وفي كل زمان " 11.

وعندما يلوم صديقه "أندري" بسبب توريطه في هذا الجو الروحي الذي لم يعتد عليه, إذ لم يشعره بالطقوس المعتادة عند النصارى, يجيبه آندري و فمه يفتر عن ابتسامة هازئة وهو يخاطبه(...أيها العصفور الشرقي.. تعد نفسك لدخول الكنيسة ما معنى هذا ؟ إنا ندخلها كما ندخل القهوة.. أي فرق؟؟؟ هناك محل عام,و هنا محل عام.. هناك الأرغن وهنا الأوركسترا..) 12.

الأمر الذي يجعل محسن بطل الرواية وهو نفسه الروائي يستنكر هذا الاستخفاف بالمقدسات ويهمس مخاطبا نفسه (بل هناك السماء.. و ليس من السهل على النفس الصعود في كل لحظة..) 13.

ولذلك نلفيه يخص الفصلين التاسع عشر والعشرين من خلال حوار مفتعل مع صديقه الروسي " إيفان " يطرح فيه آراءه حول مادية الغرب, وروحانية الشرق, تلك الروحانية التي تجعل المرء ينسجم مع مشاعره و آفاق إيمانه، في حين يبقى إيمان الرجل الغربي بالمادة حبيس نزواته الحياتية الفانية، وحتى روحانية الغرب لم تعد بتلك القوة والوهج الذي عاشه المسيحيون الأوائل في عصر الشهداء, وهو الطرح الذي انتصر له الكاتب و جعله أمنية يطلبها صديقه المادي بعد أن كفر بالمادية الغربية وما فيها من زيف وافتعال، فتهافتت أمام صحوته الروحانية تلك الشعارات التي تبناها محبو "ماركس" فتسقط دفعة واحدة ولا يبقى أمامه غير الرغبة في مغادرة الغرب برمته والرحيل إلى الشرق حيث الصفاء والاطمئنان.

يقول " إيفان" و قد شعر بقرب أجله: (دعنى، أيها الشاب، سنذهب إلى الشرق، أريد أن أرى جبل الزيتون، وأن أشرب من ماء النيل وماء الفرات و ماء زمزم..)14.

وهي الصورة التي ارتسمت في مخياله حين شعر ببرودة الموت تسري في عظامه، و في ذلك شعور عميق بالتطهر من أدران المادية الغربية التي اكتشف زيفها وعدم جدواها.

الانتصار إلى الشرق نلمسه كذلك في قصة " قنديل أم هاشم" التي تمثل الاستفاقة من الظلال و الغي بعد أن أقدم الدكتور إسماعيل بطل القصة على تكسير "قنديل أم هاشم" الذي يحمل رمزية الإيمان و الفطرة فقد رأى أمه تقطر في عيني ابنة عمته " فاطمة النبوية " قطرات من زيت جلبته من قنديل ضريح "السيدة زينب"، فيقدم في لحظة غضب على تكسير القنديل, وكأنه بهذا الفعل يقصد إلى تحطيم الخرافة والجهل لكنه يشعر في داخله بتأنيب الظمير على الرغم من علمه كطبيب عيون مختص بأن تلك القطرات قد تطفأ نور بصر ابن عمته، فوظف في البدء مهاراته الطبية التي جلبها من جامعات بريطانيا لكنه عجز عن استطبابها,و حين آمن بذلك السر الذي يؤمن به أهله عاد البصر إلى فاطمة.

وهكذا يتضح طرح" يحيا حقي" المتمثل في ضرورة الجمع بين الإيمان و العلم،فالإيمان وحده لا يكفي, كما أن العلم و حده لا يكفي ,بخلاف الثقافة الغربية التي لا تؤمن سوى بالعلم وحده.

و لذلك يقول الراوي في سياق تمرير هذا الطرح بعد أن اطمأن إسماعيل إلى عدم التخلي عن تلك الأساليب التقليدية المستمدة من الإيمان المفعم بأمل الشفاء أن إسماعيل صار (المنقذ الجديد يؤدي دوره الطبي في شفاء الفقراء و البائسين بأساليب تقترب من المعجزة الخارقة،و كم من عملية شاقة نجحت على يديه بوسائل لو رآها طبيب أوروبا لشهق عجبا... اعتمد على الله ثم على علمه و يديه ,فبارك الله له في عمله و في يديه) 15.

ومهما سجلنا من ملاحظات نقدية حول إقحام رأي الكاتبين في هذين العملين بتعسف و فجاجة فإن فكرة الصراع بين الشرق و الغرب واضحة الجلاء.

ففي رواية "عصفور من الشرق" تتبدد تلك الصورة المثلى للغرب التي انبهر بها محسن إزاء المدنية الأوروبية وفنونها الراقية وثقافتها المتألقة، في أيامه الأولى لزيارة باريس, حيث يعبر في مشهد من مشاهد الرواية عن عظمة الحضارة الأوربية مبديا إعجابه بمظاهرها المادية الراقية.

يقول وقد توزع بصره في أنحاء مسرح " الأبرا" البارزة تحت عناقيد الأضواء الساطعة: (أية عظمة, وأي ثراء يشعران بالدوار؟ وأي أنوار؟ عندئذ أدرك من فوره معنى مجسما لكلمة " الحضارة الغربية" التي بسطت جناحيها على العالم..) 16.

لكن سرعان ما تهتز هذه الصورة التي شكلها عن الحضارة الغربية بعد أن يكتشف أن كل ذلك مجرد بخار لا يعدو أسبوعين مليئين باللهو و اللذة مع حسناء تدعى "سوزي".

و في قصة " قنديل أم هاشم " تتذاوب تلك المهارات العلمية المنعزلة عن الجذور الأولى لمنبت الإنسان ، إذ (أن إسماعيل لا يمكنه أن يؤمن بقدرة الزيت على الشفاء دون أن يخالف مبادئ الطب الذي تعلمه ، و لا يمكنه كذلك أن يتخذ من الزيت وسيلة لاكتساب ثقة مريضته دون أن يكون ذلك إرتدادا عن الدلالة الروحانية للحظة الاستنارة التي جاءته) 17.

فالعملان يطرحان مسألة الأصالة و الموروثات السلوكية و العقدية ,و ما لها من تأثير في حياة المرء إذ أن الإنسان لا يمكن أن ينسجم إلا داخل تراث معين.

إذ يستحيل أن يحافظ على مقومات شخصيته المكتسبة من طبيعة و خصوصية مجتمعه الذي نشأ و ترعرع فيه,و في الوقت ذاته ينسجم مع الثقافة الجديدة المكتسبة دون أن ينتصر لجوهر ثقافته الأصلية. إن قضية الصراع بين الحضارتين الشرقية و الغربية ظل الهاجس المركزي الذي أرق المفكر والفنان العربي وقد كان المفكرون الغربيون يوصفون هذه العلاقة بالتقاطب والتصادم والتضاد حتى تفجرت أحداث 11 سبتمبر, فغيروا من نظرتهم هذه ورأوا أن العلاقة ينبغي أن تنهض على الحوار, و أن لا

ضرورة من هذا الصراع, الأمر الذي هيأ المناخات المختلفة السياسية ,والثقافية,والاقتصادية لتصير مسرحا للتقارب, و الحوار المعمق.

ومسألة الحنين و الانتصار إلى عمق الحضارة الشرقية ترصدها رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال" في صورة تضاد بين الشرق والغرب, وذلك عندما يعمد إلى إضفاء بعض الخصائص الغامضة على شخصية جد الراوي لدرجة تقربه من الوالي الصالح ، يسرد ذلك على لسان الراوي فيقول:

(وتمهلت عند باب الغرفة وأنا أستمرئ ذلك الإحساس العذب الذي يسبق لحظة لقائي مع جدي كلما عدت من السفر, إحساس صاف بالعجب من أن ذلك الكيان العتيق ما يزال موجودا أصلا على ظهر الأرض وحين أعانقه أستنشق رائحته الفريدة التي هي خليط من رائحة الضريح الكبير ورائحة الطفل الرضيع).18

فالدلالة الرمزية واضحة التمثيل في المقابلة بين أفكار "سوزي" الغربية و "محسن" الشرقي و أفكار "أندري" من جهة ثانية في رواية عصفور من الشرق, فعندما يطلب محسن من صديقته "آندري" اختيار هدية تليق بقيمة معشوقته " سوزي" يشير إليه "آندري" يكل بساطة باقة زهر,أو قارورة عطر" هوبيجان", لكن "محسن صاحب الأفكار الشرقية المفهمة في المثالية يسنكر ذلك, ويجيب (لا زهر, ولا عطر، إنها أعظم قدرا عندي, وأجل خطرا أن أقدم لها شيئا، أو أن أوجه إليها كلاما..) 19, حينها بدا العجب على وجه الفرنسي, وأدهشه هذا الرد الموغل في المثالية فقال:

(تلك ولا شك فلسفة شرقية...) 20.

كما يتجلى هذا التوظيف الرمزي كذلك في التقاطب الفكري بين "إسماعيل" الشرقي" وماري "الغربية في نظرتها المتبانية حول الحب و الزواج وقضايا الحياة.

إن المثقف الغربي قد ألفى نفسه في مرحلة من المراحل ممزقا بين اختيارين:

ـ بين التمسك بالحضارة الشرقية وما تحمله من قيم التشبث بالأصول و الجذور على ما فيها من مظاهر الجهل و التخلف و الأمية, أو الارتماء في أحضان الحضارة الغربية وما يتبع ذلك من تفتح ومادية وممارسة الحرية على أوسع نطاق.

وعلي مسار الأعمال الأربعة المشار إليها في هذه الورقة نلمس من قبل المثقف العربي (تجسيدا واعيا لموقف التردد بين الحضارتين, فالشرق في وجدانه غائر حتى الجذور التي تمد قلبه بشرايين الحياة والغرب في ذهنه ماثل حتى النخاع فهو الذى يمد عقله بأسباب الوجود) 21.

وبين القلب والعقل يشتد التجاذب في معادلة تقاطبية هي أصل وجوهر الصراع بين الشرق والغرب.

(نشرت بمجلة الآداب والعلوم الإنسانية - دورية علمية محكمة تصدرها كلية الآداب والعلوم الإنسانية لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية.قسمطينة .الجزائر. - العدد الثامن جمادى الثانية 1428/جوان).

د/ باديس فوغالي - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة الأمير عبد القادر

0 تعليقات::

إرسال تعليق