الاثنين، 1 أغسطس، 2011

هيدغر واللاهوت المسيحي

يبدو أن تقسيم فلاسفة الوجود إلى جناح مؤمن وجناح ملحد، كما دأب الفكر العربي المعاصر على ذلك، مسألة غير دقيقة، وتتسم بتسرع وتبسيط مفرطين، كما أه يغفل حقيقة هامة، وهي أن علاقة الفيلسوف بالدين تنطوي على "مفارقة" إلى أقصى حد.
ولذلك لا يمكننا اعتبار هيدغر ممثلا للجانب الإلحادي في فلسفة الوجود للأسباب التالية:
(1) أننا لو أمعنا النظر في فلسفة الوجود عن هيدغر للمسنا تأثير التصورات الدينية عليها: فيذكرنا وصفه الإنسان بأنه الموجود المهتم بوجوده، وكلامه عن الهم، وحرصه على تحقيق الوجود الحقيقي بما تسعى إليه الأديان، كما أن في تحليلاته للذنب والضمير أصداء بعيدة من الخطيئة الأولى.
فمن المعروف أن هيدغر، قد انحدر من أسرة كاثوليكية، ونشأ على تعاليم الدين المسيحي الكاثوليكي، ودرس في شبابه في مدرسة كونستانس Konstanz، وهي مدرسة كاثوليكية تقع في منطقة انتشر فيها تأثير الكاثوليكية والبروتستانتية إلى حد بعيد، ولا يخفى في فلسفته تأثير هذه النشأة الدينية.
ومن المعروف أيضا أنه انضم بعد سنوات الدراسة إلى معهد (الجزويت) في بلدة فلدكيرش، ثم التحق بجامعة فرايبورج لدراسة الثيولوجيا لعدد من الفصول الدراسية، وأن كلا من النشأة الدينية، والميل إلى الفلسفة قد تركا أثرا قويا على حياة هيدغر المبكرة، كما أنه لم يغلق باب الحوار بينه وبين رجال اللاهوت المسيحي الذين أفادوا من كثير من جوانب فلسفته.
(2) كما أننا نلمس في فلسفته تأثير الأفلاطونية المحدثة، وأوغسطين، وبسكال، وكيركجور... مما يكشف في موقفه عن الوجود عناصر من النزعة الصوفية والجمالية لا يمكن إنكارها، ونلمح أثر هذه النزعة الصوفية في حديثه عن "الزمانية" في مرحلة تفكيره المتطور كما جاء في الفصل السادس.
(3) أن هيدغر نفسه يرفض أن توصف فلسفته بالإلحاد، فيصرح في بعض أحاديثه "بأن فكره يهيئ "بعد القداسة" الذي يجب أن يسبق كل حديث عن الله أو الدين".
ويقول اتهامه بالإلحاد يهمل من حيث المبدأ العبارة التالية التي تقرأ منذ عام 1929م في مقاله عن "ماهية السبب" جاء فيها:
"إن التفسير الأنطولوجي للآنية بوصفها وجودا -في- العالم لا يحسم بمعنى سلبي ولا بمعنى إيجابي أن يكون الإنسان على صلة بالله أو متجها إليه، ولا مفر أولا من الوصول إلى تصور كاف عن الآنية عن طريق توضيح معنى العلو" -وهذا ما فعله في الوجود والزمان- ثم عن طريق هذا التصور يمكننا أن نضع السؤال الأنطولوجي عن طبيعة العلاقة بين الآنية والإله"(1).
ويمكن تفسير هذا النص كما يلي:
أ- أننا لكي نحل مشكلة الصلة بالله ينبغي أولا أن نسمع، وأن نفهم، ابتداء من حقيقة الوجود، لأن الوجود هو مصير الفكر، وماهية ما هو مقدس، وأن نفهم ابتداء من هذه الماهية الألوهية التي نستطيع بفعلها أن نحدد مضمون فكرة الإله.
ب- أن هيدغر ليس منكرا للألوهية، لأن فلسفة الوجود تتطور في أنطولوجيا توحي بإمكانيات جديدة لفكرة الإله، وربما كانت هذه الإمكانيات أكثر تطورا من مفهوم الألهوية التقليدي، وهو في ذلك يذكرنا بالإله الذي تحدث عنه ماسيتر إيكهارت (28/1327-1260)، وميزه عن المعبود، أو يذكرنا بالإله الذي يجاوز كل تأليه عند بول تيليسن ( -1886) من متصوفة الألمان.
وبذلك يمكن الذهاب إلى أن كتابات هيدغر عن الوجود إنما هي محاولة غير صريحة للبحث عن الله، وتعبير "مقنع" عن الإيمان بوجود الله، وأن تعبيراته الغامضة الصعبة تخفي وراءها نفس المواقف القديمة إزاء الدين، وأمثلة ذلك واضحة في حديثه عن التصميم ومعناه الديني: التصميم لأداء العمل الصالح وإرادة ذلك، وهو عنده التصميم لتحقيق المشروع، والضمير في الدين هو الطريق إلى تجنب المعصية ويعبر عن النفس اللوامة، أما عند هيدغر إسراع لتحقيق الإمكانات، والأبدية في الدين تحولت إلى زمانية إنبثاقية للآنية -في- العالم.
ج- إذا كان تفكير هيدغر يبدو بعيدا عن الثيولوجيا في الوجود والزمان فإن ذلك لا يعني تحوله إلى الإلحاد، ويذكرنا ذلك بموقف كانط في نقد العقل النظري عندما استبعد "مؤقتا" البحث في الدين والميتافيزيقا دون أن يكون ملحدا(2).
د- يقصد هيدغر "بالتصور الكافي للآنية" الأفق الإنبثاقي المتعالي للوجود بما هو كذلك، فابتداء من حقيقة الوجود يبدأ التفكير في ماهية المقدس Das Wesen des Heilige، وابتداءا من ماهية المقدس نفكر في ماهية الألوهية، وفي ضوئهما يمكننا أن نعبر عن معنى كلمة الإله.
ويمكن القول بأن تفكير هيدغر في هذا السياق ينقسم إلى تفكير في "المقدس" Das Heilige، وفي "الألهوية" Die Gottheit، و"الإله أو الآلهة" Der Gott oer die Gotter، وملتقى هذه التقسيمات هو "الحقيقة بوصفها إنارة للوجود".
كما أن العلاقة بين الإنسان والإله عند هيدغر لا تقوم على أساس أن الإنسان "حيوان مفكر" وإنما بوصفه وجودا ماهويا ينتمي إلى الوجود بمعنى "الحادث" كما سبق أن رأينا.
ويلاحظ أن سؤال هيدغر عن "المقدس والألوهية والإله" في نطاق إنارة الوجود إنما هو تعبير عن فكرته عن "قرب الإله وغيابه": فالإنسان قد بعد عن الوجود، واستغرق في نسيان ماهيته، وهو عندما يتحرك صوب بعد "مقدس" يحتاج إلى حقيقة الوجود، لأنه لا يتضح إلا من خلالها، أي أن التفكير في إنارة الوجود يمهد للمدخل الممكن للمقدس من خلال "نور الوجود".
ومن ناحية أخرى، تناول هيدغر مفهومي الغربة Heimatlosigkeit، "والإلف أو السكن" من خلال "أعمال هيلدرلين" التي تجيب على الأسئلة التي تركها هيدغر معلقة في Heimat الأنطولوجيا، فالغربة تعبر عن موقف الإنسان الحديث في بعده عن الوجود، والسكن تعبير عن وقوفه بالقرب من الوجود، ففي الغربة نسيان الموجودات للوجود، وإحتجاب للحقيقة، فيصبح الموجود مجرد شيء وسط الأشياء، وينتمي إلى عالم يغيب عنه بعد القداسة، والتغلب على هذه الغربة يبدأ بالوجود عندما يستنير من جديد، ونعرفه في ضوء الحقيقة.
يتضح من ذلك أن "المقدس" هو المعنى الذي يتجسد فيه بعد الألوهية والإله، وأن "الفرق الأنطولوجي" بين الوجود يناظره "فرق ثيولوجي" آخر يفيد أن الإله ليس موجودا، وليس هو الوجود ذاته، وأنه يختلف عن الوجود بمعنى الحادث، وأنه في مجال حقيقة الوجود يظهر في صورة الحادث(3).
(4) إن فلسفة هيدغر بحث تاريخي عن الوجود، وهو بحث ديني بصفة أساسية، يقول هيدغر: "علينا أن نفكر في اللغة ابتداء من الوجود".
أ- أن "الوجود ليس هو الله" لأن الوجود ليس حقيقة لا زمانية، بل هو معنى التاريخ كما رأينا، وأن الوجود ليس ذاتا، ولا موضوعا، ولا شخصا، ولا شيئا، بل هو انفتاح محض وعلاقة محضة، وخارج علاقته بالإنسان لا يوجد شيء.
ب- أن اللغة تعبر عن وجود الله بالسلب، فالإله ليس العلة الأولى وإلا كان مجانسا للموجودات التي يخلقها، واللاهوت بدفاعه عن الله العلة قد أسهم في مجيء إله الفلاسفة.
جـ- أن الوجود لا يتصور من حيث الفاعلية بل من حيث الحضور والمحايثة.
د- أن مهمة الفكر واللاهوت هي التحرر من صورة إله الفلاسفة ابتغاء الاقتراب من الله الحقيقي بمساءلة الموجود.
هـ- أن الله ليس هو القيمة "وهو التصور الذي ساد الفلسفة الغربية منذ عهد أفلاطون إلى نيتشه".
و- أن الله لم يمت، وأن ألوهيته تحيا، وهي أقرب إلى "الفكر" منها إلى الإيمان، وتتلقى أصلها من حقيقة الوجود.
ز- أن الله ليس شخصا، وإلا طبقنا على فكرة الله مقولة وجودية لا ترد إلا في الإنثروبولوجيا.
والنتيجة هي أن الله -عند هيدغر- ليس وجودا من الموجودات، ولا علة أولى، ولا شخصا ووجوده يعبر عن رفض كل تبرير وبرهان(4).
(5) لهيدغر عبارة بالغة الأهمية في هذا السياق، جاء فيها: "إله واحد فقط بوسعه أن ينفذنا"(5). ويمكن تفسير هذه العبارة كما يلي:
أ- الأنطولوجيا الأساسية في الوجود والزمان تكشف عن "ثيولوجيا" تتضح -مثلا- في أن "السقوط" يصف الحركة نحو عالم الأشياء والأدوات، والانغماس فيه بحيث يصبح الفعل retten (ينقذ) الوارد في العبارة السابقة تعبيرا عن الحركة في اتجاه معاكس، كما أن الوجود الحقيقي هو "إمكان الوجود"، وكلمة إمكان تعبر بإيجابية عن الفرق بين الوجود والموجود، و"التفكير" يدعم هذا الفرق بين الممكن والواقع، ويمثل توتر الوجود في مقابل الموجود.
ب- أنه ثمة تناظرا بين الفرق الثيولوجي بين الله والموجودات -فبدون الاختلاف الإلهي لن يكون للموجودات معنى- وبين الفرق الأنطولوجي عند هيدغر بين الموجود والوجود، وهذا الفرق يؤسس جميع الاختلافات في الموجودات، كما أن هذا الفرق في حالة الوجود الحقيقي لا يتحقق إلا بوجود الإله.
نستنتج من ذلك أن معنى الوجود عند هيدغر متعلق "بالإله"، وأن الأنطولوجيا عنده ليست مؤسسة على اللاهوت منذ البدء حتى لا تندرج تحت الميتافيزيقا التقليدية التي تخلط -في رأيه- بين الوجود والموجود.
فالثيولوجيا كامنة في أنطولوجيا هيدغر، ومعنى الوجود تابع لفكرة الإله، ومن خلالها يصحح فكرة "الخلاص" أو "النجاة"، علما بأن الوجود لا يحقق لنا النجاة، وإنما الوجود والموجود يتحقق لهما النجاة بفضل الإله.
ويلاحظ أن هيدغر قد استخدم كلمة "الإله" بصورة معرفة وغير معرفة، ومفردة، وجمعا لينوه بذلك استخدامه الجديد للكلمة الذي يتجاوز به "الصنم الميتافيزيقي" القديم، ويجرده من أشكاله الشكلية مع الإبقاء على معنى "تفرد القداسة".
كما يلاحظ أن معنى اللاهوت يستقر عنده في نظريته عن التصميم" وهو هدف التفكير، وفي كل خطوة من الطريق يتجدد هذا الهدف؛ ذلك أن الثيولوجيا عنده ثيولوجيا الفعل لا النظرية.
جـ- تدلنا العبارة أيضا على أن "النجاة" تتحقق لنا بالتفكير الخالص، وليس التفكير في إله بالضرورة، وذلك لأن التفكير هو دوما بفضل الإله، وليس بالضرورة تفكيرا في الإله، ويعبر عن مغزى طريق التفكير الطويل عند هيدغر.
والتفكير عنده هو الفعل المزدوج للوجود من جهة، والإنسان من جهة أخرى، ويعبر الجانب الإنساني من التفكير عن تلق خالص، "فنحن لا نسعى إلى التفكير، وإنما يأتي إلينا التفكير"، فالتفكير "تجربة أو اختيار لهبة الوجود"، وهو اختبار من الإله للوجود الإنساني.
د- كما تدلنا على أن كلمة "الوجود" هي التي تبين موضع الخلط في التراث الميتافيزيقي بين الوجود والموجود، وذلك هو "السقوط" في مفهوم هيدغر، والحركة المضادة لذلك السقوط أسماها هيدغر -كما ورد في العبارة- "بالنجاة"، والفعل retten (ينقذ) هنا يشير إلى تجاوز وهم الوجود مدركا بوصفه واقعا وإلى حقيقة الوجود بوصفها تفكيرا، والإله يسمح لنا بهذا التفكير، كما أن تجربة التفكير الحقيقية تعد شرطا يمكننا من ملاقاة الإله، وهذه الثيولوجيا لا تنفصل عن طبيعتنا الإنسانية المتمثلة في الفعل لا النظرية أو السعي إلى الوجود الحقيقي، وفيها نتحرر عن طريق الإله. و"السؤال عن الإله" لن نفهمه قط إلا من خلال "السؤال الهيرمينوطيقي عن معنى الوجود"، بذلك وحده يمكننا فهم الوجود.
هيدغر -إذن- ثيولوجي من حيث المبدأ والمنتهى، ويمكن تفسير ماهية المسيحية بعد أن أعاد تعريفها بأنها "حرية التفكير"، ويقول هيدغر في كتابه الطريق إلى اللغة Unterwegs zur Sprache: "بدون الملاذ اللاهوتي لم أكن الأصل إلى طريق التفكير".
"فالنجاة" الواردة في العبرة السابقة هي "السماح بالتفكير"، وهي ليست نجاة من حالة راهنة بقدر ما هي نجاة من حالة مستمرة، فنحن أبدا في حاجة إلى إله كي نتمكن من التفكير؛ فالتفكير مهمة تجاوز الطبيعة الإنسانية، بل هو خاصية تميز الوجود -أو بالأحرى- هو علاقة الوجود بالموجود الإنساني.
يتضح من ذلك أن التفكير هبة الوجود الذي يمكنه أن ينقذ الآنية من الانزلاق مع الموجود، وعلينا أن نشعر بالعرفان لهذه الهبة(6).
(6) فسر هيدغر "شعر هيلدرلين وغيره" في مرحلة فكره المتطور تفسيرا يدعم ما سبق أن توصلنا إليه: يقول هيدغر في أحد تفسيراته "لهيلدرلين" أو "شاعر المستقبل" كما يراه: "إن زماننا هو زمان الحاجة، لأنه يقع تحت تأثير نوعين من السلب، فلم يعد يوجد آلهة كما قال نيتشه، ولما يأت بعد الإله الجديد، وإن الافتقار الشديد إلى الإله إنما هو بوح ووعد".
ويقصد هيدغر بذلك أن العصر الذي لم تعد فيه آلهة هو العصر الذي ألغي فيه معنى السؤال عن الوجود، وأنه لا مفر من البحث عن معناه، ولا يمكن الوصول إلى هذا المعنى "تماما" لأنه بعيد إلى أقصى حد، وهذا الطريق إليه هو طريق عثورنا على هويتنا، وبه نتصل بذواتنا وننفتح على الوجود، ونحتفظ بقربنا منه. ويمكننا "بالتفكير" "والشعر" أن نستعد لظهور الإله أو أفوله، ونحن الآن نحيا عصر غياب الآلهة، ونحن لا يمكننا أن نفكر في الإله؛ بل يمكننا على الأكثر أن نستعد لانتظاره، وأن نوقظ في أنفسنا الاستعداد لهذا الانتظار.
ذهب هيدغر في مرحلة تفكيره المتطور إلى أنه عن طريق التحول عن الثيولوجيا بمعناها التقليدي السائد في الميتافيزيقا والأنطولوجيا يبدأ البعد لديني لديه في الظهور، وأنه استخدم لذلك لغة خاصة فسر بها فكر "نيتشه" من جهة، وشعر "هيلدرلين" من جهة أخرى.
"فأما عن نيتشه"، فيرى أن فكرة إعادة تقويم كل القيم أو انقلاب القيم عند نيتشه ليست سوى فهم سطحي لمقصود نيتشه، وأن الأهم من ذلك هو "الإنسان بوصفه مشرعا للقيم Wertung aller ومبدعا إياها"؛ فما فهمه نيتشه على أنه "العدمية الأوروبية المقبلة"، لم يفهمه هيدغر بوصفه Werte فقدان القيم لمعناها، وإنما بوصفه نهاية لائحة القيم القديمة، وأطلق على ذلك مصطلح "نسيان الوجود".
و"أما عن هيلدرلين"، فقد أعاد هيدغر اكتشافه من جديد، فإذا كان آخر الآلهة في العالم القديم عند هيلدرلين هو الإله المسيحي، ونحن الآن نحيا عصر غياب الآلهة، فإن الوجود عند هيدغر أصبح أكثر من مجرد حضور، إنما بالأحرى "غياب"، "لأن الطبيعة تحب أن تختفي" كما يقول هيرقليطس، ولا يخفى أن هذه العبارة تدعونا إلى الانتظار، كما دعانا إليه هيلدرلين.
لذا تحدث هيدغر عن "التفكير فيما هو آت"، وهذا التفكير نتركه يتسلل إلينا كما يتسلل اللص خفية في ظلام.
ولم يعد هذا التفكير أنطولوجيا ولا ثيولوجيا بالمعنى التقليدي؛ فهو إذ يفسر هيلدرلين يرى أن السؤال "من هو الإله؟" Wer ist Gott من أصعب الأسئلة، لأننا لا نستطيع أن نصل إلى الإله بسبب طريقتنا القاصرة في الحديث عنه، ويمكننا أن نتساءل فقط "ما هو الإله؟" Wer ist Gott مما يشير إلى بعد القداسة والقدس في تفكيره المتطور، يقول بهذا الصدد: "ضياع بعد القداسة والمقدس هو الآفة الحقيقية لعصرنا"(7).
كتب هيدغر في خطاب شخصي إلى كارل لوفيت Karl Lowith أحد مريديه وأصدقائه في عام 1921 ما يلي:
"لعل من أفدح الأخطاء أنك وبيكر Becker قد جعلتماني أسوة بفلاسفة من أمثال نيتشه وكيركجور وغيرهما.. ويمكنني القول بأنني لست فيلسوفا، بل إنه لا وجه للمقارنة بيني وبينهما لأنني ثيولوجي مسيحي "Ich bin ein Christlichertheologe".
ويشير ما ورد في هذا الخطاب الهام إلى ما يلي:
الدافع العميق المحرك لهيدغر في طريقه الفكري هو "الثيولوجيا": فهو يعتبر نفسه ثيولوجيا مسيحيا، ويعني ذلك أن جميع الأسئلة التي طرحها تهدف إلى التحرر من الثيولوجيا بمعناها التقليدي التي نشأ عليها، وذلك كي يمكنه أن يكون مسيحيا بحق، فهو يريد أن يتخذ مهمة جديدة للاهوت في مقابل المسيحية اللاهوتية السائدة، ولقد ساعده على ذلك -على حد قوله- ما تعلمه من مذاهب في كلية اللاهوت بجامعة فرايبورج.
وهذه المهمة الجديدة تتلخص في "الدعوة إلى الإيمان وحمايته"(8). وهذه العبارة سمعها "جادامر" في عام 1923م في حوار مع هيدغر عن الثيولوجيا بوصفها مهمة للتفكير، وتبين له أن الآنية الوقائعية المهمومة بإشكال الوجود في البداية الصحيحة لتحقيق هذه المهمة، فهي الموجود "السائل" عن معنى الوجود.
صفوة القول: إن "السؤال عن الوجود" الذي جاهد هيدغر دوما في سبيل إثارته، ومحاولة الإجابة عليه ليس في النهاية وفي صورته الجديدة سوى "السؤال الإله"(9).

هوامش:
(1) Cp. Heidegger, M. : « The Essence of Reason », Abilingual ed. In Corporating the German Text Von Wesen des Grundes, Tra, s. by Terrence, T. Malick, Northwedtern iniversity Press, U.S.A, 1969, P.91.

(2) Cp. Hermann, Fr.W. Von. : Proseminar über (Sein und Zeit), Protokooll der I.Sitzung am 18-10-1990 Von A.Stutzer, S.7.

(3) Cp. Hermann, F.W. Von. : Das Heilige, Die Gottheit und der Gott im Seinsgeschichtlichen Denken Heideggers, Freiburg I.Br., 1990, S.8-10.

4) قارن: عبد الرحمن بدوي: الموسوعة الفلسفية، ص709-608.
(5) Nur noch cin Gott Kann uns retten.

(6) Cp. Crettela, Henri, “la Théologie de Heidegger”, in Heideggers Studies Dunker Humbolt, Berlinvoll.5, 1990, PP.11-25.

(7) Zum Glauben zu rufen und Glauben zu bewنhren.

(8) Cp. Gadamer, Hans Georg; “Die religiese Dimension” 1981 in “Heidegger’s Zegz” – Studien zum Spنtwerk, J.C.B mohr (Paul Siebeck), Tübingen, 1983, SS.140-151.

د. صفاء عبد السلام جعفر *

* ) أستاذة الفلسفة الحديثة – كلية الآداب الإسكندرية، ج.م.ع.

الجمعية الفلسفية المغربية - مدارات فلسفية العدد 5

1 تعليقات::

متحف الفيديو يقول...

مرحبا! لديك موقع للاهتمام. من الجميل ان الزيارة هنا.

إرسال تعليق