الأحد، 3 يوليو، 2011

السودان في «موسم الهجرة» إلى إسرائيل... أين المؤامرة؟

لم يأخذ عثمان معه أي أشياء ثقيلة حين قرر «الهرب» من دارفور إلى إسرائيل. كان يعرف ان الرحلة طويلة، والطريق شاقة ولا بد من اجتياز حدود كثيرة تحت جنح الظلام. تسلح بكثير من الأمل وقليل من النقود التي جمعها بعرق الجبين وترك رسالة قصيرة إلى أمه واتجه صوب «الحلم».
يستطيع عثمان، الشاب السوداني، أن يروي يوما ما لأولاده كل تفاصيل تلك الرحلة، لكنه قد يتجنب ذكر نهاية تلك الرحلة، قد يخجل لو أخبرهم بأن رحلته الطويلة انتهت بطرد أمام عدسات الكاميرا من إسرائيل.
قصته تشبه قصص مئات السودانيين الذين وصلوا إلى إسرائيل، ثم تم جمعهم في معسكرات ـ معتقلات، وأعيدوا إلى مصر أو إلى السودان بناء على اتفاقية وقعها الرئيس المصري حسني مبارك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت في 8 شباط العام 2005 في شرم الشيخ حيث قال أولمرت حينها «آمل ان يكون في هذه الاتفاقية ما يضع حدا لتسلل اللاجئين الأفارقة إلى إسرائيل، ذلك ان هذا التسلل يخلق لنا مشكلة كأداء».

ونقلت منظمة العفو الدولية عن وزير الداخلية الإسرائيلي مئير شتريت قوله:«ان أكثر من 300 شخص كانوا يجتازون الحدود المصرية الإسرائيلية (حوالي 250 كيلومترا) في خلال الأشهر القليلة الماضية». وتخطى عدد السودانيين بينهم اكثر من 1200 شخص، وثمة من يقول إن العدد هو أقل من ذلك.

سعت إسرائيل لاظهار احراجها أمام الرأي العام العالمي. هي بارعة في مثل هذه الحالات. قالت إنها لا تستطيع ان تستوعب هذه الأعداد. لم تقل لأنهم غير يهود. انبرى الصحافي المعتق نواه كليجر، أحد أقدم كتاب صحيفة «يديعوت أحرونوت» والناجي من محارق النازية، ليقول ان إسرائيل أصبحت اليوم «دولة» وعليها ان تتعاطف مع أولئك الذين يعيشون «مجازر» كالتي عاشها اليهود في القرن الماضي.

أرادت إسرائيل ان توحي للعالم، بانها صارت «قبلة اللاجئين» والهاربين من بلادهم، وبعد ان انطفأت أضواء الكاميرات، عادت إلى الواقع. لا بد من إعادة طرد هؤلاء اللاجئين، ذلك ان إسرائيل تستوعب اليهود فقط. ذكّر البعض بأن الأمر احتمل استثناءات عبر التاريخ، عاد هؤلاء بالذاكرة إلى أولئك الفيتناميين الذين تم استيعابهم في إسرائيل وباتوا من أشرس المقاتلين في «جيش الدفاع».

ومن جهته، استعاد النظام السوداني تحليله السابق ومفاده ان ثمة «مؤامرة» تحاك من قبل أميركا وإسرائيل وبعض الدول الغربية في دارفور ضد السودان ونظامه، لان هذا النظام لم «ينبطح» كمعظم القادة العرب، ولم يطبع ولم يفتح علاقات، ولم تغره الجزرة الأميركية ولا أخافته عصا البيت الأبيض.

تبدو قصة هؤلاء اللاجئين السودانيين أكبر من أحداث عابرة، وأقل من مؤامرة، ذلك ان وصول مهاجرين سودانيين وأفارقة إلى قلب إسرائيل يفترض أمرين: إما غض طرف إسرائيل بحيث أن الأمن الإسرائيلي ترك اللاجئين يصلون إلى الداخل بغية استغلال القضية إعلاميا ومضاعفة الضغط على النظام السوداني وتحسين صورة إسرائيل في الخارج، وإما أن هؤلاء المهاجرين اخترعوا وسائل عالية الدقة والعبقرية كي يخترقوا كل ما اعترضهم من أجهزة استخبارات أفريقية ومصرية وإسرائيلية ووصلوا بقدرة قادر إلى الداخل الإسرائيلي.

الأكيد أن الاحتمال الأول هو المرجح اذا ما عرفنا طبيعة الحدود وشدة المراقبة وصعوبة الاختراق، وإلا لكانت القاعدة والتنظيمات الاصولية الفلسطينية وكل حالم بالتحرير، اخترق تلك الحدود ووصل إلى الداخل.

ومن يقرأ تصريحات أولئك المهاجرين واللاجئين السودانيين (ومنهم فقط 100 تقريبا من دارفور) فسيفهم ان الرغبة الإسرائيلية في رفع مستوى الشكوى من المجازر وممارسات النظام السوداني، هي في صلب تلك القضية.
لكن، لا شك أيضا في ان الجميع يتحمل المسؤولية، من السودان مرورا بالدول العربية التي باتت، لأسباب غير اخلاقية في معظمها، تغلق أبوابها امام اي لاجئ سوداني او فلسطيني او عراقي... بذريعة أنها لا تريد لهؤلاء الاستقرار في غير بلادهم.

نقلت إذاعة «بي بي سي» في تقرير لمراسلها عن الطيب إبراهيم وهو اصغر السجناء السودانيين في إسرائيل قوله:«ان الإنسان حين يخرج من الحرب يخرج هاربا، والهارب لا يرى الا الحدود التي يقف عليها. ان إسرائيل أصبحت مركز ايواء للاجئين بدلا من مصر التي عانى فيها اللاجئون ومات منهم الكثير». وقال حسن نصر وهو من جبال النوبة:«اذا كان الموت وراءك والممنوع المصري امامك، فالسؤال هل ستختار الممنوع اي إسرائيل، ام الموت في مصر؟!».

مصر قد لا تلام على ما حصل للاجئين فيها، فعلاقتها الحساسة تاريخيا مع الجار السوداني تمنعها من تشجيع اللاجئين على المجيء إليها، وأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية لا تسمح لها بأن تفتح الحدود لكل طالب ملجأ. لكن، ماذا عن العرب الآخرين؟ لا حاجة للجواب... تكسرت النصال على النصال.

[[[

لا عليك، فسوف يرتب لك «الزول» كل الإجراءات الأمنية والجمركية، وأهلا بك مجددا في السودان... أهل السودان هم دائما هكذا، تلمع اسنانهم البيضاء في الوجوه الداكنة حين يفتر الثغر عن ابتسام، وتلمع العينان ترحيبا بكل عربي قادم اليهم، كأنهم في كل مرة يكتشفون العالم العربي: عمقهم الطبيعي وامتدادهم القومي. و«الزول» تعني عندهم الرجل، وهي غالبا ما تتردد على الشفاه بحيث ان الزائر او السائح سرعان ما يدرك معناها لكثرة تردادها. يرتفع صوت الأذان. يتخذ كل سوداني، بمن في ذلك بعض رجال الجمارك، مكانا محايدا، يفرشون سجاداتهم الصغيرة ويصلون تحت الإعلانات الدعائية لشركات الهاتف المحمول.

يعتذر الصديق السائق عن عدم وجود مكيف في السيارة. يعد بأن اصلاحه لن يستغرق أكثر من يوم واحد. يكرر الترحيب ويلتفت إلى الراديو راغبا برفع صوت الموسيقى السودانية قليلا. يداهمه صوت بوق شاحنة. ننجو من حادث محتم. يكتفي الرجلان بمد الرأس من نافذة السيارة والقول:«انتبه يا زول». الحياة في السودان مغالية في هدوئها، كأنما الزمن هو من كمالياتها.

«جئت لمعرفة شيء عن العلاقات السودانية الإسرائيلية، هل تعتقد ان الامر محرج». يبتسم الصديق السائق ويجيب محركا رأسه يمينا ويسارا: «لم يعد الحديث في السودان عن العلاقات الإسرائيلية السودانية من الممنوعات، لا بل ان صحيفة عريقة كـ«الرأي العام» باتت قادرة على أن تخصص ملفا كاملا لهذا الموضوع، أرفقته بمقابلة مع الأكاديمي المثير للجدل صلاح البندر، المبشر برفع العلم الإسرائيلي قريبا في الخرطوم، كما أرفقته بعدد من الاستفتاءات مع سياسين ورجال دين لمعرفة إيجابيات وسلبيات العلاقة مع إسرائيل».

العلم الإسرائيلي فوق الخرطوم

فجّر الدكتور صلاح البندر قضية كبيرة قبل أشهر قليلة. فهذا الأكاديمي الغامض، الذي يعمل كباحث في جامعة كامبريدج البريطانية العريقة، كشف، مستندا إلى الأرشيف البريطاني، عن سر العلاقات التاريخية بين بعض الأحزاب السودانية العريقة وإسرائيل.

كنت قد التقيت البندر في شقة صغيرة في كامبريدج، قال انها ليست منزله الدائم إنما يستخدمها في كامبريدج للعمل والتصوف. كانت الشقة زاخرة بالملفات وبخريطة كبيرة تزينها أضواء صغيرة لتوضح الخطوط المتعرجة فيها. وإلى جانبه جهاز لاسلكي متطور. سألته عن السبب فشرح انه يراقب تحركات القوات العسكرية في السودان، وتحديدا في دارفور، بحيث انه يستطيع التقاط الاتصالات التي يجريها الجيش السوداني وكذلك المتمردون.

يحافظ البندر على «الدراعة» السودانية، لكنه غير لونها بحيث صارت بنية بدلا من بياضها المعهود. يبتسم ككل أهل السودان تلك الابتسامة المعبرة عن هدوء الحياة، لكن عينيه توحيان بشيء غامض، كأنما الملفات التي يحتفظ بها تضم أسرارا كثيرة ليس فقط عن السودان وإنما عن البحرين التي ذهب إليها مستشارا حكوميا وغادرها مطرودا بعد أن فجر فضيحة قال فيها إن جماعة «الإخوان المسلمين» تريد السيطرة على الحكم عبر أحد أعضاء الأسرة الحاكمة.

ومن خلال ملبوسه الذي يشبه فناني أفريقيا أكثر مما يقترب من الباحثين الأكاديميين، يريد البندر القول بأنه لم يفجر فضيحة إلا طلبا للحقيقة وحماية للسودان. لا بل يبرر ذهابه إلى إسرائيل بأنه ما كان ليحصل لولا السعي لإطلاق سراح شاب سوداني كانت السلطات الإسرائيلية قد اعتقلته حين تسلل إلى هناك لمساندة الانتفاضة.

وكي يقطع الطريق على التشكيك، يسارع البندر إلى التأكيد أنه هو نفسه تدرب مع الفلسطينيين وعاش في مخيماتهم في لبنان وتعرف عن قرب إلى الرئيس الراحل ياسر عرفات.
يقول ذلك، ثم يسوّي جلسته الملاصقة للسجادة المتواضعة في شقته، ويشير بيده إلى الصور الملصقة على الحائط خلفه. واحدة لياسر عرفات وأخرى لزعيم النضال في جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا واخريات لفنانين وسياسيين ذوي أصل أفريقي وبينهم خليجيون.
ماذا عن إسرائيل والسودان؟

يبتسم صلاح البندر، كأنه قبض لتوه مليون دولار. تلمع عيناه. يقوم عن الأرض ويدعوني للحاق به. ندخل إلى مكتبه، يُخرج أحد المفات: «أنظر إلى هذا هو الأرشيف البريطاني، لاحظ ان الصديق المهدي، اي والد الزعيم الحالي لحزب الامة الصادق المهدي، كان التقى برجال الموساد الإسرائيلي في الخارج».

ويكمل بكثير من الثقة بالنفس، ان كل الأحزاب السودانية نسجت علاقات مباشرة او غير مباشرة مع إسرائيل، لا بل يكاد يشير أيضا إلى الجبهة الإسلامية بقيادة الرئيس عمر حسن البشير والدكتور حسن الترابي، لكنه لا يملك معلومات، خلافا للمعلومات الكثيرة التي بين يديه حول الأحزاب التقليدية وأيضا وخصوصا حول علاقة الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة العقيد الراحل جون غارانغ وإسرائيل.
الصادق المهدي: إسرائيل عدوة

يستنفر زعيم حزب الأمة ورئيس طائفة الأنصار العريقة الصادق المهدي كل شرايين رقبته حين يطرح عليه السؤال حول إسرائيل. يبدو كمن لدغته عقرب. يستحضر كل الاتهامات التي سيقت ضده حين صافح «عرضا» شمعون بيريز على هامش إحدى القمم. ينتفض في كرسيه المتوسط خيمته قرب منزله الفسيح في أم درمان، ويسارع إلى القول: «إن إسرائيل هي وراء كل مشكلة في أي دولة عربية، وما لم تمارس هذا الدور، فإنها تكون مقصرة في سياستها التآمرية، وأنا شخصيا ضد التطبيع مع إسرائيل، لان التطبيع معها يعني موافقة على نفي حق العشب الفلسطيني ونفي حقوق البلدان العربية المجاورة لها كما في الجولان، وأنا كنت أقول ولا أزال أنه لا يمكن ولا ينبغي أن يكون هناك اي نوع من التعامل مع إسرائيل ما لم تسلم بحق الشعب الفلسطيني، اي لا بد من الاعتراف بحق لاجئي 1948 ومن تلاهم، ذلك ان هؤلاء هم أصحاب حق وهناك القرار 194 لا بد من ان يرد لهم حقهم، وثانيا لا بد من انسحاب إسرائيل من كل الأراضي المحتلة ومن دون اي مرواغة، وثالثا لا بد من ان يكون لاهل فلسطين الحق في إقامة دولة ذات سيادة وليس تحت رعاية احد، رابعا لا بد من تصفية المستوطنات التي تمت في أراض عربية. وخامسا لا بد من أن يعامل العرب داخل فلسطين على أساس المساواة في حق المواطنة، وما لم يتم ذلك، فالتطبيع جريمة».

فجر صلاح البندر جدلا كبيرا في السودان حين كان قد قال مثل هذا الكلام في صحيفة «الرأي العام» السودانية. وهو ليس نادما على الامر، لا بل يؤكد انه على استعداد للمراهنة على ان العلاقات بين السودان وإسرائيل ستقوم عاجلا أم آجلا وأن من مصلحة السودان ان يقيمها نظرا لما تتمع به إسرائيل من تكنولوجيا عالية في الكثير من القطاعات التي تهم السودان كالزراعة والري وغيرهما.

وحين يستذكر التاريخ، فإن صلاح البندر، يسحب ورقة من درج مكتبه ويقرأ انه:«في 13 مايو (ايار) 1982 عقد لقاء سري بين ارييل شارون وجفعر نميري في مزرعة سفاري في نيروبي ورتب اللقاء رجل الأعمال السابق عدنان خاشقجي وضابط الاستخبارات الإسرائيلي يكوف نمرودي وذلك بعد استشارة الرئيس المصري الراحل انور السادات. كان الهدف من وراء ذلك حث نميري على المساعدة في ترتيب الانقلاب في إيران وذلك عبر ايواء وتدريب ضباط إيرانيين هاربين بقيادة سعيد رزقاني، وحين تمت صفقة الفالاشا قبض نميري 10 الآف دولار عن كل مهاجر يهودي أثيوبي إلى إسرائيل».

أميركا وسر التطبيع

ليس جديدا الكلام في السودان اليوم عن العلاقات مع إسرائيل او عن صفقة الفالاشا، وقد سعت الولايات المتحدة أكثر من مرة لاقناع نظام عمر البشير بما يشبه ما أقنعت به النظام الموريتاني السابق بقيادة معاوية ولد الطايع. قالت للخرطوم مباشرة «طبّعوا تسلموا». ألم تسكت كل الاصوات المطالبة بالحريات وبتعزيز الديموقراطية وبوأد العبودية في موريتانيا حين اقام ولد الطايع علاقات مع إسرائيل؟؟.

قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت مثل هذا الكلام مباشرة لنظيرها السوداني السابق مصطفى عثمان إسماعيل. شرحت له أهمية إقامة علاقات مع إسرائيل والانعكاسات الإيجابية لذلك على السودان. لكن نظام البشير كان ولا يزال يدرك ان مثل هذا التطبيع خط أحمر، حتى ولو انه لا بأس بتمرير رسائل إيجابية كمثل القبول بالمبادرة العربية للتطبيع.

واليوم، بعد ان تفاقمت أزمة دارفور وكادت تهدد مستقبل النظام، عاد بعض الوسطاء (وبينهم عرب) يحاولون إقناع السودان بـ«الطريق الأقصر» نحو الحل، اي عبر إسرائيل. لكن الحسابات الإسلامية والقناعات التاريخية والعلاقات مع إيران وغيرها من الملفات تجعل السودان صامدا، على الأقل حتى الآن، في وجه محاولات حثه على «ارتكاب» ما سبقه اليه معظم العرب.

يستيعد زائر السودان جزءا من الدور الأميركي في العودة إلى فضيحة «صفقة الفالاشا» الشهيرة. لم ينس العالم بعد دور البيت الأبيض والاستخبارات الأميركية في ترتيب هجرة يهود اثويبيا (على الأرجح ليسوا يهودا تماما) عبر السودان إلى إسرائيل.

يقوم عثمان السيد بجسده الضخم من خلف مكتبه، يصافح بحرارة المنتظر أصدقاء منذ فترة طويلة. هو يعرف لبنان لانه عاش فيه ودرس في جامعته الأميركية، لكنه بات يعرف الكثير عن قضايا المنطقة بعد ان اسس مركزا للدراسات يهتم بالشرق الأوسط وأفريقيا.

كان عثمان السيد مدير الأمن الخارجي في عهد الرئيس السوداني السابق جعفر نميري، وعمل سفيرا لبلاده في اثيوبيا، وكان بالتالي أحد مالكي سر تلك الصفقة التي لا يزال صداها يتردد حتى اليوم، ليس بسبب ما فعله نميري، لكن لان الفالاشا تعرضوا لاحقا للعنصرية ولنبذ المجتمع الإسرائيلي، وزُج بهم في الجيش كلحم للمدافع.

يروي السيد كيف ان إسرائيل سعت للتغلغل في السودان عبر إقامة علاقات قوية مع متمردي الجنوب. قال:«كنا نعرف دائما ان علاقات تقوم بين جون غارانغ وإسرائيل، وارتبطت الحركة الشعبية لتحرير السودان بعلاقات وثيقة مع الموساد الإسرائيلي خصوصا عبر مواقعها في اوغندا وكينيا، وزار بعض قادة التمرد إسرائيل أكثر من مرة».

ويضيف: «أنا كنت في اديس ابابا وكانت الحركة موجودة في اثيوبيا، وكنت اعلم ان اتصالات تجري بين السفارة الإسرائيلية في اديس ابابا وجون غارانغ وكبار معاونيه، وكانت كل هذه المعلومات تنقل إلى المسؤولين الأمنيين في السودان الذين يتقاسمونها مع بعض الأجهزة العربية بغية تطويق التغلغل الإسرائيلي».

«هاتي يا بنت الشاي»، تدخل فتاة سودانية إلى مكتب السفير السوداني السابق بعد ان يفتح لها من خلال الزر الكهربائي تحت مكتبه كأنه لا يزال يخشى الاغتيال او أنه مستمر بحفاظه على عاداته الأمنية القديمة. يسأل عن عدد ملاعق السكر في الشاي الأشقر اللون. ثم يرمي نفسه مجددا على كرسيه الجلدي الأسود خلف مكتبه ويواصل الرواية.

يقول: «بحكم مسؤوليتي السابقة عن الأمن الخارجي، استطيع ان اؤكد ان ثمة قرارا سياسيا صدر من السودان لنقل يهود الفالاشا عبر الأراضي السودانية إلى إسرائيل، وكانوا دخلوا أصلا إلى ولاية الغضارف السودانية من أثيوبيا وكان عددهم 7400 شخص، وقد لعبت المخابرات الأميركية والإسرائيلية الدور الأبرز في ذلك وكان رجال الموساد الإسرائيلي يعملون أصلا من خلال السفارة الأميركية في الخرطوم ومن هناك نسجوا العلاقات الوثيقة مع المخابرات الاثيوبية، كما ان المجاعة التي ضربت اثيوبيا العام ,1984 ساهمت في عمليات التهجير».

ويتابع: «كنا نعلم من خلال التقارير التي كانت تصلنا وبعضها عبر سفارتنا في واشنطن ومندوبي جهازنا الامني في اديس ابابا وبعض الدول الأفريقية، ان ثمة يهودا اسمهم الفالاشا كانوا هاجروا من إسرائيل (بحسب الزعم الإسرائيلي لتاريخ هؤلاء) مرورا بالسودان عبر مالاوي إلى أثيوبيا، يستعدون اليوم للذهاب إلى إسرائيل بمساعدة الأميركيين والإسرائيليين. وبعد فترة فهمنا ان نميري قرر الاستجابة لضغوط الأميركيين والسماح بترحيلهم إلى إسرائيل شرط ألا يذهبوا مباشرة إلى هناك، وإنما أن يتم نقلهم إلى أميركا أو أوروبا وبعدها هم احرار، والواقع ان الذي فجر كل القضية لاحقا هو صحافي أجنبي حقق لدى شركة سفر أجنبية، وحين انكشف السر، شعر نميري بالقلق وأوقف العملية، لكن السفير الأميركي في الخرطوم عاد يمارس ضغوطا لاحقا وحصلت عملية الترحيل الثانية، وهكذا تمت عمليتا سبأ وموسى».

سوار الذهب كان يعلم؟
اللافت في رواية السفير السوداني السابق، هو دور المشير عبد الرحمن سوار الذهب. فهذا الضابط السوداني الذي اشتهر بنظافة الكف وحاز سمعة هائلة في العالم العربي على أنه أول ضابط يقلب السلطة في بلاده ثم يغادرها ليسلمها إلى مدنيين، كان وزيرا للدفاع حين حصلت «صفقة الفالاشا». فهل كان يعلم؟

عثمان السيد يؤكد ان سوار الذهب كان يعلم، ويقول انه لا يمكن ان تحط طائرات عسكرية أميركية من نوع «سي 130» من دون ان يعلم بها الجيش ووزارة الدفاع، وأنا اؤكد ان القرار كان سياسيا من الرئيس نميري ومن عمر الطيب (المسؤول الأمني الأول في عهد نميري والذي حوكم بسبب الفالاشا)، وأن الدولة كلها تتحمل المسؤولية وعلى رأسها نميري والفريق اول عبد الرحمن سوار الذهب لانه كان وزيرا الدفاع، ذلك انه تم ترحيل مجموعة سبأ بطائرات من مطار العزازة في ولاية الغضارف وكان ذلك بعلم وزير الدفاع ومدير العمليات الحربية اللواء عثمان عبد الله الذي أصبح وزير الدفاع في الانتفاضة، واللواء المرحوم فارس عبد الله حسني الذي كان مديرا للاستخبارات. وبالتالي، فإن عملية كهذه لا بد من ان يعلم بها سوار الذهب».

يستعيد السودانيون كل ذلك للقول بان الولايات المتحدة تبقى هي المصيبة والهدف، بحيث ان القبول بضغوطها يعني وضع السودان على حافة الخطر، ذلك ان كل تعاون نميري السابق معها لم ينفع وسقط النظام وبقي في التاريخ فقط بسبب فضيحة الفالاشا رغم انه انقذ حياة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في لبنان، والخصام معها يعني قبول المزيد من الضغوط والتطويق الغربي والعربي أيضا.

لا يخفي المسؤولون السودانيون رغبتهم في إعادة المياه إلى مجاريها مع أميركا، لا بل انهم يعملون لذلك، لكنهم، على الأقل حتى الآن، يعتبرون ان فتح علاقات مع إسرائيل خط أحمر، وان كل ما يمكن القبول به هو غض الطرف عن المبادرة العربية الداعية إلى التطبيع معها.

الفالاشا يهود بالقوة

كل الأدبيات حول يهود اثيوبيا المعروفين باسم «فالاشا» تؤكد أن ممارستهم لشعائر الدين واحتفالاتهم بعيدة تماما عن اليهودية. وثمة من يقول إنهم زجوا زجا في الديانة اليهودية وذلك بفضل اكتشافهم من قبل أميركيين وفرنسيين. وكلمة فالاشا تعني بالعبرية المهاجر أو البدوي الرحالة، وينسبهم بعض مؤرخي اليهود إلى سلالة الملك سليمان أو الملكة بلقيس، ويقال إنهم هاجروا إلى إثيوبيا منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. لكن مؤرخين آخرين يقولون إن الفالاشا قبيلة أفريقية اعتنقت اليهودية على أيدي مهاجرين يهود، وربما لم تعتنقها أصلا.

ولم يكن أبناء الفالاشا يعرفون العبرية قبل رحيلهم إلى إسرائيل وهم لا يعترفون بالتلمود، ويقال إن كتابهم هو نسخة محورة من التوراة التي كانوا يقرأونها بلغتهم الأصلية، أي اللغة الأمهرية. ومع نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل تم إنشاء مدارس في إثيوبيا في عهد الامبراطور هيلا سيلاسي حيث تم تعليم الفالاشا مبادئ العبرية وبدأ إعدادهم للهجرة إلى إسرائيل رغم أن أعضاء في الحركة الصهيونية أكدوا قبل ذلك أن الفالاشا لا يتمتعون بدم يهودي.

صاروا يهودا بالقوة، وباتوا أبناء قبيلة الدان اليهودية الضائعة على حد زعم كبير حاخامات اليهود السفرديم في إسرائيل في مطالع السبعينيات. ولعل اصلهم المشكوك فيه ولونهم الداكن وتاريخهم الفقير، هي التي جعلت العنصرية تتفاقم ضدهم حتى وصل الأمر إلى حد المطالبة بفحص دمائهم.

البيومي: أميركا ساعدت نميري وأسقطته

رجل هادئ أكثر من اللزوم، وبشوش أكثر من المنتظر، ويوحي بأقل مما كان عليه حين تولى سابقا إدارة الأمن الخارجي السوداني. هذا هو الانطباع الذي يتولد لدى زائر العميد السابق في الأمن السوداني حسن البيومي الواضع كتابين على الأقل حول تجربة الاستخبارات السودانية في الخارج.

يؤكد البيومي ان ترحيل الفالاشا لم يكن صفقة وإنما انطلق من قوانين السودان والقوانين الدولية التي تحرم على السلطة إعادة لاجئين إلى بلادهم في حال تعرضهم للعنف الجسدي او الموت، لكنه يشير إلى ان اكتشاف عمليات الترحيل كان مبكرا وان أميركا كانت متورطة فيه منذ البداية، ذلك ان الأمن السوداني كان قد عثر على بقايا مأكولات وثياب تابعة للموساد الإسرائيلي في الأراضي السودانية، «كما عثرنا على أميركيين واعتقلناهم في جوبا واعترفوا بأنهم اشرفوا على ترحيل الفالاشا إلى إسرائيل وسلمناهم إلى السفارة الأميركية».

ويتابع: «ان الأميركيين ضغطوا منذ البداية على الرئيس نميري ذلك ان الرجل لم تكن له علاقات مباشرة مع إسرائيل وإنما مع البيت الأبيض. وكان السودان يعيش حالة صعبة حيث ان المجاعة في غربه وشرقه والاحوال الاقتصادية متدهورة، وكان الأميركيون يعملون من خلال قسم شؤون اللاجئين في سفارتهم. ودخل جورج بوش نفسه على الخط في خلال زيارة خاصة تتعلق أساسا بمشكلة المجاعة في السودان».

وفي شرحه لكيفة تعامل الأميركيين آنذاك مع السودان وتسليمهم طائرات تجسس اواكس وعتادا عسكريا، يقول العميد السوداني السابق:«هم كانوا يعملون معنا بخبث، وأعتقد انهم هم الذين ساهموا باسقاط نميري حين انتهى دوره وهم الذين سلموا إلى ليبيا المعلومات المتعلقة بعملية كانت تستهدف الانقلاب عليه حيث كان يجري تدريب معارضين له في السودان وغيره وهكذا تم اعتقالهم حين وصلوا إلى ليبيا».

ويعتبر ان المقصود من خلال ذلك هو دفع ليبيا للتعاون مع التمرد السوداني وتمويل حركة جون غارانغ، لكننا نجحنا في اختراق كل جهاز الأمن الليبي بمساعدة الأميركيين وغيرهم وكنا قادرين على معرفة اسماء كل المعارضين السودانيين الذين يتدربون في ليبيا».

سامي كليب - السفير اللبنانية،11/10/2007

0 تعليقات::

إرسال تعليق