الاثنين، 4 يوليو، 2011

سقراط يحاور أبو حنيفة

سقراط 
سقراط: السلام عليك يا أبا حنيفة. لقد سمعت الكثير عن التعاليم الخيّرة التي تنشرها. أنا فيلسوف أثيني متواضع، ولقد بلغني أنك ذو حكمةِ عظيمة، ولعل هذا واضح في كثرة أتباعك ومريديك في الشوارع. إن كانت لديك لحظات، فسأكون لك من الشاكرين لو نورتني بإجابات على مشاكل أرّقتني طوال حياتي.

أبو حنيفة: (لئن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك من حمر النعم)، إنني أنقل لك الحق كما آتاه الله للنبي وللرسل والصديقين من قبل. سل أجيبك بما آتانا الله من علم.
سقراط: هناك سؤال واحد بسيط طالما بقي الأول في ذهني. بالرغم من أنه بقي حاجزاً كبيراً في طريق بحثي عن الحقيقة، إلا أنني متأكد أنك بكل علمك ستجده سهلاً، وستظنني شيخاً أحمق... طالما حاولت أن أعيش بشرفٍ ونبل، ولكن يبدو لي وكأنني جئت للحياة وأنا لا أعرف ما الشرف ولا ما النبل. يبدو لي بفهمي المحدود، أن الحياة بكل ما فيها من ضجيج ولجيج، لا تمثّل في الحقيقة شيئاً. أخبرني رجوتك: كيف يجب على المرء أن يقضي حياته، وما غاية الحياة؟

أبو حنيفة: أن تعبد الله وترضيه.

سقراط: أي إله؟ا

أبو حنيفة: الذي لا إله إلا هو.

سقراط: أوه، عليك أن تعيش هنا في أثينا، فلدينا الكثير من الآلهة لتنتقي من بينهم.

أبو حنيفة: هناك إله واحد معبود بالحق لا إله غيره

.سقراط: بالتأكيد، ولكن من هو الإله الحقيقي؟

أبو حنيفة: الحق هو الله، لا إله إلا هو.

سقراط: نعم، ولكن من هو (الله)؟ أو ما هو؟

أبو حنيفة: إنه مطلق الحكمة، رؤوف، رحمن، رحيم ، سلام، مهيمن. هو خالق السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى.

سقراط: هل هو خالق كل شيء؟

أبو حنيفة: نعم، سبحانه ، فهو مطلق القدرة، وهو المسيطر على كل شيء. وهو موجود واسع العلم، لا يحدث شيء في ملكوته إلا بعلمه.

سقراط: هل خلق الطواعين والحروب والموت والشر؟

أبو حنيفة: لا، بل كل المساوئ والشرور إنما أصلها إبليس أمير الشياطين لعنه الله، أو تأتي من ضعفٍ في نفس الإنسان أو شرٍ فيها. الله خيرٌ كامل، ولا يأتي منه إلا الخير (ما أصابكم من خير فمن الله، وما أصابتكم مصيبة فمن أنفسكم)

سقراط: سألتك بإلهك الرحيم! من هو الشيطان؟ لا بد من أنه إله ليكون قادراً على أن يوقع كل هذه المصائب الكبرى على البشر، ولكنك قلت للتو أنه لا يوجد إلا إله واحد! كما أنك قلت أن كل شيء موجود إنما يأتي من الله، ولكنك الآن تقول أن الخير وحده يأتي من الله، وأن الشر كله يأتي من شخص اسمه إبليس. هاتين الجملتين قد تبدوان متناقضتين. أخشى أن دينك معقد وصعب على ذهني العجوز. ولكني سأحاول أن أكون تلميذاً مجداً، وأحاول قدر ما استطعت أن أفهم، لو ساعدتني من فضلك. فضلاً اشرح لي: من هو الشيطان؟ وكيف يمكن لكل الأشياء أن تأتي من الله، بالرغم من أنها ليست كلها تأتي من الله؟

أبو حنيفة: كان إبليس مخلوقاً من نار، ويعبد الله مع مجمل الملائكة، ولكنه عصى الله في ما بعد وتوعده بأن يضلّ خلقه من بني آدم.

سقراط: وما هي "الملائكة" بحق زيوس؟!أبو حنيفة: الملائكة هي الملائكة.سقراط: بالطبع، هذه هويتها. سقراط هو سقراط. ولكن، لو فهمتني، الاسم لا يعني لي شيئاً، فأنا قليل خبرة بدينكم. حتى ولو أن الملائكة حقيقية، إلا أنها لا تقارب شيئاً أستطيع فهمه على الإطلاق. قارن "الملائكة" فضلاً بشيء يوضح صورتهم.

أبو حنيفة: الملائكة هي الملائكة!

سقراط: أرجو أن تسامح جهلي العنيد! أنا أعلم ألا سلطة دينية لي كتلك التي لديك. فأنا لم أرى ملاكاً ولم أسمع بملاك. ولكني سمعت أن نبيكم قد شاهد الكثير من الرؤى وهو في الغار في مكة. رجوتك، هل لديك خبر عن أشكال هذه الملائكة؟

أبو حنيفة: خلق الله لها أجنحة.

سقراط: وكذلك حال البعوض! هل لك أن توضح أكثر؟

أبو حنيفة: يمكنهم التصور على صورة بشر، ولهم أيضاً أجنحة.

سقراط: ماذا أيضا؟ يمكنهم الطيران؟

أبو حنيفة: نعم لهذا خلق الله أجنحتهم.

سقراط: بالطبع.. كان لي أن أخمن هذا. تقول أنهم يستطيعون التصور على صورة إنسان؟ وما الفرق بينهم وبين الناس أيضاً؟

أبو حنيفة: إنهم خيرٌ من البشر، وهم لا يموتون.

سقراط: فيم هم خير من البشر؟

أبو حنيفة: في أنهم أتقى وأقوى .. بل هم أشد بأساً بكثير.

سقراط: هم بشرٌ خارقون إذاً!

أبو حنيفة: نعم، تماما!

سقراط: هم إذا بشرُ خارقون، وهم أيضاً خالدون. نحن في أثينا نسمي مثل هذه المخلوقات آلهة.

أبو حنيفة: لا! فالله أقوى منهم.

سقراط: وكذلك أمر (زيوس) بالنسبة لنا، فهو أقوى من من الآلهة الأولمبية الأخرى، ولكنهم لا يزالون آلهة بالتعريف. كيف تعرف كلمة الله؟

أبو حنيفة: الله هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن الرزاق العزيز الجبار المتكبر، وهو العدل العليم القادر الرحمن الرحيم ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

سقراط: ولكن هذه الصفات ليست متماسكة بالضرورة...فلا يمكن لشخصِ ما مثلا أن يكون عادلاً وسلاماً ورحيماً في اللحظة ذاتها أو في الموقف نفسه. لو أن شخصاً أو أمة تستحق العقاب عدلاً، فيجب عليك أن تعاقبها أو تحاربها، ولكنك في هذه الحالة خرقت قانون السلام والرحمة. لا يمكن لأي كائن أن يشمل كل هذه الصفات لأنها تناقض بعضها، حيث لا يمكن أن توجد مع بعضها في نفس الشخص في نفس اللحظة. إنها وكأنك تقول أن رجل انعطف لليمين واليسار في نفس اللحظة بدون أن ينقسم إلى نصفين.

أبو حنيفة: هذا في علم الله وفي غائب حكمته، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.

سقراط: يبدو لي أن لديكم آلهة كثيرة كما لدينا في أثينا، ولكنكم لا تسمونهم آلهة.

أبو حنيفة: لا! فالله هو القوي العزيز!

سقراط: هل الفرق إذا في درجة القوة وحسب؟

أبو حنيفة: لا ، فالله هو الخير بعينه وبيده الخير، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا من تحته ولا من فوقه.

سقراط: وما الباطل؟

أبو حنيفة: الباطل هو ما نهى الله عنه، وما يخالف أمره.

سقراط: يبدو لي من هذا أن الله لا يمكن له أن يأتيه الباطل أساساً، لأنه لا يمكنه أن يعصي نفسه. لذلك بما أن المعصية مستحيلة بالنسبة له، فليس من الإنجاز أن يكون معصوماً وألا يأتيه الباطل، كما أنه ليس من الإنجاز أن تكون الصخرة غير قادرة على الحركة. إنها مسألة تعريفٍ فحسب. ماذا تفعل تلك الملائكة؟

أبو حنيفة: تنفذ أوامر الله.

سقراط: إن كان الله كامل القدرة، يقول للشيء كن فيكون، فلماذا يحتاج إلى من ينفذ أوامره؟

أبو حنيفة: هكذا كانت حكمته ، لا يدرك خلقه حكمته جل وعلا، تعالى سبحانه عما يصفون.

سقراط: هل هم عبيد له إذاً؟

أبو حنيفة: يطيعونه بإرادتهم وفطرتهم التي فطرهم عليها .


سقراط: وماذا يحدث إذا لم يطيعوه بإراداتهم؟

أبو حنيفة: شذّ عن مجمل الملائكة جنيّ – اسمه الشيطان إبليس- تتبعّه بعض أمثاله من الجن، وهو قد عصى الله وخالف أمره، فأنزل الله عليه لعنته، وطرده من ملكوت سماواته، وقدر عليه العذاب الأبدي بعد أن ينتهي موعده يوم يبعثون.

سقراط: وما السماوات؟

أبو حنيفة: فيها الجنة التي أعدها الله للمؤمنين الصالحين من عباده، التي فيها من الخيرات كل ما تشتهي الأنفس، ولا تسمع فيها باطلاً. كل من فيها يحمد الله ويذكره ويسبح باسمه، لا يأتيهم ضير ولا حزن.، فيها أنهار من لبن ومن خمر ومن عسل، وفيها من الفواكه والطيبات والخيرات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وهي مهوى فؤاد كل عبد مؤمن في حياته ليحظى بها بعد مماته، حيث يلقى وجه ربه الكريم بعد أن أدى أمانته في الحياة الدنيا.

سقراط: يبدو لي شعور هؤلاء، كشعور الناس الذين أكلوا زهرة اللوتس. إن كانت هذه الجنة هي غاية الحياة، فلماذا ببساطة لا نسكر من الخمر ونتخدر بالعقاقير ونشعر بتلك السعادة طول الوقت، كما يفعل أولئك الشحاذون والسكارى في طرف المدينة الآخر؟

أبو حنيفة: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، وأن يصدكم عن ذكر الله والصلاة فهل أنتم متقون؟

سقراط: إن كانت غاية حياة المرء هي أن يذهب للجنة وحسب، فلماذا لا يقتل نفسه وحسب؟

أبو حنيفة: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة

سقراط: لو أن الغاية أن يصل المرء إلى الجنة، فلماذا يضع الله الإنسان في الأرض من الأساس؟ لماذا لم يضعه في الجنة منذ البداية؟ لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان بكل ما لديه من قدرات ورغبات وتعقيد، إنما وجد ليركع ويسجد ويقوم ويصوم. بالتأكيد أنه لم يمر على تاريخ البشر، ولن يمر، طاغية متكبر ومغرور، بدرجة أنه يأمر رعيته بالسجود والركوع له من الشروق للغروب، فكيف لأحدهم أن يأمر الناس أن يعبدوه إلى أبد الآبدين؟ أظنني أفهم الآن لماذا أراد الشيطان أن يثور في مثل ذاك المجتمع الثابت المنصاع القمعي الممل. كنت سآخذ صف إبليس لو كنت موجوداً وقتها. فبالرغم من أنني أعتبر نفسي إنساناً متواضعا، إلا أنني لا أرضى أن أركع وأسجد وأرتّل طوال الوقت لكائنِ يهدّدني بالعذاب الأبدي إذا لم أفعل ما يريد.

أبو حنيفة: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

......

سقراط: لماذا ثار إبليس؟ هل كان يعرف أن الله بالقوة التي تصفها وأنه سينهزم حتما؟

أبو حنيفة: إبليس ثار لتكبره وغروره والشر الذي في نفسه، وهو يعلم أن الله أقوى منه، وأن حاله أنه إنما منظرٌ من الله إلى يوم يبعث البشر.

سقراط: لا بد من أن إبليس كان شجاعاً، حين وقف في وجه خصم قوي لا تمكن هزيمته.

أبو حنيفة: بل كان ملعوناً فسق عن أمر ربه وعصى أمر خالقه.

سقراط: يبدو أن الفرق الوحيد بين الله والشيطان هو في درجة قوتهما.

أبو حنيفة: الله كامل الكمال. عليم قدير لا يأتيه الباطل.

سقراط: بالطبع لا يأتيه الباطل، فلا يمكنه أن يعصي نفسه ويعاكس إرادته المطلقة. الفرق الوحيد بين الاثنين هو في درجة قوتهم. بالتالي الشيطان ليس عاصياً ولا خاطئاً في اعتراضه على الله، بل هو خاطئ لأنه فشل في ثورته. فلو انتصر الشيطان في ثورته لكان الله هو العاصي. لأن الله حينها سيكون عاصياً للشيطان، الذي كان سيكون لو انتصر أقوى من الله أو الملائكة الذين عصوه، فهو على حسب التعريف ليس عاصياً لأنه لم يعص نفسه في نفس الوقت الذي أثبت فيه أنه الأقوى، فيصبح هو قديراً لا يأتيه الباطل. ومن يدري إن لم يكن هذا قد حصل حقاً؟ مما يبدو من وصفك لله الذي تفترض أنه يحكم العالم، بدأ يتهيأ لي أن الشيطان قد انتصر فعلاً وأنه هو الذي يحكم العالم.

أبو حنيفة: الله أكثر من مجرد القدرة المطلقة وانعدام الباطل، بل هو العدالة السرمدية، وهو الرحمة والسلام والمحبة. الشيطان خبيث وأناني ومدمر وشرير.

سقراط: ماذا حصل بعد طرد إبليس من السماوات؟

أبو حنيفة: أنظره الله إلى يوم يبعثون، حيث ينال سوء العذاب في جهنم إلى أبد الآبدين.

سقراط: ما هي جهنم؟ ولماذا سيقبل إبليس الذهاب لها إن كانت عذابا أبدياً عليه؟

أبو حنيفة: بعد يوم البعث ليوم الحساب، ينتهي إنظار الله لإبليس الملعون، فيخلّده الله هو ومن اتبعه من الإنس والجن في السعير. حيث يسامون سوء العذاب إلى أبد الآبدين، ذلك بما آتته أيديهم وافترته ألسنتهم. تتبدل جلودهم بجلود جديدة كلما احترقت في تلك النار التي وقودها الناس والحجارة، طعامهم من زقوم، وشرابهم من ماء حميم يقطع أمعاءهم، والحر يغلي أدمغتهم، ينظمون فيها كما ينظم الجراد حين يشوى.

سقراط: إن كان الله عادلاً أو رحيماً، لماذا يفعل هذا لعدو قاتله في معركة؟ لماذا لا يعفو الله عن إبليس بعد أن يهزمه كما تفعل الأمم العادلة بعد أن تنتصر؟ قد يكون البشر في انتصارهم أعدل من الله، فهم لا يعذبون المهزومين منهم حتى يموتوا، فما بالك بتعذيبهم إلى أبد الآبدين؟! لماذا لا يبيّن الله الخصال التي وصفتها أنت كالعدل والرحمة والرأفة بعفوه عن إبليس؟ بالتأكيد أن طبيعة الإله العسكرية تناقض تعريفك له بكونه مسالم رحوم وغفّار.

أبو حنيفة: هذا في علم الله وفي غائب حكمته، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو!

سقراط: إن كان الشيطان منظوراً بإذن الله لكي ينشر الأمراض والمصائب والفواحش بين البشر، فلماذا يأذن الله بهذا إن كان خيّراً قادراً؟ إن كان الله قادراً حقاً ، لماذا يترك هذا الشيطان الشرير يبقى؟ لماذا لا يدمره؟ رغم ...أنني بدأت أتساءل عند هذه النقطة، لو كان انتصار عدوه أصلح!

أبو حنيفة: لقد ترك الله إبليس ليبتلي البشر، بعد أن عاقبهم على ذنب أبيهم آدم في الجنة.

سقراط: آدم ... الجنة؟

أبو حنيفة: حين خلق الله آدم وحواء - أول البشر - أسكنهما في الجنة، وكانا نقيين بلا ذنوب. ولم يكن ينقصهما في نعيم الجنة شيء. لا عمل عليهما سوى أن يقطفان من الثمر الذي رزقهما الله به من البساتين التي تغطي الأفق. كانا طاهرين نقيين لا يعرفان عن الشهوات شيئاً. كانا بريئين عذراوين يعبدان الله الذي كان يشرف عليهما.

سقراط: لماذا خلق الله الناس؟

أبو حنيفة: ليعبدونه.

سقراط: لماذا لم يخلق ملائكة إضافيين، وهم أقوى من البشر وأقدر؟ هل السبب ربما أنه أراد عبيداً مطيعين ضعفاء يتسلط عليهم، ويعبدونه ويقدّسونه خوفاً؟

أبو حنيفة: بما أنه خالقنا، ندين له بالعبادة والتقديس والطاعة.

سقراط: هل يجب على ابن المجرم أن يكون عبداً مطيعاً لأبيه، أم أليس له الحق أو بل عليه الواجب في أن يختار بين الصواب والخطأ؟... ما المعصية التي ارتكبها آدم وحواء في الجنة؟

أبو حنيفة: لقد أسكن الله آدم وحواء الجنة وأنزلهم أحسن منزل، ولقد أمرهم ألا يقربوا شجرة معينة لحكمة فيه نفسه جل وعلا. ولكن الشيطان وسوس في نفس آدم وزوجه مغرياً إياهم بمعصية الله والأكل من تلك الشجرة على أنهما إن أكلا منها يصبحان ملكين أو يكونا من الخالدين. فذهبا للأكل من الشجرة ظانين أنهما إذا أكلا منها سيجابهان الله في عظمته، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان ذاك هو الذنب الأول.

سقراط: هل المعرفة شر ليرى الله أن يحرم الإنسان منه؟ لماذا يريد أن يوقفنا عن معرفة الخلود؟ هل لكي نبقى خاضعين له متمرغين تحت أقدامه؟ يبدو أننا ندين للشيطان بالشكر والعبادة لمساعدته إيانا! يبدو الشيطان مثل الإله (بروميثيوس) ، الذي علم الإنسان كيف يشعل النار ويستخدمها، بالرغم من سخط بقية الآلهة عليه. ولكن بسبب هذه الخدمة التي أسداها (بروميثيوس) وجب عليه أن يخلّد في العذاب إلى الأبد. ولكن بلا شك أن حياة الإنسان كانت ستكون أقل قيمة بكثير بدون الحب والنار والمعرفة.

أبو حنيفة: ولكن إبليس كان كاذباً، فهو يعلم أم الثمرة لم تكن لترفع من شأن آدم وحواء. لقد كذب علينا لكي يضل خلق الله!

سقراط: إن كان الله كامل القدرة، فلماذا سمح لإبليس أن يدخل الجنة وأن يغوي آدم وحواء؟ لو لم يكن الله يريد أن يأكل آدم من الشجرة، لماذا وضع الشجرة في الجنة أساسا؟ إن لم يكن الله يريد لآدم أن وحواء أن يتجامعا، فلماذا خلق أعضاءهما أو سوءاتهما؟ لو لم يكن الله يريد للإنسان أن يرتكب المعصية الأولى بأكل الثمرة، فلماذا أعطاه الرغبة بالمعرفة والتجربة والمغامرة وممارسة الحب؟

أبو حنيفة: لقد وضع الله الشجرة في الجنة وسمح لإبليس أن يدخل ابتلاءً لآدم وللبشرية.

سقراط: لقد قلت أن الله عليم ، يعرف كل شيء قبل أن يحدث. لا بد أن الله كان يعرف سيتصرف الإنسان قبل موقف ما.

أبو حنيفة: لقد أعطى الله الإنسان حق الاختيار. لقد كان بإمكان الإنسان أن يكون تقياً مطيعاً، كما كان بإمكانه أن يكون ضالاً عاصيا لكلمة ربه.

سقراط: هل عرف الله أن الإنسان سيضل؟

أبو حنيفة: نعم،ولكنه سبحانه أعطاه حرية الخيار، وهداه النجدين.

سقراط: هل كان الله قادراً على أن يخلق الإنسان بدون القدرة على الذنب؟ هل كان الله قادراً على أن يخلق إنساناً لا يخطئ في مثل هذا الموقف تحديدا؟

أبو حنيفة: نعم، فهو على كل شيء قدير. ولكنه لم يشأ أن يخلقنا كمجرد دمى، بل أعطانا حرية الاختيار.

سقراط: هل كان الله قادراً على خلق الإنسان برأسين وثلاثة أرجل أو أي طريقة شاءها؟

أبو حنيفة: إنه على كل شيء قدير.

سقراط: هل شكل خلق الإنسان هو كما أراد له الله أن يكون؟ أقصد هل أراد الله أن يكون له بالتحديد رأس وقدمان كما نراهما اليوم؟

أبو حنيفة: بلا شك فهو صاحب الكمال، مطلق العظمة الذي لا يأتيه الباطل سبحانه.

سقراط: إذن لم يقترف الإله ولا خطئ في خلقه للإنسان، إنما هو موجود شكلا كما أراده الله أن يكون بالضبط؟

أبو حنيفة: نعم.

سقراط: إذن أنا وأنت مخلوقون كما أرادنا الله تماما أن نكون؟ وكذلك كان الحال بالنسبة لآدم وحواء؟

أبو حنيفة: نعم كما قلت لك!

سقراط: هل كل جزء من الإنسان جاء من الله؟

أبو حنيفة: نعم فالله خالق كل شيء وسيده والمسيطر عليه.

سقراط: هل خلق الشيطانُ أو أي شيء آخر جزأً من الإنسان؟

أبو حنيفة: لا، الله هو المتفرّد في خلق كل شيء.

سقراط: إذن، إن كان الله خلق عينيّ الإنسان، وقدميه، وعقله، فلا بد أنه خلق أيضاً رغباته..أعني كل رغباته، بما في ذلك الرغبة للمعرفة والرغبة للجنس. لماذا أذنب الإنسان؟

أبو حنيفة: لقد أذنب بسبب ضعفه وهواه وجهالته وسوء وطبيعته.

سقراط: هل ما ذكرته من صفات جزء من طبيعة الإنسان كما الأيدي والأرجل من طبيعته؟

أبو حنيفة: نعم، طبيعة الرجل جزء منه.

سقراط: من خلق الإنسان؟

أبو حنيفة: الله.

سقراط: من خلق الأيدي والأرجل؟

أبو حنيفة: الله.

سقراط: من أعطى الإنسان رجلين ويدين هما اليوم كما كانا في يوم آدم وحواء؟

أبو حنيفة: الله.

سقراط: من خلق طبيعة الإنسان؟

أبو حنيفة: الله.

سقراط: من أعطى الإنسان شر طبعه وجهالته وضعفه؟ لا بد أنه الله، لأن كل جزء من الإنسان جاء من الله، والله وحده.

أبو حنيفة: لقد أعطى الله الإنسان حرية الاختيار وهداه النجدين.

سقراط: من أن أراد أن يكون للإنسان يدين؟ ألشيطان؟

أبو حنيفة: لا، بل الله أراد له هذا.

سقراط: من أراد أن يكون للإنسان طبيعة جهولة شريرة، الشيطان؟ لا! الله أراد أن يكون للإنسان طبع جهول شرير. لذا إن كان جنس البشر شريراً أو ضعيفاً، فهذا لأن الله وضع ذاك الشر والضعف حيث أراده أن يكون. دعني أعطيك تشبيها آخر. هل شاهدت الطيور وهي تصطاد السمك من البحر ومناقيرها تخترق رقابها؟ من الذي خلق ذاك الطير ليلقف ويقتل تلك السمكة؟ من تحاكم يا رجل حين يكون القاضي نفسه هو المتهم؟

* ترجمته بتصرف واسع عن مقالة "Socrates Meets Jesus" لكاتب بالاسم المستعار Prometheus.

17 مايو 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق