الاثنين، 4 يوليو، 2011

الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي لهنري كوربان

لطالما انتظرنا صدور هذا الكتاب مترجما إلى اللغة العربية، وها هو أخيرا سيصدر في المغرب خلال أيام، بترجمة الاستاذ فريد الزاهي الذي قدم إلى المكتبة العربية ترجمة للكتاب الهام 'الصورة' لريجيس دبرييه، لطالما قرأنا إشارات وإحالات ومقتطفات منه في أحسن الأحوال عبر الدراسات المكتوبة بالعربية عن الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، إنه مؤلَّف الاستاذ هنري كوربان، "الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي"، وهو أحد كبار المستعربين المتخصصين في التصوف الإسلامي والمذهب الشيعي، صدر كتابه هذا منذ نصف قرن، بالتحديد في عام 1958، ثم صدرت منه طبعة أخرى في منتصف السبعينات، ومنذ ذلك الحين يمكن اعتباره الأهمّ في الدراسات التي ظهرت عن المتصوّف الأشهر، "الشيخ الأكبر"- كما يُعرف بين عارفيه ومحبيه، والشيخ الأكبر ما زال كنزًا لم يُعرف بعد، إنه ذروة الإبداع الإسلامي العربي في الأندلس.
الخيال مسرح تجربة ابن عربي، بين الكون الذي تدركه حواسنا، والكون الذي لا يمكن للإنسان أن يدركه يوجد عالم وسط، إنه عالم الصور والتمثيلات والأجسام المادية، والمادة اللامادية، إنه عالم واقعي وموضوعي، متماسك وأبدي مثله في ذلك مثل العالم المعقول والعالم اللامحسوس؛ إنه العالم الوسط حيث تتجسد الروح ويتروض الجسد، إنه العالم الذي تشكله المخيلة الفعالة، إنه موطن التجليات، والمشهد الذي تقع فيه الأحداث الرمزية.

يقول هنري كوربان إنه سيتحدث كثيرًا عن هذا العالم، لكنه لن يصفه أبدًا بالمُتخيَّل؛ فهذا اللفظ ينشئ تصورًا مُسبقا، من هذه النقطة ينطلق هنري كوربان إلى عالم ابن عربي، بدءًا بولادته في الأندلس، وما تخلل فتوته وصباه من أحداث تبدو تفاصيلها واقعية لكنها رمزية الدلالة، مثل لقائه بالفيلسوف الأندلسي الشهير ابن رشد. ويقول كوربان نقطتين هامتين، الأولى أنّ وقت القيام بتأويل شامل لابن عربي لم يحِنْ بعد، وإن ابن عربي يتجاوز زمنه؛ فهو ليس من أولئك الفلاسفة أو المفكرين أو المتصوفين الذين يمكن تحديدهم بزمن معين.

في مقدمة طويلة يدرس ويحلل الظروف السابقة على ظهور ابن عربي، ثم يتناول سير حياة ابن عربي ورموزها، ويتوقف عند ثلاث علامات، أولها شهود ابن عربي لجنازة ابن رشد، حيث حُمل جثمانه على دابة، وكان في ناحية، وكتبه في الناحية الأخرى، وكان الحِملان متعادليْن تمامًا.

وعندما اقترب من الثلاثين بدأ رحلته الطويلة إلى المشرق، محطات عديدة توقف بها، مثل فاس، وتلمسان وبجاية وتونس، ثم مكة، إلى أن يستقرّ في دمشق ويتوفى ويدفن بها، وقبره معروف الآن يُزار في منطقة الصالحية.

من الكتاب نختار ما نتج عن توقفه في مكة، حيث نزل عند شيخ جليل كان له ابنة جميلة، عاقلة، أديبة، رأى فيها "الشيخ الأكبر" مثال الجمال. نظم فيها ديوانه الشهير "ترجمان الأشواق"، وهو قصة حب فريدة، لم يكن مسرحها الواقع وان انطلقت منه، إنما عالم الخيال، عالم القلب. وقد كتب الشيخ الأكبر شروحا لأحواله عندما أنكر المنكرون له ما باح به.

وهنا في هذا الجزء الذي نختاره يتناول هنري كوربان، هيام القلب وترجمان الأشواق.

صورة المحبوب في "ترجمان الأشواق"

القصيدة الحكمية للعاشق الصوفي

في مستهل الديوان الذي عنونه ابن عربي بـ "ترجمان الأشواق"، يسرد ظروف تأليفه كما يلي: "إني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين (1201م)، ألفيتُ بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر الأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولا بنفسه، مشغوفا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم عليه السلام، نزيل مكة البلد الأمين مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا الأصفهاني، رحمه الله تعالى، وأخته المُسنة العالمة شيخة الحجاز فخر النساء بنت رستم". وهنا يفصل ابن عربي في ذكريات عديدة رائعة بالكثير من المحاباة، مشيرا من بين ما يشير له إلى الكتب التي درسها بتتلمذ على الشيخ وبصحبة أخت هذا الأخير. وكل هذا ليس سوى مدخل للسبب الذي كان وراء نظم القصائد التي يشملها الديوان.

ومن بين جماعة الفضلاء الذين كانوا يرتادون دار تلك العائلة الفارسية المستقرة في مكة، تبدو صورة نورانية متميزة غاية التميز. والنصّ من تلك الفصيلة التي لا تقبل الاختصار: "وكان لهذا الشيخ، رضي الله عنه، بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحّاضر والجمحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام وتلقب بعين الشمس والبها، من العابدات العالميات السايحات الزاهدات شيخة الجرمين، وتربية البلد الأمين الاعظم بلا مّيْن، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت. إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغرى بظهر الغرر وامتطاه. ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الاغراض، لأخذت في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، وفي خلقها الذي هو روضة المزن، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقة مختومة واسطة عقد منظومة. يتيمة دهرها، كريمة عصرها، سابغة الكرم... فراعينا في صحبتها كريم ذاتها مع أنا انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد، فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القائد بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق. ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس، ويثيره الأنس، من كريم ودها، وقديم عهدها، ولطافة معناها، وطهارة معناها. إذ هي السؤال والمأمول، والعذراء البتول، ولكن نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق، من تلك الذخائر والأعلاق. فأعربت عن نفس تواقة، ونبهت على ما عندنا من العلاقة، اهتماما بالأمر القديم، وإيثارا لمجلسها الكريم".

لكن، إليكم الآن التعاليم الحاسمة التي تكشف عن فحوى القصيدة، والمقاصد التي على القارئ أن يتمثلها في قراءته: "فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني، ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية، والنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية، جريا على طريقتنا المُثلى، فإنّ الآخرة خير لنا من الأولى، ولعلمها، رضي الله عنها، بما أشير إليه، ولا يُنبئك مثل خبير". ومن ثم هذا التحذير الصارم: "والله يعصم قارئ هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم العلية، المتعلقة بالأمور السماوية، آمين بعزة من لا رب له..."

ربما كان ذلك في التحذير الكثير من التفاؤل، ذلك أن مريد يزن له أبلغاه ما سمعاه من بعض الفقهاء من مدينة حلب. فقد أنكروا عليه أن يكن لك من الأسرار الإلهية، وأن الشيخ يتستر على الحبّ الحسي لأنه منسوب إلى الصلاح والدين. وهكذا قرّ عزم ابن عربي على أن يكتب بنفسه شرحا مطولا لديوانه كي يُبين أن ما فيه من غزل وتشبيب وأن صورة المرأة التي تشكل محوره المهين هي منه إشارة "إلى معارف ربانية، وأنوار إلهية، وأسرار روحانية، وعلوم عقلية، وتنبيهات شرعية، وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل تنعشق النفوس بهذه العبارات فتتوفر الدواعي على الإصغاء إليها"...
ولفهمه، ولكي لا يتم التشكيك في سلامة النية بنقد مبالغ فيه، علينا أن نمسك هنا بما يمكن تسميته بنمط الإدراك الشهودي الذي يميّز وعي العاشقين وأرباب الهوى، الذين يغدو السعي إلى الكشف عن أسرار رؤياهم من دون هذا المفتاح أمرًا نافلاً. ولا يمكننا إلا الضلال إذا ما نحن تساءلنا، كما تم ذلك بخصوص صورة بياتريس لدى دانتي: أهي صورة محسوسة، أم هي تمثيل؟ فإذا لم يكن بالامكان معرفة الاسم الإلهي إلا في شكله المحسوس الذي يشكل تجليا له، فهذا يعني أن كل صورة إلهية أصلية لا يمكن تأملها إلا في صورة عينية محسوسة أو تصورية. وحين يعلن ابن عربي عن إشارته إلى الفتاة النظام، باعتبارها إشارة إلى الحكمة العلوية التي تجلت له شهودا، فنحن نكون شاهدين على تحوّلات كائن يدركه الخيال مباشرة في المستوى الرفيع للرمز، مُسندًا إياه إلى نور للتجلي، أي إلى نور يكشف فيه عن البعد الماورائي. فمنذ البداية، يتم إدراك الفتاة من قبل الخيال في المستوى الشهودي، حيث تظهر باعتبارها صورة مثالية للحكمة الخالدة. وما تدخلها منذ مستهل القصيدة إلا في هذا الشكل والصورة.

وحين نتأمل الحدث المركزي لهذا الاستهلال، نفاجأ بدءا بـ "تشكيلة المكان'": فالوقت ليل، والمؤلف يطوف بالكعبة، وسيكشف هو نفسه فيما بعد أهمية الإشارة، فالحدث حين وضع في ليلة مشهودة يفصح عن طبيعته النبوئية. لقد حضرت المؤلف وهو يمشي على الرمل بعض الأبيات التي أنشدها. فلم يشعر إلا بتجلي كائن لم يفطن له فيما قبل، سوف تمكننا الحكاية من أن نتعرف فيه على الصورة العينية المُحاطة بهالة سماوية. فتحدثت إليه بلهجة تنم عن مصدرها الإلهي وبتأنيب قاس يكشف عن سرّ الديانة الحكمية للحب. أما الأبيات التي كانت وراء هذا التأنيب فكم هي محيرة، بحيث لا يمكننا فهمها إلا اذا علمنا في الآن نفسه من صاحبها سر لغة شبيهة باللغة الملتبسة للتروبادور. غير أننا نربح من ذلك سبيل فك حروف مجمل قصيدته باعتبارها احتفاء بلقاءاته مع الحكمة الصوفية، وباعتبارها سيرته الذاتية الباطنية، على إيقاع قلقه ومسراته.

يقول الشاعر: "كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي وهزني حال كنت أعرفه فخرجت من البلاط من أجل الناس وطفت على الرمل فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني لو كان هناك أحد، وهي قوله:

ليت شعري هل دروْا أيّ قلب ملكوا
وفؤادي لو درى أي شعب سلكوا
أتراهم سلموا أم تراهم هلكوا
حار أرباب الهوى في الهوى وارتبكوا

فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بكف ألين من الخز، فالتفتّ فإذا بجارية من بنات الروم لم أرَ أحسن وجهًا ولا أعذب منطقا ولا أرق حاشية ولا الطف معنى ولا أدق إشارة ولا أظرف مُحاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفا وأدبا وجمالا ومعرفة.

إننا بالتأكيد نتعرف على الشبح في العتمة، لكن ليس لنا أن نخطئ؛ ففي حضرة المحبوبة، التي تجسدت له في تلك الليلة المشهودة، ما يراه الشاعر المتصوف بشكل تزامني هو الصورة المتعالية التي لا يراها سواه، الصورة التي يعلن عنها جمالها المحسوس. ويكفيه ملمح رفيع واحد لاقتراح ذلك: فالفتاة الفارسية تُعاش كما لو كانت أميرة إغريقية. وإذًا، فإن الحكمة التي تنبعث من نص الأشعار ومن شروحها تمكننا من هذا الملمح الرائع: إنّ المرأة التي يمنحها الشاعر وظيفة ملاكية، لأنها بالنسبة له التمظهر المرئي للحكمة الخالدة، تمتلك من حيث هي كذلك وجودا بالتجلي. وبهذا المعنى فهي تشابه حالة المسيح كما يفهمها ابن عربي ومعه كل روحانيي الإسلام، أي تبعًا لفكرة "ظاهرية"، وبالأدق “عيسوية ملائكية” كانت هي معتقد المسيحية القديمة. وبما أنّ الفتاة بدورها تمثيل لملك في صورة إنسانية، فذلك سبب وجيه لكي يعتبرها ابن عربي من “سلالة المسيح”، مسميا إياها “حكمة عيسوية” ومستنتجا أنها تنتمي لبلاد الروم، أي إلى المسيحية الإغريقية والبيزنطية. والحقيقة أن هذه التداعيات الذهنية لها نتائج بعيدة المدى على حكمة مؤلفنا. بيد أن النقط الأولية التي تهمنا هنا هي أن الصورة المتجلاة قد تم التعرف عليها باعتبارها صورة الحكمة أو الحكمة الإلهية، وبهذه المرجعية والمرتبة سوف تخبر محبوبها.

وللوقوف على قيمة تعاليمها، علينا، بمعونة الشاعر، أن نفك شيئا ما معنى الأبيات الأربعة التي حضرته على إيقاع تجواله الليلي، والتي صيغت، مثلها في ذلك مثل كل أشعار “ترجمان الاشواق” بلغة ملتبسة خاصة. علام يحيل ضمير الغائب الجمع؟

فنحن نعرف من خلال شرحه أنه يشير إلى المناظر العلا. واذا ما نحن ترجمناها ببساطة “بالأفكار الإلهية” فإننا قد نقف عند حدّ المستوى الفلسفي المفهوميّ. وتدعونا السياقات إلى أن نرى فيها تلك الصور التي تعتبر حكما، وحكمة فردية مخصوصة في كل منها بأحد الأنبياء السبعة والعشرين الممثلين في كتاب الفصوص، وهي الحكم التي تهيم فيها الأرواح في الأزل، كما تهيم فيها في الزمن قلوب المتصوفة.

وهكذا فإن معنى القضايا التي يطرحها الشاعر يتضح إذا ما نحن تذكرنا ما علمنا بخصوص سر الربوبية، السر الذي هو أنت، أي مألوهية العبد، لأنّ هذه الأخيرة تقيم إله اعتقاده وحبه، ذلك الإله الذي يغذيه بماهية وجوده، كما إبراهيم حين قدم القرى، أي المأكل والمشرب للغرباء، ولأنه في وجوده وبه، يمنح قواما للاسم الإلهي الذي يتشبع به منذ الأزل والذي هو ربه المخصوص به، وهذا ما يحسّ به المتصوف ويعرفه في الساعات المفضلة من حياته الروحية، من دون أيّ ضمان آخر غير هذا الوجد الفاعلي الذي يمنحه هذا الحضور أو بالأحرى الذي هو هذا الحضور، ذلك أنّ الحب لا يطرح الأسئلة. ومع ذلك تأتي ساعات التعب أو الهدأة حيث يقوم العقل المتعقل، من خلال التمييزات التي يأتي بها والبراهين التي يتطلبها، بإدخال الشكّ بين الربّ والعبد ومعه خطر تكسير الرابطة التي تجمع بينهما. وهكذا لا يعود للعبد القدرة على تغذية ربه من وجوده: فيفقد الوعي بسرهما الذي هو فناؤهما الواحد في الآخر. ومثلما يفعل ذلك العقل النقدي حين يتحرى عن موضوعه يقوم بطرح السؤال: إذا كانت “المناظر العلى” هي من جوهره نفسه، فهل تستطيع معرفة أي “قلب غشين؟” أي، هذا الرب الإلهي الذي أغذيه من وجودي هل له معرفة بي؟ ألا يكون أمره مثل المقامات الصوفية التي لا توجد إلا بالمقيم فيها؟ وبما أنّ الزيارات الروحانية قد انتهت، ألا تكون في أحسن الأحوال أخذت مسارًا جبليا يقودها إلى قلوب متصوفة آخرين، أو أنها هلكت وعادت إلى اللاوجود؟

مسار الكآبة العارضة هذا هو ما تقاطعه فجأة بتأنيبها الحكمة الصوفية التي انشقت من الليل نفسه الذي يغذي هذا الحلم الذي لا مخرج له. فقالت له الفتاة: “ياسيدي كيف قلت؟ فقلت:

ليت شعري هل دروا أي قلب ملكوا؟

فقالت: عجبا منك! وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا! أليس كل مملوك معروفا، وهل يصح الملك إلا بعد المعرفة وتمني الشعور يؤذن بعدمها والطريق لسان صدق، فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا؟ قل يا سيدي فماذا قلت بعده؟ فقلت:

وفؤادي لو درى أي شعب سلكوا

فقالت: ياسيدي الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد هو المانع له من المعرفة فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه، إلا بعد المعرفة؟ والطريق لسان صدق، فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا يا سيدي؟ فماذا قلت بعده؟ فقلت:

أتراهم سلموا أم تراهم هلكوا

فقالت: أما هم فسلموا ولكن أسأل عنك، فيبغي أن تسأل نفسك هل سلمت أم هلكت يا سيدي؟

وحين عمدت “الحكمة” إلى قلب السؤال وإعادته لصاحبه بلا هوادة فذلك لتنبه مريدها إلى حقيقة حالة الصوفي. فقد انصاع للحظة إلى شكّ الفلاسفة، فطرح أسئلة كان عليه أن يجد لها جوابا في البراهين العقلية من قبيل تلك المتعلقة بالأشياء الخارجية. وتناسى للحظة أن واقع التجليات والوضع الوجودي “للمناظر العلي”، لدى الصوفي، لا يتعلق بالأمانة لقوانين المنطق وإنما بالأمانة لعبادة الحبّ. فليس عنها يلزم التساؤل إن كانت قد هلكت وإنما أنت الذي يلزم أن نعرف إن كنتَ هلكتَ أم ما تزال حيا، وإذا كنت قادرا على التجاوب معها وتمكينها من أن تغشى وجودك. وهنا يكمن الاختلاف: فما يسمى لدى الفيلسوف شكًّا واستحالة البرهنة، يسمى لدى المشغوف غيابا ومجاهدة. فيمكن للمحبوب الصوفي أن يفضل الغياب والفراق في الوقت الذي يرغب فيه مشغوفه في الوحدة والوصال، ومع ذلك أليس عليه محبة ما يحب المحبوب؟ وها هو واقع في الحيرة وقد أحاط به خطر الهلاك بالضدين.

تلكم هي النقطة الحاسمة التي تنهي بها “الحكمة” تعليم مشغوفها بصرامة متكبرة وهيمانة في الآن نفسه.

فما قلت بعده؟ فقلتُ:

حار أرباب الهوى في الهوى وارتبكوا

فصاحت وقالت: ياعجبا كيف يبقى للمشغوف فضلة يُحار بها والهوى شأنه التعميم يخدر الحواس ويذهب العقول ويدهش الخواطر ويذهب بصاحبه في الذاهبين، فأين الحيرة وما هنا باق فيحار والطريق لسان صدق والتجوز من مثلك غير لائق؟”.

إنّ هذا التأنيب الذي ينتهي بالعتاب الصارم، يفصح عن جوهر ما يتعلق بديانة العاشقين. وما لا يقلّ جوهرية عن ذلك هو أنّ ديانة الحب الصوفي، من خلال الوظيفة التي تتمتع بها تلك التي تفصح عن ضرورتها في تلك الليلة الروحانية في ظلّ الكعبة، قد تم ربطها بحكمة عرفانية معينة، أي بالفكرة الحكمية الصوفية.

ومن هذا الاستهلال الحكائي الذي وضع في مقدمة الديوان من قبل “ترجمان الأشواق”، نخرج بعلامتين سوف تشكلان لنا مرشدا للوصول ببحثنا هذا إلى منتهاه.

إننا نلاحظ في المقام الأول المقدرة الشهودية لعاشق مشغوف من قبيل ابن عربي، وقد اضفى على الشكل العيني للمحبوب وظيفة ملائكية، وأدرك في قلب تأملاته تلك الصورة في مستوى رؤية التجليات. كيف تكون تلك الرؤية التي نلحّ هنا على طابعها الوحدوي والمباشر ممكنة؟ للإجابة على هذا السؤال علينا تتبع تنامي جدلية الحب كما بسطها ابن عربي في باب من كتابه الضخم "الفتوحات المكية": فستسعى تلك الجدلية بالأساس إلى الإحساس بتناسب اللامرئي والمرئي، والروحي والمحسوس، وهو التناسب الذي سيعبّر عنه جلال الدين الرومي بالكلمة الفارسية “هام دامي”، فوحده ذلك “التواطؤ” يمكّن من الرؤية الروحية للمحسوس والرؤية الحسية للروحي، باعتبارها رؤية اللامرئي في صورة محسوسة، كما لا تدركها إحدى الملكات الحسّية، وإنما الخيال باعتباره عضو إدراك التجليات.

وفي المقام الثاني، يكشف لنا الاستهلال عن تجربة نفسية وروحانية أساسية للحياة الباطنية لشيخنا. إنها اللقاء مع الحكمة الصوفية التي تعلن لنا من البدء عن المصطلح الذي يقودنا لجدلية الحبّ: أي فكرة الكائن الأنوثي (الذي تشكل الحكمة نموذجه الأصل) باعتباره التجلي بامتياز، والذي لا يقبل الإدراك إلا في التناسب بين السماوي والأرضي (ذلك التناسب الذي أعلنته لبروكلوس صلاة عباد الشمس). لقاء الجمال والرحمة هو سرّ الخلق، بما أن “التناسب” الإلهيّ إذًا كان خلاقا فذلك لأنّ الذات الإلهية ترغب في الكشف عن جمالها، وإذا كان الجمال مخلصا للخليقة فذلك لأنه يعلن عن تلك الرحمة الخلاقة. إذًا، فإنّ الكائن الذي يحمل في طبيعته وظيفة الجمال المتجلي تلك هو الذي سيقدم الصورة الأكمل للألوهية. ومن هذا الحدس ستنبع فكرة الأنوثي الخلاق، لا كموضوع فقط وإنما باعتباره صورة مثالية للعبادة التفاعلية للعاشق. فتوافق الروحاني والمحسوس كما يتحقق في تلك الصورة سيقود إلى مفارقات رائعة، ومن ثم تنبع صورة مريم باعتبارها نموذجَ المتصوف، الذي يحدد ملامح “الحكمة العيسوية” التي لا تزال تختفي تحت رموز وإشارات “ترجمان الأشواق”، ذلك أنها هي التي تملك في الواقع سر الربوبية الذي حللناه آنفا”.

جدلية الحب

يُعتبر ابن عربي (ومعه روزبهان الشيرازي)، من بين كل مشايخ التصوف، أحد أولئك الذين دفعوا إلى أبعد حدّ تحليل ظواهر الحبّ؛ فقد بلور فيها جدلية شخصية، قمينة بأن تكشف لنا عن مآل الفناء الشامل الذي دعا إليه “العاشقون”. ومن صُلب ما رسمنا ملامحه هنا ينبثق السؤال التالي: ما الذي تعنيه محبة الله؟ وكيف هو ممكن حُبّ الله؟ إنها تعابير تستخدمها اللغة الدينية في مجالات أخرى كما لو كانت بديهيات. والحال أن الأمر ليس بهذه البساطة. فابن عربي يتقدم بنا عبر ملاحظة مُزدوجة: “فوالله لولا الشريعة التي جاءت بالأخبار الإلهية ما عرف الله أحدٌ ولو بقينا مع الأدلة العقلية التي دلت في زعم العقلاء على العلم بذاته بأنه ليس كذا، ما أحبه مخلوق. فلما جاء الخبر الآلهي بألسنة الشرائع بأنه سبحانه كذا وأنه من أمور تناقض الألة العقلية أحببناه لهذه الصفات الثبوتية”. وبعد ذلك للديانة أن تقول لنا إنّ ليس كمثله شيء. ومن ناحية أخرى لا يمكن معرفة الله إلا فيما نُحسّه منه، بحيث “نمثله تعالى ونجعله نصبَ أعيننا في قلوبنا وفي قبلتنا وفي خيالنا كأننا نراه لا بل نراه فينا... فهو الظاهر في كل محبوب لعيْن كلِّ مُحب... كما أنه لم يعبد سواه، فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الألوهية فيه... وكذلك الحبّ ما أحبّ أحد غير خالقه.. وحياة ابن عربي تقدم لنا بصدد هذه النقط كلها ضمانة تجربة شخصية”.

لكن المحبوب الأحد إذا كان لا يرى أبدا إلا الصورة التي تكون له مظهرا، وإذا كان في كل مرة أحدًا لكل واحد، فذلك لأنّ هذه الصورة تكشف عنه وتخفيه في الآن نفسه لأنه لا يزال فوق. كيف إذًا يكشف عن نفسه هناك إذا كانت الصورة فعلا تُخفيه وانه إذا ما حرم منها لا يمكنه الظهور؟ أية علاقة بين المحبوب الواقعي والصورة المحسوسة التي تجعله مرئيا؟ ينبغي أن يكون بينهما ضرب من التنفس المشترك con-spiration (“هام دامي” بالفارسية)، أي تفاعلا sym-pathie. وإذًا، أي نوع من الحب يتوجه في الواقع إلى ذلك الشكل الذي يظهره؟ متى يكون هذا الحب حقا ومتى يكون خاطئا حين يشغف وفي الأخير من هو المحبوب الواقعي، لكن أيضا من هو المحب في الواقع؟

تجيب عن هذه الأسئلة بشكل تجريبي مُجمل مؤلفات ابن عربي. ولنسترشد على الأقل، لتبيان فحواها، بما تأملناه لحدّ الآن وما يمكننا ترداده كما يلي. إنّ ما نسميه “حبا إلهيا” له “مظهران” فهو، من جانب، شوق الخالق للخلق وحنين الحقّ في جوهره (الكنز الذي لا يعرف) التائق إلى الظهور في الموجودات لكي ينكشف لها وبها؛ ومن جانب آخر شوق المخلوق للخالق، وهو في الواقع نفس الرحمن الظاهر في الموجودات والتائق إلى العودة لذاته. وفي الواقع فإنّ المشتاق هو في الآن نفسه المشتاق إليه، بالرغم من أنه ليس هو في تعٌينه. إنهما ليسا موجوديْن متباينيْن ومختلفيْن وإنما هما موجود يلاقي نفسه (في الآن نفسه واحدًا واثنين، ووحدة ثنائية، وهو ما يتم في الغالب تناسيه). إنه الشوق نفسه الذي يكون في أصل الظهور وسببًا في العودة. وإذا كان شوق الخالق أكبر فلأن الخالق يعيش ذلك الشوق في مظهريْه معًا، أما المخلوق فلا يعيشه إلا في مظهره أو جانبه الثاني. فالخالق هو الذي يحدد في شكل العبد ويتوق إلى نفسه لأنه المصدر والأصل الذي يتوق إلى ذلك الشكل المحدد، وإلى تجليه الإنسي. وهكذا يُوجد الحب بشكل أبدي باعتباره حوارا وتبادلا للمواقع بين الخالق والمخلوق: فالحنين والاشتياق الرحماني واللقاء توجد أزلا وتحدد دائرة الوجود. وكل واحد منا يفهمها تبعا لمرتبة وجوده الخاصة وقدراته الروحانية. وهذا اللقاء، تمتع به البعض من قبيل ابن عربي بالمشاهدة لأوقات طويلة. ولدى كل الذين تذوّقوه وفهموه يتعلق الأمر بتوقٍ إلى مشاهدة الجمال الإلهي الذي يصبح كل لحظة في شكل جديد (الأيام الإلهية التي يتحدث عنها “ترجمان الأشواق”)، وهو الشوق اللامتناهي الذي يشير اليه أبو يزيد البسطامي بقوله إنه "شرب شراب المحبة والهوى فما كلّ وما ارتوى".

إنّ هذه العلاقة الصميمة بالحب الإلهي هي التي تمثل لها العلاقة بين كل إنسان وربه كما حللناها سابقا. وانطلاقا من هنا يمكننا، باتباع تأويلات ابن عربي والأسئلة التي يطرحها على نفسه، التقدم نحو مرمانا، أي توضيح كيف أنّ الوحدة الصوفية باعتبارها وحدة تفاعلية (أي تقاسم ذلك الانفعال والوجد المتبادليْن اللذيْن يجعلان وجودَ الربّ ووجود العبد العاشق متضامنا ومكونا لوحدة يضعفها الوجد الجوهريّ إلى طرفين يتوق أحدهما إلى الآخر، أي ثنائية قطبية تتضمن الخالق والمخلوق)، وكيف أن الوفاء في الحب الذي يغذي ويضمن تلك “الربوبية” وهو يلحم بين الطرفين الجوهريين فيه، يبدو لنا من ثمّ كعبادة تفاعلية. ما الذي تكشف لنا عنه جدلية الحبّ التي تلهم ما قمنا بموضعته هنا بهذا الشكل؟ وكيف سيكون نمط الوجود الذي يحقق وينمذج هذا “الفناء”؟

وبما أنّ الحب في جميع أشكاله، وباعتبار أنّ محركه هو الجمال، يتمثل موضوعه حصرًا في الله، سواءً أوعي بذلك أم لا؛ وبما أنّ “الله جميل ويحبّ الجمال” وانكشف لذاته فأنتج العالم كمرآة يتأمل فيها صورته وجماله؛ وأخيرا وبما أنه قد جاء في القرآن “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله” (آل عمران، آية 31)، فذلك لأنّ الله يُحبّ في الواقع نفسَه فيكم، إذا كان الأمر كذلك، فيبدو أنّ كل حب يتضمن في ذاته صفة الإلهي بشكل افتراضي من دون شك. لكن أن يتم افتراض راهنيته الفعلية فذلك يعني أن نفترض وجود بشرية تتكون حصرا من العاشقين والمشغوفين وأرباب الهوى، أي من المُتصوّفة.

لهذا، من الملائم التمييز مع ابن عربي بين ثلاثة أنواع من الحبّ باعتبارها ثلاثة أنماط من الوجود:

أ­ ثمة حب إلهي باعتباره، من جهة، حب الخالق لخلقه الذي فيها ينخلق، أي الذي يتطلب الصورة الذي بها يتجلي، ومن جهة أخرى، حبّ ذلك الخلق لخالقه، الذي ليس له غير شوق الإله المتجلي في الخلق، التائق إلى العودة إلى ذاته بعد أن تاق، باعتباره إلها خفيا، إلى أن يعرف في خلقه، وذلكم هو الحوار الأبدي الإلهي الإنساني؛

ب­ ثمة حب روحاني، يجد مكانه في الخلق الساعي دومًا إلى البحث عن الوجود الذي يكتشف فيه صورة أو الذي يكتشف أنه صورة له: إنه في الخلق، الحبّ الذي ليس له من هم آخر، وليس له من غرض أو إرادة غير مرضاة المحبوب، والاستجابة لما يرغب هذا الأخير فعله من خلال فعله من خلال عبده؛

جـ­ وثمة الحبّ الطبيعي، ذلك الذي يسعى إلى الامتلاك وتحقيق رغائبه، من غير الاهتمام برضى المحبوب. يقول ابن عربي بهذا الصدد: “وعلى هذا أكثر حبّ الناس اليوم”.

يتضمن هذا التصنيف علته الخاصة. فحين يختص بالخلق فهو يختلف عنه حين يعود إلى الخالق، أي إلى من هو في الواقع ذاته وموضوعه، المحبوب والمُحبّ. وحين يختص الحب بنا، تبعا لما يفترضه جوهرنا، الذي هو جسماني وروحاني، فهو يكون حبا روحانيا وحبا طبيعيا أو جسمانيا: وهو يتميز إلى درجة متابعة أغراض تتعارض فيما بينها. والمسألة هي أولا في معرفة كيف يمكن المصالحة بين الحب الروحاني والحب الجسماني، حينما فقط تطرح مسألة الربط بين ذلك الحب الخلقي الذي تمت المصالحة بين وجهيه، والحب الإلهي الذي هو الحب في جوهره الحق: أي مسألة معرفة إذا كان من الممكن أن نحبّ الله بهذا الحبّ المزدوج، الروحاني والجسماني، بما أنّ الله أيضًا لا يكون مرئيًا إلا في شكل عينيّ (خياليّ ومحسوس)، أي شكل يُمظهِره. ومن الواجب المناسبة من جديد بين الروحاني والجسماني، كي يولد الحب باعتباره في الخلق المألوهية التي تستجيب للحنين الإلهي إلى أن يصبح معروفا، أي كي تتحقق الوحدة التضادية، أي الوحدة التفاعلية والفناء بين الرب والمربوب.
وسنخطو الخطوة الأولى حين نكون قد أجبنا على السؤال التالي: أعلينا أن نتصور أننا نحبه له أم لأنفسنا؟ أم له ولأنفسنا في الآن نفسه؟ فالمسألة لا يمكنها أن تكون ذات معنى وقابلة للحلّ إلا بشرط طرح السؤال الآخر الثاني: بمن نحن نحبه؟ أي، من هي الذات الحقيقية للحبّ؟ الحال أنّ السؤال الثاني هذا يُحيل إلى طرح مسألة الأصل ومُنتهى أو غاية الحب، وهي مسألة كما يقول ابن عربي، ما سأله فيها أحد إلا امرأة لطيفة من أهل التصوف عفّ عن ذكر اسمها.

يتطلب الجواب عن السؤال الأول في الآن نفسه المصالحة بين الجانبين الروحي والطبيعي للحب. ويلاحظ ابن عربي أنّ الأكمل من بين المُحبّين المتصوفة هم أولئك الذين يُحبّون الله في الآن نفسه له ولأنفسهم، لأنّ هذه القدرة تكشف فيهم عن وحدة طبيعتهم المزدوجة (تجاوز “الوعي الشقي” الذي يعيش تحت وطأة التمزقات). ومن له القدرة بعيشه لأنه يجمع بين المعرفة الصوفية والشهود. لكن كل شهود في التجربة الصوفية، نمط من المعرفة يتطلب شكلا من الموضوع المجرب: وهذا الشكل بما أنه “مُركّب” كذلك، فهو يطابق المُحبّ. وما يقع فعلا هو ما يلي: بما أنّ النفس من بنية ثنائية، فحبها لله أو لأيّ كيان آخر، من حيث إنّ ذلك الحبّ مُلهم بالأمل في أن يجد نفسه (أو بالخوف من إضاعة نفسه)، يصدر عن طبيعته الجسمانية؛ ومن حيث إنّ ذلك الحب لا يرغب إلا في إضاعة نفسه، يصدر عن طبيعته الجسمانية؛ ومن حيث إن ذلك الحب لا يرغب إلا في مرضاة المحب، فإنه يصدر عن طبيعته الروحانية.

فبالعلاقة مع هذه الطبيعة الثنائية، ومن أجل “الموافقة بين عنصريها” بالجمع بين شكلي الحب، تأتي دعوة وجهيْ النفس، وكون المحبوب الذي يعتبر نفسه بأنه لا يقبل القسمة، وبأنه يرغب بألا تحب النفس سواه وله، وأن يظهر لها، فتتجلى له في صورة طبيعة. وهو يمنحها علامة ليعلمها بالتأكيد بانه هو الذي يظهر لها في تلك الصورة، وأنه يستحيل على النفس أن تنكر ذلك على نفسها. صحيح أنها ليست علامة محكومة بالحواس، وإنما بحاسة أخرى؛ يتعلق الأمر بمعرفة مباشرة بداهة أي بعلم ضروري. وهكذا تدرك النفس ذلك التجلي، فتدرك ان المحبوب هو تلك الصورة الجسمانية (المحسوسة أو الذهنية، التي يتعرف عليها الخيال)؛ فيتم اقتيادها نحوها، في الآن نفسه في طبيعتها الروحانية وفي طبيعتها الجسمانية. فـ ”تشهد” النفس ربَّها، وتعي بأنها تراه في تلك الصورة الوجدانية التي تقدم لملكاتها الباطنة، فلا تستطيع غير أن تحبه لنفسه: إنه حب “جسماني” لأنه يدرك الصورة عينية ويتأملها، وهو في الوقت نفسه حب روحاني لأنّ النفس لا تقصد تملك تلك الصورة وإنما ترغب في أن تستبطنها كلية. إنّ هذا الجمع بين الحب الروحاني والحب الطبيعي، بتحوُّل الواحد منهما في الآخر، يصف وصفا حقيقيا الحب الصوفي.

بيْد أنّ هذا الجموح الرائع يمكنه أن يرتدّ ضد نفسه باعتباره يتجاوز طاقات جهده إذا لم يُحسّ المتصوف في الوقت ذاته من هي الذات الواقعية التي تفعل فيه هذا الحب، أي من هو المُحبّ الفعلي. وهكذا فإنّ هذه المسألة تحل قبليا المسألة التالية: من هو العاشق الفعلي؟ ويأتينا الجواب بالغ الدقة: تعي النفس بأنها “ترى” الله لا بها وإنما به، فهي لا تحب إلا به، لا بنفسها؛ وهي ترى الله في كل المخلوقات لا بعينها، وإنما باعتبارها العين التي بها يراها بها الله. إنّ “رب هواها” هو الصورة الفاعلة فيها، عضو إدراكها هي، في الوقت الذي تكون فيه النفس عضو إدراكه هو. فالعين التي ترى بها النفس ربها هي العين التي يراها بها. وتناسبه مع المخلوقات هو ذلك التجلي الذي تحسه في ذاته، والهوى الذي يعمله فيها ذلك الحضور والذي يشكل لها برهانا عليه. فهي لا تنظر ولا تحب بذاتها ولا بالاثنين وانما به لوحده. وهكذا باعتبارها عضوه هو، هو الذي يتطلب فناء كاملا يتقاسم مع رحمته، فكيف نحب أحدا غيره؟ أنه الطالب والمطلوب والمحب والمحبوب.

إن الإفصاح عن هذه الهوية يعني ببساطة التذكير بحنين “الكنز المخفي” التواق إلى أن يعدو معروفا، وهو الحنين الذي يعتبر سر الخلق. فالحق يكون رحيما مع ذاته حين يسبغ رحمته على غمة اسمائها، وعلى غمة وجودنا الضمني الذي يسعى إلى اظهاره والاصل الأول لحبه لنا هو “مخلوقاته”. بالمقابل، فإن الحب الذي تكنه له هذه الموجودات، قبل أن تعرفه، ليس سوى حركة وجوده في وجودها بالحب الذي يكنه لها، حين حرّرها من أنظارها وصرف وجودها في فعل الأمر "كُن". هنا بالضبط يكشف ابن عربي عن علة العاطفة التي تهزّ كياننا عند سماع الموسيقى، ذلك ان ثمة تناسبا بين جواب امكاننا الازلي للأمر الذي ايقظها للوجود وحدسنا للامكانات التي يثيرها فينا الانشاد ويحررها في دواخلنا. لكن علينا ألا ننسى أنه إذا كان المُحبّ والمحبوب، فذلكم لأنه من جوهره أن يكون هذا وذاك، وان يكون من ثم العبد والمعبود، هو حوار أزلي للواحد والآخر وثنائية وحدودية جوهرية نتناساها حين نختزل ببساطة مذهب ابن عربي في ما يعرف بالحلول الفلسفي أو وحدة الوجود.

وفعلاً، فإنّ مقولاتنا الفلسفية المعتادة تعدو خائبة، كما تغدو خائبة معها كذلك مقولاتنا اللاهوتية والفقهية الرسمية إذا نحن اردنا ان نتفحص بها حكمة كحكمة ابن عربي وتلامذته. كما انه من المستحيل أيضا أدراك الحوار الذي تقيمه تلك الحكمة اذا ما نحن عاندنا في ارجاعها إلى ما نسميه في الغرب “وحدة الوجود”. كما أنه من المستحيل إدراك ترابط المادي والروحاني في مستوى التجليات، بل أكثر من ذلك إدراك كيف ان مريم يمكنها ان تكون بدل المتصوف، اذا ما نحن فكرنا بمصطلحات التجسيد (بالمعنى الوثوقي الذي منحته المسيحية لهذه الكلمة) ثمة بنية جوهرية من اللازم ملاحظتها، وتتمثل في ترابط حميم من جهة بين الظاهرية اللاهوتية التي هي ظاهرية الباطنية في الإسلام (في العيسوية التي تم نقلها إلى النبوئية والإمامية)، ومن جهة أخرى الفكرة الشهودية للحب التي يدعو لها متصوفتنا. وإذا كان لنا أن نتحدث هنا عن ذات متجسدة، فإننا لن نلاقيها في مستوى الموجودات المتحققة ماديا، والأحداث المنجزة والمكتسبة نهائيا ولكن دوما فيما وراء ذلك اي الماوراء او الغيب الذي نعلن عنه التجليات لأنّ “الواقع” الحقيقي هو الحدث الباطن الذي يحدث في كل نفس بالصورة الحسية التي يشدها اليه، فما يلزم هنا هو ملكة للإدراك والوساطة مخالفة تماما للبرهنة العقلية او التاريخية التي تبت في المعطيات المحسوسة المكتسبة تلك التي تنتمي للمعتقدات المحددة عقليا او للحوادث التاريخية المادية التي لا رجعة فيها. هذه الملكة الوسيطة تمارس الوحدة الشهودية للإلهي والانساني لا في واقع معطى ومحدد سلفا، وهذه المصالحة بين الروحاني والطبيعي هي التي كما رأينا تشرط الحبّ الكامل، أي الحب الصوفي. هذه الملكة الوسيطة هي ذلك الخيال الفاعل او الخلاق الذي يحدده ابن عربي “كحضرة” أو “حضرة خيالية”. وربما كان علينا في اللغة الفرنسية ابتكار كلمة جديدة للحفاظ على تلك “الحضرة” وتفادي كل خلط مع المعنى الجاري لكلمة “تخيلية”، وانا اميل هنا إلى كلمة المتخيلة T’imaginatrice.

فبواسطتها تبلغ جدلية الحب مرحلة ان يظهروا في شكل مادي، وهذه الصورة يمكنها ان تكون صورة محسوسة تحولها الحضرة الخيالية إلى صورة شهودية، أو “صورة تجلٍّ” يدركها الخيال وحده، من دون وساطة معطى محسوس لحظة المشاهدة. إن المحبوب الواقعي هو ما يظهر في هذه الصورة الشهودية ولا يمكنه أن يظهر الا في هذه الصورة التي تكشفه وتحجبه في الآن نفسه، والتي بدونها سيكون محروما من كل وجود عيني ومن كل علاقة؛ فالمحبوب الواقعي واللامرئي بالضرورة ممثل في صورة محسومة صادرة عن الحضرة الخيالية. وهو يبلغ من خلالها نمط وجود تدركه نظرة تلك الملكة السامية. بهذا المعنى فالصورة المحسوسة التي يتوجه نحوها الفعل الإرادي للحب تسمى المحبوب، وهي محبوب بالمعنى الذي يكون به ما هو محبوب فيها فعلا شيئا تظهره باعتبارها صورة له، لكنه شيء ليس فيها معطى فعليا، بالرغم من الوهم المقابل للحب الطبيعي العادي، الذي لا يهتم الا بنفسه، ولا يسعى سوى إلى امتلاك ما يظنه معطىً له كموضوع.

هذا المعدوم، ليس مع ذلك عدما خالصا وبسيطا فلا يمكننا أن نتصور عدما يمارس تأثيرا ما: خاصة اذا كان يتمتع بوظيفة شهودية. انه شيء لم يوجد بعد في الشكل المحسوس للمحبوب، شيء لم يحدث بعد، ويسعى المُحبّ بكل قواه إلى ايجاده واحداثه. وهنا بالضبط تأخذ وظيفة الحب الانساني مصدرها، تلك الوظيفة التي تضمن التحام ما سُمي تاريخيا حبا عذريا وحبا صوفيا. فالحب يسعى إلى تحويل صورة الشخص المحبوب الدنيوي، باسناده إلى نور يولد فيه كل الامكانات الخارقة، حتى تغشاه بالوظيفة الشهودية للملاك (وذلك كان حال الصور الأنوثية التي تغنى بها العاشقون تابعو وانتي؛ وذلك كان حال تلك التي ظهر لابن عربي بمكة في صورة الحكمة الإلهية) ولم يزل تحليل ابن عربي يتعمق اكثر فاكثر؛ فحين يسعى المحب إلى رؤية المحبوب والاتحاد به، وتأييد حضوره، فإن حبه يسعى دوما إلى ايجاد شيء ليس بعد موجودا في المحبوب. والموضوع الواقعي ليس هو ما حصل عليه وانما الدوام والاستمرار. بيد أنّ الدوام والاستمرار أو التكرار هو شيء غير موجود، انه ما ليس بعد، أي ما لم يدخل بعد في الوجود، وفي فئة الواقعي. فموضوع الالتحام العاشق في اللحظة التي يحصل فيها المُحبّ على حال الوصلة، هو شيء غير موجود بعد، ومعه لا وجود لاستمرار ودوام ذلك الوصال. وكما تقترح ذلك، على شيخنا، الآية الكريمة المصوغة في المستقبل “سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه” (سورة المائدة، الآية 56)، فانّ فعل الحب لا يني يستشرف شيئا لا يزال في عداد الغياب، ولا يزال محروما من الوجود، وهكذا دواليك، حتى النهاية. وكما نتحدث عن البعث المستقبلي فعلينا أسوة بذلك الحديث عن حب مستقبلي أو مؤجل.

وهكذا تدخل في لعبة الحب الصوفي باعتباره “تآمرا” بين الروحاني والجسماني، تلك الطاقة المتخيلة أو الخيال الخلاف، الذي تلعب فيه النظرية دورا هاما جدا في التجربة الشهودية لابن عربي. انها باعتبارها ملكة تحول المحسوس، هي التي تملك سلطة إعلان “الوظيفة الملائكية للموجودات” وفي هذا السياق، فهي تقوم بحركة مُزدوجة: فمن جهة، تنزل الوقائع الروحانية حتي واقع الصورة (لكن ابدًا تحت هذا المستوى، ذلك أنّ الوهم هو لدى مؤلفينا هؤلاء التركيز “المادي” المتوافق مع الوقائع الروحانية). فهي تقيم بذلك أيضا التشبيه الوحيد الموافق للحق والخلق، وتحل المشكلات المطروحة آنفا: ما الذي يعنيه حب الله؟ كيف يحب المرء إلها لا يراه؟ إنّ تلك الصورة هي التي تُمكّن المتصوف من التوافق مع المبدأ النبوي “أحب ربك كأنك تراه”. ومن جهة ثانية، فتلك الصورة نفسها، وبالرغم من انها مفصولة عن العالم المحسوس، ليست بغريبة عنه، ذلك ان الخيال اذا كان يقوم بتحويل المحسوسات فذلك لكي يسمو بها إلى صيغتها اللطيفة وغير القابلة للفساد. هذه الحركة المزدوجة الذي ينزل الإلهي ويصعد بالمحسوس، هو ما يوافق ما يسميه ابن عربي في مكان آخر اشتقاقيا “مُنازلة”، والخيال هو نفسه محلّ اللقاء الذي “تنزل فيه معًا” في “المنزل” نفسه اللامحسوس الإلهي والمحسوس.

وإذن، فإنّ الخيال هو الذي يقيم التفاعل بين اللامرئي والمرئي، وبين الروحاني والجسماني فيها كما يقول ابن عربي تحب: “موجودا تحب ظهور محبوبنا فيه من المحسوسات عالم الكتائف تلطفه بان نرفعه إلى الخيال (أي صورة التجلي) لنكسوه حسنا فوق حسنه"، وتجعله في حضرة لا يمكنه الهجر معها، ولا الانتقال عنها، فلا يزال في اتصال دائم لهذا فالنظر إلى درجة الواقع الموجودة في هذه الصورة الخيالية تتعلق درجة التجربة الروحانية، والعكس بالعكس في تلك الصورة يشهد المتصوف كمال وحسن محبوبه ويحققه في الواقع، ويعيش حضوره الباطن في نفسه. فمن غير هذا الاتصال في الخيال، ومن غير التحول الذي تقوم به فان كل اتصال ووصال مادي ليس سوى خدعة، ويعتبر ضلالا للفكر، وبالمقابل فإنّ المشاهدات الخيالية يمكنها ان تبلغ من الحدة بحيث أنّ أي موجود مادي يمكن ان ينزلها إلى ما تحت مستواها. ذلك كان حال مجنون ليلى، وهو حسب ابن عربي ألطف المحبة.

فهو يفترض أن العاشق قد وعى أن تلك الصورة ليست خارجية عنه وانما هي باطنة في وجوده. بل انها هي عين وجوده، صورة الاسم الإلهي الذي اتى به مع نفسه حتى ولد للوجود وتغلق دائرة جدلية الحب على هذه التجربة الأساسية: “المحبوب أقرب إلى المُحبّ من حبل الوريد”. وهو قُرب مُفرط بحيث يغدو من ثم حجابًا. لهذا فانّ من لم يَخبر التجربة الروحية، وسيطرت عليه الصورة التي غشيت كيانه الباطن كله، فإنه يسعى للبحث عنها خارجه، وذلك في مسعي يائس من صورة لصورة محسوسة، إلى أن يعود إلى مطرح روحه، فيدرك أنّ محبوبه مستغرق في باطنه بحيث لا يمكن البحث عن المحبوب الا بالمحبوب. في هذا المسعى، كما في هذه العودة يظل الفاعل فيه هو تلك الصورة الباطنة للجمال غير الواقعي، وظلل الجانب المتعالي أو السماوي لوجودها. فهي التي تجعله يدرك كل صورة شخصية محسوسة بشبهها، لأنها هي التي غشته، قبل أن يكون واعيا بذلك، بوظيفة التجلي. لهذا فإنّ ابن عربي يقول بأنّ المحبوب يوجد ولا يوجد فيه في الآن نفسه، وبأن قلبه في المحبوب او ان هذا الأخير في قلبه.

إن هذا التبادل لا يفعل سوى أن يعبر عن الجانب المعيش من “سر الربوبية”، ذلك السر الذي هو “أنت”، كما يتبدى في عبادة العاشق في شكل عبادة تفاعلية، والذي يعني “إضفاء الطابع الماهوي” بوجوده بكامله والتجلي الذي يمنحه للصورة المحسوسة. لهذا فإنّ قيمة ووفاء العاشق الصوفي ترتبط “بقوة الخيال” لديه، فكما يقول ابن عربي أيضا “المحب الإلهي روح بلا جسم، والمحب الطبيعي جسم بلا روح، والمحب الروحاني ذو جسم وروح”.

الأنوثيّ الخلاّق

لعلنا الآن مدعوُون إلى استثمار الدليل الثاني الذي اكتشفناه في التجربة الحكيمية لـ ”ترجمان الأشواق”. فمن خلال استعمال الخيال الخلاق، ما ينجم عن جدلية الحب في هذا العالم نفسه، أي في مستوى التجليات، هو المصالحة والمواءَمة بين الروحاني والجسماني، وتوحيد المحبة الروحانية والحب الجسماني في تجربة واحدة ووحيدة للحبّ الصوفي. وبهذه المصالحة تتعلق “رؤية الحق” (بما أنه تم تذكيرنا بصريح العبارة بأنّ لا عبادة ولا محبة لإله “لا نراه”). طبعًا، لا بتلك الرؤية التي يقال بصددها بأنّ الإنسان لا يمكنه رؤية الله قبل الموت، وانما بتلك الرؤية التي لا يمكن للإنسان أن يحيا من دونها. وإذا كانت هذه الرؤية هي حياة الإنسان لا موته فذلك لانها رؤية الحق المتصلة بكل رؤية صوفية، الحق الحامل للاسم المقابل للإمكان الخاص بالنفس باعتبارها تجليا ملموسا، وليس الرؤية المستحيلة للحق في طابعه المُجرّد المطلق. تفترض هذه الرؤية وتحين التعلق الأبدي بهذا الرب وبالوجود المتصل به الذي من أجله وبه يكون المربوب، بما أن كلية الاسم الإلهي تتضمن المسمي والمسمى، الأول باعتباره مانحا للوجود والثاني باعتباره الكاشف عنه، بحيث يتحولان الواحد بعد الاخر إلى الانفعال باعتباره فعلا من الواحد للآخر، أي فعلا يكون تعاطفا ورحمة. إنّ هذا التعلق، وهذا التوحيد لوحدتهما الثنائية، وللحوار الذي يمنح كلا منهما دوره من الآخر، تخفي هذه الوحدة “سر” الربوبية، ذلك السرّ الذي هو أنت (أبو سهل التستري)، والذي يتوجب عليك انت أن تعضده وتغذيه من وجدك الخاص. فالوحدة في هذه المشاركة الوجدانية وفي هذا الوجه المشترك بين الحق وبين من يجعل منه وما له (ومن فيه يكون ربا) تتعلق بإخلاصك في المحبة وبإخلاصك في المشاركة الوجدانية الذي يشكل القرى الذي قدمه إبراهيم للملائكة التشخيص الأولي له.

إنه تشخيص أولي، أو بعبارة أفضل، صورة نموذج لم يكن واضحا فيها بعد كيف يمكن للتصوف ان يعيد نسخها، وكيف يفعل كي يكون وجوده ذاته نمنجة وتمثيلا له والدربة على هذا النمط من الوجود علينا ان نطلبها من علم الحكمة التي تلوح معالمها في استهلاك الديوان الذي يرعى إيقاعه “ترجمان الأشواق”، والذي يتأكد في الفصل الأخير من كتاب فصوص الحكم أمنا المسلك من احدهما للآخر فيتمثل في جدلية الحب، تلك التي انتهينا من تقديم محطاتها الأساس. وإذا كانت الألوهة تخضع لوجوب الرؤية في شكل عيني من أشكال الرؤية الذهنية فإنّ من واجب ذلك الشكل أن يقدم الصورة الإلهية لوجوده نفسها. ولا يمكن للأمر إلا أن يتعلق بشهود فعال، أي أنّ فعاليته تتمثل في مطابقة وجود المشاهد بصورة الوجود الإلهي نفسها: ذلك أن المتصوف لا يمكن ان يبلغ أسر الذي عليه تقوم الوهة ربه إلا بعد مروره بولادة ثانية.

بيد أن النفس الرحماني الذي يحرر اسماء الله الحسنى من عسر وجودها المُضمر، هذه الرحمة التي تتحول بذاتها إلى جوهر للأشكال التي تجعل من وجودها وجوبا (أي لتلك الاشكال التي تحل بها الأسماء الحسنى والتي تمظهر تلك الاسماء)، كل هذا جعلنا نلمس في وجود الالوهة وهي تنكشف، كما في الأسماء الحسنى التي تتكشف عنها، بعدين اثنين: فاعل ومنفعل. من ثم فمن الضرورة أن يقوم الكائن الذي سيكون صورة الحق الكاملة التي ستكشف عنه، الحيازة على تلك البنية نفسها، أي أن يكون في الآن نفسه انفعال وفعل، متلقيا وخلاقا. ذلكم هو الحدس الذي يتحكم في ملفوظات الفص الأخير من فصوص الحكم، والذي ينتج عنه أنّ المتصوف يمكنه أن ينال أعلى الرؤى في التجلي الإلهي من خلال تأمل صورة الكيان الأنوثي، لأنّ التأمل يمكنه أن يمسك بالتجلي السامي للحق أي بالألوهة الخالقة في صورة الأنوثي الخالق.

فحيثما كان توكيد البنية الثنائية للفاعل والمنفعل يفترض تواترا لأسطورة الأندروجين، فإن روحانية متصوفينا يتم توجيهها بشكل عرفاني في الاسلام نفسه نحو الأنوثي الأبدي باعتباره وجودا للألوهة، لأنها تتأمل في ذلك الأنوثيّ سرّ النفس الرحماني الذي يعتبر فعل الخلق لديه تحريرا للموجودات وعتقا لها. إن استعادة وتذكر الحكمة الأبدية يتعلق هنا بحدس معلن لدى مؤلفينا، أي أن الأنوثي لا يتعارض مع الذكوري تعارض المنفعل مع الفاعل، وإنما باعتباره حاويا وجامعا في ذاته للجانبين المتلقي والفاعل، فيما أنّ الذكوريّ لا يمتلك إلا جانبا من الجانبين. يتم الإفصاح عن هذا الحدس بشكل كامل الوضوح في بيتين متكاملي المعني لجلال الدين الرومي:

الحنان والرقة من صفة الإنسان، والغضب والشهوة من صفة الحيوان.

المرأة شعاع الحق لا المعشوق في ذاته، إنها تجل للخالق وليس المقصود هو المخلوقة.

من ثم فإن هذا الحدس الحكمي متناغم تناغما كاملا مع حدس بعض غلاة الشيعة الاسماعيليين منهم والنصيريين، حين يرون في شخص فاطمة الزهراء، باعتبارها “الأم العذراء” التي تمنح أصلا لسلالة الأئمة الصادقين، تجليا للحكمة الأبدية، ووسيطا في عملية الخلق نفسها التي تتغنى بها أسفار الأمثال، والتي يلحقون باسمها وفي صيغة المذكر صفة الخلق: فاطمة الفاطر.

إنّ هذا الحدس الأنوثي الخالق ومن ثم للوجود الأنوثي باعتباره صورة للألوهة الخالقة ليس بتاتا صرحًا شهوديًا محضًا، وإنما هو يصدر عن موطن تجريبي يمكن اكتشافه في تأمل العبارة الشهيرة في التصوف: “من يعرف نفسه يعرف ربه”. وهذا الرب المخصوص الذي يصل إليه المؤمن بمعرفة ذاته “أي بمعرفة نفسه باعتبار النفس ذاتا وانفعالا”، كما ذكرنا بذلك آنفا، ليس بالطبع الألوهة في جوهرها المتعالي، بل ولا الألوهة في جوهرها فحسب، وإنما الحق المتجلي بذاته وفي ذاته و“في روحه” بما أنّ كل كائن محسوس يتأصل في الاسم الإلهي المخصوص الذي يبين فيه عن أثره باعتباره ربه الخاص. هذا الأصل وهذا الرب هو الذي يصل إليه ويعرفه بمعرفته لذاته، أو على العكس من ذلك يخطئه بجهله وتجاهله لذاته. وإذًا، حين كانت الذات الإلهية تسعى في ما قبل الوجود لأن تكون معروفة، أي تسعي للانكشاف ومعرفة الذات، فإنها كانت تسعى لانكشاف الأسماء الحسنى التي كانت لا تزال في حكم اللامعرفة.

وبالشكل نفسه أيضًا، حين يصل المؤمن إلى معرفة ذاته فإنه يبلغ معرفة أحد الأسماء الحسنى التي تشكل ربه الخاص، بحيث إنّ عالم الأسماء الإلهية يمثل في كليته عالم الذات الذي إليه يسعى حنين الحق الراغب في أن يكون معروفا، والذي يسعى هو بنفسه إليه، كما لو كان توقا للعودة للذات، وذلك في حنين المخلوق الباحث عن اسم من أسماء الله الحسنى الذي يكشف عنه، وكل هذا بشوق لا مُتناهٍ وغير قابل للإشباع أبدا.

وهنا نكتشف مع شيخنا السبب الذي من أجله تكون لدى المؤمن هذه المعرفة بالذات، باعتبارها معرفة تجربة لربه، هي نفسها المعرفة التي تكشف له حقيقة الأنوثي الخالق، وفعلا، فإن الصوفي إذا كان يدرك النفيس الرحماني الذي كان في الآن نفسه النفس الخالق والمحرر وماهية المخلوقات فذلك يتفكر نفسه في شخص آدم باعتباره ذاته، في مسعاه للرجوع إلى ربه أي في تكشفه لذاته. لقد انبسط حنين وغمة آدم أيضا بعرض وانعكاس صورته الخاصة، التي حين انفصلت عنه واستقلت عنه مثلها مثل المرآة التي تظهر فيها الصورة، كشفت له أخيرا عن نفسه لنفسه. لهذا يعتبر شيخنا انه يمكننا القول بأن الحق أحبّ آدم بالحب نفسه الذي أحبّ به آدم حواء، فآدم بحبه لحواء يحاكي النموذج الإلهي فيكون آدم بذلك تخلقا إلهيا. لهذا أيضا فإن الرجل في حبه الروحاني للمرأة “وقد رأينا سابقا هذا الحب الروحاني” يحب في الحقيقة ربه. وكما أنّ آدم هو المرآة التي يتأمل فيها الله صورته، والشكل القادر على إبانة أسمائه، أي أسماء “الكنز المرصود” في ذات الحق غير المكشوف بعد، كذلك فإن المرأة هي المرآة، والمظهر الذي يتأمل فيه الرجل صورته، التي كانت تشكل وجوده الخفي، وتلك الذات التي كان عليه معرفتها حتي يتمكن من معرفة ربه.

ثمة إذًا تناظر كامل بين انبساط غمة الحق الذي يمثله النفس الرحماني الموحد والمحرر للمخلوقات، من جهة، ومن جهة أخرى حواء باعتبارها حنين آدم الذي يقوده نحو ذاته ونحو ربه الذي تكشف له عنه. إنها وساطات ووسيطات متشابهة حيث تكتشف الظاهراتية المقصد الوحيد نفسه. فحين تبلغ الذات الإلهية إذن الكشف التام وتأمل ذاتها فإنها تبلغ ذلك في تلك الطاقة الخلقية أي في الحق المخلوق به، التي هي في الآن نفسه أيضا المادة والماهية الروحية للكائنات، والتي تجعل منه من ثم مالكا للبعد الثنائي الفاعل والمنفعل. بالموازاة مع ذلك، اذا كان ثمة تأمل ثلاثي يمكن للإنسان آدم أن يبحث من خلاله عن معرفة نفسه، ومن ثم عن معرفة ربه، فليس هنالك إلا واحد يمكنه أن يوفر له الصورة الكاملة. ذلك ما يعبر عنه ابن عربي في تلك الصفحة من فصوص الحكم التي أشرنا اليها آنفا والتي حظيت بالأخص باهتمام خاص من شارحي مثنوي لجلال الدين الرومي.

الإنسان “آدم” يمكنه أن يرى ربه في نفسه، مرة باعتباره نفسه ذلك الشخص الذي خلقت حواء منه، فهو بذلك يمسك به ويمسك بذاته أيضا في مظهره الفاعل. كما يمكنه مرة أخرى أن يتفكر في نفسه من غير أن يفكر في أنّ حواء خلقت منه، وفي هذه الحالة يمسك بنفسه في شرطه كمخلوق فقط أي باعتباره كيانا منفعلا خالصا. فهو لا يبلغ في كل مرة إلا معرفة أحادية الجانب لذاته ولربه. ولكي يبلغ الشهود الكامل لكليته باعتباره فعلا وانفعالا، عليه أن يتأملها في كائن تجعل منه راهنيته الخاصة مخلوقا كما تجعله خالقا. وذلكم حال الكائن الأنوثي حواء، باعتباره على صورة النفس الرحماني، خالقة للكائن الذي منه خلقت. ولذلك السبب يكون الكائن الأنوثي الموجود بامتياز الذي يرتبط فيه الحب الصوفي “من حيث أنه يربط بين الروحي والحسّيّ عبر التحول المتبادل” بتجلٍّ يكون هو التجلي بامتياز.

هذا الاستنباط للأنوثي الخالق، الذي يمكننا فيه التمييز بين الأساس “التجريبي” لكل حكمة عرفانية، والذي ينجم عنه أنّ الكائن الأنوثي هو التجلي بامتياز، لم يكن له أن يتلاءم بطبيعة الحال مع التفسير التقليدي لقصة آدم. فمتصوفتنا قد انتهوا فعلا إلى التعبير عن الحدث الذي كانوا يُحسُّون به في ذواتهم، عبر الجمع بطريقة جديدة بين الصُّور الرمزية: ويبدو أنّ الأمر يتعلق بنقطة هامة في علم النفس الديني تقود هنا إلى تشكيل رباعية. فمقابل الزوج المكون من آدم وحواء سيتعارض معهما الزوج المكون من مريم وعيسى باعتباره مُكمّلا ضروريا. وكما أنه وجدان أنوثي صادر في وجوده عن ذكوري من دون وساطة الأم، أي حواء، وقد خلقت من آدم في وضع منفعل بالنظر إلى آدم، كذلك كان من اللازم وجود ذكوري مولود من أنوثي بلا وساطة الأب، وذلكم كان حال عيسى وقد ولد من صلب مريم. ففي شخص مريم يكون الأنوثي قد أصبح محملا بوظيفة خالقة فعالة على شاكلة الحكمة الإلهية. إنّ علاقة مريم بعيسى تشكل إذن النمط النقيض لعلاقة حواء بآدم. وهكذا يقول ابن عربي بأن عيسى وحواء “أخوان”، في حين أن مريم وآدم هما الأبوان. فتبلغ مريم مرتبة آدم، وعيسى مرتبة حواء “ومن النافل الإشارة إلى مدى بُعد هذه النمذجة عن تلك السارية في التفاسير المسيحية”. وما يعبر عن نفسه في هذه الرباعية “ مع التبديل في خصائص الذكوري والأنوثي” هو إذن رمز و”رقم” علم الحكمة الذي علينا تحليله هنا.

وإذن فإنّ بزوغ هذه الرباعية التي ترسم “رقم” علم الحكمة، تعلن أيضا عن الاستثمار الأخير لجدلية الحب. فاستبدال صورة حواء بصورة مريم يتحكم فيها بالفعل حدس الأنوثي الفاطر، وهذا الحدس يسم اللحظة التي يكون فيها عنصر الجمال تجليا بامتياز، وتمتد لتغدو إشادة بشكل الوجود الذي أصبح يمتلكه ذاك التجلي، لأنه على صورة النفس الرحماني الخالق للكائن الذي منه خلقت.

أن يكون الجمال هو التجلي بامتياز، ذلك ما لم يكل التقليد الإسلامي من تكراره، فالله جميل ويحب الجمال، وهذا طبعا ما لا يمكننا التحقق منه إلا بالنظر إلى هذا الحب الصوفي الذي حدده وعاشه متصوفتنا، الذين يعني لديهم التوافق بين اللامرئي والمحسوس أن أحدهما يدخل في علاقة رمزية مع الآخر. لهذا يبدو لي باطلا بطلانا فعليا النقد الذي صيغ في حق متصوفة الحب، انطلاقا من نزعة زهدية صماء تجاه هذا التوافق وتلك الرمزية، بحيث إنها لم تجد من تهمة ترميهم بها غير النزعة الجمالية. إن الشتائم التدينية التي أطلقت عداء أو جبنا في حق هشاشة تلك التجليات لا تدلّ إلا على شيء واحد، وهو كم نحن غرباء عن الإحساس المقدس بالجمال الحسيّ الذي ينادي به مجمل متصوفة مدرسة ابن عربي أو جلال الدين الرومي. وهو إحساس جعلهم أيضا بعيدين عن تصور مشهد من قبيل تنزل الحكمة بالأشكال التي منحها لها أنظمة عرفانية أخرى.

إنّ الصورة الإنسانية، التي تظهر في شكل محسوس هذا الجمال الذي يعتبر أحد أسماء الله الحسنى، محملة بقوة روحانية حقيقية، بما أن سلطتها سلطة روحانية، فإنها بذلك قوة خلاقة. فهي التي تخلق الحب في الإنسان، وتوقظ في نفسه الحنين الذي يقوده إلى ما وراء مظهره المحسوس، وهي التي تقوده إلى معرفة ذاته، أي معرفة ربه الأعلى وذلك عبر الدفع بمخيلته الفعالة إلى أن تنتج لنفسها ما يسميه شعراء التروبادور بـ ”الحب السماويّ”، “أي الحب الروحاني لابن عربي”. لذلك، فالكيان الأنوثي هو كيان خالق لأكمل شيء في الوجود، وبعمله ذاك تكتمل دورة الخلق، أي نفث اسم من الأسماء الإلهية في كائن إنساني يغدو سنده وضامنه و”مُحبّه الأمين”، ومن خلال ذلك أيضا لم تعد علاقة حواء بآدم، كما تقدمها التفاسير التقليدية، في مستوى وظيفة التجلي اللصيقة بالكيان الأنوثي. فقد كان على هذا الأخير أن يبلغ الدرجة التي تخصصها له الرباعية والتي تتبوأ فيها مريم مرتبة الحكمة الفاطرة. ولا شكّ في أننا ندرك هنا معالم حكمة عرفانية مسيحية مختلفة كل الاختلاف عن المسيحية الرسمية التي يقدم لنا التاريخ صورتها. بيد أنّ هذه المسيحية الأخرى هي التي كان العرفان الصوفي في الإسلام بتفهمها وبتمثلها، كما تؤكد لنا ذلك الصفة الممنوحة لصورة الحكمة في “ترجمان الأشواق”: “الحكمة العيسوية”.

لهذا من المفيد الالتزام بالعلاقة مع مبدأ علم الحكمة الذي يقدم نفسه هنا، باختلافية عميقة. فلأن الجمال يدرك باعتباره التجلي بامتياز، ولأنّ الكائن الأنوثي يتأمل باعتباره صورة الحلم أو الحكمة الخلاقة، فعلينا، كما ذكرنا بذلك قبل بضعة سطور، ألا ننتظر العثور هنا على عنصر يشبه سقطة الحكمة بالشكل الذي تظهر فيه في أنظمة أخرى للعرفان. ففي العمق، إن تعالق اللاهوت والناسوت، وبالأدق تجسد اللاهوت في الناسوت ليس صادرًا أبدًا عن فكرة التنزل، وإنما هو يقابل ضرورة باطنية للرحمة الإلهية الساعية إلى الكشف عن وجودها. وليس الإنسان بقادر على “تفسير” كيف أن مأساة مغامرتنا الإنسانية تمثل الصروف والعوائق التي تصادفها بسبب إرادة التجلي هذه، أي عبر تفسير كيف أنّ بني البشر يفضلون جماعة عدم تعين “لا وجودهم”، أي بعبارة أخرى: لماذا يرفض بنو البشر جماعة اسم الله الذي يسعي لأن يجد فيهم بوتقة وعضوا رحيما.

في كل الأحوال، فإنّ تجلي اللاهوت في صفات الناسوت لا يتحقق أبدا بالتجسيد في المستوى المحسوس للتاريخ المادي وأحداثه المتعاقبة، وإنما بمعراج للمحسوس إلى مرتبة التجليات سواءً أأطلقنا عليه أم لا اسم “الظاهريّ”. فالغاية من اصطفاء النبي تتمثل في تحقيق ذلك التعالق الذي نجد دلالته في الحب الصوفي باعتباره تعالقا “بالتحوّل” بين الحب الجسماني والحب الروحاني. والحدث يتحقق دائما في مستوى الواقع الذي تعتبر المخيلة الفعالة مؤسسة له. إنّ مجيء النبي هذا الذي ستكون تجربته الشخصية نموذجًا للتجربة الصوفية، مُطالب إذًا بوسم الحدوث المُرتقَب لهذا الحبّ الخالص، أي باقامة ما يُسمّيه جلال الدين الرومي في أحد نصوصه الخالدة، بهذه العبارة المذكورة آنفا: “هام دامي”، أي “تواطؤًا” بين الروحانيّ والمحسوس، آنذاك، وفي نداء عجيب يقوم النبي في ما قبل الوجود بالمناداة على الأنوثي “الروح القدس" أو "أم المؤمنين" حسب المفسرين. فالجمال ليس إذن “غواية”؛ إنه تجلٍّ للأنوثيّ الفاطر، وهذا الأخير ليس بحكمة مُتنزلة. إنّ النداء الموجه إلى الأنوثي يأخذ بالاحرى صيغة نداء لتحويل كل شيء، ذلك أن الجمال هو سبيل الخلاص. وبما أن النبي كان مفتونا به في وجوده ما قبل البشري فقد سعى للخروج من العالم اللامرئي كي يظهر بالشكل واللون الحسييْن يواقيت العرفان وعجائب الواقع الحقيقي، هكذا فهم المتصوفة إسلامهم، باعتباره كلية منسجمة وتآلفا (هام دامي) بين العناصر الروحانية والعناصر الحسّيّة للإنسان، وهو الانسجام الذي يحققه الحب الصوفي باعتباره عبادة تفاعلية.

هذا الامتياز للمؤنث الفاطر باعتباره تجليًا للجمال الإلهي سوف يعبّر عن نفسه من خلال مفارقات رائعة، فهو سوف يدرك في المستوى الميتافيزيقي للولادة الأبدية للمخلوقات كما في مستوى الولادة الثانية، تلك التي تولد في الكائن المتصوّف السر الأعظم لحياته الروحانية من خلال تشكيله وصوغه تبعا لتلك الصورة الامتيازية.

وقد يحدث أن يمسك ابن عربي بوقائع معجمية أو نحوية، من حيث انه لا يعتبرها فقط قضايا لغوية عابرة وإنما تتكشف عن واقع ميتافيزيقي سامٍ، لكي يشغلها مع مصادر فقهية لغوية شخصية جدا، قد تبدو في نظر فقيه اللغة مصادر مضللة، غير أنها أقدر على إدراك الرموز. إنه يلاحظ مثلا أنّ أحد الأحاديث المروية عن النبي تتعرض فيه القواعد النحوية إلى خرق عظيم: فضدا على قاعدة أساسية معروفة، يأخذ المؤنث الغلبة على المذكر في الجملة، فيغدو هذا الأمر منطلقا لملاحظات ستتوسع مع الشراح والمفسرين.

ويلاحظ ابن عربي أنّ الكلمات التي تعين الأصل والعلة كلمات مؤنثة. يمكننا ذلك أن تتفق على أن الجملة كما تمت نسبتها للنبي لأحنة نحوا، ذلك أنّ النبي كان يرغب بالمقابل في أن يقترح علينا أن الأنوثي أصل لكل شيء. فكل ما هو أصل ومصدر لشيء ما يعين بالأسم “أم”، وتلكم بامتياز حالة معجمية تكشف عن واقع ميتافيزيقي مُتعالٍ.

إنه إحساس يفرض نفسه فعلا إذا ما تم الوقوف للتفكر في المصطلح المؤنث حقيقة، الذي يعين الواقع الحقيقي والحقيقة الواقعية والواقع الجوهري، أي بالجملة ما يشكل الجوهر ذاته للوجود، وأصل الأصول وما لا يكون شيء في ما وراءه قابلا للتفكير والاعتقاد. لقد خصص عبد الرازق القاشاني، أحد أبرز وجوه مدرسة ابن عربي، للفكرة التي يوحي بها المصطلح صفحة من الافكار البالغة الكثافة. ويمكننا القول إنّ تلك الحقيقة باعتبارها فاعلا مطلقا هي “أب الكل”، بيد أنه من الأفضل القول بأنها الأم، اذ هي تجمع بين الفعل والانفعال تبعًا لما يوحي به اسمها المؤنث، وهو ما يعني أيضا انها تتضمن التوازن والانسجام بين الظاهر والباطن. فهي تكون فاعلا باعتبارها الباطن في كل شكل والمحدد الذي يتحدد في كل محدد تكون هي أصلا له: وهي تكون منفعلا باعتبارها الظاهر والمعلن، ومن ثم المحدّد في تلك الصورة المتجلاة أو المظهر الذي يظهرها ويحجبها في الآن نفسه: وبالصورة نفسها فإنّ كلّ شكلِ تجلٍّ في نظر العارف يُفصح عن البنية نفسها. ويركّز ابن عربي ما ترمي له هذه التأملات على النحو التالي: فإنّ الرجل مُدرج بين ذات ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه... فكن على أي مذهب شئت، فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم عند أصحاب العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالم.

تعبر الكلمات الأخيرة عن بنية الوجود نسقه منذ أعالي الكيانات السماوية. وهي ستترجم إلى مفارقات بمصطلحات التجربة الروحانية، وهذه المفارقات لن تعمل سوى على التعبير عن وضعية تقلب الحكاية الأسطورة لآدم وتكملها من خلال عملية القلب هذه. بيد أنّ آدم الذي أشرنا إليه، هو أولا وقبل كل شيء آدم الروحاني، أي آدم الحقيقي. إنه المرتبة الأولى من الوجود المحدد، أي العقل الأول. أما المرتبة الثانية فتعود للنفس الكلية التي هي حواء السماوية. وهكذا فإن العقل الذكوري الأصلي يوجد بين أنثيين: ذات الحق أو الجوهر الإلهي والنفس الكلية. لكن، من جهة أخرى فإنّ هذا العقل الأول هو المسمى أيضا الروح المُحمّديّ “أي الجوهر المحمدي الخالص أو الروح القدس أو الملك جبرائيل”. وباعتبار هذا الروح الأول في الخلق فإنه قد خلق في وضعية انفعال مَحض، ثم منح مبدأ الفاعلية باعتباره نشاطا خالقا. ذلك ما يعنيه جلوسه على العرش وحمله للأسم الإلهي بامتياز أي الرحمان “وهو الذي بلور أيضا الاسم المناسب للملائكة: رحمانييل”.

بامكاننا إذن التعرف في هذه الملامح المميزة للصورة الأسمى للعقل الأول على الصورة الأسمى للعالم الإلهي، تلك التي يخفي اسمها كل أسرار الرحمة الإلهية، أعني ملامح الحكمة الفاطرة. وفي السياق نفسه، يحكي عبد الكريم الجيلاني، أحد الاعلام الكبار للتصوف، محاورة في لحظة الشطح يثير خلالها “الروح المحمدي” أو الملك المسمي روحا، العبارات التي اشارت بها له الذات الإلهية بأنها (أي الحكمة الفاطرة) كانت الواقع الذي رمزت له الصور الأنثوية في الشعر العربي العذري، تلك الصور التي منحت اسمها أيضا للحكمة التي يتغني بها “ترجمان الأشواق” انها مرة أخرى هي التي نتعرف عليها في حديث قدسي يُنسب للإمام جعفر الصادق، باعتبارها تلك التي يتوجه لها الأمر الإلهي في صيغة المؤنث “التجلي الإلهي الأول والحورية الكاملة”: كوني محمدا، فكانت، إنها علامات دالة لنا على الطريقة التي تم بها التفكر في تجربة النبي في جانبها “الحكمي” باعتبارها تجربة نموذجا للتجربة الصوفية.

ذلكم أيضا هو الحدس الأساس الذي يعبر عن نفسه في بيت شهير للحلاج: “أمي أنجبت أبي، يا للعجب”. إنّ هذا القول الذي يعبّر عن سرّ أصل الموجودات في شكل مفارقة لأنه لا يمكن التعبير عنه بصيغة أخرى، تم التعليق عليه من قبل متصوفين اثنين شهيرين من إيران هما فخر الدين العراقي في القرن الثالث عشر والجامي في القرن الخامس عشر. ففي مستوى الولادة الخالدة تعني “أمي” لديهما وجودي الخالد المضمر في الذات الإلهية، وهو ما كان يسمى في معجم إيران القديمة الزارادشتية "الفرافارتي"، أي النموذج الأصل أو الملاك الشخصي. وإذن فإن عيني الثابتة، أي فرديتي الأبدية، تتم من خلال تجلي الذات الإلهية لنفسها في سرها الرباني. وفي هذه الصيغة تكون هي الوالد. لكن إذا نحن نظرنا إليه كما هو، حين أنتج ذلك التجلي في وجوده هذا التعيين الشخصي، أي كما يتلقي وجوده تحديداته، ويحمل “طابعه” فهو يكون في هذا الشكل ولد عيني الثابتة، أي من “أمي” التي هي في هذا الشكل “أمه”. فما تقدمه المفارقة هنا هو أنّ جوهر الأنوثة هي أن تكون خالقة للموجود التي هي منه مخلوقة، كما لو أنها لا تكون مخلوقة إلا من الموجود الذي هي خالقة له. وإذا نحن تذكرنا هنا الفعل الأول لنشأة الكون، فإننا سنفهم أنّ المفارقة تفصح عن لغز الحياة الباطنية للحق ومعه سر الأنوثة الأزلية.

من ثم، فإنّ هذا السرّ لا يقدم نفسه للمتصوّف فقط في مستوى عينه الثابتة، ولكن باعتباره نمط وجود عليه تمثيله داخليا للوجود على الطريقة الإلهية، والعمل على أن يكون وجوده العيني طريق عودته المتقدمة نحو أصله. وبهذا الشكل فإنّ البيت المنسوب للحلاج يستهدف الولادة الثانية، تلك التي تشير إليها آية من إنجيل يوحنا الذي عرفه وتفكره العديد من روحانيي الإسلام: “لن يبلغ أبدا ملكوت السماء من لم يُولد مرتين”. لكن، إذا ما تم إدراج تلك الولادة الجديدة في سياقنا نحن فإنها ستعني بأنّ النفس الصوفية بدورها “تخلق” خالقها، وبعبارة أخرى، فإنّ تمثيلها للأنوثة الفاطرة، و”حكميتها” تحدد المقدار الذي تكون به قادرة على الاضطلاع بسرّ ألوهية ربها (هذا السرّ الذي هو أنت) أي حيث ربوبيته تضع “تلد” الإله الذي يكمن هواه في أن يكون معروفا منها. إنّ استثمار المفارقة المدركة في المستوى الميتافيزيقي في قول الحلاج، تبيّن لنا النداء الذي يتوجه به السهروردي إلى “الطٌباع التام” (أي الوحدة الروحانية التي تكون في الهرمسية هي الملاك الشخصي للفيلسوف) “أنت الأب الروحي وأنت الولد المعنوي”: أي أنك أنت من يلدني باعتباري روحًا، وأنت من ألد بفكري وتفكري. هنا بالضبط توجد الوضعية التي تحيلها المفارقة الحلاجية إلى الأصل “أمي انجبت أبي”، لكن منقولة من ثم من المستوى الأزلي إلى المستوى الحالي للوجود العيني الصوفي. وإذا كان المتصوف من ثم يمثل بدوره صورة الأنوثة الخلاقة يمكننا أن نفهم كيف تصبح مريم نموذجه، وكيف يجعل منها جلال الدين الرومي في إحدى أجمل صفحات “مثنوي” بدلا للمتصوف وسوف يغدو حدث البشارة إذن أحد الرموز التي نتحقق من خلالها بأنّ من يعرف نفسه يعرف ربه. إنّ “حكمية” وجود الموجود “الممثلة نموذجيا في مريم” هي بالأساس التي يغدو مشروطا بها لدى المتصوف رؤيته للملاك، أي أنها هي التي تحدّد القدرة على الشهود أو رؤية التجلي، والقدرة على رؤية صورة تجمع اللامرئي والمحسوس و”تشير لأحدهما بالآخر”.

لنحاول إذن إدراك الأصوات التي تطلق ذبذباتها بين السطور حيث يصف جلال الدين الرومي بكل موارد الغنائية ظهور الملك جبريل:

أمام بزوغ جمال لا يضاهي
أمام هذه الصورة التي تزهر من الأرض كوردة أمامها
كصورة ترفع رأسها خارج سر القلب،
فتسعى مريم مفزوعة بحثا عن حماية الرب. غير أن الملك يبادرها قائلا:
تهربين نحو الغيب من أمام صورتي المحسوسة..
فبيتي ومطرحي بحق في ذلك الغيب
يا مريم انظري فأنا صورة عسيرة على التأمل.
أنا الهلال والصورة في القلب.
حين تستقر صورة في قلبك
لا مجال للهرب فالصورة في قلبك باقية،
إلا إذا كانت صورة بلا جدوى ولا جوهر،
تنغرس وتختفي كفجر كاذب.
لكني كالفجر الحقيق نور ربك
فلا ليل يحوم حول نهاري....
تستجير مني بالحق،
فأنا أبدا صورة الملجأ الوحيد،
أنا الملجأ الذي كان دوما خلاصك،
تستجير مني وأنا ملجؤك.

“أنا نور ربك”- أثمة عبارة أفصح لقول ما هو الملاك من هذه العبارة، حيث نراه وهو يكشف عمن هو يعلن أيضا أن من يعرف نفسه يعرف ربه؟ أثمة عبارة أفصح من تلك التي يقولها الملاك على لسان جلال الدين الرومي، بأنّ الهرب من ظهوره، كان سيكون لمريم وللمتصوف الهرب من النفس واللجوء ضد النفس؟ فالبحث عن ذلك الملجأ قد يكون الحركة الأولى للروحاني المبتدئ، بالمقدار نفسه الذي تكون به حركته الاولى أن يمارس بحثه وسعيه خارج الصورة الأسمى التي لا يزال يجهل أنها صورة باطنه. لكن المثابرة في هذا التراجع وهذا الهروب سيعني الموافقة على الخدع واللجوء إلى البراهين التي لا تفضي في النهاية إلى أيّ حضور ضروري يأتي ليخلص المرء من الشك ومن القلق الناجم عنه. إنّ السؤال الذي طرحه لـ “ترجمان الأشواق” التجلي الليلي للحكمة في عتمة المعبد، لا يستدعي غير جواب واحد، ذلك الذي يقدمه لنا مثنوي ممثلا في شخص مريم: لأنه إذا كان من المستحيل البرهنة على الحق، فليس ثمة من جواب غير “أن يصبح المرء قادرا على الحق”.

وبالفعل، وكما ينص على ذلك جلال الدين الرومي، فإن كل عين من أعياننا الخالدة عبارة عن كلمة، أي كلمة إلهية يطلقها النفس الرحماني. وحين تخترق هذه الكلمة قلب المتصوف “كما اخترقت مريم عبر نفيس الملاك”، أي حين يتفتح إلى وعيه “سر ربه” وحين يتملك الإلهام الإلهي قلبه وروحه “فإن طبيعته تغدو قابلة كي يتولد فيها ولد معنوي يكون له نفس عيسى الذي يبعث الموتى”.

إنّ ما يبشر به جلال الدين الرومي هو تقريبا وبالحرف ما جاء به المعلم إيكارت قرنا بعد ذلك في الغرب. وهذا الموضوع المتعلق بالولد المعنوي، أي بالنفس الصوفية التي تتوالد مع نفسها، والتي تمكننا من القول مع شاعر مثنوي وهو يتأمل الرمز السامي: “يتوالد مع ملكه” هذا الموضوع تبدو المهيمنة الروحانية بحيث إننا نجده أيضا لدى الفقهاء والفلاسفة المتصوفة التابعين للتقليد السينوي أو السهروردي في إيران، كما تدلنا على ذلك شهادة مير داماد العالم الفقيه بأصفهان في القرن السابع عشر. كما أن هذا الموضوع يوضح لنا أيضا من غير لبس معنى وفحوى الحكمية التي حاولنا استنباطها هنا، وكم هي تختلف عن الحكيمات التي ساهمت أكثر في الغرب نفسه، وفي وقت متأخر، في ظهور فكر حكميّ كما هو الحال لدي فلاديمير صولوفيو Vladimir Soloview مثلا، والذي سيسعى خطابه في النهاية نحو ما سيسميه هو نفسه بـ “التجسيد الاجتماعي”. إنه تعبير لو سمعه أتباع ابن عربي أو مولانا جلال الدين الرومي لبقي في نظرهم غير مفهوم، بالمقدار نفسه الذي يظل صعبا علينا، للأسف، أن نضع فكرنا في مستوى التجلي، ربما لأنه علينا بدءًا التغلب على عادة فكرية متجذرة فينا عبر قرون من التفلسف والكلام، واكتشاف أنّ كلية وجودنا لا تتمثل فقط في ذلك الجزء الذي نسميه اليوم شخصنا. فتلك الكلية تتضمن أيضا شخصًا آخر، أي معادلا متعاليا يظل غير مرئي لنا، وهو ما يسميه ابن عربي “عيننا الثابتة” أعني “الاسم الإلهي” الذي يخصّنا، وهو ما كان يُسمى في إيران القديمة “الفرافاراتي”. فللإحساس بالحضور، ليس ثمة من مكان آخر ولا من برهان آخر غير الخضوع لجاذبيته، في تناسب تعبر عنه بشكل رائع وبشكل خصوصي صلاة عباد الشمس. وعلينا فعلا ألا ننتظر أن تتم البرهنة لنا على هذا اللامرئي بشكل موضوعي كي ندخل في حوار معه. فحوارنا هو لذاته برهانه، لأنه مسبق وجودنا. ذلك ما حاولنا استنباطه هنا من “سر الألوهية” هذا، من هذا السر الذي هو أنت، معتبرين ذلك الحوار فناء.

إنّ ما يبدو أنه وحدة وجود لدى ابن عربي هو ما يؤسّس بالفعل حوارا ووضعية حوارية. وحتى نقتنع بذلك لننصت أيضا إلى هذا النشيد النهائي لكتاب التجليات. فإذا كان بعض المتصوفة في الديانة اليهودية قد تأوّلوا “نشيد الأناشيد”، باعتباره حوارا حارا بين النفس الانسانية والعقل الملاكي الفعال “ذلك الذي يسمي الروح القدس، وجبريل والحكمة الإلهية أو العقل المفارق”، فإنّ الأمر هنا يتعلق برجاء نابع من وجد ليس بأقل حدة. ويمكننا أن نستشفّ فيه صوت الحكمة الإلهية، والملاك، الفرفاراتي، وبشكل مباشر صوت “صورة التجلي” التي يمنحها المتصوف “وظيفتها الملائكية”، ذلك أننا في الماذا الثلاثي لسؤال مؤلم نستشفّ صدى السؤال المطروح لـ “ترجمان الأشواق” في ظل الكعبة:

“فقالت: أما هم فسلموا، ولكن اسأل عنك، فينبغي أن تسأل نفسك هل سلمتُ أم هلكتُ يا سيدي؟"...

(فصل من كتاب “الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي”. اللوحات للفنان التونسي: عبد العزيز فرجي. عن "أخبار الأدب" المصرية)

12/01/2007 17:06

0 تعليقات::

إرسال تعليق