الأربعاء، 20 يوليو، 2011

الطريق إلى العلمانية

في غمرة الانتفاضات العربية، حذا بعض الشباب في لبنان حذو هذا الحراك، فعبّروا عن غضبهم بشعارات مستوحاة من الروحية نفسها. لكن لكل خصائصه، فكان من البديهي أن تلين العزيمة في لبنان، لأن شعاراتنا غير ملائمة للتركيبة السياسية اللبنانية، وتَنُمُّ عن سذاجة، وكأن البعض ينتظر حدوث معجزة تُسقط النظام الطائفي من دون صراع. ولذا أرى أن هذا الحراك سيصل إلى حائط مسدود، لأنه لم تنضج عند هذا الشباب رؤية واضحة بعد، حول طريق العبور من النظام الحالي إلى النظام الذي يطمح إليه. إذن تنقصنا خطة وأهداف تسلسلية ترسم خطوات النجاح.
يتعيّن على العلمانيين تطبيق هذا القانون عملياً في ما بينهم وإلا بقوا واقعياً طائفيين مهما تباهوا بعلمانيتهم. ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا إذا نشأت لهذه الجماعة، أي للعلمانيين من طائفة جديدة يعترف بها دستور الدولة. نعم، الطائفة العلمانية. فيكون لهذه الطائفة ما لغيرها من الطوائف من الحقوق والواجبات: من حق الزواج المدني وقانون أحوال شخصية وتولّي المناصب الرسمية إلى التمثيل البرلماني. هذه هي الأهداف التسلسلية التي على طائفة العلمانيين المطالبة بها. رُبّ متسائل عن جدوى إضافة طائفة إلى الطوائف اللبنانية في حين نطالب بإلغاء الطائفية كليا؟
أولا، لا تلغى الطائفية إلا بتأسيس قوى في مجتمع جديد، أي بدءاً من إنسان جديد. لذلك تكون هذه الطائفة المسرح الذي نطلّ منه على المجتمع الجديد.
ثانيا، تسمح هذه الطائفة للإنسان الجديد أن يمارس فكره وتصون له حقوقه وتؤمّن له احترام معتقده الديني أو اللا ديني من خلال الاعتراف بها قانونا على أساس أنه ابن «طائفة العلمانية». حينها تكون هذه الطائفة نموذجا جديدا يطرح على المواطن كبديل، ويشجّعه على شطب مذهبه الديني. ففي غياب «طائفة العلمانية» يبقى لدى المواطن، ولو كان علمانيا بفكره، حاجة لهويته الدينية، لأنها تكفل له وجوده في المؤسسات الرسمية والخاصة. لان الهوية اللبنانية مقرونة قانونا بالانتماء المذهبي. فعندما نقول «نحن اللبنانيين»، نكذب. لا يوجد لبنانيون. يوجد «لبناني سني»، و«لبناني شيعي»، و«لبناني ماروني» الخ. فلنضف «لبناني علماني» ولنبرهن للجميع انه من الممكن لطائفة العلمانيين أن تجمع مواطنين من مذاهب دينية مختلفة حول مذهب وطني واحد.
ثالثا، يكون النظام الحياتي - الاجتماعي والسياسي والتشريعي - لهذه الطائفة ثغرة في حائط النظام الرجعي، وكلما شطب مواطن مذهبه وانضمّ إلى «الطائفة العلمانية» كلما اتسعت الثغرة، وتضاعف الضغط على رموز النظام الطائفي ورضخوا لأهدافنا.
رابعا، يكون نظام «طائفة العلمانية» هو البديل الذي نطرحه محل النظام الذي نريد إسقاطه. أما أن نطالب بإسقاط نظام من دون طرح بديل عملي، يتلمّس منافعه أي مواطن ويثق به كضمانة لمصالحه، فهذه هرطقة وليست ثورة.
أخيرا، وبما أن الأحزاب العقائدية التي أُنشئت لمحاربة النظام القديم بنظام أفعل منه في سبات عميق، على الشباب أن يكون شغلهم الشاغل المطالبة باستحداث «الطائفة العلمانية» التي تكفل مبادئهم الفكرية وتحررهم من ديكتاتورية التقاليد الاجتماعية - الدينية الرجعية، تعيد لهم كرامتهم كمواطنين يرفضون نفاق العيش المشترك لأنهم يتشاركون في أكثر من ذلك بكثير: فلديهم حياة واحدة على ارض واحدة ومصير واحد.

سمير مخلوف - تولوز ـ فرنسا – السفير 20 تموز 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق