الأحد، 3 يوليو، 2011

مثليو الجنس في الأردن: من الحمامات العامة إلى الإنترنت

ما كان لمجتمع محافظ مثل المجتمع الأردني أن يتقبل فكرة العلاقات الجنسية بين المرأة والرجل خارج إطار الزواج فكيف بالعلاقات المثلية التي تكاد تصبح ظاهرة علنية، ولكن ما العمل وثورة تكنولوجيا المعلومات تجتاح في العالم وتبدل القيم الثقافة والمعتقدات وتعلي من قيم الحريات الفردية.



مثليو الجنس في الأردن
مثليو الجنس
قبل سنوات قليلة فقط لم يكن بوسع أي امرأة أو رجل في الأردن أن يتحدث علانية وحتى سرا عن هويته الجنسية المختلفة عن المعتاد و "الطبيعي"، غير أن هذا الأمر لم يعد من "التابوهات" شديدة التحريم في الأردن مع ثورة الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال، التي سهلت على الجماعات الصغيرة القدرة على التواصل والتعارف بل والتكتل والدفاع عن الحقوق.

قبل أن يعرف الأردن ظاهرة الإنترنت لم يكن أمام مثليي الجنس فيه سوى الإعلان عن أنفسهم أو عن رغباتهم في الممارسة الجنسية على جدران الحمامات العامة المنتشرة في بعض مناطق العاصمة أو حمامات بعض الحانات وأحيانا الفنادق الفخمة أو المتواضعة وكثيرا في حمامات صالات العرض السينمائية وخاصة الصالات المتواضعة في وسط العاصمة أو ما بات معرف بـ"البلد" أو "قاع المدينة".

وكانت أمانة عمان قبل أن تحيل عطاءات تنظيف الحمامات العامة لشركة خاصة تجد نفسها مجبرة بين الحين والآخر على إعادة طلاء هذه الجدران، وكذلك حال أصحاب المحال والمرافق العامة.

وفي العادة كانت هذه الإعلانات تقتصر على المواعدة بحرص شديد ودون أرقام هواتف أو خليويات، على أن الخوف من الانكشاف أو التعرض لملاحقة الشرطة أو الاستهزاء بهؤلاء كانت تحول دائما دون الإعلان عن شخصياتهم. ولم يكن أمام هذه الفئة سوى محاولة حل مشكلاتها بطرق أخرى مثل خلق حركات محددة بالأعين أو بالأيدي أو أثناء المشي أو الانحشار في زحام الباصات العامة والأماكن التي تتزاحم فيها الناس.

وإذا كان هذا حال مثليي الجنس من الرجال فالأمر كان أكثر صعوبة بالنسبة للنساء، خاصة وان الأماكن التي كان يعلن فيها المثليون عن أنفسهم كانت ذكورية محضة و "لو بروفايل"،بحسب تعابير المثليين أنفسهم.

من أنا؟

غير أن الحال تغير كثيرا منذ بدأت الإنترنت بالانتشار ولم يعد مئات مثليي الجنس في الأردن بحاجة لكل هذا العناء لإيجاد "بوي فرند أو غيرل فرند" أو حتى مواعدة ليلة واحدة.

وفضلا عن استغلالهم مواقع موجودة أصلا مشهورة خاصة موقع "غي دار" وموقع "حبيبك" و"أحباب" وغيرها، فقد اوجد مثليو الجنس في الأردن لأنفسهم مواقع على الإنترنت كنظرائهم في بلدان عربية أخرى، وبات سهلا العثور على بعضهم وهم يعبرون عن أنفسهم في "المدونات" كما يحصل في بعض دول الخليج ومصر.

فهذا مثلا شاب يدعى محمد وهو من مدينة إربد في شمال الأردن، يشهر نفسه عبر مدونة على الإنترنت، بل ويضع صورة على الصفحة الرئيسة للمدونة ربما تكون بالفعل له مع أنها غير واضحة المعالم بشكل يمكن من خلالها التعرف بدقة على هويته.

وفي تقديمه لنفسه يقول "اسمي محمد أسكن في الأردن ومازلت أدرس بالجامعة لي الكثير من النشاطات في هذه الحياة غير الدراسة ومنها الكتابة هنا في المدونة أؤمن بهذه المقولة LIVE while you are alive (عش طالما أنت حي)".

أما من ناحية مدونته وسبب إنشائه لها يقول محمد إنه أنشأها "بكل بساطة لأنها وسيلة التعبير الوحيدة المتاحة لي لكي أعبر عن مشاعري المكبوتة منذ أكثر من اثني عشر عاما".

ويمضي قائلا "نعم لقد كبت مشاعري في داخلي وخجلت منها لأني مثلي الجنس مضطهد من قبل معظم أفراد مجتمعي لدرجة أني وصلت إلى مرحلة قريبة من الانفجار بسبب عدم قدرتي على التوفيق بين توجهاتي الجنسية وديني الذي كنت ملتزما به".

ويتابع "ولكن الحمد لله الآن أنا متقبل بشكل كامل لمثليتي وفخور بها".

ويوجه المدعو محمد هذا رسالة إلى الآخرين ينفي فيها عن نفسه تهمة "نشر المثلية" عبر هذه المدونة، ويحث المثليين ممن هم على شاكلته على "تقبل" أنفسهم.

ويقول "أحب أن أكون واضحا منذ البداية لا أريد من أعزائي قراء هذه المدونة أن يعتقدوا أن الهدف منها هو نشر المثلية بالمجتمع بالعكس تماما فأنا لا أطلب من أي إنسان أن يتحول إلى مثلي الجنس ولكن عزيزي / عزيزتي قارئة هذه المدونة إذا كنت مثلي الجنس أرجو أن تتقبل ذاتك وتتصالح مع نفسك فنحن لم نختر بأيدينا أن نكون مثليين هكذا خلقنا وهذا هو قدرنا ونحن بكل سعادة فخورين باختلافنا بالتوجهات الجنسية عن الآخرين".

ويحث محمد في مدونته مجتمعنا الحبيب أن يتقبلنا كما نحن بدون اضطهاد ولا داعي لكي نخفي رؤوسنا تحت التراب فنحن موجودون في كل المجتمعات وعلى مر العصور لن ننقرض ولن نختفي من الوجود وسنبقى نناضل في هذه الحياة حتى يتم قبولنا ونحصل على حقوقنا الكاملة التي سبقنا إليها الكثير من المثليين في الدول المتقدمة التي تحترم حقوق الإنسان المقدسة ومنها الحق في حرية التعبير الذي أمارسه هنا في هذه المدونة الجديدة وكما قال فولتير أنا لست مقتنعاً بشيء مما تقوله لكني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقول". وفي ما يعتبر أنها رسالته في الحياة يقول محمد "لن أترك هذه الحياة قبل أن أضيف شيئا جديدا لها لي الكثير من الطموحات الكبيرة في مختلف نواحي الحياة وعلى رأسها طموحي الدراسي يجب أن أنجز شيئا عظيما من الناحية الدراسية وأرفع راس كل المثليين".

ويؤكد "لن تكون مثليتي عائقا أما تحقيقي نجاحا باهرا في دراستي وفي باقي نواحي حياتي لي الحق في أن أحلم بالزواج يوما ما من شاب أحبه ويحبني ونبني بيتا مثليا سعيدا بإذن الله".

وفي ختام تقديمه لمدونته يعدد محمد هذا أوصاف الحبيب الذي يبحث عنه، ومن ضمنها أن "يساندني على نضال العيش كمثلي وأسانده ندعم بعضنا البعض بكل تفاني وإخلاص حتى نحقق مستقبلا باهرا يجمعنا معا وإلى الأبد".

مواقع ومواقع

وإلى جانب ما تتيحه تقنية المدونات الثورية في عالم الإنترنت، فإن العديد من المواقع العامة مثل موقع "غي دار" تحديدا تتيح فرصة كبيرة لمثلي الجنس في الأردن وجميع بلدان العالم للتعارف خاصة وأنه يقدم أغلب خدماته بشكل مجان.

وفي الغالب يتواجد بين 50 إلى 70 مثلي جنسي يومياً على الموقع من الأردن وحدها عدا عن صفحة زوار الأردن وهم من السواح أو الزائرين للأردن الباحثين عن متعة التعارف.

يقول فادي 25 عاماً، وأحد مستخدمي الموقع في رد على رسالة إلكترونية "قبل الإنترنت لم أكن أستطيع إيجاد "بوي فرند" أما الآن فالأمر سهل، بل إنه أصبح لدي حرية الاختيار بدلا من القبول بأي شخص يستطيع أن يقبل بي".

أما بهاء 31 عاما الذي وضع صورته بشكل علني على الموقع يقول إنه لا يخشى شيئا، وإنه قبل أن يقابل أي أحد يطلب إليه التحدث عبر الماسنجر وإنه اكتسب مهارة تمييز "المثلي الصادق" من غيره.

وبالنسبة لبهاء فإن الإنترنت أكثر أمنا من أي وسيلة أخرى رغم عدم توفر الاتصال المباشر في البداية، فهو يقول إنه تغلب على فكرة الاتصال المباشر بما توفر الشبكة من إمكانية الحديث والمشاهدة عبر "الويب كام" والتحدث بالصوت.

أما رنا 28 عاما فترى أن الإنترنت أتاحت لها خيارات كثيرة، ليس فقط في مجال التعارف على مثيلاتها من الأردن بل ومعرفة أخبار المثليين وطرق التعارف الأمن والممارسة الجنسية الآمنة. ووفرت لها أيضا فرصة شراء "إكسسوارات جنسية" غير متوفرة في البلد.

تقول رنا إنها تتصفح الشبكة يوميا بحثا عن صديقات جدد علها تجد ضالتها في إيجاد شريكة مناسبة لها، وتضيف رنا أنها تبدأ دائما في قراءة "البروفايلات الجديدة" على المواقع من ثم تبدأ بإرسال رسائل إلكترونية لم تعتقد أنها تناسبها.

ومن جهتها تقول سها 31 عاما، إن الإنترنت بات يتيح لها نوعا من الاكتفاء في إطار إشباع الرغبة مع مثيلاتها دونما حاجة إلى الالتقاء معهن جسدياً.

وتقول إن ذلك أصبح متاحا في إطار "السايبر سكس" أو الجنس الافتراضي المعتمد على تقنيات الصوت والصورة المباشرة على الإنترنت (الويب كام).

وهي إذ تشيد بهذا النوع من الإشباع الافتراضي للرغبة، فإنها ترى أنه وفر بابا واسعا لها للتغلب على الحواجز والمجازفة التي كان ينطوي عليها البحث عن الإشباع الفعلي لهذه الرغبات.

لغة خاصة!

مثليو الجنس في الأردن
مثليو الجنس
وقد حتمت سرية العلاقات المثلية في الأردن كما في البلدان العربية الأخرى، إيجاد "لغة" خاصة بهؤلاء حتى على شبكة الإنترنت، وباتت هذه اللغة تستخدم على نطاق إقليمي وعالمي مع تداخل اللغة الإنكليزية فيها فكلمة "بوتم" تعني الشخص السالب و"التوب" تعني الموجب فيما كلمة "أورال" تعني الممارسة الجنسية الفمية.

وقد أثرت الإنترنت بشكل عام على لغة المثليين التي اختفت منها التعابير الشعبية الدارجة أو الكلمات التي كانت تميز هذه المجموعة، لتصبح "لغة" أكثر نخبوية تختلط فيها كثيرا التعابير الإنكليزية.

غير أن ما يميز مجتمع المثلين جنسيا في الأردن على شبكة الإنترنت اقتصارها بشكل أساسي على مدينة عمان فمن الصعب أو يكاد يكون من المستحيل إيجاد أشخاص من محافظات أخرى، والأمر قد يفسر أساسا في أن الإنترنت لا تزال نخبوية بشكل عام يستخدمها من في مستطاعهم دفع تكاليفها المرتفعة أو من هم قادرون على امتلاك ناصية اللغة الإنكليزية ومن ثم البحث في الشبكة على مواقع كهذه في غياب مواقع تستخدم اللغة العربية لنفس الغايات، ومن الصعب إيجاد أشخاص وقد كتبوا عن أنفسهم "بروفايلات" باللغة العربية حتى لو كانت هذه المواقع تتيح مثل هذه الميزة.

على أن الإنترنت لم يكن الوسيلة الوحيدة التي سهلت "حياة" المثليين، فالموبايل وتوفر البطاقات المسبقة الدفع وميزات من نمط حجب المستخدم ورقمه جعلت عملية اللقاءات أكثر سهولة وأقل مخاطرة، وفي المجمل فقط منحت هذه التطورات التكنولوجية للمثليين حياة أكثر سهولة في مجتمع محافظ، وبات الكثير من هؤلاء يتأثرون بظواهر غربية لم تكن معروفة أو منتشرة على نطاق واسع في البلاد مثل حفلات الجنس الجماعي أو مفاهيم السادو / مازوشت وغيرها.

مثلية أم شذوذ؟

وكما أن إعلان المثليين عن أنفسهم يجري بوتيرة حذرة، فإن الحملة المناهضة لانتشارهم كظاهرة في الأردن بدأت معالمها بالتبلور، وأيضا بذات الوتيرة الحذرة.

وفي أحدث الأنشطة المناهضة للمثلية صدر عن "جمعية العفاف" الأردنية ذات الميول الإسلامية كتاب بعنوان "قوم لوط في ثوب جديد"، وهو يقدم لمحة تاريخية عن الشذوذ وأسبابه والعوامل التي تساعد على انتشاره والنتائج الخطيرة المترتبة عليه إضافة إلى الحلول المقترحة لمعالجة هذه المشكلة والوقاية منها.

ويأتي هذا الإصدار بحسب ما تقدم له الجمعية ضمن الجهود الهادفة إلى "توعية الشباب ووقايتهم من الانحراف والشذوذ من خلال مشروع وقاية الشباب من الأمراض المنقولة جنسيا والايدز".

وفي المجمل ترتدي الأصوات المناهضة للمثليين لبوسا توعوياً صحياً، وتنتهي في المحصلة إلى التأكيد على رفض الدين والمجتمع لمثل هؤلاء.

لكن على ما يبدو، فإن الأصوات المناهضة للمثليين ليست بقوة أصوات المنظمات الدولية الداعية إلى قبولهم والاعتراف بهم وبـ"حقهم" في الاختلاف عن الآخرين.

وبعد أن تمكنت هذه المنظمات من تغيير القوانين في العديد من الدول الغربية التي باتت تقر زواجهم وما يترتب على ذلك من معاملات وتفاعلات، فقد وجهت هذه المنظمات أعينها إلى الأمم المتحدة وتحاول الآن طرح وثيقة دولية تدافع عن "الشذوذ" والحق في اعتناقه.

ويشدد مشروع الوثيقة التي أعدها خبراء لصالح لجنة المرأة التابعة للأمم المتحدة على ضرورة مراعاة الحق في الشذوذ وحق الفتيات في الحصول على شركاء مثليي الجنس، كما نص على حرية اختيار جنس الشريك رجلا كان أو امرأة دون قيود.

وقد انبرت منظمات إسلامية للوثيقة التي تدعو إلى "تقنين حقوق الشواذ والسحاقيات"، وطالبت الدول الإسلامية بعدم التوقيع أو الرضوخ للضغوط التي تمارسها المنظمات الدولية عليها من أجل إجبارها على قبول ما ترتبه عليها من التزامات تتناقض مع الدين الإسلامي الأعراف السائدة.

الوطن - الثلاثاء 13 مارس - آذار 2007

0 تعليقات::

إرسال تعليق