الأربعاء، 27 يوليو، 2011

كيف يكون العالم بعد 50 عاما؟

اعتمد الإنسان منذ آلاف السنين على مهارة فعالة واحدة لبناء هذا العالم الذي نراه حولنا اليوم، إنها القدرة على الابتكار، فابتداء من اكتشاف النار، وحتى اختراع المركبة الفضائية، مهد الابتكار الطريق أمامنا لتحقيق ما كان أشبه بالمستحيل. ولتحفيز الابتكار، لا بد أن يتوفر في البداية شغف نحو التميز، وقدرة على الجمع بين الخبرة الجماعية وبصيرة ألمع العقول المبدعة.
ويزدهر الابتكار في البيئات التي يتم النظر فيها إلى العقبات والمشاكل على أنها فرص، حيث تتحفز ملكات التفكير العشوائي. ولا يعد الطموح بحد ذاته كافيا لإظهار هذا الابتكار إلى حيز الواقع، إذ يحتاج تحقيقه أيضا إلى رؤية ثاقبة وثقافة منفتحة لتبادل الأفكار وأفضل الممارسات. ولكي يتحقق الابتكار، لا بد له أن يكون مدعوما بالموارد اللازمة والرغبة في الاستثمار في رسم التوقعات للمستقبل وإرساء أسسه. ويعد التعاون والدافع الداخلي لتحويل المعرفة والخبرات ركيزتين رئيسيتين في عملية الابتكار، وغالبا ما يتوقف هذا الجانب على قدرة الحكومات والقطاع المعني والأوساط الأكاديمية على العمل يدا واحدة، والأهم من ذلك كله، التعلم من بعضهم البعض. فبينما تتولى الحكومات إجراء البحوث ووضع السياسات المحددة وتخصيص الموارد الكفيلة بدفع عجلة النمو الاقتصادي والمساهمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي، يمكن لخبراء القطاع والكفاءات الأكاديمية أن يسهموا في العملية من خلال معارفهم وخبراتهم المتراكمة. ومن خلال العمل الجماعي، يصبح بمقدور القطاع والحكومة ورجال العلم بناء ثقافة الابتكار.

ومن الواضح أن قادة دول الشرق الأوسط الذين يتمتعون برؤية سديدة قد أعطوا هذا الأمر قدره وأدركوا منذ وقت طويل أن الوتيرة السريعة للتغيير في العالم الذي نعيش فيه تتطلب ابتكارا مستمرا. واليوم، وتحت توجيهاتهم، يبرز إرث الابتكار واضحا للعيان في جميع أنحاء المنطقة. فابتداء من تطوير الاقتصادات القائمة على المعرفة والتي لا تنتهي بإنشاء مراكز إقليمية لتشجيع التميز والبحث والتطوير، يظهر الشرق الأوسط أن الدافع الذي يقف وراء هذا الابتكار ليس مجرد الطموح فحسب ولكن أيضا الرغبة في الابتكار.

وبطبيعة الحال، فإن الشرق الأوسط ليس غريبا على مفهوم الابتكار، فبينما كانت أوروبا لا تزال غارقة في عصور الظلام، شهدت هذه المنطقة عصرا ذهبيا من الازدهار الكبير في مجالات العلوم والرياضيات والأدب. وفي الواقع، يمكن أن تعزى الكثير من مبادئ الطيران إلى الاكتشافات المتقدمة التي توصل إليها العلماء وخبراء الرياضيات العرب. وباتت هذه المبادئ العلمية تشكل الآن أساسا يرتكز عليه قطاع الطيران بأكمله، والذي يمكن اعتباره بكل أريحية الأكثر ابتكارا على وجه الأرض، وقد بني بكامله تقريبا على ما تم اكتشافه من أفكار عظيمة.

وبالنظر إلى الخمسين عاما الماضية في تاريخ شركة «بوينغ»، نرى أننا تمكنا من تحقيق قفزات تقنية كبيرة تدرجت من طراز 707 وحتى طراز 787، من الألمنيوم إلى المواد المركبة المتطورة، ومن جسم الطائرة المصنوع من أجزاء متعددة إلى جسم خارجي مؤلف من قطعة واحدة، ومن ستارة النافذة إلى نوافذ عاكسة للضوء. ولا شك أن هذه الابتكارات تعد بحد ذاتها تقدما كبيرا، لكن لا يوجد في قاموس قطاعنا كلمة اسمها الوقوف عند حد معين. فحتى بعد أن تقوم بتصميم وبناء الطائرة، لا بد لك من مواصلة تدعيم منتجك بالابتكارات، والأخذ بعين الاعتبار أن عنصر الابتكار يمثل سلسلة متواصلة لا تتوقف.

ومن بين التحديات التي يواجهها المبتكرون إيجاد التوازن بين الابتكار والقدرة على الإنتاج، ومتى ما بدأت العمل على أنواع المنتجات التي نقوم بصناعتها، فسيتضح لك أن هناك خطورة متأصلة، وفي بعض الأحيان، قد يدفع ذلك المبتكرين، انطلاقا من شغفهم بالابتكار، إلى مدى بعيد جدا خلال فترة قصيرة جدا، ولا شك أن هذا الأمر يشكل سلاحا ذا حدين. ومع ذلك، نحن نحرص دائما على الاستفادة من أخطائنا، ورغم التحديات التي نواجهها، فلا يمكن أن نسمح للمحافظة لأن تتسلل إلى قراراتنا. وخلاصة القول: لا يمكن للجنس البشري إنكار ما للابتكار من فضل كبير عليه.

ولا يتوقف الابتكار بمجرد أن تحقق ما لم يكن بوسعك تحقيقه. وهنا أود الذهاب إلى حد القول بأن الابتكار هو أكثر من مجرد استجابة للاحتياجات الحالية أو التي يمكن معرفتها. إن الابتكار يتمحور حول تصور المستقبل، ومن ثم العمل على تحقيق ذلك التصور. وبناء على هذا النهج، تصور إلى أين سنصل في المستقبل.

تصور كيف سيكون العالم بعد 50 عاما من الآن عندما تصبح النباتات مصدرا لصناعة معظم أنواع وقود الطائرات، والتي ستكون أكثر نظافة وذات أداء مماثل أو حتى أفضل من أي نوع متوفر اليوم في السوق. بعد خمسة عقود، من الممكن أن نكون قد وصلنا إلى الجيل العاشر من المواد المركبة المتطورة التي ستكون أخف وزنا وأكثر قوة و«ذكية» أيضا، ما سيتيح تحسين تجربة المسافرين أثناء الرحلة والارتقاء بمستوى الأداء إلى أبعد حد ممكن. إن الاحتمالات غير محدودة أبدا، لكن الابتكار كفيل بجعلها حقيقة. هذه هي قوة الابتكار.

مارتن إيه بينتروت * نائب رئيس مبيعات الطائرات التجارية لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وروسيا في شركة «بوينغ»

الشرق الأوسط 26 تموز 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق