الأحد، 3 يوليو، 2011

المحروسة بين ثورتي 1919 ـ 2011

انزعجت من غياب المهارات الأساسية لساسة ما بعد ثورة اللوتس، وعجزهم الواضح عن خطة صنع أمل متواضع: العودة إلى نظام برلماني تنتخب فيه الحكومة التنفيذية (بكل وزرائها بلا استثناء) من الشعب، في دولة دستورية تفصل بين السلطات ويخضع الجميع لسيادة القانون.
ظهرت الضحالة في سذاجة أول «عينة» سياسية أتاحت تضحيات شهداء ثورة اللوتس لها فرصة طموحة لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية.
اقتراحهم استيراد «النموذج التركي» دليل على نجاح مناهج «تجهيل» وزارة التربية والتعليم في محو ذاكرة جيلين، نسيا أن مصر قدمت نموذجا فريدا في الشرق بدولة دستورية برلمانية من 1922 حتى كارثة 1952.

بل لم يخطر ببالهم إحلال نموذج مصر 1922 بدلا من «الجمهورية» التي تمنح رئيسها سلطات تتجاوز البرلمان ويتداخل فيها التنفيذ مع التشريع مما يفتح الباب حتما للديكتاتورية.

استضافت البارونة سيمونز، رئيسة الجمعية البريطانية المصرية، يوم الاثنين الماضي في مجلس اللوردات، ثلاثة، هم في النهاية النتاج الفكري لـ23 يوليو، أعلنوا نية كل منهم قيادة المحروسة المبحرة وسط عواصف حالكة الظلمات بلا ملاحين أو مهندس يصلح مولد كهرباء كشافات الإنارة.

مرشح الإخوان أعاد تغليف الجماعة كحزب خلا اسمه من «جماعة» أو «إخوان» أو «مسلمين» لعل الشعب «ينكسف على دمه» فلا يجاهر في الميدان برؤيته عباءة الجماعة ولحيتها وراء ثياب إمبراطور خلع إخوانيته.

الثاني مستثمر لمحت في عينيه وعباراته طموح روح الاستثمار والبناء التي نفحها عصر نهضة مصر في قلوب رجال الصناعة بقيادة طلعت حرب باشا؛ الفارق أن اقتصاد المحروسة لم تكن نخرته سوسة الفساد في عشرينات القرن الماضي.

رجل الأعمال، خطته تحديث مصر تكنولوجيا بقافلة 4000 حافلة بأطباء وممرضات، وكتب تثقيف تدور القرى، وكومبيوتر لكل طفل وتشبيك البيوت والمدارس بالإنترنت.

المشروع، رغم نبله، يكرس مركزية السلطة من أعلى، لا ديمقراطية القاعدة إلى القمة. ويا ليته يضيف إنشاء بنوك الاستثمار المحلية لإقراض الأفراد مانحا الفقراء حق تقرير مصيرهم الاقتصادي؛ وبعدا سياسيا بتبني قانون برلماني يمكن المجلس المحلي المنتخب من التصرف الكامل في ميزانية الخدمات المحلية، وقرارات تعيين، أو فصل مسؤوليها كنظار وناظرات المدارس وحكمدار البوليس ومفتشي الصحة والمواصلات والري.

الثالث، أصغرهم سنا منهجي التفكير، غربي التعليم، خريج علوم سياسية، كان أنضجهم سياسيا بإدراكه أن الديمقراطية نمط حياة أشمل وأعمق من مجرد نزاهة الانتخابات. كان الوحيد بينهم المدرك لطبيعة الدستور والمراحل التاريخية لصياغته كدرع دائم لديمقراطية الأمة.

خطة مرشح الإخوان أن يختار البرلمان لجنة من مائة لوضع دستور ستنتهي بفرض رؤية حزب الأغلبية على الأمة برمتها.

صياغة الدستور أمر خارج سياق السياسات الحزبية ولا علاقة له بأغلبية برلمانية. المهمة توكل لفقهاء دستوريين محايدين (والأفضل تدويل نصف اللجنة). فالدستور إجماع مشترك للأمة national consensus بكل مكوناتها حتى أصغر أقلية (ولو طائفة من عشرة) يتلخص جوهره في مادة أولى شاملة أبدية غير قابلة للتعديل تضمن المساواة تحت قانون يحمي حريات التعبير والفكر والعقيدة وحقوق الإنسان (حسب الميثاق الدولي بلا تحفظات) بلا استثناءات، وحيادية الدولة مهما تغير لون الحكومة بالانتخابات؛ ثم تفسر التفاصيل في مواد تالية بمرونة تقبل تعديلات قد تطلبها متغيرات عصور قادمة شريطة عدم مناقضتها للمادة الأولى.

ولذا يحذر أخصائي العلوم السياسية من التهور بانتخابات في سبتمبر (يلح مرشح الإخوان على إجرائها) غالبا ما ستأتي ببرلمان غير متوازن للقوى الوطنية المصرية أو تمثيل كل طوائف الشعب، خاصة التيارات التي قدمت أكبر التضحيات في بدايات الثورة قبل نزول الإخوان للميدان بخدمات أتاحتها إمكانياتهم المادية الهائلة المتعددة الجنسية بعد معركة ميدان التحرير في 1 و2 فبراير (شباط) الماضي.

الشاب أمين مع نفسه وغير منافق بمشروع الدولة المدنية الدستورية، والدين لله (في القلوب) والوطن للجميع المتساوين أمام القانون. مرشح الإخوان، وفرصته الأفضل في جمع الأصوات (ربما الثلث) في ظل التوازنات الراهنة والإمكانيات المادية الضخمة من التنظيم الدولي ووسائل اتصال جماهيري وآلة الجماعة بقدرات تقديم الخدمات والهدايا للناخب، أو إفزاعه من «ليبرالية الكفار» (كما حدث في استفتاء مارس/ آذار على التعديلات الدستورية بتكفير من يصوت بغير دعوة الإخوان «نعم» من منابر المساجد).

السؤال المكرر: «ما هي تفاصيل برنامجك ومصادر ميزانية تنفيذه بدلا من المراوغة والتستر وراء الأحاديث وآيات القرآن؟». لم يقدم مرشح الإخوان له إجابة شافية أو أرقاما. ولم يذكر مشروعا واحدا؛ كالمستثمر بحافلاته وكومبيوترات الأطفال؛ أو المرشح الليبرالي بتخصيصه كوتة 25 في المائة للمرأة، بعد إثارة الأسئلة عن نصف سكان مصر اللاتي لم يأت ذكرهن لو مرة واحدة من المرشحين.

لا شك هناك عقول قادرة بين أبناء الأمة المصرية، لكن لم يسمح لهم، حتى الآن بركوب المحروسة قبل إبحارها من ميناء ما بعد الثورة.

ألم يلد رحم مصر العقول التي صنعت نهضة مصر (بدأت مع ميلاد الجامعة المصرية في مطلع القرن الماضي، لتصل أوجها في العشرينات والثلاثينات؟).

استمر تأثير أجيال نهضة مصر بالقصور الذاتي في التاريخ إلى منتصف سنوات القحط الثقافي. وهو ما يفسر ارتفاع المستوى الثقافي والفني في الستينات (رغم محاولة مضحكة من «فهلوية» الناصريين بيعنا ترام أنها محصول دولتهم البوليسية!) على يد مبدعين تعلموا في مدارس وزارة معارف عميد الأدب الدكتور طه حسين، وجامعتي فؤاد وفاروق (النتاج الحضاري لنهضة التنوير منذ عهد الخديوي إسماعيل حتى نهاية الحرب العالمية الثانية) وهم جميع المبدعين المصريين في الستينات والسبعينات بلا استثناء واحد.

ولا يستطيع «مبدعو» تربية وتعليم 23 يوليو مجتمعين الخروج بنغمة من عبقرية أم كلثوم أو الشيخ زكريا أحمد. أما الثوار الذين صنعوا معجزة ثورة اللوتس (الوحيدة في تاريخ البشرية التي يمسك فيها الثوار، من أبناء المهن العليا وصفوة المجتمع، المقشات والجرادل لكنس الميادين صبيحة إسقاط الرئيس)، هم تناسخ روحي لعصر نهضة مصر، بتوظيفهم تكنولوجيا وأساليب الليبرالية الديمقراطية الغربية - والتي كانت نمط الحياة الثقافية الاجتماعية قبل 1960 كجزء من الحضارة الأوروبية بفضل بعثات محمد علي باشا ونهضة الخديوي إسماعيل.

وسأظل مراقبا بنظارة التشاؤم حتى ألمح بين ساسة ما بعد ثورة اللوتس عينة أخرى غير من بدوا عاجزين عن تسلق بضعة بوصات من قامة سعد زغلول باشا ورفاقه من ممثلي الأمة المصرية بعد ثورة 1919.

عادل درويش - الشرق الأوسط 18 يونيو 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق