السبت، 4 يونيو، 2011

آل نعمة والعائلات الدرزية

بين آل نعمه الموارنة في دير القمر وبعض العائلات الدرزية الكريمة روابط تاريخية وثيقة وصلت إلى حد إقامة نوع من القربى بين الفريقين والتحالف السياسي. ولم تكن دير القمر عموماً غريبة عن علاقة الصداقة مع جيرانها الدروز، ويقول المؤرخ جوزيف نعمه الديري بهذا الصدد، في كتابه: «دير القمر عاصمة لبنان القديم»، إن الموارنة، عندما أقبلوا من كسروان والمناطق الشمالية لسكن «الدير»، كثر عددهم وعظم شأنهم بفضل اتفاقهم والدروز الذين رأوا فيهم أصدقاء أوفياء، ورفاقاً مخلصين في السراء والضراء. وكان للدروز عائلات معروفة في الدير، فعاش الديريون نصارى ودروزاً على أتم الوفاق، وقامت بين بعض الأسر قربى مجازية لا تزال باقية إلى يومنا الحاضر.

أخلاق كريمة، وتقاليد نبيلة، وعادات أصيلة وأخوة صادقة سادت حياة الديريين دروزاً ونصارى. فالمسيحي والدرزي دعامتان قويتان من دعائم الوطنية والاستقرار، ولم تهزمهما العواصف الهوجاء إلا عندما احتل إبراهيم باشا المصري هذه الربوع، فاستنفر النصارى على محاربة الدروز في وادي التيم، والعكس بالعكس، فكانت ويا للأسف تلك الحوادث التي نتمنى ألا يعود أحد من اللبنانيين إلى التفكير بها.

ويضيف جوزيف نعمه قائلاً: وعلى ذكر القربى المجازية بين الأسر المسيحية والدرزية نثبت في ما يلي النبذة التاريخية التي نشرها الأديب الكبير المرحوم عارف أبو شقرا، أحد وجهاء الطائفة الدرزية في عماطور، نقلاً عن «الأوراق اللبنانية»، قال رحمه الله:

آل نعمه وآل أبي شقرا أبناء عم

ما أزال أذكر أني، في أواخر عهد المتصرفية وقبل الحرب العالمية الأولى، كنت أرى رجالاً من آل نعمه يأتون بلدتنا عماطور، يقومون بزيارات في عائلتنا، كما أني أذكر زياراتهم لنا خاصة في جملة الزيارات. وأذكر أيضاً أن رجالاً من عائلتنا كانوا يذهبون إلى دير القمر لزيارة آل نعمه الكرام. إن صداقة وثيقة العرى جمعت بين آل نعمه وآل أبي شقرا، ومنذ زمن طويل تتبادل العائلتان المودة والتعاون والتأييد. وقد اتفق لي أن أدركت من شيوخ عائلتنا من قال: «نحن وبيت نعمه أولاد عم»، ولكن لم يتفق لي أن أدرك من يعلم السبب الحقيقي الذي جعل تلك المودة تتبلور وتتخذ هذا الشكل من القربى المجازية، فيتعارف آل نعمه وآل أبي شقرا كأبناء عمومة، ولست أدري إن كان في آل نعمه من يعلم شيئاً عن ذلك. على أننا تحرينا الصلات التي كانت تربط بين عائلتي عماطور (عبد الصمد وأبو شقرا) وبين سواهما من العائلات فاستطعنا أن نكشف عن أمر يقرب أن يكون سبباً.
إن الصلة بين آل عبد الصمد وآل أبي شقرا هي قرابة الصهر، فإذا قال الصمدي: أقاربنا، عنى بها آل أبي شقرا. وإذا قال الشقراوي: أقاربنا، عنى بها آل عبد الصمد، وفي اللفظ الدارج يقولون: (قرايبنا). فإذا كانت الصلة بينهم وبين سائر العائلات التي يتبادلون الزواج معها قالوا: أهلنا. وإذا كانت بينهم وبين العائلات التي تجمعهم بها الغرضية - لا الزواج - قالوا: أصدقاؤنا، وفي اللفظ الدارج: (اسدقاتنا).
والمأثور أن الصداقة بين آل نعمه وآل أبي شقرا قديمة قدم الغرضية، وأن الغرضية هي الأساس الذي تركزت عليه أركان هذه الصداقة. وقد زاد الصلة وثاقة وجود آل نعمه في البلدة التي فيها الحاكم، وآل أبي شقرا في البلدة التي منها انبعثت الغرضية الأولى، في أوائل العهد الشهابي بعد معركة عيندارة، يوم كانت الغرضية صمدية وشقراوية، فلم يكن بد حينذاك من اتصال مستمر بين رجال الحكم ورجال الغرضية، مما أدى إلى اتصال هاتين العائلتين وتوطيد دعائم الصداقة والمودة بينهما. ويوم كانت دير القمر مركز الحاكم وعاصمة لبنان، كانت أيضاً مركزاً صناعياً وتجارياً. فكان هذا سبباً لإقبال اللبنانيين عليها، كما كان مدعاة للاتصال بين العائلات وبين الأفراد.
نستنتج مما قدمنا أن الصلة بين آل نعمه وآل أبي شقرا قد ارتفعت عن مستوى الصداقة العادية، فكانت هذه القربى التي نروي أخبارها ونتذاكر أحوالها، والتي ما تزال إلى يومنا هذا تتجلى في مناسبات عدة مودة وتعاوناً وشعوراً متبادلاً. أجل، لقد تعارفوا كأبناء عم، على حد قول القائل: «قريبك من قرب منك خيره، وابن عمك من عمك نفعه». وفيما نعلم أن الذي كان بين آل أبي شقرا وآل نعمه، كان مثله بين آل البستاني وآل عبد الصمد، وبين آل نخله (الباروك) وآل حمادي (بعقلين). لم نعثر على شيء مدون مكتوب عن صلاتنا بآل نعمه إلا ما جاء في كتابنا: «الحركات في لبنان»، ص ٢٩، مما رواه أبو عباس حسين غضبان أبو شقرا من اشتراك آل نعمه مع عائلتنا في فدية بشير حسن، وما سوى ذلك فأخبار قليلة متناقلة نقدم منها النموذج التالي:

كان قاسم معضاد أبو شقرا شيخ قرية عماطور، وفي أثناء سنة ١٨٨٠ قصد إلى بيروت لشؤون خاصة، وعندما هم بالرجوع شعر أنه متوعك المزاج، فمر بالشويفات ليبيت ليلته عند أهلنا بيت فارس محمود أبو حسن، ولكنه وصل متعباً ولم تمض بضع ساعات على وصوله حتى حضرته الوفاة.
في الصباح حمل في موكب وسير به نحو عماطور، وقبل أن يبلغ الموكب دير القمر كان النعي قد وصل إليها، فتداعى رجال آل نعمه لملاقاة الموكب في ظاهر البلدة، ومن هناك انضموا إلى الموكب وساروا إلى جانب آل أبي شقرا يساهمون في حمل الجثمان على التبادل حتى وصلوا إلى عماطور فوقفوا يستقبلون المعزين مع آل أبي شقرا وذويهم. هذا عمل لا يقوم الأهل الحقيقيون بأكثر منه، وفيه دلالة كافية على ما كان بيننا وبين آل نعمه الكرام من صداقة لا يكون بين الأقرباء أوثق منها ولا أخلص، فلا غرابة بعد ذلك إذا جمعت القربى بين هاتين العائلتين وتعارف أبناؤهما كأبناء عمومة.

عارف أبو شقرا

ويعقب جوزيف نعمه على مقال أبو شقرا هذا بالكلمة الآتية: أخبرني المعلم والقسيس البرتستنتي ملحم دياب نعمه، الذي كان أحد أساتذة المدرسة الإنكليزية في بعقلين، أنه ذهب مرة لزيارة الشيخ عبد الغفار تقي الدين، والد القاضي والشاعر الشيخ أحمد تقي الدين الذي كان رئيساً لمحكمة الشوف في عهد المتصرف نعوم باشا ثم رقي لعضوية دائرة الحقوق الاستئنافية في جبل لبنان، وذلك في منزله برأس النبع في بيروت، فأخبره عن العلاقة الوطيدة التي كانت قائمة وتقوم بين آل نعمه وآل تقي الدين (بعقلين)، والتي تمثلت في أحد مظاهرها بالانتماء إلى الخط السياسي الواحد الذي سُمي في ذلك الحين بالجنبلاطية. وروى أنه ذات يوم توترت العلاقات بين آل حمادي اليزبكيين وآل تقي الدين الجنبلاطيين ووصل الأمر إلى حد خطر الاحتكام إلى السلاح، فأسرع عشرات الفرسان من آل نعمه في دير القمر إلى بعقلين لنصرة آل تقي الدين، معلنين لآل حمادي أن الخصام مع آل تقي الدين لن يُبقي السلام قائماً في البلدة.

أغنية «يا لور حبُكِ قد لوَع الفؤاد» هي من الأغنيات الشائعة التي ردَدتها الأفواه والحناجر في كل أنحاء العالم العربي. والبعض يعرف ناظمها، ولكنَ الأكثرية لا تعرف أنه البروفسور في الطب الدكتور وليم نعمه الديري، ذو الشهرة العالمية في اختصاصه في فرنسا وبريطانيا والمكسيك فضلاً عن لبنان، والشاعر والمؤرخ باللغات الثلاث العربية والإنكليزية والإسبانية. هذه الأغنية، التي انتشرت أيَما انتشار، جعلها إنشادها على الألسنة التي لا تحصى أن تُبدَل بعض ألفاظها وتُشوَه بعض معانيها، ولكننا عثرنا على نصها الأصلي منشوراً في مجلة «الانطلاق» لصاحبها نسيب البروفسور نعمه الشاعر ميشال نعمه، وذلك في عددها الأول الصادر عام ١٩٦٠، ضمن خبر يقول إن الدكتور وليم نعمه دفع إلى الطبع مجموعة شعرية بعنوان «المناسبات الملمعة».

وتشير المجلة إلى أن أغنية «يا لور حبُكِ» هي من تلحين الأخَوين رحباني، ولكنَ قدامى الناس يذكرون ولا شك أنها، بلحنها المعروف، كانت موجودة وسائرة أي مسار في الثلاثينات من القرن الماضي، أي قبل بروز الأخَوين رحباني في ميدان التلحين والغناء. إلا أن الأخَوين رحباني قد جوَدا اللحن الأصلي وأرفقاه بالموسيقى كما تناولا كثيراً من الإلحان الشائعة وأتقنا ضبطها وتوزيعها، فأعداها هكذا لصوت فيروز الذي زاد جمال لحنها جمالاً، وأعاد إحياءها بعد ان كانت قد أصبحت من الألحان القديمة التي طغت عليها الموجة الجديدة وكادت توردها موارد النسيان.
وإذن فإلى المعجبين بهذه الأغنية القديمة الجديدة نقدم قصيدة «يا لور حبُكِ» بثوبها الاصلي، مجددين الإعجاب بها وبناظمها الدكتور وليم نعمه، وشاكرين للرحبانيَين ولفيروز إعادتها إلى الأسماع والأذهان.

الكاتب: العميد الركن المتقاعد أدونيس جوزيف نعمه 

0 تعليقات::

إرسال تعليق