الثلاثاء، 21 يونيو، 2011

اليسار العربي مأزوم أم مأزوق؟

اليسار العربي مأزوم أم مأزوق؟

اليسار العربي مصطلح يدل على مجموعة من الأحزاب والحركات السياسية التي جعلت من الاشتراكية أو الشيوعية أيديولوجيا لها. كما يدل على جمهور من المثقفين الذين ينتمون إلى الماركسية أو إلى الماركسية ـ اللينينية أو إلى المادية أو إلى ماركس وحده. ولقد جاء حين من الدهر شهدت فيه المنطقة العربية انتشاراً ملحوظاً لليسار، حيث تحولت حركات قومية كانت تناصب الشيوعية العداء إلى حركات قومية ـ يسارية. انشقاقات حركة القوميين العرب وانشقاق البعث عام 1966.
بل إن بلداناً كاليمن الجنوبي والجزائر ومصر وسوريا حكمتها قوى يسارية ويسارية وطنية أو قومية. وحكم الشيوعيون العراق من وراء ستار في سنوات حكم عبد الكريم قاسم الأولى. في المغرب صار حزب القوات الشعبية فاعلاً في الحياة، وتقاسم أهلَ فلسطين تيارا اليسار القومي واليسار الشيوعي. لقد سيطر اليسار سيطرة ملحوظة على أغلب أشكال الثقافة المبدعة. فأهم شعراء الستينيات والسبعينيات وروائييها كانوا من ذوي الاتجاه اليساري، بل إن أحداً لم يشك في واقعية أحلام اليسار العربي. لم تكن قوة اليسار العربي في تلك المرحلة منعزلة عن قوة اليسار العالمي، وبخاصة في المنظومة الاشتراكية والدول الرأسمالية.
كان الحزب الشيوعي الفرنسي قادراً في تلك المرحلة على الحصول على ثلث مقاعد مجلس النواب، وقس على ذلك الحزب الشيوعي الايطالي. الدول الاشتراكية قد أصبحت قوة عالمية بفضل الاتحاد السوفياتي، حركات التحرر في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا تحقق انتصارات ذات شأن. الدعاية للاشتراكية والتحرر من الإمبريالية نجحت نجاحاً كبيراً في كل أنحاء العالم. من النادر أن تجد مفكراً قادراً على مهاجمة الماركسية علناً، أو يناصب الاشتراكية العداء بشكل سافر.
في السبعينيات: انتصرت الثورة الفيتنامية، الثورة الفلسطينية تطورت إلى حركة معترف بها عالمياً.. المناخ كان يسارياً، الهواء كان يسارياً.
الحوارات دارت حول تعزيز قوة اليسار وطرق انتصاره على مستوى الكوكب والديالكتيك، الرأسمالية، البرجوازية، الطبقة العاملة، الطبقة الفلاحية، تحالف الطبقة الفلاحية والطبقة العاملة بقيادة الأخيرة، أسلوب الإنتاج الآسيوي، الطريق اللارأسمالي للتطور، أزمة الرأسمالية العالمية، تحالف الدول الاشتراكية والأحزاب الشيوعية والعمالية في أوروبا وحركات التحرر في العالم الثالث، مجتمع متعدد الأنماط، الديموقراطية الشعبية، الصراع الطبقي، الثورة، العنف الثوري، البرجوازية الصغيرة، الفئات الوسطى، التحزب الفلسفي، الواقعية الاشتراكية، التناقض .. إلخ. جهاز من المفاهيم أنتج الخطابات اليسارية، مفاهيم عدة معرفية متكاملة قادرة من زاوية رؤية أصحابها على امتلاك الحقيقة الموضوعية. ماركس، أنجلز، لينين، بالنسبة لأي شيوعي ملاك الحقيقة بلا منازع.
خالد بكداش، ياسين الحافظ، الياس مرقص، مهدي عامل، جورج حبش، نايف حواتمه، عبد الفتاح إسماعيل، صالح السعدي، جورج حاوي، حسين مروة، محسن إبراهيم، فواز طرابلسي، كريم مروة، عبد الله العروي، محمود أمين العالم، ميشيل كامل، احمد صادق سعد، وعدد كبير وكثير لا يتسع المجال لذكرهم. الجيل الأصغر كان أكثر. الأحزاب الناصرية، البعثية، القومية، الشيوعية، قوة يحسب لها حساب.
ما الذي جرى حتى تجزأت هذه القوة، وزال هذا المناخ، وتعطلت فاعلية اليسار الاشتراكي ـ الشيوعي والاشتراكي القومي؟ وعادت الحركات الإسلامية قوة فاعلة تتحكم بالشارع العربي وتواجه أنظمة سلطوية هويتها الوحيدة أنها أنظمة سلطوية، أنظمة بلا أيديولوجيات كبرى؟
العقل الكسلان والساذج سرعان ما يلقي باللائمة على العجز النظري. بجملة يقولون: «لم نكن نفهم الواقع، فتعالوا لنفهم كي نعيد لليسار قوته».
ترى هل كانت حيوية اليسار السابقة ناتجة من فهم الواقع؟ وهل الهزيمة ثمرة جهل الواقع؟ وهل الحركة الأصولية والإسلام السياسي الآن هما أكثر معرفة بالعالم المعيش؟ أم إنه رغم أدواته المعرفية العتيقة وجهله قد سيطر على الساحة السياسية، بل قل: هل بفضل هذا هو الآن مسيطر؟
إن قوة تأثير الأيديولوجيات في وعي البشر، لا تنتج من علميتها أو من صحة تحليلها للواقع. بل إن الأوهام والأساطير والوعي الساذج بالعالم قد تمتلك قوة الفعل أكثر بألف مرة من علم التاريخ وعلم الاقتصاد والفلسفة.
كل الأيديولوجيات تطرح العالم كما يجب أن يكون، والبشر لا تستهويهم إلا الأفكار الواعدة التي ترسم عالماً جديداً. وقلما يتساءل أحد من المؤمنين بالفكرة الواعدة عن إمكانية تحققها في الواقع، بل يؤمن بأمر واحد وحيد، الإيمان بالفكرة تتطلب إرادة، والإرادة قادرة على تكسير رأس الواقع المعيش من أجل الواقع المأمول.
الوعي المؤمن بالقوة لا يتساءل عن حدود قوته أولاً، ويعتقد ـ ساذجاً ـ أنه بامتلاك أقوى أنواع القوة، أي السلطة، قادرة على إنجاز الوعد. لقد واجهت قوى اليسار التي استلم بعضها السلطة مسألة صعبة جداً. ألا وهي: الاحتفاظ بالسلطة من جهة وتحقيق مشروعها أو جزء من المشروع من جهة ثانية.
كيف يمكن الاحتفاظ بالسلطة في بنية مجتمعية لم تصل بعد إلى مستوى اعتبار السلطة سلطة مجتمع وشأن عام. والعصبية الأيديولوجية التي حملت بعض قوى اليسار إلى السلطة من طريق القوة المسلحة لم تعد عصبية قادرة على منح السلطة قوة استمرارها عصبية بسبب بنية وعي السلطة المعبرة عن بنية المجتمع نفسه.
وهكذا تلاشت العصبية الأيديولوجية وحلت محلها أشكال العصبيات المحلية ـ المناطقية، الطائفية، العائلية، العشائرية...إلخ. أو العصبيات المتكونة داخل القوة المسلحة في الجيش والأمن ذات الامتدادات المحلية.
لقد حكم عبد الناصر مصر بثلاث قوى أساسية: قوى أيديولوجية ـ اشتراكية «أيديولوجيات قوى الشعب العامل والفكرة القومية». قوى فردية تعود إلى صفات الزعامة، الخلافة وقوى أمنية ـ عسكرية، كان هناك ترابط بين هذه القوى الثلاث، وحين مات عبد الناصر ماتت جميعها ونشأت قوى أخرى من الطبيعة نفسها لكنها مختلفة في الغايات والأهداف. دولة العلم والإيمان مع نزعة مصرية، وليبرالية سوق «انفتاح» قوة عسكرية وأمنية، زعامة فهلوية، وراحت الناصرية تموت رويداً رويداً وتخبو معها أشكال الأيديولوجيات اليسارية.
لقد انتفضت البنى المناطقية والقبيلية انتفاضة جاهلية في جنوب اليمن أثناء الصراع على السلطة بين جناحي الحزب الاشتراكي اليمني.. تأمل التسمية «الحزب الاشتراكي اليمني» وسالت الدماء، ثم عادت البنى التي ظن أن الجنوب قد انتهى منها إلى الحياة بكل قوة.
وقس على ذلك، كان اليسار يترنح تحت ضربات التجارب القاسية، أكان يساراً سلطوياً أم يساراً حزبياً، حتى الانشقاقات داخل الحزب الشيوعي السوري التي حصلت لأسباب أيديولوجية لبست لبوساً قومياً ومناطقياً.
لقد أكلت البنى جسم اليسار العربي، حتى إذا ما تمت بروسترويكا غورباتشوف أجهزت على حيوية اليسار في العالم، فاكتمل مأزق اليسار التاريخي. لقد غاب زمن الحديث عن يسار مأزوم وصار الحديث عن يسار مأزوق. بين الأزمة المقابلة للتجاوز بعملية إصلاح نظري وعملي ومأزق يحتاج إلى مخرج ثوري بون شاسع.
يظهر المأزق اليوم بعزوف شبه مطلق عن الإصغاء إلى خطاب يساري من قبل الناس. بل صار الحديث عن الاشتراكية ضرباً من الفكاهة: مع أن عالماً بلا يسار هو عالم حرية اللصوص والسفلة واللاأخلاقيين في انتهاك الحياة دون شبح يخيف.
ليس سهلاً أن يخرج اليسار من مأزقه، والذي اعتقد أنه عبر خطاب ديموقراطي فقط قادر على العودة إلى الحياة مرة أخرى. ويزداد مأزق اليسار حين ما علمنا أن السُلط الحاكمة قد أدخلت الوطن العربي كله في مأزق. فليس هناك من صعيد في الحياة لا يعيش حال المأزق، حتى تلك القوى النكوصية التي تعتقد أنها قد انتصرت بديلاً من الحركات اليسارية والقومية هي في مأزق أشد، لأنها ظاهرة صوتية نكوصية غير قادرة على صناعة المستقبل.
إن هجوماً شرساً اليوم على تحالف السلطة والطبقات الطفيلية والرأسمالية الجديدة أمر على غاية كبيرة من الأهمية، وإعادة الاعتبار إلى كفاح الطبقة العاملة كطبقة منظمة، وتنظيم الفئات الوسطى النـزقة، من شأنه أن يعيد الحياة إلى ضرورة اليسار. أجل اليسار ضروري من أجل الحياة، ومن أجل الدفاع عن الكرامة الإنسانية.

أحمد برقاوي - السفير 17/07/2010

الأحزاب الشيوعيّة العربيّة علينا أن ندفن موتانا

تمثالا كارل ماركس وفريدريك أنجلز في برلين (أرشيف ــ أ ب)
بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني، يُعقد غداً وبعد غد «اللقاء اليساري العربي» في فندق «ذو باريسيان» في بيروت، وذلك للبحث في «دور القوى اليسارية العربية في ضوء الأزمة العامّة للرأسمالية»، وفي سبل «مواجهة الاحتلال والعدوانيّة الإمبريالية والصهيونية». هنا مقالة نقديّة تتناول دور الأحزاب الشيوعيّة العربيّة، وضرورة دفن تجربتها السابقة من أجل إنقاذ الماركسيّة.

لدى النظر إلى القوى التي "تحتل" الموضع الذي يخص الاشتراكية، وأقصد كل الأحزاب الشيوعية والماركسية، سوف نلمس أن مبدأ التغيير غائب، وأن الأفق الاشتراكي تحوّل إلى خيال، وأن البرامج المطروحة هي أقرب لأن تكون برامج قوى ليبرالية أو منظمات حقوق الإنسان، وتقوم على المطالب والمطالبة دون سياق لتحقيقها. فضلاً عن الأحزاب التي تكيفت مع السيطرة الطبقية للبرجوازية الكومبرادورية عبر مشاركتها في السلطة، أو حتى تكيفت مع الاحتلال. إنها إذاً أقرب إلى نشاط «نقابي» خامل، وهو الذي تبلور في سياسات الحركة الشيوعية العربية منذ سبعة عقود تقريباً، حيث النشاط المطلبي للطبقات و«النضال» الديموقراطي في السياسة.
فالأحزاب الشيوعية نشأت منذ تسعين سنة، وإذا كان قياداتها مزهوّة لأنها صمدت كل هذه السنوات، فقد باتت ترى أن مهمتها تتمثل في «الحفاظ» على هذا الوجود «البيولوجي». لكنّ هذا العمر الطويل هو إثبات على أن هذه الأحزاب قد فشلت فشلاً ذريعاً، إذ لا تتعلّق المسألة بوجود الحزب بل بالدور الذي يؤدّيه في لحظة تفاقم الصراعات. فهو حزب التغيير في لحظة تفجّر الصراع الطبقي. ولقد أوضحت كل التجارب أن كل الأحزاب التي انتصرت، انتصرت خلال عقدين إلى أربعة عقود (الحزب البلشفي الذي أُسس سنة 1898 وانتصر سنة 1917. والحزب الصيني الذي تأسس سنة 1921 انتصر سنة 1949، والفيتنامي كذلك)، أو حتى أقل، كما في الانتصار الأول في فيتنام وفي كوبا. وهو الوضع الذي تتبلور فيه الأزمات، ويتفاقم الصراع، وعبر ذلك يكون الحزب قد تبلور، لكي ينتصر.

وإذا تلمسنا الوضع العربي منذ نشوء الحركة الشيوعية، فسوف نلمس أنه كان يختمر في أزمات متعددة، أزمة السيطرة الاستعمارية، وأزمة الفقر والتخلف الناتجين عن النهب الإمبريالي ونهب القوى الإقطاعية التجارية المسيطرة. وكان يسير نحو تفاقم الصراعات ضد الاحتلال وضد النظم التي تخضع له. وحين انتهت الحرب الثانية بتراجع وضع القوى الاستعمارية آنذاك (إنكلترا وفرنسا)، كانت الأزمة الاجتماعية تتصاعد، وخصوصاً في الريف الذي كان يمثّل البنية الأساسية من حيث الإنتاج والتشكل البشري والصراع الطبقي. وإذا كانت نكبة فلسطين قد أدّت دوراً في تأجيج الصراع، فإن الوضع كان قد وصل إلى حالة «الأزمة الثورية» كما تسمى عادة في الماركسية، حيث لم يعد الشعب قادراً على تحمّل استمرار الوضع كما هو، ولم تعد النظم قادرة على الحكم، وخصوصاً بعد انسحاب الاستعمار والفراغ الذي تركه ذلك.
هذا الوضع هو الذي فرض تقدّم الطبقة التي لا تستطيع أن تؤدّي سوى دور انتقالي، لأنها لا تمتلك مقدرة على تأسيس نمط خاص، وأقصد البرجوازية الصغيرة، والريفية بالتحديد. إن الفراغ الذي نشأ، ليس عن انسحاب الاستعمار فقط، بل عن عجز الطبقات القادرة على تكوين نمطها الخاص، أي البرجوازية التي كانت في ترابط مع الإقطاع أو مع الرأسمال الإمبريالي من جهة، والطبقة العاملة من جهة أخرى. وإذا كان يجب أن ندرس مرحلة البرجوازية الصغيرة الريفية، فإن ما هو مهمّ هنا هو أن نعرف أن هذا الدخول لها (عبر الجيش خصوصاً) كان نتيجة الفراغ لا نتيجة مؤامرة أو لكونه دوراً طبيعياً. فهي لا تستطيع أن تتشكل في حزب متماسك، ولا أن تقدّم بديلاً يعبّر عنها، لأنها بالضبط تحلم بالملكية الخاصة، الذي يقود تحقيقها إلى الترسمُل، وهو ما يمكن دراسته عيانياً على ضوء تجاربها في مصر وسوريا والعراق والجزائر والسودان. ولهذا استغلت الجيش الذي تكوّن من أغلبية ريفية.

لماذا هذا الفراغ؟

هنا تقع مناقشتنا لسياسات الحركة الشيوعية التي عرفت ظرفاً موضوعياً مهيّأً للتغيير، لكنها لم تُقدم عليه. وذلك ليس نتيجة خطأ، بل نتيجة وعي أيديولوجي ورؤية سياسية، رغم أن قوّتها كانت تسمح لها بذلك، كما توضّح في وضع الحزب الشيوعي العراقي في خمسينيات القرن الماضي، وحتى الحزب الشيوعي السوري في الفترة ذاتها، وأيضاً الحركة الشيوعية المصرية التي تطورت بسرعة وأصبحت قوة حتى في الجيش، لكنها اختلفت مع عبد الناصر سنة 1954 لميلها إلى تحقيق «نظام ديموقراطي» برجوازي طبعاً، ولأنها لم تعِ أهمية الريف الذي كانت بعيدة عنه (باستثناء بعض تياراتها)، ورغم أن السياسات التي اتبعت منذ نهاية ثلاثينيات القرن العشرين كانت تضعف الحزب ذاته، وصبّت في مصلحة نشوء حزب البعث الذي كان مؤسسوه على هامش الحزب الشيوعي في الثلاثينيات حين كان يسعى إلى الثورة والتغيير وتحقيق الوحدة العربية.
إذاً، كان عدم انتصار الحركة نتاج سياسات خاطئة، عبّرت في المحصّلة عن مصلحة برجوازية صغيرة مدينية تحلم بالرأسمالية والحريات والبرلمان. وهنا يمكن لمس المفصل الذي حكم هذه السياسات وقاد إلى هذا «العمر الطويل»، رغم أنه كان يؤشّر إلى مشكلات عميقة في الوعي والمصالح والارتباطات. هذا المفصل هو الانطلاق من تصور (كان يسمى لدى الماركسية السوفياتية قانوناً) يفرض الانتقال الحتمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لا إلى أي طريق آخر. فلأن وضعنا كان في مرحلة سيطرة الإقطاع، فإن الهدف هو انتصار البرجوازية. هذه الفكرة «البسيطة» كانت في جوهر «الجريمة» التي ارتُكبت. فالبرجوازية كانت تتمثّل في صيغة مختلفة عن البرجوازية الأوروبية لحظة انتصارها، إذ نبعت من صلب الإقطاع وظلت متداخلة معه، وبالتالي لم تكن تسعى إلى كسب الفلاحين عبر تحقيق الإصلاح الزراعي، ونشطت في التجارة والخدمات والمال لكونها باتت وسيطاً في العلاقة بين الرأسمال الإمبريالي والسوق المحلي. لقد كانت تتكيف مع الإقطاع وتلتحق بالرأسمال الإمبريالي، وبالتالي لم تفكر لا في بناء الصناعة (سوى أفراد لحقت بهم الهزيمة) ولا في إنهاء الإقطاع، ولا في فك الارتباط بالرأسمال الإمبريالي.
هنا كان المشروع الرأسمالي وهماً نشأ في رؤوس قادة الحركة الشيوعية، أو أنه أُدخل إلى رؤوسهم عبر «المعلم الأول»، أي «كبار العلماء السوفيات» الذين كانوا في مقام الأسطورة لدى هؤلاء القادة، ربما نتيجة ضعف وعيهم، وقلة اطّلاعهم على الماركسية. ومن امتلك الماركسية منهم، كان يهمَّش ويطرد أو يحاصر (فهد، فرج الله الحلو، عبد الخالق محجوب، سليم خياطة، ورهط طويل من «التيتاويين والتروتسكيين»). فقد بدت الحركة الشيوعية العالمية كفروع للحزب السوفياتي، الذي كان هو المقرر في «النظرية» والسياسات وحتى التكتيك. وهو ما عبّر عنه الرفيق خالد بكداش بقول ما معناه إنه «إذا اختلف مع الرفاق السوفيات في الموقف، فإن موقف هؤلاء هو الصحيح».
هذا الوضع كان يؤشّر إلى أن الطابع الذي اتخذته الحركة الشيوعية يتقولب في حدود المطالبة والمناشدة والنقد (الخفيف)، والبحث عن ممثل البرجوازية الذي يجب أن يُدعم لكي تنتصر الرأسمالية. أي إن الأحزاب مثّلت شكلاً من أشكال النضال الديموقراطي البرلماني، المؤسس على طرح المطالب. وكذلك الالتحاق بمن يلوح بأنه يحقق الرأسمالية. وبالتالي لم تطرح على ذاتها مهمة التغيير ولم تدّعِ ذلك، بل على العكس كانت ترى في الدعوة إلى التغيير طفولية وفوضوية وتروتسكية وماوية. هكذا كان موقفها من حزب البعث قبل أن تلتحق به وترى أنه يحقق ما أرادت تحقيقه (وهو في كل الأحوال أسوأ أشكال الرأسمالية كما تبلور في ما بعد، رغم أن البعث كما الناصرية حقق أكثر مما كان يطالب به الشيوعيون).
إن الاستراتيجية التي وضعتها الحركة لذاتها (أو وضعها لها الرفاق السوفيات) لم تكن في وارد التغيير، رغم أن تطور القرن العشرين وأزماته بعد تبلور النمط الرأسمالي كنمط عالمي إمبريالي كان يدفع نحو انتصار الشيوعية كما توضح في مناطق واسعة من العالم الطرفي. وهنا يمكن أن نلمس التحوّل الذي حكم هذه الاستراتيجية التي كانت تقوم على أساس «الماركسية اللينينية»، وتعلي من قيمة لينين، فتجاهلت أهم ما أضافه، وهو التقاطه الوضع العالمي الجديد ونشوء الإمبريالية، الذي فرض عليه التأكيد على ضرورة قيادة الشيوعيين إلى النضال من أجل التغيير وتحقيق المهمات الديموقراطية في طريق الانتقال إلى الاشتراكية. هذه الفكرة الفذّة هي التي فتحت أفق التغيير في ما يقارب نصف العالم، لأنها قامت على رؤية التناقضات في بنية النمط الرأسمالي، التي أوصلت إلى «اكتشاف» عجز البرجوازية عن أداء «دورها التقليدي»، دورها التقدمي، وتحوّلها في الأطراف إلى كومبرادور فقط، يحافظ على التكوين الإقطاعي الكومبرادوري المترابط مع الرأسمال الإمبريالي، وبالتالي تخليه عن إنشاء بنية رأسمالية بالمعنى الأوروبي، أي الصناعي الحداثي.
وبالتالي، كان نضال الشيوعيين (رغم بطولتهم وتفانيهم) ينحكم لرؤية وهمية، لم يفعل سوى تحقيق بعض القضايا المطلبية في وضع كان يحتاج فيه إلى تغيير جذري، ينطلق من تحقيق «المهمات الديموقراطية» (التي بدا أن النظم القومية تحقّقها): الإصلاح الزراعي والوحدة القومية وبناء الصناعة عبر دور الدولة، والتحديث، والدمقرطة والعلمنة، لكي يكون ممكناً تحقيق الاستقلال الحقيقي. وقد كوفئ بأن أصبح الشيوعيون جزءاً من النظم القومية، يؤدّون دوراً ثانوياً، دون تلمّس طبيعة مسارها وآفاقها، مكتفين بما يتحقق.
أظن أن التحولات التي تحققت على ضوء الدور الذي أدّته البرجوازية الصغيرة الريفية، والذي انعكس تغيرات في أوضاع كل النظم التي بقيت «رجعية» (إقطاعية كومبرادورية)، أنهت الحركة الشيوعية، وما تبع ذلك هو استمرارية العطالة التي أصبحت تُخضعها للتغيرات العميقة في البنى الطبقية، وتطور الوعي العام، وبالتالي كانت تهمّشها شيئاً فشيئاً. ومن يتلمّس تموضعاتها الطبقية السابقة يدرك معنى ذلك. فقد أفضى الإصلاح الزراعي إلى تقلّص حجم الأحزاب في الريف، وتلاشيه تقريباً في كثير من المناطق. والحقوق التي حصل عليها العمال، ثم التكوّن الجديد للطبقة العاملة على ضوء دور القطاع العام، قد همش كذلك وجود هذه الحركة. وحتى في الفئات الوسطى، تراجع وضع الحركة نتيجة استبدادية الأحزاب التي كانت تسحق كل الآراء المخالفة في وضع كان تطور الوعي فيه يزيد من الفهم والملاحظات، وبالتالي قبول هذا النمط من الأحزاب.
هذا الوضع كان يفك العلاقة بين الأحزاب وقاعدتها الطبقية، ويقلص حجمها، ويحصرها في بنى منغلقة على ذاتها، تعيش بالعطالة، وتنحصر في فئات عمرية عجوز شيئاً فشيئاً. وهو مؤشر على الانقطاع عن الشباب الذين، على ضوء التغيرات التي تحققت وأفضت إلى تكوّن مجتمع مديني في الغالب ويحظى بتعليم أفضل ومعرفة أوسع، ابتعدوا عن النشاط السياسي في وضع لم يكن مأزوماً، نتيجة التغيرات الطبقية تلك بالتحديد. وذلك قبل أن يجري التحول من جديد، ونشوء أزمات باتت تفرض الصراع مرّة أخرى. لكن وضع الأحزاب الشيوعية لم يكن قادراً على استيعاب الوضع الجديد كما نلاحظ اليوم. وهذه هي المشكلة التي تدعونا إلى التأكيد على أنه «يجب أن ندفن موتانا».
إذاً سأقول إن الحزب الذي لا يلتقط هذا الرابط بين تكوّنه والظرف الموضوعي، ويعرف بالضبط الدور الذي يجب أن يؤدّيه فيه، سوف يموت، وإن بقي دون دفن. والحركة الشيوعية في الوطن العربي لم تلتقط هذا الرابط، بل ربطت وجودها وذاتها بالاتحاد السوفياتي. لقد فهمت أن أساس وجودها قائم على ذاك الوجود للاتحاد السوفياتي، لا على الظرف الموضوعي الذي كان في أساس نشوئها، وهذا ما فهمه قادتها الأوائل في السنوات 1924 إلى 1937، والى 1949 في العراق، والى 1971 في السودان. ولهذا فقد أدّوا دوراً «عظيماً» في «الدفاع عن بلد الاشتراكية الأول». هذا هو دورهم الأكبر، فقد كانوا جزءاً من حزب عالمي رأسه في موسكو، وكانوا ملتزمين بكل التكتيكات التي ترسم هناك. طبعاً هذا يفرض السؤال عما كانت رؤية الاتحاد السوفياتي للوطن العربي وللعالم (لأن سياسة الحركة الشيوعية العربية كانت هي ذاتها سياسة كل الأحزاب الشيوعية التي ارتبطت بالاتحاد السوفياتي، ولهذا فشلت كلها على الصعيد القومي/ المحلي)، وعن «الماركسية» التي كان يحقنها لهم عبر «الدورات الحزبية» و«معاهد الماركسية اللينينية».
هنا يمكن تناول مستويات متعددة نظرية وسياسية وعملية، لكن ما يمكن التأكيد عليه الآن هو أننا ندخل مرحلة جديدة من تفاقم الصراعات الطبقية والقومية معاً، حيث فرضت الرأسمالية سيطرتها العالمية من جديد فعمّقت من أزمات مجتمعات الأطراف، وأتت الأزمة الجديدة لتفتح أفق صراع عميق في كل العالم. هنا ينطرح من جديد دور الماركسية، والحزب الماركسي. هل تستطيع الحركة الشيوعية والقوى الماركسية القائمة أن تكون في صلب الصراع الطبقي من أجل التغيير؟ نسأل لأنها ما زالت قائمة بـ«عمرها الطويل»، وما زالت ترى أنها ممثلة الطبقة العاملة، وأنها تطرح السياسات التي تعبّر عن مصالح هذه الطبقة. وأنها ممثلة «الماركسية القويمة»، وما إلى ذلك من توصيف ذاتي. ولكن، وكما يقول ماركس، فليس المهم ما يقوله المرء عن ذاته، المهم ما هو في الواقع. إن الخطوة الأولية تتحدد في وعي الواقع من أجل بلورة الاستراتيجية المطابقة له، التي تفضي إلى تغييره. هل هذه القوى قادرة على ذلك؟
يمكن أن نقول إنها تعاني استمرار «العقل» الذي تعمم مع «الماركسية السوفياتية». وهي بالتالي بعيدة عن الماركسية ويحكمها منطق صُوَري. وهي تعاني تشوّشاً في الرؤية والتصورات والبرنامج، حيث ما زال معظمها يكرر السياسات ذاتها والرؤى ذاتها، وهي باتت متضيقة وتخلو من العنصر الشاب، ولا وجود لها في طبقات العمال والفلاحين إلا بشكل هامشي. وبنيتها نابذة نتيجة تكوينها البيروقراطي و«المركزي»، وتغرق في «النشاط السياسي» الذي يعني الحركة في مستوى العلاقات السياسية وإصدار البيانات والمهرجانات إذا أمكن ذلك، والتواصل مع الأحزاب الأخرى.
والتعبير عن الوضع الجديد وصراع الطبقات الراهن يفترض تحقيق نقلة في الوعي/ الفكر من أجل وعي الواقع وعياً صحيحاً (أو علمياً)، ومن ثم لتأسيس الاستراتيجية الضرورية الآن، التي تسمح بتحقيق التشابك مع العمال والفلاحين الفقراء. وبالتالي، فإن هذه الحركة ليست في وضع يؤهّلها لتحقيق ذلك، رغم كل «التجديد» الذي قالت به، والشعارات التي كبّرتها أحياناً. وكما أشرت، فإنها قائمة نتيجة العطالة ليس أكثر، ولقد أوضحت انشقاقاتها التي بدأت منذ سبعينيات القرن العشرين أنها تتفتّت كجثة لم تدفن. وكل محاولاتها للنهوض لحظيّة وتفضي إلى تفكك أكبر.

وإذا كان التركيز قد جرى هنا على الحركة الشيوعية العربية، فلأنها ما زالت الأكثر استمرارية رغم نشوء قوى ماركسية في موجة ثانية منذ نهاية ستينيات القرن العشرين. وربما لن يختلف النقد في مفاصل أساسية بين هذه وتلك، سوى في اتباع استراتيجية مقلوبة تركز على «الثورة الاشتراكية»، و«الكفاح المسلح»، وحتى الوحدة العربية وتحرير فلسطين، لكنها قامت على منطق نصّي ولم تلمس القطيعة الضرورية مع «الماركسية السوفياتية»، فتفككت سريعاً أو تكيفت مع هذه الماركسية لتتشابه مع الحركة الشيوعية باستثناء بعض المواقف. ولقد مال كثير من أعضائها إلى الليبرالية، أو التزمت «النضال الديموقراطي»، وتقوقعت في فئات وسطى كذلك. من هنا، ورغم كل التمايزات، ظلت في السياق العام الذي حكم الحركة الشيوعية، من حيث الوعي والسياسات. وبالتالي، فإذا كان طول العمر للأفراد، فإنّ هذه التجربة الطويلة فقدت مبررات وجودها، رغم الأفق المفتوح لكل المهمومين بأن تؤدّي الماركسية دورها الثوري التغييري، لكن خارج هذه التجربة وفي سياق تأسيس بديل.
لقد أصبحت عبئاً على الماركسية، وعلى الشيوعية واليسار، ورغم نضالات أعضائها وتقديرنا لهم ولكل التضحيات التي بُذلت، فإن المطلوب هو دفنها. وهذه الرمزية في التعبير تعني تفكيك منطقها ورؤيتها وبنيتها من أجل تأسيس جديد، أو على طريق تأسيس جديد عبر وعي حقيقي للماركسية، ووعي عميق للواقع، من أجل بلورة استراتيجية تترابط مع نهوض الصراع الطبقي والقومي الراهن. وهي تعني دفن «الماركسية اللينينية» التي تعممت، والتي هي أيديولوجيا صاغتها البيروقراطية السوفياتية كتعبير عن مصالح الدولة، والعودة إلى ماركس ولينين، والى الماركسية كمنهجية هي الجدل المادي. وتعني دفن الرؤية العامة التي حكمتها، والتي أشرنا إليها قبلاً، وكل رؤيتها للواقع (الموقف من الوحدة العربية، وفلسطين، والتطور والعلمنة)، التي كانت منافية لحركة تطوره. وأساساً دفن منطقها القائم على التكيف مع الأمر الواقع بحجة الواقعية، والتخلي عن الطابع الثوري للماركسية، ولصراع العمال والفلاحين الفقراء. وأيضاً دفن شكل التنظيم البيروقراطي الاستبدادي الذي تكوّنت فيه. لقد كانت أحزاباً بلا روح، وبالتالي يجب أن تدفن. طبعاً دون تجاهل ما يمكن أن يكون مفيداً في التجربة، ما يبقى منها مفيداً لأفق جديد.
نحن بحاجة إلى تأسيس جديد يرتبط بالوضع الثوري الراهن. لكن قبل ذلك، يجب أن ندفن موتانا لكي نستطيع أن نتنفس هواء الماركسية النقي بعد أن تفسخت الجثة أكثر مما ينبغي.

سلامة كيلة ** كاتب عربي - الأخبار عدد الخميس ٢١ تشرين الأول ٢٠١٠

أزمة اليسار الشيوعي ـ 3

ما دامت أزمة القوى القومية والوطنية بنيوية فإن المسألة التي تفرض التساؤل هي عن أسباب فشل البديل. هنا يمكن تناول أزمة الحركة الشيوعية التي تأسست قبل تسعين سنة، وكان بعضها من أوائل الأحزاب في الوطن العربي، وكانت في مرحلتها الأولى تحاول بلورة تصوّر مطابق (هنا حسب مفهوم ياسين الحافظ) للواقع العربي، وجهدت من أجل قيادة الصراع الوطني ضد الاستعمار، والطبقي ضد الإقطاع والبورجوازية التجارية، وتحقيق الأهداف التي كانت قد تبلورت في عصر النهضة العربية، أهداف الوحدة والتحرر والتطور والحداثة، تحت برنامج صيغ سنة 1934 بعنوان «في سبيل الوحدة العربية» (أو في تحوير «في سبيل تحرير الشرق العربي»). وكانت تعتبر أنها وريثة عصر النهضة ذاك، ومحققة أهدافه. كل ذلك بالترافق مع النهوض النضالي من أجل الاستقلال والتحرر الذي وسم الوضع بعد الحرب الأولى والاجتياح الاستعماري الذي أكمل السيطرة على الوطن العربي. وربما كان هذا الخط الذي حكم الحركة يسمح بتحقيق الانتصار.
إن الأزمة البنيوية التي حكمت كل تطور رأسمالي كانت تفرض أن يقود الشيوعيون النضال من أجل التغيير، كما كانوا يحاولون في المرحلة الأولى. وهي السياسة التي نجحت في أمم أخرى مثل الصين والهند الصينية وكوبا، وكانت في صلب الإضافة اللينينية التي أعطت للشيوعيين دوراً محورياً في تحقيق التغيير والتطور في الأمم المتخلفة.
لكن تحوّلاً حدث منذ أواسط ثلاثينيات القرن العشرين قلب الوضع، حيث تحققت السيطرة الستالينية على الحزب الشيوعي السوفياتي، ثم على الكومنترن في سنة 1935. ولأن الحركة كانت تتشكل كفرع للأممية الثالثة، فقد باتت محكومة بالمركز، وباتت سياساتها تخضع لتكتيك الدولة السوفياتية في صراعها العالمي. وإذا كانت النظرية قد أصبحت هي المبرر للتكتيك في المركز السوفياتي، وبالتالي جرى خفضها إلى أيديولوجية تدافع عما يقرره «السياسيون»، فقد أصبحت النظرية هذه هي أساس التكتيك في كل فروع الحركة الشيوعية، مما كان يجعله مطابقاً للتكتيك السوفياتي، كما يظهر في الشكل، رغم أن المسألة كانت تتعلق بالتزام التكتيك السوفياتي، لكن هنا مدعماً بـ «النظرية».
هذه المسألة تطرح السؤال حول السبب الذي جعل الحركة الشيوعية العربية تتكـيف مع هذه السيطرة. ربما ان نواتها الأولى كانت تعمل تحت إشراف الكومنترن، رغم أن البحث والأفكار والسياسة التي كانت تنتجها هذه الأحزاب كانت تعبّر عن بحـث في الواقع وفهم عميق له، حيث كانـت ما زالت بعيـدة عن السيطرة. وربما يكون هذا الإشراف قد تحوّل إلى تبعية بدل أن يقود إلى تكـريس الاستقلال كمــا حدث في الصين مثلاً، وكل الأمم التي انتصـرت فيها الشيوعية. لكن في كل الأحوال سنلمس انقلاب الرؤية بعد سنة 1937، والتراجع عن تحرير الشرق والوحدة العربية، وكذلك عن قيادة النضال. وهو التصـور الذي ارتبط بعودة خالد بكداش من موسكو وتنصيبه أميناًً عاماً للحزب.
ورغم أن الأمر يتعلق بـ«وعي مشوه» بالماركسية انبنى على الأفكار التي باتت معتمدة في الماركسية السوفياتية، والتي باتت تنقل عبر الدورات الحزبية ومعاهد «الماركسية اللينينية»، كما يتعلق بالموقف من مجمل القضايا التي تخص الواقع في الوطن العربي (ومنها قضايا الوحدة وفلسطين، والتطور)، والتي أصبحت مشوشة ومشوهة، ومخالفة لما كان يُطرح في المرحلة الأولى، فإن المسألة الجوهرية التي تلمّ بكل ذلك هي المسألة التي تتعلق بدور الشيوعيين، حيث انحكم لعنصرين، الأول: السياسة السوفياتية التي كانت ترى بأنه ليس بإمكان الاتحاد السوفياتي دعم الثورات الشيوعية في العالم بعد، وأن نذر الحرب التي كانت واضحة أواسط الثلاثينيات تفرض عدم دفع الشيوعيين لتحقيق التغيير، وبالتالي عملت على التهدئة مع البورجوازية، وأقرت في مؤتمر الكومنترن السابع سنة 1935 مفهوم «الجبهات الشعبية» التي تخضع لسيطرة البورجوازية، بديلاً لمفهوم طبقة ضد طبقة الذي تقرر سنة 1929 في مؤتمر الكومنترن السادس.
العنصر الثاني: «نظري»، حيث كانت قد جرت «غربلة» تراث ماركس وإنجلز ولينين، وجرت صياغة «الماركسية» التي ستعرف بالماركسية السوفياتية، والتي ستعمم كونها هي وحدها الماركسية. وصيغت صيرورة التاريخ في خط تصاعدي جبري، يقوم على الانتقال من المشاع إلى الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية ومن ثم إلى الاشتراكية. ولأننا في مرحلة سيادة الإقطاع فيجب بالضرورة المرور بالمرحلة الرأسمالية، قبل أن يفكر الشيوعيون في الانتقال إلى الاشتراكية.
من هذين العنصرين صيغت السياسة «الواقعية» و«العلمية» و«الماركسية»، التي تنطلق من المبدأ النظري الذي يقول بحتمية المرور بالمرحلة الرأسمالية، والتي تفرض التحالف مع البورجوازية ودعم تطورها وانتصارها. وبالتالي بدل تطوير الصراع الطبقي ضد الإقطاع، والوطني ضد الاحتلال، عملت على دعم البورجوازية في مفاوضاتها مع الاستعمار، وهادنت الإقطاع لأنه متداخل مع البورجوازية، وقبلت بالتكيف مع سياسة البورجوازية من المسألة القومية. لهذا أصبحت جناحا يساريا للبورجوازية التي تسعى للحصول على الاستقلال وإقامة دولتها المرتبطة بالرأسمالية (دون تناسي أن بعض الأحزاب في بعض الأوقات مارست غير ذلك، وأخص هنا الحزب العراقي بقيادة فهد وثم سلام عادل، والحزب السوداني الذي كان خارج هذه السياسة).
بمعنى أن الحركة لم تعد تطرح على ذاتها مسألة التغيير أصلاً، وتكيفت مع تطور رأسمالي ممكن، رغم أنه كان في الواقع مستحيلاً. ولهذا حينما حان وقت التغيير انفرض عبر آليات قسرية. بعد ذلك كان الزمن قد تجاوزها، حيث تحققت تحولات عميقة أسست لوضع مختلف. هل تستطيع ذلك اليوم؟ لا، حيث ما زالت تنحكم للوعي «الماركسي» ذاته، وللسياسات ذاتها، وتهرب من طرح مسألة السلطة وتحقيق التغيير، وتتكيف وطنياً مع الأمر الواقع.

سلامة كيلة - السفير 29/12/2010

في ظل البحث في أزمة اليسار يكون السؤال: أي يسار.. وأية أزمة؟

نعود إلى متابعة سيل من الكتابات حول أزمة اليسار، ولقد فرضت الأزمة العامة، سواء الأزمة المالية العالمية أو الأزمة المجتمعية التي نعيشها. هذه العودة، انطلاقاً من أن الوضع المحيط يفرض أن يلعب اليسار دوراً محورياً. إذاً، الحاجة هذه المرة هي التي فرضت العودة إلى البحث في أزمة اليسار، لكن كل ما كتب، تقريباً، ظل في العموميات، ومال إلى توصيف الوضع، وأشار إلى وجود الأزمة، وبالتالي تكررت أفكار تلازمنا منذ عقد الثمانينات على الأقل، حين بدأ الحديث عن الأزمة، أزمة حركة التحرر الوطني حينها.
السؤال الأول الذي أفترض أنه الأساس في البحث هو، أي يسار؟ فكل ما كتب، تقريباً، انطلق من أزمة اليسار، كأن اليسار تكوين محدَّد، ومتوافق عليه، وبديهي. وهذه أول إشكالية في البحث في الأزمة، لأنه يجب الانطلاق من أواليات واضحة وليس من مصطلحات ضبابية، غير محدَّدة، ودون معنى. ومن يتابع ما يكتب يلمس أن معنى اليسار يتراوح بين الأحزاب الشيوعية والقوى الماركسية، إلى كل القوى التي لعبت دوراً «تغييرياً» في العقود الماضية، أي القوى القومية والتحررية إضافة إلى الأحزاب والقوى الشيوعية والماركسية. لهذا كانت الأزمة تتمثل في أن هذه القوى لم تستطع تحقيق أهدافها، وهي أهداف التحرر والوحدة والتقدم والدمقرطة، إنها فشلت في تحقيق هذه الأهداف. ولم تستطع تحقيق أهدافها هو توصيف لما حصل وليس تحليل للأسباب التي جعلت تحقيقها غير ممكن، أو أدت إلى الفشل في تحقيقها. وربما لن يتجاوز البحث هذا التوصيف لأن الأساس الذي انطلق منه لن يوصل إلى نتيجة أخرى. فما الذي يجمع بين أزمة الأحزاب الشيوعية من جهة، والقوى الماركسية التي نهضت بعد هزيمة حزيران سنة 1967 من جهة أخرى؟ وما الذي يجمع بين أزمة هذه من جهة، وأزمة الأحزاب القومية التي وصلت إلى السلطة من جهة أخرى؟ ما الذي يوحد أزمة حزب يؤسس على نظرية يقول انها علمية، وآخر يؤسس على مفاهيم مثالية؟ بين حزب ينطلق من أنه يسعى إلى تحقيق مصالح الطبقة العاملة وآخر ينطلق من أنه يعبّر عن الشعب؟
الذي يوحد هو، فقط، الأزمة. وبالتالي هنا الفشل في تحقيق الأهداف التي عبّرت عن مرحلة كاملة من الحلم بالاستقلال والوحدة والتطور. لكن ما هو شكل تمظهر الأزمة لدى هذا أو ذاك؟
وفي هذه العموميات لا بد من أن نلاحظ أن هناك أحزاباً انتصرت، وحققت فئات فيها مصالحها كاملة، مثل ما حدث مع قوى قومية ووطنية وصلت إلى السلطة، وفرّخت مافيات و«رجال أعمال جددا». وهناك أحزاب لم تكن تفكّر في الوصول إلى السلطة وظلت تعتقد بأنها تدافع عن «مبادئ». بالتالي هل يمكن أن نعتبر أن الأزمة متشابهة في الحالين؟
ما أود قوله هو أن البحث في أزمة اليسار يجب أن يبدأ بتحديد معنى اليسار من أجل أن يكون ممكناً البحث في أزمته، وخصوصاً التحديد بما يعطي الجواب حول هل ان الانطلاق من السياسي، من تحديد اليسار انطلاقاً من الأهداف العامة، ومن كل من يسعى إلى تحقيق التطور، هو أمر كافٍ للوصول إلى تحديد الأزمة؟ إن الربط بالأهداف يجعل التماثل أساسياً في النظر إلى مختلف قوى اليسار، فهي جميعاً لم تحقق الأهداف التي طرحتها. لماذا؟ سيكون الجواب، لأنها عجزت. لكن لماذا عجزت؟ وهل هي متساوية في ذلك؟
الإشكال الأول في البحث يتلخص في التعميم، حيث يجري الحديث عن «أزمة حركة التحرر الوطني» (كما كان في السابق)، وعن «أزمة اليسار» (الآن)، وفي التعميم لا نتائج ممكنة، وليس من الممكن الوصول إلى تحديد صحيح للأزمة. بالتالي لا بد من الميل للتحديد، حيث ان هذا التوافق السياسي على أهداف عامة، يحوي اختلافات فكرية ومصالح طبقية، وحيث ان كل اتجاه فكري طبقي ينظر إلى الأهداف العامة من منظور مصالحه ووعيه. وهنا لن تكون الأزمة واحدة، ولن يكون المآل المتماثل هو نتاج مقدمات واحدة. وحيث لا بد من أن تناقش الأزمة ليس انطلاقاً من الفشل، بل يجب أن يفسر الفشل انطلاقاً من طبيعة وعي ورؤية كل اتجاه، ومكمن هذا الوعي وهذه الرؤية.
في هذا الوضع يصبح ضرورياً البحث في طبيعة الأحزاب الشيوعية: وعيها والأهداف التي طرحتها، والطبقات التي عبّرت عنها فعلياً. كما يصبح البحث ضرورياً في طبيعة الأحزاب القومية: وعيها وأهدافها والمصالح الطبقية التي عبّرت عنها، وهكذا.
من هذا المنطلق يمكن الفرز بين منظومتين، الأولى هي الأحزاب الشيوعية والقوى الماركسية، والثانية هي الأحزاب القومية والوطنية. الثانية طرحت الأهداف القومية العامة، التي عبّرت عن الميل لتحقيق التطور في فترة محدَّدة. ولقد وصلت إلى السلطة في عدد من البلدان العربية، لكنها لم تحقق من أهدافها سوى الجزء اليسير، وقادت إلى إعادة إنتاج «الوضع التبعي» المتسم بسيطرة طبقة كومبرادورية، هي «تجديد» لتلك الطبقة الكومبرادورية التي نشأت في أحضان الاستعمار واستلمت السلطة منه بعد تحقيق الاستقلال. وبالتالي فقد كسبت فئة ممن انخرط في صفوف الأحزاب القومية دون أن تتحقق الأهداف القومية. بمعنى أن الأحلام تكسرت لكن فئة حققت تحوّلها الطبقي من برجوازية صغيرة (وربما فئات مفقرة) إلى مافيات تسمى رجال الأعمال. هنا نجاح لفئة وفشل للمشروع التحرري الوحدوي، لماذا هذا النجاح وهذا الفشل؟
في المقابل لم تطرح الأحزاب الشيوعية على ذاتها مسألة التغيير واستلام السلطة، وكانت تضغط من أجل تحقيق إصلاحات في البنية القائمة، حيث كانت تسيطر بقايا الإقطاع، ثم الكومبرادور. ولم تتحقق هذه الإصلاحات بعد، لكن الأحزاب تفككت وتهمشت، وتكاد تتلاشى. ولقد إتبعت سياسات مربكة على المستوى الوطني ، وكذلك في ما خص المسألة القومية، وهو الأمر الذي كان يؤثر في وضعها، ويعطي الأسبقية لقوى أخرى (الأحزاب القومية، المقاومة الفلسطينية، القوى الأصولية). وبالتالي هل هي في أزمة ما دامت مطامحها «بسيطة»، وميلها التطوري هو المهيمن؟
هذا هو اليسار فما هي أزمته؟ وأساساً هل يمكن أن نشملها في «وصفة» واحدة؟

سلامة كيلة - السفير 25/11/2010

في ظل البحث في أزمة اليسار يكون السؤال: أي يسار؟ ومن ثم أية أزمة؟ (2)

إذا كانت قوى اليسار في أزمة، كما يتضح في الواقع، وكما باتت تعترف هي ذاتها، فلا بد من أن نلحظ أن تمظهرها مختلف بين طرفين انطلاقاً من تحديد التعبير الطبقي لكل منهما. والطرفان هما: الأحزاب التي تمثل الطبقة العاملة، وهي هنا الأحزاب الشيوعية والقوى الماركسية التي تبلورت منذ نهاية ستينيات القرن العشرين، والأحزاب القومية والوطنية الأخرى التي تطرح ما هو أعم، فتقول انها تمثل الشعب أو الطبقات الكادحة، وهي تمثل في الواقع الفئات الوسطى. وهذه الأحزاب الأخيرة لعبت في الغالب دوراً تغييرياً في المرحلة الماضية.
ولأنها لعبت هذا الدور سوف أتناولها أولاً، حيث يمكن البَدء من أن هذه الأحزاب تعاني من «أزمة بنيوية» في ما يتعلق بمقدرتها على تحقيق الأهداف التي طرحتها هي بالذات، وهي أزمة العجز عن حلّ التناقض بين الأهداف التي تطرحها (ويطرحها الواقع أساساً كونها تعبّر عن أهداف التطور العام) من جهة، والميل الامبريالي للسيطرة من جهة أخرى. حيث انها تسعى إلى تحقيق هذه الأهداف انطلاقاً من مصالحها التي ترتبط بالتطور الرأسمالي. أو فلنقل في إطار استمرار الملكية الخاصة، وفي «تقديسها»، رغم الشعارات «الاشتراكية» التي رفعتها، والتي لم تكن تعبّر سوى عن ميل يخصّ الفئات الوسطى ما دامت تنطلق من التمسك بالملكية الخاصة، ومن حلمها بأن تتملّك، أو تضخم ملكياتها الصغيرة. وهذه المصالح التي تفرض السعي للتملّك تجعلها في وضع مرتبك، ومأزوم.
بالتالي قلت «أزمة بنيوية»، بمعنى أن تحقيق هذه الأهداف العامة، أهداف التحرر والاستقلال والوحدة والتطور، يفرض تعميق التناقض مع الرأسمالية المهيمنة عالمياً، التي تصوغ الواقع وفق مصالحها، إلى حدّ القطع مع النمط الرأسمالي بمجمله ما دام تحقيق هذه الأهداف ليس ممكناً بالتوافق مع الرأسمالية في إطار النمط الرأسمالي ذاته. إن تأسيس دولة صناعية موحدة وحديثة هو أمر يتناقض مع نمط رأسمالي لا يقبل سوى باخضاع الأطراف لهيمنته، وبالتالي لنهبه. وهنا ليس من خيار إلا تحقيق «القطع»، من أجل تأسيس مفاعيل تطور داخلي مستقل، بعيداً عن كل تأثير النمط الرأسمالي. وفي المقابل ليس من خيار لدى الرأسمالية سوى قطع كل طريق على أي خيار يهدف إلى تحقيق التطور. التطور «محشور» هنا، وليس من إمكانية لزحزحته باتجاه يلغي جذرية تناقضه مع النمط الرأسمالي، لأن ذلك يعني العودة إلى فرض قوانين السيطرة الإمبريالية.
ولقد كانت الفئات التي قادت الحركة القومية والقوى الوطنية الأخرى في وضع يفرض عليها خوض الصراع والحلم بتحقيق التطور، لكونها كانت تعيش حالة انسحاق طبقي أو وطني، وتخضع لاضطهاد حقيقي، وهو الأمر الذي كان يدفعها إلى تبني كل تلك الأفكار التي سادت مع نشوء الميل للتحرر والوحدة. لكنها لم تكن ترى أن تناقضاً جذرياً يحكم علاقتها بالقوى الامبريالية، أو يمكن التدقيق بالقول انها كانت ترى أن التناقض هو تناقض سياسي يتعلق بالسيطرة أو تحقيق الاستقلال، أو أنه يمكن الوصول إلى توافق مع تلك القوى في حال مقدرتها على فرض ذاتها. ورغم شعاراتها العالية النبرة فقد وضعت التناقض معها في مرتبة الاختلاف، و«الحلم» بإمكانية التفاهم. فكانت تناور بين التحالف مع السوفيات بدون الثقة بهم، وتطوير العلاقة مع البلدان الرأسمالية، أو مع بعضها (أوروبا مثلاً، واليابان كذلك)، خصوصاً في المجال الاقتصادي (التبادل التجاري، أو الاستيراد تحديداً). ولقد كانت ترى أن تموضعها الطبيعي هو في الصف الرأسمالي، هذا برغم كل الشعارات وكل الخطاب الإعلامي الحماسي الذي كان يُردَّد آنئذ.
إن ميلها القوي للملكية الخاصة، وتأكيدها أنه «حق طبيعي»، كان يفرض هذا التصور وهذه الممارسة، في العلاقة مع «السوق الرأسمالية»، وفي تطوير «التبادل التجاري» معها. وكذلك الحلم بالاندماج بالنمط الرأسمالي وفق ما يحقق مصالحها.
وهذا الوضع كان يبقي «المنطق الرأسمالي» قوياً، بل على العكس كان يفتح الأفق لتوسعه من خلال تلك العلاقة، التي كانت تؤسس لنشوء مصالح لفئات هي على تماس مع السوق الرأسمالية، ويغذي الميل المحلي لانعاش العلاقات الرأسمالية المحلية التي كانت قد خضعت لهيمنة الدولة، ويعزز الميل لانشاء مصالح خاصة لتلك الفئات التي باتت هي السلطة، والتي باتت تتحكم بالاقتصاد والأمن. في وضع يفرض تعزيز تجاوز الرأسمالية من أجل تحقيق مجمل الأهداف المطروحة، والتي تطرحها هي بالذات. الأمر الذي كان يفتح على تغلغل الميل الرأسمالي أكثر فأكثر في بنى الفئة الحاكمة، ويضعف الفئات التي ما زالت تتمسك بالمشروع العام، رغم أن تناقضها مع الملكية الخاصة لم يكن جذرياً، وكانت تحاول الاستمرار في الدفاع عن هذا المشروع في مواجهة السيطرة الامبريالية.
ولهذا كان الضغط الامبريالي فاعلا هنا، حيث فرض اضعاف القوى التي تتمسك بالأهداف، وتعزيز وضع الفئات التي تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة، والتي منها خرج رجال الأعمال الجدد، أي تلك النخب الكومبرادورية التي تترابط مع النمط الرأسمالي من جديد من موقع تبعي، والتي باتت هي السلطة. وهو ما فرض «الفرز»، حيث ربحت فئات وخسرت أخرى، لكن الأهداف العامة كانت قد أصبحت من الماضي، أصبحت من ذكريات الماضي لكون الحاضر عاد يفرض التكوين ذاته الذي يخدم السيطرة الامبريالية. بمعنى أن الأحزاب التي وصلت إلى السلطة أعادت إنتاج التكوين التبعي الكومبرادوري ذاته، وتهميش الفئات الوسطى ذاتها من جديد بعد التمركز المالي الذي حصل وأسَّس لنشوء طبقي جديد. وأساساً تجاهل المشروع ذاته.
إن طابع «الأزمة البنيوية» يكمن هنا، حيث لا إمكانية لأن تتجاوز هذه الفئات مصالحها، ما جعل بعضاً منها يكسب ويرتقي طبقياً، ومعظمها ينهار، ويفقر. ويتلاشى المشروع الذي حملته ولم تحقق منه سوى تهديم البنية الإقطاعية التي كانت سائدة، والتي كان التطور العالمي أصلاً يتجاوزها.
إذاً، الأزمة تكمن في طبيعة مصالح هذه الفئات التي جعلتها في تناقض مع تحقيق الأهداف التي طرحتها، وهي أزمة كل حزب لا يقطع علاقته جذرياً مع الرأسمالية.

سلامة كيلة - السفير 02/12/2010

عن ثورة أكتوبر برغم انهيار الاشتراكية

كما نعلم كان انهيار الدولة السوفياتية، ومن ثم انهيار المنظومة الاشتراكية، مدخلاً للتأكيد على خطأ ثورة أكتوبر، وخطيئة زعيمها فلاديمير إليتش لينين. من منطلق أن الانهيار قد أوضح أن التــسارع من أجل تحقيق الاشتراكية كان مجافياً لـ «التـطور التاريخي» من زاوية التعجل في خطوة سابقة لأوانها. لأن وضع روسيا كان يتسم بســيادة العلاقات الإقطـاعية، وهو الأمر الذي يفرض انتشار الرأسـمالية، بالضبط كما جرى في أوروبا، حيث ان التاريخ يمــشي الهوينا من الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية ثــم إلى الاشتراكية، وأي قفز عن مرحلة سوف يؤدي إلى كارثة، تتمثل في «عقاب الرب». فأوروبا هي المسار الذي فرضه التاريخ، وليس من الممكن إلا أن يسير التطــور وفقه. هذا المنطق هو الذي كان يحكم «الماركسية الكلاسيكية» آنئذ، من الأممية الثانية إلى بليخانوف والمناشفة، وهو منطق تطوري لم يفهم من الماركسية إلا مبدأ التراكم الكمي والتغيّر النوعي، الذي سيصبح منطقاً داروينياً في التطور الاجتماعي.
لهذا كانت ثورة أكتوبر «انحرافاً» عن مسار التاريخ. انحراف قسري حققه فرد إسمه لينين. لكن كما هو معلوم أن الواقع لا يحقق إلا ما يحمل هو بالذات في ثناياه ممكناته. وبالتالي ليس في مقدور فرد أو حزب أو طبقة أن يفرض على الواقع مسار غير المسار الممكن، وإلا كان هؤلاء قوة فوق الطبيعة، وهذا ما يعبّر عن تصور مثالي مفرط، يرى الإرادة وكأنها قادرة على كل شيء.
نقول ذلك الآن لأن هناك من لا يزال يعتـقد بهـذا المعتـقد، ولا يـزال يحمّل ثـورة أكتوبر ولينـين وزر «تجربة فاشلة» لأنها جاءت خارج المسـار التخطـيطي لما يجري الاعتقاد أنه تطور التاريخ. وهناك من لا يزال يحلم بالتطور الرأسمـالي، ولهذا يشدد الهجوم على لينين وثورة أكتوبر لأن الخيار هنا مناقض لمصالحه الطبقية. ولا شك في أن المدقق في موقف هؤلاء يلمس الرعب الليبرالي من اللينينية، ما دامت ثورة أكتوبر تنسب إلى لينين بالأساس، نتيجة أنها أعلنت نهاية إمكانية التطور الرأسمالي، والسير في طريق آخر يعبّر عن مصالح طبقية مختلفة هي مصالح العمال والفلاحين الفقراء.
إنه ليس من الممكن أن تنتصر ثورة دون أن يكون الواقع يحمل من الممكنات ما يجعلها تنتصر، ولهذا يجب أن نتلمس مدى التصاعد في الصراع الطبقي من قبل طبقات متعددة الذي أوصل إلى أن يصبح ممكناً الانتصار، خصوصاً أن الحزب البلشفي بات يحظى بدعم هذه الطبقات. هذا الدعم هو الذي مكّن من انتصار الثورة وليس إرادوية لينين، التي لم تكن سوى التعبير عن هذا الميل الجارف لتحقيق التغيير. لكن الأساس هنا هو أن تناقضات المجتمع، التي كانت تتمثل في الصراع مع الإقطاع القيصري والبرجوازية الملحقة به، من قبل العمال والفلاحين، كانت تفرض الحسم، ولقد كانت الجبهات واضحة: الإقطاع والبرجوازية من جهة والعمال والفلاحين من جهة أخرى.
السؤال الأساس هنا هو: لماذا كانت البرجوازية في تواشج مع الإقطاع؟ وبالتالي باتت غير معنية بالتغيير الرأسمالي؟
إن هذا التواشج ـ وبالتالي العزوف عن تحقيق انتصار الرأسمالية ـ هو الذي طرح السؤال حول: من يحقق المهمات الديموقراطية؟ ولأن البقاء في إطار نمط مهلهل، في ظل السلطة القيصرية، بات مستحيلاً، كانت الطبقات المفقرة تعمل على تحقيق التغيير، وكان الحزب البلشفي يلاقي هذا الطموح، ليس من أجل تحقيق الاشتراكية بل من أجل تحقيق مطالب هذه الطبقات في سياق الانتقال إلى الاشتراكية. هنا لم يكن ممكناً القول ان لينين حرف المسار، بل لقد عبّر عن تصاعد الصراع الطبقي، وعن ميل العمال والفلاحين لتحقيق التغيير.
السؤال الأساس هو: لماذا سار الواقع في هذا المسار؟ لماذا كان ضرورياً أن يصبح الحزب الشيوعي هو السلطة التي تأخذ على عاتقها تصفية الإقطاع وبناء الصناعة وتحديث التعليم، وتطوير الاقتصاد إجمالاً، وتحقيق الحداثة على العموم، أي كل ما حققته الرأسمالية خلال قرن ونصف من تطورها؟
سأقول الآن ان كل ذلك قد تحــقق، وإن كانت الاشتراكية قد انهارت بعـد تحققه. وهــو ما لم يتحقق إلا من خلال دور الحزب الشيوعي، حيث لم يتحقق أي تطور رأسمالي في أي من البلـدان التي لم تكن قد أصبحت صناعية بداية الـقرن العـشرين (سوى استثناء النمور لأسباب سياسية، والهند جزئيـاً بالتعاون مع السوفيات). إن فهم مسـار التـطور يفرض أن يدرس وضع العالم على ضوء تحوّل الرأسمالية إلى نمط عالمي، أي إلى رأسمالية في المراكز تهيمن على السوق العالمي. فهذا ما فرض نشوء وضع جديد لم يكن زمن ماركس، وافضى إلى تجاوز العديد من أفكاره، وهو أمر طبيعي في الماركسية التي تنطلق من أن الواقع في صيرورة. وعلى ضوئه غدت البرجوازيات المحلية تميل للتوظيف في قطاعات غير منتجة، مثل التجارة والخدمات والمال، وبالتالي باتت كومبرادور لبرجوازية المراكز. وهو الأمر الذي جعلها غير معنية لا ببناء الصناعة ولا بتحديث المجتمعات، ولا بالقطع مع البنى التقليدية السائدة.
إن الإجابة عن سؤال: من يحقق التطور؟ هو الذي حكم ثورة أكتوبر، ولقد أفضى إلى تحقيق التطور الضروري كي تكون روسيا بلداً حديثاً. ربما لا يكفي ذلك بالنسبة لطموح يهدف إلى تحقيق الاشتراكية الحقة، لكنه خطوة مهمة من أجل الوصول إلى ذلك، حيث ليس من الممكن أن يجري تجاوز الرأسمالية وهي لا تزال تنهب الأطراف، وبالتالي تمتلك كل المرونة من أجل تكييف بنى المراكز والأطراف معاً.
ثورة أكتوبر، بالتالي، فتحت طريق تطور في وضع لم يعد ممكناً فيه التطور الصناعي والحداثي عموماً على ضوء سيطرة الرأسمالية، ونفعيتها التي فرضت أن تبقي بقية العالم في وضع متخلّف. وهو طريق يتجاوز الرأسمالية وإن كان يحقق ما أنجزته، وأيضاً برغم أن انهيار الاشتراكية يبقى ممكناً.

سلامة كيلة - السفير 06/11/2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق