الخميس، 30 يونيو، 2011

رئاسة الجمهورية اللبنانية في ظل الانتداب

عند انسحاب العثمانيين من لبنان عام 1918 لم يكن هناك صحراء سياسية في هذا البلد وقلة معرفة بممارسة السلطة لأن الجيل السياسي الذي نشأ خلال فترة المتصرفية لم يكن بعيدا عن ممارسة النشاط السياسي ولم يكن غريبا عنه حيث انه عند إقرار نظام الانتداب الفرنسي في لبنان كان من المتوقع أن تنتقل السلطة السياسية إلى أشخاص وطنيين نظرا إلى التاريخ السياسي العريق للبنان وللممارسة السياسية الطويلة التي اعتادها المواطن اللبناني في حياته العامة والخاصة.
ولكن الظروف السياسية والأمنية لم تساعد فرنسا واللبنانيين على التوافق على نص قانوني سوى في عام 1926. حيث انه بعد مداولات ومشاورات مضنية اصدر المفوض السامي في 23 أيار 1926 الدستور اللبناني الذي نص على إنشاء الدولة اللبنانية يرئسها رئيس جمهورية منتخب من مجلس النواب. وقد حدد الدستور 1926 في مادته السابعة عشرة انه "تناط السلطة الإجرائية برئيس الجمهورية، وهو يتولاها بمعاونة الوزراء وفاقا لأحكام هذا الدستور". وجاء الفصل الرابع من الباب الثاني من الدستور ليحدد صلاحيات رئيس الجمهورية وطريقة ممارستها كما وردت في المواد 51 حتى 59 منه حيث أنيط برئيس الجمهورية نشر القوانين بعد موافقة المجلس عليها دون إدخال أي تعديل عليها أو إعفاء أي كان من التقيد بأحكامها مع ممارسة حق العفو الخاص (المادة 51)، والمفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها باستثناء المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة (المادة 52)، وبتعيين الوزراء وتسمية رئيس لهم وإقالتهم وتولية الموظفين مناصب الدولة وترؤس الحفلات الرسمية (المادة 53)، وحل مجلس النواب بموجب قرار معلل بموافقة مجلس الوزراء مع تحديد الأسباب التي يحق لرئيس الجمهورية التذرع بها لاتخاذ قرار حل مجلس النواب قبل نهاية ولايته كما وردت في النص الأصلي لدستور 1926 (المادة 55)، ونشر القوانين المصادق عليها خلال مهلة شهر من تاريخ إحالتها إلى الحكومة وخلال مهلة خمسة أيام للقوانين التي يتقرر نشرها من قبل مجلس النواب بسبب العجلة (المادة 56)، مع حق طلب إعادة النظر بها لمرة واحدة حيث إذا عاد وصادق عليها مجلس النواب بالغالبية المطلقة عليه أن ينشرها كما هي (المادة 57)، نشر مشاريع القوانين التي تحال إلى مجلس النواب بصفة المعجل من قبل مجلس الوزراء بعد مضي أربعين يوما من طرحه على مجلس النواب دون البت به (المادة 58)، وصلاحية تأجيل انعقاد مجلس النواب لفترة لا تتجاوز الشهر الواحد ولمرة واحدة في العقد الواحد (المادة 59) – مع الإشارة إلى أن جميع مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها الوزير أو الوزراء المختصون ما عدا تولية الوزراء أو إقالتهم قانونا (المادة 54).
فخلافا إذا لما كان حاصلا في نظام الإمارة حيث أن الأمير كان يتمتع بسلطة يمارسها وفقا للعرف والعادات وفي نظام المتصرفية الذي لم يأتِ على تحديد صلاحيات المتصرف سوى بعبارات شاملة وعامة، جاء دستور 1926 ليستبدل الممارسة السياسية السلطوية للأمير والمتصرف بتقيد رئيس الجمهورية بنظام برلماني علما بأن ظروف الانتداب ووجود مفوض سام فرنسي طالما آثر التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية ولعب أدوارا مزاجية وسلبية انعكست على أداء هذا النظام السياسي كما يتبين من مراجعة المقالات العديدة الصادرة في صحف تلك الأيام وبعض المؤلفات.
يبقى أن ممارسة أحكام هذا الدستور جاء من خلال تبوؤ سدة رئاسة الجمهورية بطريقة الانتخاب أو التعيين من قبل ستة رؤساء يقتضي التوقف سريعا أمام شخصيتهم – وهم مؤسسو الجمهورية – قبل مراجعة بعض من مواقفهم المبدئية في ممارسة تلك الصلاحيات.
1 - يتميز رؤساء الجمهورية ما قبل الاستقلال بأنهم كانوا جميعا من المناضلين الفعليين الذين جازفوا بحياتهم وممتلكاتهم في سبيل لبنان. فشارل دباس (1884 – 1935) خاصم العثمانيين من خلال جماعة الإصلاح والترقي وحكم عليه بالإعدام حيث اضطر للهرب حتى انتهاء الحرب عام 1918. وحبيب باشا السعد (1866 – 1944) لعب أدواراً سياسية مميزة في عهد المتصرفية حيث ترأس مجلس الإدارة قبل مجيء جمال باشا الذي نفاه إلى الأناضول حتى نهاية الحرب. وإميل إده (1884 – 1949) ترك لبنان عام 1914 لمناهضته الحكم العثماني وعلاقاته مع الفرنسيين. والفرد نقاش (1888 – 1978) بقي في فرنسا ليدافع عن استقلال لبنان، وأيوب تابت (1874 – 1947) انتسب إلى الجمعية الإصلاحية في بيروت عام 1913 حيث اضطر عام 1914 للسفر إلى نيويورك تحاشيا لملاحقة العثمانيين له من جراء نشاطه السياسي والصحافي. وبترو طراد (1876 – 1947) انضوى في جمعية الإصلاح قبل الحرب العالمية الأولى مما اضطره نظرا إلى وجود اسمه على اللائحة السوداء للعثمانيين للهرب إلى الإسكندرية طوال الحرب، وقد باع جمال باشا أثاث بيته بالمزاد نظرا إلى حقده عليه.
إن هذا السرد الموجز لنشاط رؤساء الجمهورية في فترة الانتداب قبل توليهم هذا المنصب يؤكد أنهم قد خاطروا جميعا بحياتهم وأملاكهم وعائلاتهم في سبيل لبنان في مرحلة بغاية الدقة حيث أنه لم يكن من المؤكد أن مجابهتهم للسلطة العثمانية – التي احتفلت عام 1916 بمرور أربعمئة سنة على حلولها في الشرق الأدنى – في سبيل لبنان كانت ستؤدي حتما إلى انسحاب تركيا من الشرق ونشأة لبنان الكبير. فالمغامرة كانت بقدر الحلم وبالتالي تميز رؤساء جمهورية هذه الحقبة بثقافة كبيرة وبجدية التصرف وبخلفية لم تخل من العصبية في ممارسة نشاطهم السياسي علما أنهم اضطروا في معظم الأحيان إلى اعتماد مسالك محرجة للتصرف بين التدخلات السافرة والمزاجية للمفوض السامي وأعوانه وضرورات المحافظة على هيبة الحكم وأحكام الدستور ومناقبية التصرف كرؤساء جمهورية.
- 2 لم يتسلم دائما رؤساء الجمهورية في فترة الانتداب زمام الحكم بصورة دستورية. فشارل دباس انتخب في 26 أيار 1926 من قبل المجلس لفترة رئاسية مدتها ثلاث سنوات حيث تقرر تجديد مدة ولايته لثلاث سنوات جديدة في 26 أيار 1929 بعد أن عدل الدستور وحددت الولاية الرئاسية بست سنوات مع حظر الترشح ثانية للرئيس القائم إلا بعد مرور فترة رئاسية كاملة. كما أن إميل إده قد انتخب أيضا لرئاسة الجمهورية من قبل المجلس في 20 كانون الثاني 1936 دون أن يحلف اليمين الدستورية بحجة أن الدستور الذي سبق وعلّق من قبل المفوض السامي كان لا يزال في عقاله. أما باقي رؤساء الجمهورية في هذه الحقبة – أي حبيب باشا السعد، وأيوب تابت والفرد نقاش وبترو طراد – فقد تم تعيينهم بموجب قرارات صادرة عن المفوض السامي مما شكل لهم عقبة أساسية في ممارسة السلطة الإجرائية وطعن في الدستور وصلاحيات مجالس النواب ونكسة معنوية لمركز رئاسة الجمهورية.
وعلينا الإقرار للحقيقة والتاريخ أن ممارسة السلطة الإجرائية بصلاحياتها من قبل هؤلاء الرؤساء لم تكن بغاية السهولة. فالمداخلات المزاجية للمفوض السامي أسفرت خصاما سياسيا بين شارل دباس وأصدقائه، ومات فقيراً مع حلم العودة إلى الحكم وهو على فراش المرض. مارس حبيب باشا السعد السلطة بحكمة ابن الجبل والعائلة السياسية العريقة ولين الطبع نظراً إلى ما عرف من تقلبات الزمان ومزاجية الأشخاص. كما أن إميل إده قد أمضى فترة طويلة من عهده في تحمل عبء سياسة المفوض السامي دومارتيل وفساده المستشري خاصة خلال المفاوضات العائدة للمعاهدة الفرنسية – اللبنانية لحين استقالته مع نشوب الحرب العالمية الثانية. أما الرؤساء نقاش وتابت وطراد فان مجرد تعيينهم رؤساء من قبل المفوض السامي انتقص من هيبتهم وصلاحيتهم ولكن بالرغم من هذا تمكن رؤساء الجمهورية في فترة الانتداب من إضفاء صبغة الجدية والنزاهة على تصرفاتهم. فألفرد نقاش أنقذ بيروت من القصف بإعلانها مدينة مفتوحة وأيوب تابت استقال عندما طلب منه المفوض السامي العودة عن قانون الانتخاب. لذلك، ودون الغوص في تفاصيل أخرى عن مجريات أيام هؤلاء الرؤساء لا بد من الاستخلاص السريع لبعض العبر ذات الدلالة التاريخية والسياسية منها:
- 1 أن موقع رؤساء الجمهورية خلال حقبة الانتداب والصراعات السياسية الداخلية الحزبية والصراع على النفوذ بين فرنسا وبريطانيا كان صعبا ومحرجا.
- 2 تحمل رؤساء الجمهورية في معظم الأحيان عبء تصرفات المفوضين السامين الفرنسيين المزاجية والكيدية الناجمة عن تعاطيهم بالسياسة اللبنانية حتى على أدنى مستوياتها.
- 3 بالرغم من كل ما سبق كان هنالك نوع – وأؤكد على كلمة نوع – من السعي لرفع هيبة الدولة وتعزيزها من خلال أداء رؤساء الجمهورية المنتخبين أو المعينين لمهماتهم الدستورية وفتح مجالات التعاون بين الطوائف اللبنانية في سدة السلطة والمراكز السياسية وتطوير هذه العلاقات.
- 4 اعتماد مسلك محاولة تطوير نواة الدولة والإدارة اللبنانية الموروثة من العثمانيين إلى مؤسسات ذات فاعلية وحضور كما يستفاد من البيانات السياسية والوزارية أمام مجلس النواب وفي المحافل السياسية.
لذلك وبالرغم مما يمكن أن يقال عن الأداء السياسي لهؤلاء الرؤساء وما واكب أيامهم من إشكاليات عامة وخاصة علينا التأكيد أن ممارستهم للسلطة جاءت لتشكل مدخلا للبنان في الحداثة السياسية في خضم لعبة الدول الكبرى في الشرق الأدنى في تلك الأيام وعشية اندلاع الحرب العالمية الثانية التي تحمّل لبنان قسما من أوزارها والتي أدت إلى تغيير خريطة الشرق الأدنى مع نشأة دولة إسرائيل ومع انفجار الصراعات التي لا يزال يعاني منها مجتمعنا السياسي، وقد عانى من انعكاساتها السلبية رؤساء جمهورية ما بعد الاستقلال حتى الآن.

(•) حذف من النص الجزء المتعلق بما قبل الانتداب الفرنسي على لبنان.

هيام جورج ملاط (محام وأستاذ جامعي – رئيس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمحفوظات الوطنية سابقا) - النهار 2-2-2009

0 تعليقات::

إرسال تعليق