الجمعة، 10 يونيو، 2011

السليمانية: الازدهار حليف مَن وضع ماضيه الأليم خلف ظهره ومضى

"النهار" في السليمانية: الازدهار حليف مَن وضع ماضيه الأليم خلف ظهره ومضى


السليمانية
ما إن يعبر المسافر العربي الآتي من محافظات وسط العراق وجنوبه بضع أمتار من محافظة كركوك الغنية بالنفط نحو محافظة السليمانية المحاذية لها، حتى يدرك الفارق بين الحالين، وإن شئت، الفارق الصارخ بين عالمين مختلفين. الأول تمثله كركوك وأخواتها من مدن الوسط والجنوب، والثاني تجسده التضاريس الجبلية المكوّنة لمحافظات إقليم كردستان الثلاث السليمانية، أربيل ودهوك).
في عالم المحافظات التي يتحدر سكانها من أصول عربية، ومستعربة، يبدو التقاطع حاداً وصارخاً بين ما يتطلبه فن العيش والحياة من جهة، وواقع الحال من جهة أخرى.

ويتراءى لعين السائح العربي أن الانسجام قاعدة راسخة، وأن الأمن والنظافة والهدوء ثالوث مقدس عند سكان مدن الجبال، ولا يسعه حين يصعق بدهشة المشاهدة الأولى سوى التساؤل: ترى هل لارتفاع الأرض أو انخفاضها دخل في انسجام المدن وجمالها؟
ربما يكون مضطراً إلى الإجابة بنعم، لكن لسان حال تجربة مدينة السليمانية خصوصا والإقليم عموما يؤكد أن إرادة الحياة والأمن والازدهار حليف كل من وضع ماضيه الأليم خلف ظهره ومضى يتلمس خطواته بثقة في عالم مضطرب.
كان الماضي أليماً ومفجعا للأكراد، اضطروا خلاله إلى خوض عشرات وربما مئات المعارك الطاحنة مع حكومات المركز المتعاقبة تارة، وتارة أخرى بين بعضهم البعض، واليوم صار كل ذلك في ذمة التاريخ.
السلام مشهد حاضر بقوة في مدن الإقليم، فهو يشي بالأمل ويؤكد أن النزاعات القديمة باتت خلف الظهور، إذ تطهرت النفوس وانعتقت من أعباء الماضي الأليم، في وقت لا يزال القطاع العربي العراقي يتلمس طريقه بصعوبة بالغة، والضغائن تنوء بأعبائها. فلا المدن مدن ولا الشوارع شوارع ولا النفوس نفوس. الخراب العربي علامة فارقة

هاجس المقارنة

السليمانية
هاجس المقارنة بين مدن الإقليم وبقية مدن العراق لا يقاوم بالنسبة إلى الآتي إلى إقليم الأكراد، ولا يسع العابر سوى التأمل ملياً بتلك التجربة المختلفة والمدهشة في بلاده.
وفوق المقارنة، تأتي الحسرة، وبعدها يكون الأسف والحزن الشديد للفارق الهائل بين تجربتين تنتميان إلى بلاد واحدة! إلا أنه في النهاية لا بد من الإشادة بالتجربة الكردية والتمني لهذا الإقليم الذي تألم ونزف الكثير من دماء أبنائه سابقا، أن يستمر في حركة البناء والنمو والازدهار، ففي الحسابات الأخيرة لتجربة محافظة السليمانية وبقية مدن الإقليم أنها ستنعكس إيجابا على أوضاع البلاد.
هدوء طاغ، والصخب آخر ما تتوقعه في السليمانية، والسياسة ليس شغل الأهالي الشاغل، وكأنهم ملوا ذلك تماما ويريدون الانصراف إلى مشاريعهم وأهدافهم.
في السياسة، يسيطر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة رئيس الجمهورية جلال طالباني على هذه المحافظة، علماً أنه في الانتخابات الأخيرة ظهر على خط المنافسة حزب التغيير "كوران" بقيادة نشروان مصطفى.
ويبدو أن أكثر من خمسين عاما من النضال الكردي كافية، وقد آن الأوان لفسحة من العمل والهدوء. من يدري؟ لعل أحد أسباب هدوء أهالي السليمانية ابتعادهم شبه التام عما تعرضه القنوات الفضائية العربية لأن معظمهم يتابع قنوات محلية ناطقة الكردية.
وللغة الكردية قصة طريفة، فمعلوم أن علاقة الأكراد انقطعت بحكومة المركز في بغداد منذ عام 1992 حين فرضت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ما عرف بمنطقة حظر الطيران والمنطقة الآمنة للحيلولة دون هجوم قوات الرئيس الراحل صدام حسين على الأكراد، ونتيجة لذلك انقطعت علاقتهم تقريبا بعرب العراق، ولم تعد المياه إلى مجاريها إلا بعد عام 2003. غير أن تلك القطيعة لم تمر من دون كلفة، على الأقل بالنسبة إلى العرب، عندما نشأت أجيال من الأكراد غير قادرة على التحدث بالعربية.

ود وأريحية

لدى وصولنا إلى أول الحواجز الأمنية في السليمانية، بادرني أحد الأصدقاء: "هل نحن في العراق حقا؟ أشك في ذلك! فأين وجوه جنودنا المكفهرة من وجوه هؤلاء الجنود المسترخية الهادئة؟ ثم أين أجهزة التفتيش (البطّالة) الشائعة في مناطقنا؟".
وخلافا للشائع في بغداد وبقية المحافظات العربية عن قصة التعقيد الحاصل عند نقاط التفتيش الكردية، والتي تذهب إلى أنها تعامل المواطنين العرب بنوع من الجفاء والخشونة، لم أجد ورفاقي ما يعزز تلك الأقاويل، ولم نعامل من الجنود إلا بود وأريحية كبيرة.
عند المدخل الرئيسي للمدينة، حاجز أمني يدقق في الهويات الثبوتية للوافدين، وبمجرد اطلاع الموظف العسكري المسؤول على تلك الأوراق، يبادر إلى الترحيب وتدوين أسماء الأشخاص الموجودين داخل السيارة في ورقة تستعمل كتأشيرة دخول روتينية، ولا تستغرق تلك العملية أكثر من 10 دقائق.
ليست ابتسامات الجنود وعدم وجود أجهزة التفتيش ما يشكل صدمة للوافد العربي، بل تتمحور صدمته الحقيقية حول خلو المدن والشوارع والأبنية الحكومية من مشهد الحواجز والكتل الإسمنتية البشع الذي لا يخلو منه شارع أو مقر حكومي أو بيت مسؤول في مدن العراق.

خاتم سليمان

السليمانية 
تقع السليمانية في شمال شرق العراق على مسافة نحو 330 كيلومتراً من بغداد، يحدها من الشرق الحدود الإيرانية، ومن الجنوب محافظة ديالى، ومن الغرب محافظة كركوك الغنية بالنفط، ومن الشمال الحدود الإيرانية ومحافظة أربيل.

يفيد بعض المصادر التاريخية أنها تأسست على يد الأمير إبراهيم باشا بابان عام 1784 الذي سمى المدينة نسبة إلى اسم والده سليمان باشا أحد أمراء سلالة بابان التي كانت لها إمارة خلال تلك الفترة في منطقة السليمانية. وعن أصل تسميتها يقال أيضا إنه تم العثور أثناء الحفر لبناء المدينة على خاتم نُقش عليه اسم سليمان النبي.

تضم السليمانية أقضية عدة، أهمها قضاء بينجوين، وتعتبر منفذا إلى إيران، وقضاء جمجمال، وغيرها.
اشتهرت السليمانية بالمسجد الكبير الذي يقع في مركزها، وفيه ضريح الشيخ محمود الحفيد مؤسس دولة مهاباد الكردية عام 1943 في إيران.وللعلم والتعليم في السليمانية نصيب، إذ افتتحت فيها الجامعة الأميركية عام 2007 .

السياحة

شلال أحمد أوه
تشير الإحصاءات الرسمية لحكومة الإقليم إلى أن نحو 38 ألف سائح زاروا مدن الإقليم في عطلة عيد الأضحى، وهو عدد قليل مقارنة بالوافدين أيام الصيف .
ترتبط السياحة بطبيعة الحال بمستوى الأمن والخدمات، فضلا عن وجود أماكن عدة للترفيه، ولا يمكن عين السائح أن تخطئ وجود هذه العوامل مجتمعة في السليمانية. ولوهلة ينسى الوافد العربي، والوافد من بغداد خصوصا، شعوره الدائم بالهلع من انفجار عبوة أو سيارة مفخخة بالقرب منه. الأمر نفسه ينطبق على مستوى الخدمات، فالشوارع نظيفة ولا وجود يذكر لأكوام النفايات عند كل زاوية، وكذلك الحال بالنسبة إلى التيار الكهربائي المستقر تماما، ولا وجود للأسلاك الممدودة من المولدات الخاصة والتي تشوه منظر المدينة في معظم المحافظات العربية.

شلال أحمد أوه
ويسترعي الانتباه في السليمانية أيضا حركة البناء والعمران المتصاعدة، والاستثمار الأجنبي والمحلي القائم على قدم وساق.
قد تترك السليمانية انطباعا لدى الآتي من بغداد تحديداً أنها مدينة تقليدية ومحافظة في العمق، ومن مظاهر ذلك انحسار حركة النساء عموما، وحمل عدد لا يستهان به من الشباب "مسبحة" في يده. ومع ذلك تشعر بان تقليديتها لا تعني بالضرورة مصادرة حقك في الانطلاق والتمتع، إذ يحل التسامح والتعايش مع متطلبات الحياة العصرية محل التعصب والتشدد بكل لطف ووداعة.
ويقال إن انكفاء الحركة الليلية يعود إلى سنوات الخوف في ظل حكم البعث، إذ كانت حركة المدينة تقل حينذاك بمجرد حلول الظلام تحسبا من أي اشتباك بين قوات الحكومة ومقاتلي الجبال (البيشمركة)، أو الخشية من مخاطر التعرض للاعتقال لأي سبب كان.
ومع ذلك، يمكن مريدي السهر إيجاد الكثير من الملاهي ومحال المشروبات الروحية، واللافت أن معظم تلك الأماكن يديرها مستثمرون عرب عراقيون أو آسيويون خصوصا من الصين.
إلى جانب الحدائق والساحات العامة كساحة "آزادي"، يوجد في السليمانية لمريدي التبضع نحو عشرة أسواق كبيرة وسلسلة من الجبال والوديان المحيطة بجبل أزمر ذات الارتفاع الشاهق والوديان الخلابة، ويستطيع السائح الوصول إليها بكل يسر، وحين يصل إلى قمة الجبل يراوده شعور بوقوفه على أعلى قمة في كوكب الأرض.

شلال أحمد أوه
سد دوكان
كما يوجد شلال أحمد أوه الذي لم يسعفنا الحظ بالوصول إليه، فقصدنا منطقة سد دوكان التي تعتبر من أجمل المناطق السياحية في السليمانية، و يقع السد على مسافة 60 كيلومتراً شمال غرب المدينة، على نهر الزاب الأسفل، وهو سد خرساني مقوس نصف قطره 120 متراً وارتفاعه 360 مترا.
وعلى طول النهر الذي يلي السد تمتد القرى السياحية والشاليهات التي تغري السياح الآتين من مختلف مدن العراق.

السليمانية - من فاضل النشمي - النهار 28 نوفمبر 2010

عراق شكلي - عراق فعلي: انطباعات كردية بمشاعر عربية

أربيل كردستان العراق
منذ سنوات، زرت مدينتي أربيل والسليمانية لأول مرة، لم أر شيئاً من أربيل، فقد دخلتها ليلاً وغادرتها في الصباح الباكر، أما السليمانية، فيومان لم يكفيا لمعرفة تفاصيلها.
ومنذ أيام، أتيحت لي زيارة أخرى بدأتها بمدينة الرئيس (الأول هنا) وأنهيتها بعاصمة الرئيس (الأول هناك).

أربيل كردستان العراق
الخريطة الرسمية للعراق، تمتد من أقصى جنوب البصرة، إلى أقصى منطقة في زاخو، ذلك يعني أن مظاهر تلك (الرسمية) ينبغي أن تلاحظ في كل أنحاء تلك البقعة الجغرافية ذات السيادة، ومن أهمها رفع العلم العراقي على الدوائر والمؤسسات الحكومية.

أربيل كردستان العراق
لكن المشهد يشير إلى اختفاء مظاهر السيادة العراقية بعد مغادرة كركوك ببضعة أميال نحو السليمانية، لا شيء يوحي بأنك في العراق، يافطات الاستدلال على مفارق الطرق كتبت باللغتين الكردية والانكليزية، لا وجود للعربية ولا للعلم العراقي، ابتداء من السليمانية مدينة رئيس البلاد (الكلي) رمز سيادتها وحافظ دستورها، وليس انتهاء بأية قرية أو ناحية هناك.

أربيل كردستان العراق
اللغة الكردية هي اللغة الرسمية الثانية في العراق ومن الطبيعي أن تكون لها الأولوية في مدن إقليم كردستان، لكن ما يثير الانتباه ذلك الإبعاد الشامل للعربية الذي لا يتفق وتحقيق المنفعة بمعنييها العام والفردي، ما يؤدي إلى التساؤل في ما إذا كان ذلك موقفاً رسمياً أو ردود فعل شعبية أو مزيجا من الاثنين معاً؟

أربيل كردستان العراق
الفارق في إجراءات الدخول إلى كلّ من المدينتين ظاهر بجلاء، فهي أيسر في السليمانية منها في أربيل، في الأولى تنتهي معاملتك في غرفة واحدة، لا يسألك أحد عن مدة بقائك، ولا تؤخذ صورتك أو يفتش بين ملابسك عن شيء متوقع اكتشافه، يكتفون بأخذ صورة لصاحب السيارة من دون مرافقيه.

أربيل كردستان العراق
الدخول إلى أربيل يحمل تعقيداً لا تجد مثيله بين الكثير من الدول المتجاورة التي أخذت بمبدأ تسهيل المرور والاكتفاء من الإجراءات بأكثرها ضرورة. أما هنا، فعليك القيام بـ (ماراثون) يقطع الأنفاس، يبدأ من انحراف المركبات إلى ساحة جانبية تحوي سلسلة من القاعات الفرعية، ثم المرور بأربع منها، في الأولى يصورونك ويسألونك، وفي الثانية يكررون سؤالك، وفي الثالثة يدققون، وفي الرابعة يوافقون بعد أن يحددوا مدة إقامتك. ويزودونك بورقة الزيارة (الفيزا) ثم تذهب إلى السيطرة القريبة لتنزل من مقعدك ويعاد تفتيشك (من كتفيك حتى قدميك)، أما صاحب المركبة، فيحتفظون بهويته الشخصية إلى حين عودته، لا بأس بذلك ما دام الثمن أمانا وطمأنينة، وإن لم نستطع الوقوف على عقوبة المخالفين – أي الذين يضطرون إلى التأخر عن مدة الإقامة المحددة، هل يسجنون أم يلاحقون أم يكتفي بترحيلهم خارج المدينة؟

أربيل كردستان العراق

أربيل كردستان العراق
لا يعاب على الشعب الكردي إن كان ينظر إلى العربية وحامليها بنوع من القلق والخشية، فقد كانت تأتي على شكل عسكري يحمل أداة قتل، أو مخبر سرّي لا يؤتمن جانبه، أو أوامر صارمة لا تجوز مخالفتها. إنها باختصار تحمل ضرراً وتهديداً دائمين، ذلك ما عاشه الإنسان الكردي طوال عقود من الحكم الديكتاتوري (العربي) وتوارثته أجيال الكرد، إنه لم ير من العربية سوى وجهها المتجهم، وبالتالي فلا غرابة أن يواجهها بتجهم مماثل.

أربيل كردستان العراق
لكن تغيّر الأزمنة، أنتج بدوره تغيراً جوهرياً، لم تعد (العربية) مخلوقاً معادياً يحمل للكرد تهديداً أو ضغينة، إنها اليوم لغة شاعر جاء يزور ذلك الشعب ليراه بصورة قصيدة طال انتظار كتاباتها، أو كاتب يبحث عن حقيقة اختفت طويلاً تحت سحب الدخان وأنين الضحايا، أو زائر يبحث عن لحظات هدوء يفتقدها في مدنه المضطربة، أو تاجر يريد تبادل منفعة تجعل الحياة أكثر سلاسة – ذلك لا يشمل تجّار الموت من الإرهابيين وأنصارهم - تلك هي العربية وحاملوها، فبماذا يقابلها المواطن الكردي؟ (1)

أربيل كردستان العراق
أربيل كردستان العراق
آلاف من الزوار يدخلون الإقليم يومياً قادمين من بقية مدن العراق، تعامل السكان الكرد معهم يبدو ودوداً – بل وفيه الكثير من الانسيابية – تسأل أيما عابر سبيل، فيحاول إجابتك ومساعدتك بما تسعفه به لغته العربية، وهي مقبولة عموماً عند من هم في الثلاثينات من العمر، وجيدة عند من تجاوز سنّ الأربعين وما بعدها، لكنها تكاد تنعدم بصورة شبه تامة بين الشباب في العشرينات، ذلك أمر متوقع في ظلّ الظروف التي مروا بها حيث عاشت مدن كردستان عزلة قسرية بعد تسعينات القرن الماضي وبالتالي انقطاع التواصل أو الاتصال مع بقية العراق.

أربيل كردستان العراق
أربيل كردستان العراق
جيل الشباب في كردستان ليس مختلفاً عن غيره، قد لا تعنيه السياسة كثيراً، لكنه ليس بعيداً عن أجوائها، اهتماماته لا تختلف عن مثيلاتها في الدول الأخرى، إنه يحرص على التحدث بالكردية، لكن لا يبدو عليه توتر أو نفور من (العربية) يعلن عما يستطيعه في كلمات قليلة وبنوع من الحرج، ثم يرفع يديه عجزاً أو يستعين بغيره.

أربيل كردستان العراق
الكثير من الشباب العرب في الخليج ومصر ولبنان وتونس والجزائر، يستخدمون لغة أخرى في أحاديثهم اليومية، وفي بعض مناطق لبنان ومصر وغيرها، تغيب (العربية) عن يافطات المحال التجارية لتحلّ محلها الإنكليزية أو الفرنسية، كذلك الحديث اليومي الذي أن كان بالعربية، فهو يغصّ بالكثير من كلمات تينك اللغتين فلا تكاد تتعرف على (العربية) فيه. ذلك يحصل في مدن عربية سكانها عرب ينتمون إلى دول تتخذ من (العربية) لغة رسمية، فما بالك بمدن لها لغتها القومية الخاصّة المعترف بها رسمياً؟

أربيل كردستان العراق
لا شك في أن رفع اليافطات باللغة الكردية وتغييب (العربية) يدفع الزائر من مدن العراق الأخرى إلى تعلّم بعض الكردية، وهو أمر طالما اتخذه الكرد مبعثاً لنوع من الشكوى الممزوجة بالعتب في أن نسبة عالية من الشعب الكردي تجيد العربية أو يستطيع التفاهم بواسطتها، كذلك هناك العشرات من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، التي تصدر عن مؤسسات كردية باللغة العربية، فيما لا يوجد مثلاً مقابل عن أية وسيلة إعلام تصدر بالكردية من قبل أحزاب أو مؤسسات عراقية، كما لا حضور للكردية في أي مكان آخر في العراق ولا اهتمام بتعلمها، فهل من ضير إذا تم فعل ذلك في مدن كردستان وإن بحدّ أدنى؟

أربيل كردستان العراق
أربيل مدينة عصرية بطابع شرقي، شوارعها واسعة نظيفة، لا تعاني من اختناقات مرورية، ولا مظاهر عسكرية لافتة، إنها تعيش متصالحة مع نفسها بدرجة أساس، لكن استعدادها للتصالح مع غيرها يبدو جلياً، الناس فيها تعيش رائقة المزاج بل متفائلة، تغيب عنها الأصوات الضاجّة وأبواق السيارات، نستعيد بإعجاب قصة ذلك السائق السويدي الذي التزم بإشارة السير رغم خلو الشارع في ساعة متأخرة من الليل. في أربيل، ذلك يحدث كتصرف طبيعي من قبل السائقين التزاماً وسلوكاً - بمن فيهم الزائرون.
أربيل كردستان العراق
لا تجد عناء في ملاحظة أن أربيل محافظة باعتدال، ارتداء الحجاب منتشر بين النساء، لكن من دون تزمت، فيما السليمانية منفتحة برصانة، لا يشكو مواطنو المدينتين سوى من غلاء المعيشة وقلة المورد، بل لا يتوانى بعضهم عن توجيه انتقادات لاذعة إلى حكومة الإقليم ويتهمونها بالفساد والمحسوبية، لكن وفرة الخدمات والتطور فيها يجعل من تذمرهم أقل حدّة. المعامل النشطة تمتص الكثير من البطالة، ومنها معمل الحديد والصلب في أربيل الذي يأخذ أكوام (الخردة) من بقية المدن، ليحولها مواد معدنية عالية الجودة.

أربيل كردستان العراق
تحرص أربيل على الإيفاء بما التزمت به دستورياً، الدوائر الفيديرالية تحمل العلمين (العراقي والكردي) ويافطات الشوارع باللغتين (الكردية / العربية)، كما تجد أحياء مزدهرة، تخطّ اللافتات باللغة العربية، إنها باختصار مدينة تعيش حاضرها وتخطط لمستقبلها، مدينة قد يحمل أناسها ذاكرة مريرة عن أزمنة مضت، لكنهم ليسوا متشنجين ولا غارقين في السواد، لقد وضعوا المأساة خلف ظهورهم ولم تعد بالنسبة لهم سوى ماض لن يعود إلى الظهور، لا بصورة متشدد يخرج من تحت الرمل، ولا تعصب يتسلل من بين الصخور. إنه عراق فعلي يبنى هناك، فيما عراق شكلي ما زال يبحث هنا عن ملامحه المفقودة، ذلك هو الفارق.

أربيل كردستان العراق
(1) يرغب الكرد في كتابة الكلمة هكذا (كوردي) المقتبسة من السومرية (كور) وتعني الجبل، حيث الكلمة منسّبة (كوردي) أي الجبلي كما أطلقها السومريون على سكان تلك المناطق منذ عصور ما قبل الميلاد، ما يعني لهم تأكيداً لجذور راسخة وقدم وجود.

علي السعدي - بغداد - النهار 30 نوفمبر 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق