الاثنين، 6 يونيو، 2011

نظريات نشوء اللغة – عرض ونقد

نظريات نشوء اللغة – عرض ونقد

تقديم:

ما هي حقيقة العلاقة بين الألفاظ ومعانيها ؟ هل تحمل حروف الدالّ (الاسم) قيمةً تعبيريّةً كافية للدلالة على المدلول (المُسمّى)، أم أن الدالّ مجرّد رمزٍ مهمّته الإشارة إلى المدلول؟

أسئلة كثيرة يمكن أن تُطرح في هذا المقام؛ فهذه القضيّة شغلت الذهن البشري منذ عهود طويلة، ودائماً كانت تجد من يحاول الإجابة عليها مُنطلِقاً من مرجعيات فكرية متعددة؛ دينية حيناً وفلسفيّة حيناً آخر.

وعلى الرغم من تعدّد الإجابات فإنها – وفي العصور جميعاً – كانت تتمحور حول نظريات ثلاث، لم يطرأ عليها أي تغيير يُذكر، بل إن التغيير الوحيد كان في أصحاب هذه النظريات وطرق البرهنة عليها.

وفي هذا البحث سنحاول التعريف بهذه النظريات والمآخذ التي أُخِذت عليها، خالصين من ذلك كلّه إلى رأي توفيقيّ نراه الأكثر منطقيّة وعقلانيّة.

نظريات نشوء اللغة:

1- نظرية التوقيف:

يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة هبة من الله تعالى، ولا شأن للإنسان بوضعها، وأوّل من قال بهذه النظرية كان الفيلسوف اليوناني هيرقليطس الذي رأى أن (الأسماء تدل على مُسمّياتها بالطبيعة لا بالتواطؤ والاصطلاح، وأن هذه الأسماء قد أعُطيت من لدن قوّة إلهيّة لتكون أسماء لمسمَّياتها)[1].

واستمرّت هذه النظرية في العصور الوسطى، ولاقت قبولاً عند رجال الدين المسيحي، ولم تعد براهين هذه النظرية تعتمد على الأدلّة العقليّة والفلسفيّة فحسب؛ بل أضحت تستمدّ شرعيتها من الكتب السماويّة (الإنجيل والتوراة)، من ذلك الجملة التي وردت في صدر إنجيل يوحنّا: (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله)[2].

واستمرّت هذه النظريّة بعد ظهور الإسلام، بل ازدادت قوّة بفضل آية قرآنيّة رأى معظم المفسرين أنها دليل على توقيفيّة اللغة، وهي قوله تعالى: (وعلّم آدم الأسماء كلّها)[3]، وتابع عدد من علماء العربية المفسرين فيما ذهبوا إليه من القول بتوقيفيّة اللغة، منطلقين في ذلك من الآية القرآنيّة ذاتها، وأهمهم : ابن دريد في كتابه الاشتقاق، وابن فارس في كتابيه: الصاحبي في فقه اللغة، ومعجم مقاييس اللغة.

أمّا في العصر الحديث فقد انحسرت هذه النظرية نوعاً ما، إلاّ أنها لم تندثر نهائياً، ففي القرن الثامن عشر نادى بها المفكر الفرنسي دي بونالد، الذي رأى أن ( اللغة ليست تواطئيّة من خلق الإرادة البشرية فالناس لم يتفقوا فيما بينهم على أن يكون ثمّة لغة فكان هناك لغة... فالإنسان لا يقدر على خلق شيء ما لم يكن لديه فكرة صريحة عنه، ولكي يحصل على هذه الفكرة الصريحة ينبغي له أن يعبّر عنها، إذن اللغة واجب وجود لمنشأ اللغة ذاتها، مما يفيد أن اللغة ليست من عمل القوى البشرية، إنها من لدن الله )[4].

والحق أن ما ذهب إليه دي بونالد بقوله: (إن اللغة واجب وجود لمنشأ اللغة ذاتها) ليس فتحاً جديداً، فقد سبقه إليه السيوطي بقوله في كتابه المزهر: (لو كانت اللغات اصطلاحيّة لاحتيج في التخاطب بوضعها إلى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة يعود إليه الكلام)[5].

وبعد هذا العرض السريع لتاريخ هذه النظرية؛ يجدر بنا الوقوف عند قوله تعالى: (وعلّم آدم الأسماء كلّها).

ذكرنا أن معظم المفسرين ذهب إلى أن اللغة توقيفيّة، ودليل توقيفيتها هو هذه الآية ، وأخذ كلٌّ منهم يفسرها بالشكل الذي يجعل من توقيفيّة اللغة أمراً لا محيد عنه، وتعدّدت الآراء وتشعبت في ماهيّة هذه (الأسماء).

فابن جني يرى أن (الله سبحانه علّم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات العربية والفارسيّة والسريانيّة والعبرانيّة والروميّة وغير ذلك من سائر اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها، ثمّ إن ولده تفرقوا في الدنيا وعلق كلٌّ منهم بلغة من تلك اللغات، فغلبت عليه واضمحلّ عنها ما سواها لبعد عهدهم بها)[6].

وذهب بعض المفسرين إلى أنّه علمه أسماء ذريته، وبعضهم الآخر إلى أنّه علمه أسماء النجوم، وبعضهم إلى أنه علمه أسماء الملائكة، وبعضهم إلى أنه علمه أسماءه الحسنى.

بل إن بعضهم نسب إلى رسول الله (ص) حديثاً بادي الوضع، ونصه: (عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أي كتاب أنزل على آدم عليه السلام؟ قال:كتاب المعجم، قلت أي كتاب المعجم؟ قال: أ – ب – ت – ث – ج، قلت يا رسول الله كم حرفاً؟ قال تسعة وعشرون حرفاً)[7].

والحق أن الاختلاق ظاهر في هذا الحديث، ولأسباب عدة منها:

1- عدم عثورنا على هذا الحديث في معظم كتب السنّة .

2- لم تكن الحروف في عهد الرسول (ص) معروفة بهذا الترتيب وبهذا العدد، فأوّل من رتّب الحروف بهذا الشكل كان نصر بن عاصم الليثي (ت: 90هـ ).

أمّا قوله تعالى: ( وعلّم آدم الأسماء كلّها ) والذي ذهب فيه المفسرون مذاهب شتّى، فإننا نرى فيه أن الله لم يعطِ آدم الأسماء بل أعطاه القدرة على وضعها، أي ما يمكن لنا أن نسميه بالفضول البشري المعرفي[8]، ويؤيّد هذا المذهب أشياء عدّة منها:

1- ورد في موضع آخر من القرآن الكريم قوله تعالى: (إن هي إلاّ أسماء سميتموها)[9]، حيث نُسِب وضع الأسماء إلى البشر لا إلى الله.

2- جاء في سفر التكوين الأصحاح الثاني ما يدعم هذا الرأي؛ أي القول بأن آدم هو من وضع الأسماء، ولكن الله وضع فيه القدرة على وضعها، ونصه: (وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حيّة فهو اسمها)[10].

3- يمنعنا من القول بتوقيفيّة اللغة أشياء عدّة منها:

آ- لا يصحّ إذا كانت اللغة من عند الله تعالى وجود التضاد في اللغة (كالجون الذي يدلّ على الأبيض والأسود) لأن هذا التضاد تناقض يتنافى والحكمة الإلهيّة، كما أنها لو كانت من عند الله (لما كان للشيء الواحد أسماء متعددة وللاسم الواحد معان كثيرة)[11].

ب- لو كانت اللغة من عند الله لما كانت – كما يقول دوسوسير – (عاجزة جذرياً عن الدفاع عن نفسها ضد العوامل التي تنقل من لحظة إلى أخرى العلاقة بين الدال والمدلول، وهذه إحدى نتائج اعتباطيّة العلامة)[12].

ج- لو أن آدم عليه السلام أُعطي كل الأسماء والكلمات – كما يرى بعض اللغويين – لأعطي كلمات لم يُعرف معناها في ذلك العصر، كالحاسوب والطائرة وغيرها، ولكن لم تصلنا في الأخبار المنقولة كلمات كهذه.

د- أيّة حكمة في تعلّم آدم عليه السلام اللغات التي ذكرها ابن جنيّ، إن وظيفة اللغة الأساسية هي التواصل، ولغة واحدة كفيلة بتحقيق هذا التواصل.

والخلاصة: إننا لا نرفض هذه النظرية جملة وتفصيلاً، بل نرى أن التوقيفيّة – إذا كانت موجودة – فهي مقصورة على القدرة الكامنة التي وضعها الله في الإنسان، والتي سمحت له بوضع الأسماء.

2- نظرية المحاكاة:

ملخص هذه النظرية أن اللغة نشأت عن محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة المحيطة به، وأقدم الأقوال التي وصلتنا حول هذه النظرية كانت للفراهيدي وتلميذه سيبويه، فقد نقل لنا ابن جني في الخصائص ما نصّه: (قال الخليل كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدّاً، فقالوا: صرّ، وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً، فقالوا: صرصر، وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على فَعَلان: إنها تأتي للاضطراب والحركة نحو: النقزان والغليان، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال)[13]، وقَبِل ابن جني بهذا الرأي ورجحه بقوله: (وذهب بعضهم إلى أنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوِيّ الريح وحنينِ الرعد وخرِير الماء وشحِيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزِيبِ الظبي ونحو ذلك ثم ولدتِ اللغات عن ذلك فيما بعد وهذا عندي وجه صالح ومذهب مُتقبَّل)[14].

وتابعت هذه النظرية ظهورها في العصور الحديثة، فتبنّى العالم (وتني) ما ذهب إليه ابن جنّي بحرفيته تقريباً، إذ رأى (أن اللغة نشأت عن طريق محاكاة الإنسان للأصوات الطبيعية التي كان يسمعها حوله)[15]، وبالغ بعضهم في قيمة هذه النظرية كعبد الله العلايلي (الذي يزعم أن كلّ حرف من حروف الأبجدية العربية يدلّ على معنى خاصّ، وأنّه إذا عرفت معاني الحروف أمكن معرفة معنى الكلمة العربية ولو لم تكن معروفة من قبل، ثمّ يمضي فيجعل لهذه الحروف معاني فلسفيّة لا نظنّ أنها خطرت يوماً على قلب الإنسان العربي القديم)[16].

والحقّ أن هذه النظرية فيها من المبالغة ما يجاوز حدّ المعقول، فلو كانت اللغة بكاملها محاكاة للطبيعة لما تعدّدت لغات العالم،ولَكان للعالم لغةٌ واحدة لا غير.

إلاّ أن هذه النظرية تحمل شيئاً من الصواب، فبعض الألفاظ تُعتبر صدىً لأصوات الطبيعة كالحفيف والخرير والزفير والصهيل والعواء، كما أن بعض الألفاظ قد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالدلالات في بعض الحالات النفسيّة، كالكلمات التي تعبّر عن الغضب أو النفور أو الكره، كما أنّه غدا معروفاً في العربية أن زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، وهذا ما أشار إليه سيبويه والخليل آنفاً[17].

والخلاصة: إننا لا نستطيع أن نردّ كلّ ألفاظ اللغة إلى محاكاة الطبيعة، كما أننا لا نستطيع أن نهمل هذه النظرية إهمالاً تامّاً، فهناك قسط لا بأس به من ألفاظ العربية يمتّ بصلة وثيقة إلى أصوات الطبيعة.

3- نظرية الاصطلاح :

يرى أصحاب هذه النظرية أن اللغة اصطلاح وتواضع يتمّ بين أفراد المجتمع، ومن ثمّ ليس لألفاظ اللغة أيّة علاقة بمسمياتها.

وأوّل من قال بهذه النظرية كان الفيلسوف اليوناني ديمقريطس الذي (اعتبر مَنشَأ اللغة عملية تواطئيّة؛ لأن الاسم الواحد ذاته كثيراً ما يقبل عدّة مسميات، ولأنّ الشيء الواحد كثيراً ما يقبل عدّة أسماء أو قد يتبدّل اسمه ولا يتبدّل هو، وتوسعاً بهذا المبدأ انتهى ديمقريطس إلى القول بأن الأسماء تُعطى للأشياء من لدن الإنسان لا من لدن قوّة إلهيّة)[18].

وعلى الرغم من سيطرة النظرة الدينية التوقيفيّة في المجتمع الإسلامي؛ فإن ذلك لم يمنع بعض اللغويين العرب من القول بالاصطلاح، وهذا ما يبدو جلياً من خلال قول ابن جنّي في الخصائص: (أكثـر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف)[19].

وتابعت هذه النظرية في العصور الحديثة استمراريتها، حيث لاقت قبولاً عند الأب الروحي للدراسات اللغوية الحديثة فردينان دوسوسير، فهو يقرّر منذ البداية أن (الرابط الجامع بين الدال والمدلول هو اعتباطي )[20]، ويبرّر ذلك بقوله: (وحجتنا في ذلك إنما هي الاختلافات القائمة بين اللغات ووجود اللغات المختلفة)[21]، ولكن دوسوسير ما لبث أن أقرّ بوجود شيء من العلاقة بين الدال والمدلول، إذ يرى أن ( هناك بعضاً من ملامح الرابط الطبيعي بين الدال والمدلول)[22]، ثمّ يرى أن الفرد ليس لديه (القدرة على تغيير أي شيء في علامة ما، وذلك عند ثبوتها وتمكنها في مجموعة لغوية)[23].

وعلى الرغم من منطقيّة ما تطرحه هذه النظريّة فإنها تعرّضت لاعتراضات عدّة، منها الاعتراض القائل بحاجتنا إلى لغة تكون وسيلة التخاطب حتّى نتمكّن من وضع لغة، وهذه الفكرة هي التي أشار إليها كلٌّ من السيوطي ودي بونالد في العبارات التي اقتبسناها عنهما عند الحديث عن النظرية التوقيفية، كما أشار إلى الفكرة ذاتها العالم الألماني ماكس مولر الذي رأى أن (اللغة الإنسانيّة الأولى لم تكن نتيجة تواضع واتفاق خلافاً لما ذهب إليه أصحاب النظرية التواطئيّة، إذ لو كان الأمر كذلك – وهو ما تأباه طبيعة النظم الاجتماعيّة – لوجب أن يكون في أيدي المتواضعين وسيلة للتفاهم فيما بينهم، ولا يمكن أن تكون هذه الوسيلة؛ اللغة الصوتيّة؛ لأن المفروض أن اللغة الصوتيّة هي موضوع التواضع)[24].

والخلاصة: إن قسماً كبيراً من مفردات اللغة قد وُضِع عبر الاصطلاح، فما تقوم به مجامع اللغة العربية لا يعدو أن يكون اصطلاحاً وتواضعاً، ولكن ذلك لا يعني أن اللغة كلها قد وُضِعت على هذا الأساس.

وجهة نظر:

إن موقفنا هو موقف توفيقي سلكه عدد من الباحثين منذ القِدم، فمنذ العصور الأولى وفّق أفلاطون بين كلٍّ من رأي هيرقليطس التوقيفي ويمقريطس الاصطلاحي، وفي العصور الوسطى في الغرب المسيحي، اعتنق لواء التوفيق القديسُ غريغوريوس حيث يقول: (أن يكون الله قد وضع في الطبيعة البشرية كل ملكاتها المألوفة فهذا لا يعني أنّه علّة كلّ الأفعال المباشرة التي نقوم بها، أجل لقد وضع فينا ملكة بناء البيت، كما وضع فينا الملكات المحققة للأفعال الأخرى، لكننا نحن البانون لا هو، وهكذا قل عن اللغة)[25].

كما ذهب القاضي أبو بكر في الشرق الإسلامي إلى التوفيق، فرأى أن تعليم الله الأسماءَ لآدم قد حصل بالإلهام، وأنه وضع في الإنسان مَلَكَة الخلق، ثمّ تركه يخلق على هواه[26].

وقد تابع هذا النهج الألماني ماكس مولر الذي يقول بعد أن يفنّد دعوى كلٍّ من التوقيفيّة والتواطئيّة: (لم يبقَ إلاّ تفسير واحد معقول لهذه الظاهرة وهو أن الفضل في نشأة اللغة يرجع إلى غريزةٍ زُوِّد بها الإنسان في الأصل للتعبير عن مدركاته)[27].

وأرى أن اللغة هي كلّ ما تقدّم، فهي توقيف واصطلاح ومحاكاة،؛ فهي توقيف باعتبار الغريزة التي أودعها الله فينا، ومن خلال هذه الغريزة رحنا نضع الكلمات طوراً عبر محاكاة الطبيعة وأطواراً عبر التواضع والاصطلاح، ولكن إذا كان النصيب الأكبر من لغتنا قد وُضِع بالتواضع والاصطلاح؛ فما هو سبب شعورنا بتلك العلاقة الحميمة بين اللفظ ومعناه؟

إن معظم ما نشعر به من تناسب (بين الألفاظ والمعاني أمر مكتسب نشأ بعد معرفة السامع بالمعنى لا قبله، ولذلك يتعذّر على الأجنبي أن يحسّ بشيء من هذا التناسب الدلالي الصوتي ما لم يكن على معرفة باللغة)[28].

هذه العلاقة المكتسبة يسميها إبراهيم أنيس؛ الصلة المكتسبة بين الألفاظ والمعاني، ويرى أن الخطأ الذي وقع فيه دارسو اللغة هو عدم التفريق بين الصلة الطبيعيّة الذاتيّة والصلة المكتسبة إذ (لا شكّ أن بين الألفاظ ودلالاتها صلة، ولكنها صلة مكتسبة؛ أي لم تنشأ مع تلك الألفاظ أو تولد بمولدها، وإنما اكتسبتها الألفاظ اكتساباً بمرور الأيام وكثرة الاستعمال)[29].

......

1- الأنطاكي، محمد، دون تاريخ، الوجيز في فقه اللغة، الطبعة الثانية، مكتبة دار الشرق – بيروت، ص: 56 .
2- الإنجيل المقدّس، جمعيات الكتاب المقدّس المتّحدة – بيروت، إنجيل يوحنّا – الإصحاح الأوّل : 1 .
3- القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية : 31 .
4- الحاج، كمال يوسف، في فلسفة اللغة، الطبعة الثانية – 1978م ، دار النهار – بيروت، ص : 26 .
5- السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق : فؤاد علي منصور، الطبعة الأولى – 1998م ، دار الكتب العلميّة – بيروت ، ص : 19،ج : 1 .
6- ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، دون طبعة – دون تاريخ ، عالم الكتب – بيروت، تحقيق : محمد علي النجار، ص : 41، ج : 1 .
7- ابن عبد الله القسطنطيني، مصطفى، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، الطبعة الأولى – 1992م، ص: 25، ج: 1.
8- يُنظر الأنطاكي، ص: 59، والحاج، ص: 22.
9- القرآن الكريم، سورة النجم، الآية : 23.
10- الكتاب المقدّس – دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط – القاهرة، الإصدار الثالث – الطبعة الأولى 2005م، العهد القديم – سفر التكوين – الإصحاح الثاني: 19.
11- الأنطاكي، ص: 368.
12- دوسوسير، فردينان، محاضرات في الألسنيّة العامّة، تر: يوسف غازي ومجيد النصر، دار نعمان للثقافة – لبنان، دون تاريخ ودون طبعة ، ص: 97-98.
13- ابن جني، ج:2، ص: 152.
14- ابن جني، ج: 1، ص: 46 – 47.
15- الأنطاكي، ص: 62.
16- الأنطاكي، ص: 374.
17- يُنظر: أنيس، إبراهيم، الألفاظ ومعانيها كانت رموزاً لدلالاتها، مجلة العربي الكويتية، العدد: 100، آذار 1967م،ص: 134.
18- الأنطاكي، ص: 56.
19- ابن جني، ج: 1، ص: 40.
20- دوسوسير، ص: 89.
21- دوسوسير، ص: 90.
22- دوسوسير، ص: 91.
23- دوسوسير، ص: 91.
24- الأنطاكي، ص: 64.
25- الحاج، ص: 20.
26- يُنظر الحاج، ص: 22، ويُنظر رأي قريب من هذا للسيوطي في المزهر، ج: 1، ص: 22.
27- الأنطاكي، ص: 64.
28- قدور، أحمد، المدخل إلى فقه اللغة العربية، جامعة حلب، دون طبعة، 2003م، ص: 132.
29- أنيس، ص: 134.

25/12/2008

منقول (لا مؤلف).

تحليل الخطاب من اللسانيات إلى السيمائيات

لسانيات الجملة:

إذا كانت دلالة الخطاب تتضمن في المعجم اللاتيني الحوار وكذا معاني الخطابة فإن اللسانيات المعاصرة حددت جغرافية الخطاب عند حدود الجملة ، حيث حظيت بالاهتمام والدرس بوصفها وحدة تتوافر على شرط النظام . وهي غير قابلة للتجزئة ، واذا أمعنا النظر في ماهية الخطاب على أنه ملفوظ يشكل وحدة جوهرية خاضعة للتأمل . ففي حقيقة الأمر فإن الخطاب ما هو إلا تسلسل من الجمل المتتابعة التي تصوغ ماهيته في النهاية .

وهنا يظهر مأزق اللسانيات أو محدوديتها على الأصح . في معالجة إشكالية الخطاب لأنها تحصره في نطاق الجملة التي نظر إليها أندريه مارتيني Andre Martinet أنها أصغر مقطع ممثل بصورة كلية وتامة للخطاب . غير أن هذا لا يفضي إلى عجز الدراسات اللسانية في عدم قدرتها على معالجة قضايا أكبر من الجملة، وبالتالي عدم عجزها عن تحليل الخطاب . فهناك تباين في تحديد بنية الظاهرة اللغوية . فعلماء اللغة يحددون الكلمة بأنها "وحدة في جملة تحدد معالم كل منها بإمكانية الوقوف عندها" والجملة هي. "تتابع من الكلمات والمرقمات التنغيمية(1) وهكذا تتداخل الكلمة والجملة في مفهوم متلاحم ، وعليه فإن الجملة تتشكل من "مجموع الوحدات التي يصح أن يقف بينها (الكلمات ) بالإضافة إلى درجة الصوت والتنغيم والمفصل ، ونحو ذلك مما يدخل في إيضاح المعنى "(2).

إن هذا المعطى التصوري للجملة لا يقلل من قيمة اقترابها من مفهوم الخطاب ، فإذا كانت عناصر مثل الكلمة والصوت والنغم تشكل إطار الجملة ، وتعمل عل بناء المعنى، فهذا لا يعوق دراسة الخطاب من وجهة نظر لسانية .

إسهامات اللغويين العرب

إن المفهوم السابق للجملة يقترب كثيرا من أطروحات علماء اللغة العربية عندما يعرفون ما. الكلام على أنه كل لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه . وهو الذي يسميه النحويون الجمل ، "نحو: زيد أخوك ، وقام محمد، وضرب سعيد، وفي الدار أبوك ، وصه ومه ورويدا... فكل لفظ استقل بنفسه وجنيت منه ثمرة معناه فهو كلام "(3). ويشير ابن هشام إلى تحديد ماهية الجملة بمنطق اللساني المعاصر، لأن الخطاب اللساني وضع أسسا اللساني المعا هو، لأن الخطاب اللساني وضع أسسا إبستمولوجية لمنطلقاته المنهجية عندما أوضح الفروق القائمة بين اللغة والكلام ، كما هو الشأن لدى دي سوسير في كتابه دروس في اللسانيات العامة إن "الكلام هو القول المفيد بالقصد ، والمراد بالمفيد ما دل على معنى يحسن السكوت عليه "(4)، وهو التصور ذاته الذي نلفيه عند هاريس .

إن اللغويين العرب أولوا أهمية كبرى للكلام وربطوه بماهية الجملة وقسموا عناصرها إلى اسمية وفعلية من حيث موقع المسند والمسند إليه وما أنجز عنها من علاقات حددها تمام حسان في العلاقات السياقية (القرائن المعنوية وحصرها في الإسناد) والتخصيص والنسبة والتبعية والمخالفة(5).

إذا كانت الجملة هي الكلام عند ابن جني، فهي تقابل القول عند سيبويه ، أما جار الله الزمخشري فعرف الكلام بأنه "المركب من كلمتين أسندت أحداهما إلى الأخرى... وذلك لا يتأتى إلا في اسمين كقولك زيد أخوك ، وبشر صاحبك أو في فعل واسم نحو قولك ضرب زيد وانطلق بكر ويسمى جملة "(6)، إن تصور اللغويين العرب للجملة وصلتها بالكلام لا يخلو من غموض وتناقض في بعض الأحايين .

هناك تصور آخر للعلاقة بين الجملة والكلام نتيجة للفروق التي تكمن بينهما فيقول الرضي "والفرق بين الكلام والجملة أن الجملة ما تضمن الإسناد الأصلي سواء كانت مقصودة لذاتها أولا كالجملة التي هي خبر المبتدأ وسائر ما ذكر من الجمل .. والكلام ما تضمن الاسناد الأصلي وكان مقصودا لذاته فكل كلام جملة ولا ينعكس "(7).

بين لسانيات الجملة ولسانيات الكلام

هناك إذن _طرخان يتمثلان في لسانيات الجملة ولسانيات الكلام ، فأين نضع مفهوم الخطاب ضمن هذين الطرحين . فإذا قررنا بأن الخطاب مجموعة جمل تتوافر على شرط النظام ، حتى يتسنى درسه وملاحظته فإننا نكون قد صدمنا المنطق الصارم للسانيات التي تحدد موضوعها في الجملة ولا تتجاوزه . فإن الخطاب كما يرى رولان بارت "يمتلك وحداته وقواعده و" نحوه ":

فما بعد الجملة ، ورغم أن الخطاب مكون فقط من جمل ، فمن الطبيعي أن يكون الخطاب (هذا الما بعد) موضوعا للسانيات ثانية . وقد كان للسانيات الخطاب هذه ، ولفترة جد طويلة ، اسم مجيد (ألا وهو ) البلاغة . لكن وكنتيجة للعبة تاريخية ، وبانتقال البلاغة إلى صف الآداب الجميلة ، وانفصال هذه الأخيرة عن دراسة اللغة فقد أصبح من اللازم حديثا العودة إلى إثارة المشكل من جديد"(8).

إن إثارة بارت لهذه المشكل كان منطلقه الاقتراب من فكرة البنية السر دية ولفتها وبالتحديد دراسة ما بعد الجملة ويبدو ظاهريا نقد بارت لجمود اللسانيات عند حدود ضيقة محصورة في الجملة لكنه يرى بأنه لا مندوحة من مقاربة البنية السر دية من منطلق لساني إلى درجة إقراره بمعقولية "التسليم (بوجود) علاقة تماثلية بين الجملة والخطاب ، و (ذلك ) اعتبارا إلى أن نفس التنظيم الشكلي ، هو ما ينظم ظاهريا كل الأنساق السيميائية مهما اختلفت موادها وأبعادها: هكذا سيصبح الخطاب "جملة كبيرة " (ولا تكون وحداتها بالضرورة جملا) تماما مثلما ستكون الجملة في استعانتها ببعض المواصفات "خطابا صغيرا"(...) فمن المشروع إذن التسليم بعلاقة ثانوية بين الجملة والخطاب ومنسمي هذه العلاقة اعتبارا لطابعها الشكلي المحض ، علاقة تماثلية "(9) وانطلاقا من هذه الفرضية التي وضعها بارت خلص إلى أن السرد من وجهة التحليل البنيوي يعد "طرفا في الجملة دون أن يكون في المستطاع أبدا اختزاله إلى "مجرد" مجموعة من الجمل . فالسرد جملة كبيرة . وهو يكون بطريقة ما مثل كل جملة تقريرية Conaontative مشروع سرد صغير"(10)

لا تزال حقول تحليل الخطاب تتراوح بين الذين يتشبثون بمنطق صرامة اللسانيات وتضييق مجالاتها المعرفية وبين من يدعون إلى نهج المرونة في الاقتراب من فضاءات الخطاب وتوسيع مجالات اللسانيات لتشمل رحابة المعرفة وتشعباتها ولاسيما أن فلسفة العصر الحديث هي اللغة بوصفها قناة لكل معرفة متوخاة .

المرجعية اللسانية في تحليل الخطاب

بظهور اللسانيات التاريخية في القرن التاسع عشر كانت القواعد العامة تبحث عن إيجاد تفسير للاستعمالات الخاصة للغة وفق قواعد عامة تتأسس حول المنطق . وقد كان اللغويون العرب القداس سباقين إلى رسم هذه الاستراتيجية للغة العربية . فتأسس على أيديهم علم أصول النحو مستثمرين المنطق اليوناني وعلم أصول الفقه . غير أن ميلاد اللسانيات التاريخية في أوروبا حدد تصورات جديدة لم تكن متبلورة في السابق ، مثل التغيرات التي تشهدها اللغة فهي ليست رهن الإرادة الواعية للبشر وإنما ضرورة داخلية . كما أنها طبيعية وتخضع للتنظيم الداخلي للغات.

ومن أبرز معالم اللسانيات التاريخية ظهور مؤلف الألماني في .بوب F-Bopp "نظام التصريف للغة السنسكريتية مقارنة مع اللغات الإغريقية واللاتينية والفارسية والجرمانية " عام 1816. فقد كان إعلانا عن ميلاد النحو المقارن ، رفقة الأخوة شليجل وجريم وشليغر. فسمح بإيجاد القرابة بين اللغة السنسكريتية المقدسة للهند القديمة وأغلب اللغات الأوروبية القديمة والحديثة . وأخذت الدراسات اللسانية هذا المنحى حتى مع "النحويين الجدد" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الذين تطلعوا إلى تجديد النحو المقارن . بحيث دعوا إلى تفسير التغيرات الحاصلة داخل اللغة وعدم الوقوف عند وصفها، ورأوا أن الأسباب الوحيدة القابلة للمراجعة هي البحث عن نشاط الفاعلين المتكلمين ، وفضلوا تحديد مسافة لدراسة التغيرات اللغوية. وكما هو واضح فإن طبيعة اللسانيات التاريخية وموضوعاتها لم تسمح بمعالجة موضوع الخطاب معالجة ذات صلة بجوهر اللفة . فالتحليل التعاقبي الذي طبع المنهج التاريخي في الدراسات اللغوية فرض على الباحث السويسري فرديناند دي سوسير .F desoussure أن يؤسس معالم اللسانيات البنيوية، ويرسم خطابا أبستمولوجيا يتعامل مع نظام اللغة بمنطق علمي جديد لا يخفي أصوله الفلسفية والعلمية (علم الاقتصاد / علم الاجتماع.. الخ). وأبرز المقولات اللسانية التي انتهى إليها هي:

1- مقولة التزامن والتعاقب SYMCHAROMIECET DIACHRONIE

2- اللغة والكلام LANGUE ETPAROLE

3- النسقي والاستبدالي SYNTAGMATIQUE ET PARADIGMATIQUE

4- اعتباطية العلامة (الدال والمدلول ).

إن التحليل البنيوي للغة ترك مجالا واسعا وفضاء خصبا لدراسة الخطاب من مستويات عديدة : - المستوى الصوتي

- المستوى التركيبي.
- المستوى الصرفي
- المستوى الدلالي
- المستوى المعجمي
- حتى المستوى البلاغي

وذلك انطلاقا من أطروحات إبستمولوجية لعلم اللغة. والتعيين بينها وبين الكلام الذي يتسم بالتصرف الفردي للمؤسسة الاجتماعية للغة، فهو نشاط يتسم بالتحول والتغير ويتيح فرصا لتحليله من توجهات علمية عديدة: نفسية، اجتماعية، إنثروبولوجية.. الخ.

وضعية تحليل الخطاب

إن مصطلح الخطاب يرادف الكلام لدى سوسير، إن مصطلح الخطاب يرادف الكلام لدى سوسير، وبالتالي يعارض اللغة ومن سمات الكلام التعدد والتلون والتنوع، لهذا فإن اللسانيات لم تر فيه حدة الموضوع التي يمكن للعلم أن يقبل عليها بالدرس والملاحظة.

لقد فرق فرديناند دي سوسير بين اللغة والكلام: "إن اللغة والكلام عندنا ليسا بشي ء واحد، فإنما هي منه بمثابة قسم معين وان كان أساسيا ، والحق يقال ، فهي في الآن نفسه نتاج اجتماعي لملكة الكلام ومجموعة من المواضعات يتبناها الكيان الاجتماعي ليمكن الأفراد من ممارسة هذه الملكة . واذا أخذنا الكلام جملة بدا لنا متعدد الأشكال متباين المقومات موزعا في الآن نفسه، إلى ما هو فردي، وإلى ما هو اجتماعي... أما اللغة فهي على عكس ذلك، كل بذاته ومبدأ من مبادئ التبويب" (11).

ويمكن استنتاج خصائص الخطاب بالمفهوم السوسيري بأنها تتوافر على العنصر الفيزيائي (الموجات الصوتية) والعنصر الفيزيولوجي (التصويت والسماع) والعنصر النفسي (الصور اللفظية والمتصورات) وتنحصر طبيعة دراسته في قسمين:

أولا: قسم جوهري يرتكز موضوعه على اللغة ذات الطابع الجماعي المستقل عن الفرد. وهو أقرب إلى الدراسات النفسية التي تحلل الخطاب تحليلا نفسيا بحتا.

ثانيا: قسم ثانوي ينحصر موضوعه في الجانب الفردي من الكلام (اللفظ بما في ذلك عملية التصويت) ويتعلق بالجانب النفسي الفيزيائي. ولكن مهما يكن من فروق بين اللغة والكلام فإنهما متلازمان ومتواصلان وعلى الرغم مما يبدو للوهلة الأولى من أن دي سوسير قد أهمل لسانيات الكلام وأبعدها من صفتها العلمية لافتقارها لعنصر الانسجام والوحدة ، ويرى بعض الباحثين بأن "سوسير لم ينف الكلام، ولم يبعده من الدراسة اللسانية، كما قد توهم البعض، والا لما كان مقبولا حديثه عن لسانيات الكلام، والمراد بذلك أن الكلام - أي الذات المتكلمة - لا يغيب في الدراسة اللسانية إلا مؤقتا وفقا لمتطلبات منهجية مادام يستحضر ويخصص له حيزا في الدراسة اللسانية. صحيح أنه ليس من صميم الدراسة اللسانية الصارمة لأن دراسته لا تقوم إلا بتدخل عدة علوم، أي عدة مناهج تختلف من حيث الطبيعة والجوهر مع المنهج اللساني المقترح. لهذا السبب أكد سوسير على ضرورة التمييز بين هذين النوعين من الدراسة "(12).

إن الوقائع الكلامية في واقع الأمر لم تحظ بالاهتمام العلمي الكبير من قبل سوسير كما هو الحال بالنسبة للغة ، لهذا فإننا لا نحصل على متصورات منهجية وأسس إبستمولوجية لعلم الخطاب في دروس سوسير،. وقد أثر ذلك سلبا في الدرس اللساني حيث مال إلى التضييق والحصر. وقد دعا بعض علماء اللغة المعا هوين إلى تخليص اللسانيات من الجمود والضيق، والانتقال بها إلى مجال الحركة والسعة. وقد دافع نوام تشومسكي عن هذا الاتجاه حين حدد واحدة "من الإشكاليات الاستراتيجية الرئيسية عندما يتساءل عن المدى الذي يحرز هذا التضييق المتعمد كمصدر للتبصر العلمي العميق، وهل ينتفي بانتفاشه ثم عن المدى الذي يقلل به هذا التضييق إمكانيات الاكتشافات الهامة"(13).

لكي تحقق اللسانيات استكشافات جديدة في مجال علم "تحليل الخطاب" ينبغي أن تفك عزلتها بالتفاعل مع حقول العلوم الإنسانية . ولا تبقى حبيسة زاوية ضيقة ومحدودة ، وهذا الطموح يسمح بإبراز قضايا كثيرة تتعلق بالإشكالية اللسانية وموقع تحليل الخطاب، وسيفني ال إثارة أسئلة جوهرية ذات صلة بنظرية النص ونظرية القراءة، والشروط التي تحيط بفضاء الخطاب منها ما هو معرفي ومنها ما يتصل بالسوسيو تاريخي عندما أشار دي سوسير إلى السيميولوجية، ذلك العلم الذي لم يكن سوى تصور أتاح إمكانات دمج اللسانيات في منظومة العلوم الإنسانية واحتكاكها بالعلوم الأخرى. وهكذا فإن اللغة بالمفهوم السيميولوجي أضحت مجموعة من العلامات وأن الظاهرة اللغوية هي ظاهرة سيميائية ستكون مادة خصبة للمنهج السيميائي في تحليله للخطاب مع تجاوز الثنائية السوسيرية (اللغة الكلام) مع التركيز على اهتمام السيميائي بالاجتماعي ، وحينئذ سيصير الكلام بوصفه إنجازا فرديا غير زي أهمية في مجال البحوث السيميائية .. وقبل هذا فإن التحليل البنيوي استفاد من المنهجية اللسانية فصار تحليل بنية النصوص في ذاتها ولذاتها، وذلك بفضل المقولة التزامنية في دراسة اللغة.

يثني لويس يامسليف L. Hjelmslev على جهود دي سوسير ويعده المؤسس الأول للسانيات البنيوية، على الرغم مما يبدو من إخلاصه العلمي لدى سو سير، إلا أن توجهاته العلمية واهتمامه بالمنطق الرياضي ومعر فته الواسعة باللغات القديمة والحديثة، مكنته من صياغة لسانيات موسومة بالروح الرياضية فكانت منظوميته Glossématique إضافة نوعية للدراسات اللسانية المعاصرة. فاللغة لا يمكن - في نظره. فصلها عن الأنسان، فهي الأداة التي بفضلها يمكن صياغة مشاعره وانفعالاته وجهوده وإرادته وحالاته، فبها يمكن أن يؤثر ويتأثر(14). وتتركز اهتمامات الألسنية حول مسالة البنيه (15)، لهذا يتجاوز المستوى الفونولوجي ليهتم بمشكلات التعبير ووحدات المحتوى. فاللغة هي قبل كل شيء شكل وهي في أن واحد تعبير ومحتوى. وقد استطاع ياسليف تأسيس حلقة كوبنهاجن وتشكيل فرق للعسل، وتكوين نظرية prolegomenes لمدة عشر سنوات من البحث العلمي المبني على النظرة التجريبية القائمة على الملاحظة والاختيار. فالدرس اللساني يتسم في رأيه بالانسجام والشمول والبساطة ولهذا يرى أن النظرية اللغوية نظرية استنباطية تشتمل على مبدأ الكلية Totalite فهي قابلة للتطبيق على جميع اللغات الإنسانية.

إن يامسليف يحدثنا عن مبدأ التحليل وصيفه ونلفي حديثا عن النص في كتاباته ولا نجد تصورا علميا واضح المعالم عن الخطاب، باستثناء حديثه عن محتوياته السيميائية وعن اللغة الإيحائية.

حتى اللسانيات الوظيفية التي تراهن على مفهوم التواصل بوصفه أهم الوظائف الأساسية للغة وارتباط التطور اللغوي بمبدأ الاقتصاد. لم تعالج موضوع الخطاب. وهكذا بدا وكأنه ليس من صميم الإشكالية اللسانية. وإن كانت المدارس اللسانية تعالج قضايا جوهرية ذات صلة بتحليل الخطاب. فنجد أندريه مارتيني يتحدث عن التحليل التركيبي للمدونة أو المتن على أنه مجموعة علاقات الترابط ، في الفصل الرابع من كتاب "عناصر اللسانيات العامة" الذي خصصه للوحدات الدالة نجد تحليلا للملفوظات ولكن انطلاقا من مفهوم التواصل للغة ، فهناك مقاربات لتحليل مستويات الخطاب ، دون الحديث عن ماهيته ويمكن أن نخلص إلى نتيجة أن موضوع الخطاب وجد فراغا كبيرا في أطروحات بعض المدارس اللسانية الحديثة. على الرغم من أنه أصبح حقيقة فرضت استعمالها في حقل علم المصطلحات وأصبحت متداولة في أدبيات العلوم الإنسانية ، حتى لازمت بعضا منها. فنجد حديثا شائعا لدى العامة عن الخطاب السياسي. وتحولاته وخصائصه، وأصبح بديلا لمفهوم الخطبة والخطابة في التراث الإغريقي والتراث العربي الإسلامي.

إن إميل بنفيست على E . Benveniste . يعالج مشكل الخطاب معالجة لسانية فالجملة بالنسبة إليه وحدة لسانية لا تؤلف صنفا شكليا من الوحدات المتعارضة بينها، مثل تعارض القونيمات الفونيمات أو الفونيمات مع المورفيمات، أو المفردات مع المفردات .

هناك طرح منهجي مهم جدا يشير إليه جان ديبوا Jean dubois عندما يقول "مع الجملة نترك إطار اللغة بوصفها أداة للتواصل . في هذا المجال تتوقف الجملة أن تكون موضوعا... وتصير وحدة فالجملة هي وحدة الخطاب "(17).

يركز إميل بنفيست (بينيفيست) على قيمة عملية التلفظ التي لم تنل اهتمام اللغويين القدامى، فقد كان ينظر إليها بوصفها موضوعا لا يندرج في نقاط الدراسة اللسانية. ولكنها أضحت مادة جديرة بالاهتمام نظرا لأنها تنقل اللغة من سكونيتها إلى حركية الاستعمال الفردي (الكلام والخطاب )، إن الجهاز الشكلاني للتلفظ عنصر من عناصر اللغة التي تشكل ماهية الخطاب. فتحديد العلاقة بين الباث والمتلقي، تسمح للفاعل المتلفظ أن يجد منزلة في الخطاب، وقد يجد أيضا الفلاسفة ضآلتهم في البحث عن الذاتية التي تتجل في حرية كلام الفاعل المتلفظ الفردية. إن بنفيسة يراهن على مركز الفاعل المتلفظ في الخطاب، وهذا لا يعني تطابق الذاتية المغلقة مع الجهاز الشكلاني لعملية التلفظ، فهو بذلك يكون قد أسهم في إدخال عالم الخطاب إلى اللسانيات، ويعد من الموضوعات الجديدة في حقل دراسات اللسانيات المعاصرة، التي ما فتشت تعرف استكشافات علمية ، وصعوبات منهجية ، وهكذا تم توسيع نطاق موضوع اللسانيات ولاسيما عملية التلفظ وصلتها بالخطاب الذي حفز الدراسات على البحث عن مناهج التحليل . إن ربط تصور الملفوظ بالخطاب كان يقتضي وضع قواعد للتسلسل وللمسار الذي يتوافر على قابلية التعبير بالكلام، غير أنه ينبغي الإشارة إلى أن الملفوظ وحده لا يحدد الخطاب إلا إذا أضيفت إليه وضعية الاتصال.

dis cours = situation de comminucation + enoncé

التحليل التوزيعي

إن النظرية التوزيعية في اللسانيات الحديثة، أسهمت بفضل جهود بلومفيلد Ploomfield) ) وهاويس Z. S. Harris) ) في دراسة قواعد الجمل، وتحليلها بوصفها وحدات ممكنة في لغة معينة بمعنى يجب أن تتوافر فيها القابلية للتحقيق بهذا التصور لقواعد الجمل يظل تحليل الخطاب يبحث عن معرفة المقاييس وبنائها، وكذلك اعتبار مجموعة من السلسلات الوصفية على أنها متتاليات لجمل ملفوظة.(Phrases - enonces) فهي تشكل في نظر هاريس مؤسسة لشبكات من التكافؤ بين جمل وجمل متتالية. ويحيلنا ريمون طحان ودينين بيطار طحان إلى التجريد الذي لازم غراما طيق الجمل وما تفرع منها من مفاهيم استقتها من اللسانيات وعلم الدلالة فمنها:

- مفهوم الأصولية: هي الجملة التي تتمتع بالصحة الدلالية والمنطق اللغوي، فهي تخلو من التنافر الصوتي، وتخضع بنيتها التركيبية لقواعد اللغة.

- مفهوم دلالة الجملة: هناك إشكال معرفي تجده اللسانيات في تحديد ماهية الجملة. فإذا كانت "تتألف من عناصر تعود إلى ثبت مغلق، ومن أصوات محدودة العدد ترتبط بالمعنى (...) ولكن... هناك بنى وجمل تختلف في معناها وتتحقق بأشكال متشابهة، وهناك أيضا بنى وجمل تتشابه في معناها وتتحقق بأشكال مختلفة"(18).

إن تحليل الخطاب دفع هاريس إلى تعريف مجموعة التكافؤ والتقارب. بين ملفوظين حتى يبرز طريقته المنهجية التي ركزت على النص الإشهاري، ويشير ديبوا إلى المفهوم الجديد عن طريق نص تم بناؤه. فالخطاب السياسي لحرب الجزائر مثلا قد درس على أساس أنه الخطاب الذي دفع إلى تمثيل العلاقة الموجودة بين موضوعات الجزائر وفرنسا (19).

لقد ارتبط التحليل التوزيعي بالنزعة السلوكية Behavieorisme) ) التي راجت في الولايات المتحدة الأمريكية بداية منذ سنة 1920، فكان من أهدافها تحقيق الموضوعية في دراستها، وقد حمل لواءها ليونار بلومفيلد، وتجلت مبادئ، المدرسة التوزيعية في محاولتها لتحليل الخطاب ودراسة توزيع الوحدات اللسانية عن طريق المدونة Corpus) ) والوحدات كما أسلفنا القول _ غير أن الذي يميز هاريس اختياره لطرائق التعامل مع النصوص اللغوية. فالنص الإشهاري يمتاز بتكرار الأشكال التي بالوصول إلى بنيته. وكذلك تأكيده على العلاقات القائمة بين الجمل وتفضي إلى سلسلة من الجمل المتكافئة، وعليه فإن مبدأ التحويل الذي أقره هاريس يتضح في تحليل العلاقات التي تؤلف بين الجمل ، وهذا التصور أضفى الصفة الإجرائية لعملية تحليل الخطاب ، بل يعد لبنة من لبنات "علم الخطاب".

تعد إضافات المدرسة التوليدية التحويلية امتدادا لجهود بلومفيلد وهاريس ويمكن وضع مفهوم الخطاب في مقابل ثنائية تشومسكي N. Chomsky) ) الكفاية والأداء اللغوي. إن ما يمكن استخلاصه من نظرية تشومسكي تخطيها للدراسة السطحية التي تنتهجها اللسانيات البنيوية ولا تتعداها للبحث عن المستوى العميق للكلام ولا تأخذ مبدأ التأويل في حسبانها. إن الدرس التوليدي التحويلي يعالج عملية التكلم ومكانيزماتها التي تظهر في الاستعمال المبدع للغة.

التحليل السوسيولوجي للخطاب

يربط باختين M.Bakhtine نظرية اليللفظ بمستويات التركيب ، لأن كل تحليل للخطاب في تصوره تحليل لمتن التلفظ الحي. وهو سمة من السمات المحسوسة لأفعال الكلام كما أنه يلاحظ قصور اللسانيات في احتواء موضوع التلفظ ، ويبدو هذا لعجز اللساني واضحا في الاهتمام بالجملة وعدم الاقتراب من الخطاب. إن اللساني يشعر بارتياح أكثر وسط الجملة، وكلما اقترب من تخوم الخطاب من (التلفظ) العام ، فهو ليس مسلحا لتناول الكل، ليس من بين مقولات اللسانيات مقولة تصلح لتحديد الكل . والواقع أن المقولات اللسانية لا يمكن تطبيقها في حالتها هذه إلا داخل (التلفظ )" (20).

إن الخطاب في مفهوم باختين يعيد مسألة خطاب الآخر ويتجسد في الخطابات اللسانية (خطاب مباشر، خطاب غير مباشر، خطاب غير مباشر حر) ، لهذا يراهن على المنهج الاجتماعي في اللسانيات ، وضرورة تفسير واقعة خطاب الغير تفسيرا سوسيو - لسانيا ويعرف الخطاب المروي بأنه "خطاب في الخطاب، وكلفظ في التلفظ،.. لكنه في الوقت ذاته خطاب عن الخطاب وتلفظ عن التلفظ "(21). كما أنه يتمتع باستقلاله البنيوي والدلالي.

علاقة الخطاب بالحوارية

إن مصطلح الحوارية الذي استثمرته _ فيما بعد - جوليا كريستيفا وشاع في أدبيات الخطاب النقدي الجديد وعرف بالتناص Inter****uelle يشير إلى اقتحام اللسانيات للمجالات التي كانت تعتقد أنها ليست موضوعا لبحثها،"فالوحدة القاعدية الحقيقية للسان - الكلام ليست هي التلفظ - الحوار الداخلي الوحيد والمعزول، كما هو معروف، ولكنها تفاعل تلفظين على الأقل أي الحوار" (22). ويثير باختين أسئلة جوهرية في مسألة علاقة الخطاب بالحوارية.

"كيف ندرك ، في الواقع خطاب الغير؟ كيف تحس الذات المتلقية، في وعيها بتلفظ الغير، هذا الوعي الذي يعبر بواسطة الخطاب الداخلي ؟ كيف يستوعب الوعي الخطاب بفعالية ، وما هو التأثير الذي يمارسه الخطاب على توجيه الكلام الذي يكتفي به المتلقي من بعد؟ "(23) لقد طورت هذه المفاهيم تحليل الخطاب الروائي ووثقت الصلة بين ´ اللسانيات والتحليل السوسيولوجي. ونجد تحديدا لأنماط الحوارية في الرواية لدى باختين وتتصل في التهجين والعلاقة المتداخلة ذات الطابع الحواري بين اللفات والحوارات الخالصة.

إن مفهوم الحوارية معرفه تدوروف T.Todorov بقوله "كل علاقة بن ملفوظين تعتبر تناصا.. فكل نتاجين شفويين، أو كل ملفوظين محاور أحدهما الأخر، يدخلان في نوع خاص من العلاقات الدلالية نسميها علاقات حوارية"(24).

وانطلاقا من هذا التصور وجه باختين نقدا للأسلوبية، وقدم قراءة لتاريخ الأساليب من منطلق سوسيولوجي.

1 - الوثوقية السلطوية (العصور الوسطى) وتتميز بالأسلوب الفخم السطري وغير مسند إلى شخص في بث خطاب الغير.

2- الوثوقية العقلانية (القرنان 17 و18) وتتميز بالأسلوب السطري الأدق والأرق والأوضح.

3- النزعة الفردية الواقعية والنقدية (نهاية القرن 18 والقرن 19) وتتميز بأسلوب مجازي منسق والميل إلى تسريب الخطاب المروي من خلال أجوبة وتعليقات المؤلف.

4 - النزعة الفردية النسبوية (المرحلة المعاصرة) وتتميز بإذابتها للسياق السردي.

وخصص في كتابه "الماركسية وفلسفة اللغة" الفصلين الأخيرين للخطاب غير المباشر والخطاب المباشر ومتغيراتهما، والخطاب غير المباشر الحر في الفرنسية والألمانية والروسية وهي دراسة مقارنة. لقد كان ميخائيل باختين نموذجا لما ينبغي أن يسلكه اللساني لكي يتخلص من الجمود والعزلة. ولقد وجدت السيميائيات المعاصرة في مفاهيمه حول تحليل الخطاب والحوارية ما جعلها تحقق تقدما نوعيا في تحديد مسار الأبنية الجديدة لعلم ما زالت تتنازعه عدة حقول معرفية.

بعد أن تستعرض جوليا كريستيفا مفاهيم الخطاب لدى اللسانيين التي سبقت الإشارة إليها تخلص إلى أن الخطاب "يدل على كل كفظ يحتوي داخل بنياته الباث والمتلقي مع رغبة الأول في التأثير على الأخر"(25). وتقدم في مؤلفها (النص المغلق) أيضا تعريفا للنص على أنه جهاز فوق لساني يعيد توزيع نظام اللغة، كما أنه يتحدد عن طريق تبادل النصوص أي القناص، داخل فضاء النص هناك عدة ملفوظات مأخوذة من نصوص أخرى تكون متقاطعة ومحايدة. إن مفهوم الخطاب وعلاقته بالنص والقناص يعد امتدادا لمفاهيم باختين.

التحليل السيميائي للخطاب

إن التحليل السيميائي هو ذاته تحليل للخطاب ، وهو يميز بين "السيميوتيقا النصية" وبين اللسانيات البنيوية "الجملية". ذلك أن هذه الأخيرة حين تهتم بالجملة تركيبا وإنتاجاً _ وهو ما يسمى بالقدرة الجملية _ فإن السيميوتيقا تهتم ببناء نظام لإنتاج الأقوال والنصوص . وهو ما يسمى بالقدرة الخطابية. ولذلك، فمن المناسب الآن وضع القواعد والقوانين التي تتحكم في بناء هذه الأقوال وتلك النصوص "(26).

إن التحليل السيميائي للخطاب ينطلق مما انتهت إليه جهود اللسانيين حول النظرية العامة للغة، وبمسائل التصورات التي أحيطت بالخطاب ويقتضي أن يكون متجانسا مع الثنائيات الأساسية: (اللغة / الكلام) - (النسق / العملية) (process) - (الكفاية / الأداء الكلامي)، كما أنه لا يغفل العلاقة التي تربطه بمقوله التلفظ . فالمعجم السيميائي لجريماس وكور تيس وهو يناقش مصطلح الكفاية من وجهة نظر تشومسكي ينظر إليها على أنها مجموعة من الشروط الضرورية في عملية التلفظ ، كما أنه يتوافر على صورتين مستقلتين لهذه الكفاية:

أولا : كفاية السرد السيميائي

ثانيا : الكفاية القابلة للوصف أو التعبير بالكلام.

بالنسبة لكفاية السرد السيميائي حسب منظور يامسليف وتشو مسكي يمكن تصورها على أنها تمفصلات تصنيفية وتركيبية - في الآن ذاته - وليس بوصفها استبدالا بسيطا على منوال دي سوسير للغة فالتحليل السيميائي ينظر لهذه الأشكال السر دية نظرة كونية مستقلة عن كل مجموعة لسانية وغير لسانية لأنها مرتبطة بالعبقرية الإنسانية . وهنا ينبغي الإشارة إلى فضل مدرسة الشكلانيين الروس وعلى وجه الخصوص مؤلف "مورفولوجية الحكاية الخرافية" وتأثيره في المدرسة الفرنسية ذات التوجه البنيوي (كلود بريمون: منطق الحكاية، جريماس: البنيوية الدلالية ، وكلود ليفي ستروس: البنيوية الإنثروبولوجية). ولا يستطيع أن ينكر أي باحث بأن عبقرية بروب وبحوثه العلمية كانت تمهيداً لظهور التركيب السردي وقواعده.

أما فيما يخص الكفاية القابلة للوصف، فبدلا من أن تقام على ساقلة النهر، فإنها تتأسس وفق عملية التلفظ مسجلين صياغة الأشكال الملفوظة القابلة للتعبير عنها بالكلام، ويرى مؤلفا المعجم السيميائي بأن الحديث عن الطبيعة المزدوجة للكفاية تعد ضرورة لإنجاز تصور جديد ومضبوط للخطاب.

وفي كل الأحوال فإن الخطاب يطرح مسألة علاقته بالتلفظ وبالتواصل . ولكن المجال السيميائي يهتم بأطره المرجعية مثل الإيحاء الاجتماعي ونسبته للسياق الثقافي المعطى المستقل داخل تحليله التركيبي أو الدلالي. إن نمطية الخطابات القابلة للتشكل داخل هذا المنظور ستكون إيمائية خالصة، ومهما كانت التعريفات الإيمائية للخطاب مجردة فإن مشكلة معرفة ماهية الخطاب تبقى مطروحة، وحتى عندما يحدد الخطاب الأدبي بأدبيته (Litterarite) كما نادى بها الشكلانيون الروس. فالأدب في تصورهم: "نظام من العلامات Signes دليل مماثل للنظم الدلالية الأخرى، شأن اللغة الطبيعية والفنون والميثولوجيا.. الخ. ومن جهة أخرى، وهذا ما يميزه عن بقية الفنون، فإنه يبني بمساعدة بنية أي لغة، إنه، إذن، نظام دلالي في الدرجة الشانية، وبعبارة أخرى إنه نظام تعبيري خلاق Comrotatif وفي نفس الوقت، فإن اللفة تستخدم كمادة لتكوين وحدات النظام الأدبي، والتي تنتمي إذن، حسب الاصطلاح اليامسليفي (Hjelmslsvime) إلى صعيد التعبير، لا تفقد دلالاتها الخاصة، مضمونها "(28).

إن الشكلانية الروسية حددت المعطيات الخاصة التي يمكن أن نسمي بها خطابا ما أنه أدبي. إن رومان جاكبسون هو الذي أعطى لهذه الفكرة صيغتها النهائية حين قال "إن موضوع العلم الأدبي ليس هو الأدب ، وإنما "الأدبية " Litteraritأي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا"(29).

لقد عرفت سيميائيات التواصل تقدما فعليا في مجال تحليل الرسالة، وذلك بتحديد وظائفها الست. على الرغم من الإهمال الواضح لموضوع "الدلالة "، الذي وجد حرصا كبيرا لدى رولان بارت في إبرازها ضمن توجهات سيميائيات الدلالة، إن وصف اللغة بأنها نظام للتواصل يتضمن قدرا كبيرا من الانسجام سمح للدراسة اللسانية بالاهتمام بالنموذج الذي رسمه جاكبسون : "الباث _الرسالة _المتلقي _ سنن الرسالة - مرجعيتها). ذلك لأنه مكنها من تجاوز التطبيق اللساني المحصور عل جملة محدودة من الخصائص التي تشتمل على الظاهرة اللغوية إلى القراءة اللسانية للنصوص ومظاهر التعبير الأخرى. وإذا كان جاكبسون حصر الخطاب بين مرسل ومرسل إليه إلا أن لوتمان أشار إلى نموذج آخر من التلقي لا يكون بين الباث والمتلقي، وإنما هناك خطاب يتجل فيه الحوار الداخلي مثلما هو الشأن بالنسبة إلى السيرة الذاتية فيكون بين الباث وذاته.. وهذا ما نلحظه في خطاب طه حسين في مذكراته "الأيام".

إن علم الدلالة وهو يصنف أنواعها إلى طبيعية وعقلية ووضعية لم تفته الإشارة إلى مجالات الاتصال سواء أكانت صوتية أم سيميائية ، ويكون إسهام العرب جليا في هذا الميدان ولاسيما في احتكاكهم بالفلسفة اليونانية منها المشائية والميغارية - الرواتية. ويذهب عادل فاخوري إلى الدرس المقارن بين علم الدلالة عند العرب والسيميائيات الحديثة. ويعطي مثلا مقارنا بين تقسيمات علم الدلالة وتصنيف بيرس الأمريكي للعلامة (30).

يمتد طموح الدرس السيميائي بوصفه علما يقارب الأنساق الهلامية إلى تخليص حقول المعرفة الإنسانية من القيود الميتافيزيقية التي تكبلها، وتعوق أبحاثها من الوصول إلى نتائج تجعل منها علوما ذات سلطان لها مكانتها المرموقة في وسط المعرفة الإنسانية المعا هوة . وتمكنها من القراءة العلمية الدقيقة لكثير من الإشكاليات المطروحة، والظواهر الإنسانية التي لم تتعد إطار التأمل العابر، والتفسير الأفقي الساذج. ولكي يكتسب الدرس السيميائي مشروعية العلم القادر على فحص البنى العميقة للمادة التي يتناولها، ويقترب من عمقها والقوانين التي تركبها، كان لزاما عليه كأي علم أن يحدد منطلقاته المنهجية ومرتكزاته النظرية ويؤسس مقولاته ويمتحن أدواته الاجرائية ويستكشف الحدود التي تفصل بينه وبين العلوم الأخرى، أو التي تقربه منها.

يبدو أن التواصل البشري أعقد من أي تواصل آخر ، لأن استعمال العلامة في هذا المجال لا تتم كما قال فريدينا ند دي سوسير إلا داخل الحياة الاجتماعية ، لهذا يشترط التعاون قصد إيصال الرسالة إلى المتلقي ولن يتحقق ذلك أيضا إلا بالتواضع المتبادل والتوافق حتى يتسنى لأي حوار يقوم بين الباث والمتلقي تقديم أفكار في شكل شيفرات متواضع عليها. لهذا فإن بعض علماء الدلالة انتهوا إلى أن "عملية الاتصال لا تظهر بوضوح في العالم الحيواني، إلا عندما يكون هناك تعاون أو نشاط اجتماعي، إن أي اتصال مرتبط في أساسه بالتعاون... وأن كل حوار اجتماعي مرتبط بالتعاون "(31).

إن التحليل السيميائي للنسق الاجتماعي يهدف إلى استكشاف نظام العلاقات داخل المجتمع وعلى الخصوص علاقات الأفراد وحاجاتهم لهذا نلقى أن الأنظمة التي سادت في المجتمع البشري لها من العلامات والأنظمة الرمزية الثقافية، ما تمكن للسيميائي من تحديد شريحة أو فئة أو طبقة اجتماعية، ففي التنظيم العشائري نرى طقوسا وعادات تتجل في جملة من العلامات والرموز ما تتميز به عن نظام اجتماعي آخر في طرائق الحفلات والأعراس والمأتم والأعياد وغير ذلك من المظاهر الثقافية.

إذا كنا قد أشرنا سابقا إلى طبيعة التواصل بأشكاله المتعددة فإن هناك شيفرات لكل شكل من هذه الأشكال التواصلية، فالتواصل الحيواني له علامات خاصة به منها ما استكشفه البحث ومنها ما بقي مجهولا، وكذلك الشأن بالنسبة للشيفرات الطبيعية التي تحدد علامات الطبيعة أو إشاراتها، فيتمكن من تلقي رسالتها ، سواء عن طريق الإدراك الحسي أو العقلي .

فإذا كان الطقس باردا فوق العادة في منطقة يمتاز مناخها بالاعتدال يدرك الأنسان أن مصدر قسوة البرد آتية من سقوط الثلج . أو العكس بالنسبة لاشتداد الحرارة غير العادية والتي تفوق معدلها الفصلي فيدرك بأن مصدرها قد يعود إلى وجود حريق. وهذا كله ينتج من وجود علائق قد تكون معقدة بين الشيفرات الطبيعية والتكوين البيولوجي، والحساسية الفسيولوجية للإنسان. ومهما يكن من أمر تبقى- كما أكدنا آنفا - الشيفرات الاجتماعية، أكثر تعقيداً، وتتطلب جهدا عمليا، وذكاء فطنا لفهم العلامات الاجتماعية ومحاولة تفسيرها، وفهمها فهما عميقا، فالعلامة كما يعرفها أو لمان هي " نتاج اجتماعي واع يتكون من دال ومدلول يمثلان بوجه عام شيئا أو مفهوما غير العلامة - ذاتها"(32).

إن التحليل السيميولوجي يمتد ليشمل جميع الأنظمة السيميوطيقية سواء تمثل في العلوم الطبيعية أم الاجتماعية أم الثقافية إن هذا العلم كما تنبأ به دي سوسير وتصوره تشارلز سندرس بيرس يطمح إلى أن يكون علما لجميع أنساق العلامات لغوية كانت أو غير لغوية ، وما زال المشروع السيميائي يبحث عن معالم تحدد أطره المرجعية ، وموضوعاته وممارساته الإجرائية وعلاقاته بالعلوم الأخرى لرسم منهجه ، وتوضيح مقولاته بدقة. وهو ما حدا بر ولان بارت في كتاباته (ميثولوجيات وإمبراطورية العلامات عناصر السيميولوجية) إلى إثارة هذه القضايا التي تتعلق بنضج هذا المشروع ، فيقون إن "السيميولوجيا ما تزال بحاجة إلى تصميم ونعتقد أنه لا يمكن أن يوجد أي كتاب وجيز لمنهج التحليل هذا، وذلك على الأكثر بسبب سمته المتسعة (لأن السيميولوجيا ستكون علم كل أنساق العلامات ). وان السيميولوجيا لن تعالج مباشرة إلا عندما تصمم هذه الأنساق على نحو تجريبي" . وأمام هذا التراكم السيميائي وما أحدثه من ثورة حقيقية في مناهج العلوم بعامة والانسانية بخاصة ، يجد الباحث تنوعا في الطرح وتباينا في التصور، وتعددا في الممارسة التطبيقية ، تلتبس فيها السيميائيات - في بعض الحالات ~ بالنظرية التأويلية، ولكن علم العلامات لم يعد حديثا إلا بتحديد معالمه وبناء مقولاته، وتبيان أدبياته، واختبار نظرياته وأدواته الإجرائية . وإلا فإننا نصادف في تاريخ التفكير الفلسفي على كثير من تصوراته عند الشعوب القديمة التي أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية كالفراعنة والبابليين والا غريق والعرب والمسلمين والرومان .. الخ ، إن ميلاد هذا العلم اقترن بثورة التفكير اللساني المعاصر نتيجة ارتباطه الوثيق بالمنجزات والاستكشافات التي حققها العلم الحديث.

الدكتور أحمد يوسف (أستاذ جامعي من الجزائر مقيم بفرنسا) 10-11-2002

حول الماركسية في علم اللغة

جوزيف ستالين

كلمة الناشر:

قامت في الاتحاد السوفييتي في العام 1950، مناقشة واسعة، افتتحتها «البرافدا» على صفحاتها حول مسائل علم اللغة. وقد نشرت البرافدا في عددها الصادر في 20 حزيران 1950، مقالاً ليوسف ستالين، يعرض فيه بأسلوبه الدقيق الواضح، وجهة النظر الماركسية في علم اللغة. ونحن ننشر هنا النص الكامل الحرفي لهذا المقال.

حول الماركسية في علم اللغة - بقلم: ستالين

رجاني فريق من الرفاق الشباب إبداء رأيي عن طريق الصحافة بمسائل علم اللغة، ولاسيما بالقسم المتعلق بالماركسية في علم اللغة، وبما أنني لست من علماء اللغة فليس في وسعي طبعاً أن أرضي الرفاق كل الرضا.
أما فيما يتعلق بالماركسية في علم اللغة كما في العلوم الاجتماعية الأخرى، فالمسألة تعنيني مباشرة، ولهذا وافقت على الإجابة على مجموعة من الأسئلة التي طرحها الرفاق.
سؤال: صحيح أن اللغة هي بناء فوقي قائم على بناء تحتي؟(1)
جواب: لا. هذا غير صحيح.
فالبناء التحتي هو النظام الاقتصادي للمجتمع في مرحلة معينة من تطوره والبناء الفوقي هو آراء المجتمع السياسية والحقوقية، والدينية، والفنية، والفلسفية وما يطابقها من مؤسسات سياسية وحقوقية وغيرها.

إن لكل بناء تحتي بناءه الفوقي الخاص الذي يطابقه. فالبناء التحتي للنظام الإقطاعي له بناؤه الفوقي، له آراؤه السياسية والحقوقية وغيرها، مع ما يطابقها من مؤسسات والبناء التحتي للرأسمالي له أيضاً بناؤه الفوقي، وكذلك البناء التحتي الاشتراكي. وإذا تغير البناء التحتي أو زال، فهو يؤدي إلى تغير بنائه الفوقي أو زواله، وإذا نشأ بناء تحتي جديد، فهو يؤدي إلى نشوء البناء الفوقي الذي يطابقه.
وعلى هذا، فاللغة تختلف اختلافاً جوهرياً عن البناء الفوقي. لنأخذ مثلاً المجتمع الروسي واللغة الروسية: خلال الثلاثين سنة الأخيرة، أزيل البناء التحتي الرأسمالي القديم في روسيا وأقيم بناء تحتي اشتراكي جديد، ونتيجة لذلك أزيل البناء الفوقي القائم على البناء التحتي الرأسمالي وشيد بناء فوقي جديد، مطابق للبناء التحتي الاشتراكي، وبالتالي بدلت المؤسسات القديمة، السياسية والحقوقية وغيرها ، بمؤسسات جديدة، اشتراكية، ولكن، رغم ذلك ، ظلت اللغة الروسية، من حيث الأساس، كما كانت قبل ثورة أكتوبر.
وماذا تغير في اللغة الروسية خلال هذه المرحلة؟ لقد تغير، إلى حد ما، تركيب قاموس اللغة الروسية. تغير بمعنى أنه اغتنى بكمية ملحوظة من الكلمات الجديدة، والتعابير الجديدة التي نشأت مع الإنتاج الاشتراكي الجديد، ومع الدولة الجديدة والثقافة الجديدة الاشتراكية، والمجتمع الجديد، والأخلاق الجديدة، وأخيراً مع ما أحرزه التكنيك والعلم من تقدم. وتغيرت معاني كثير من الكلمات والتعابير، إذ اكتسبت مدلولاً جديداً، وزال من القاموس عدد من الكلمات البالية أما مضمون القاموس الأساسي، وبناء قواعد اللغة الروسية، وهما أساس اللغة، فلم يصفيا بعد إزالة البناء التحتي الرأسمالي، ولم يستبدلا بمضمون جوهري جديد للقاموس، وببناء قواعدي جديد للغة، بل بقيا بتمامهما، ولم ينل منهما أي تبديل جدي ـ لقد بقيا، بالضبط كأساس للغة الروسية المعاصرة.
وبعد، إن البناء الفوقي يولده البناء التحتي، بيد أن هذا لا يعني بتاتاً أن البناء الفوقي لا يمكنه إلا أن يعكس البناء التحتي، وأنه غير فعال، وأنه محايد، وأنه يقف موقف اللامبالاة حيال مصير بنائه التحتي، ومصير الطبقات، وحيال طبيعة النظام. بل على العكس، فهو ما أن يظهر إلى الوجود، حتى يصبح قوة فعالة عظيمة، ويساعد بناءه التحتي مساعدة قوية على التكون، وعلى ترسيخ أركانه، ويتخذ جميع التدابير لمساعدة النظام الجديد في الإجهاز على البناء التحتي القديم، والطبقات القديمة وتصفيتها.
ولا يمكن أن يكون الأمر على غير ذلك، فالبناء الفوقي إنما يتولد من البناء التحتي لكي يخدمه، لكي يساعده بنشاط على التكون وعلى توطيد أركانه لكي يناضل بنشاط في سبيل تصفية البناء التحتي القديم، الذي هو في طريق الزوال مع بنائه الفوقي القديم، ويكفي أن يتخلى البناء الفوقي عن هذا الدور المساعد، وأن ينتقل من وضع الدفاع النشيط عن بنائه التحتي، إلى وضع اللامبالاة حياله، وأن يقف موقفاً مماثلاً من جميع الطبقات، حتى يفقد صفته، ويكف عن كونه بناء فوقياً.
إن اللغة من هذه الناحيةـ تختلف اختلافاً أساسياً عن البناء الفوقي، فاللغة غير متولدة من هذا البناء التحتي أو ذاك، قديماً كان أم جديداً، في قلب مجتمع معين، بل هي تتولد من كل سير تاريخ المجتمع ومن تاريخ الأبنية التحتية خلال العصور، فهي ليست صنع طبقة معينة، بل صنع كل المجتمع، صنع كل طبقات المجتمع، ونتاج جهود مئات الأجيال، وقد وجدت لا لسد حاجات طبقة ما بل لسد حاجات كل المجتمع، كل طبقات المجتمع، لقد وجدت بالضبط، من حيث هي اللغة الوحيدة للمجتمع، اللغة المشتركة لجميع أعضاء المجتمع، لغة الشعب بأسره. لهذا، فإن دور اللغة، دورها المساعد، من حيث هي وسيلة الناس للاتصال فيما بينهم لا يقوم على خدمة طبقة على حساب الطبقات الأخرى، بل على خدمة المجتمع، كل طبقات المجتمع، دون تفريق، وهذا على الضبط، ما يفسر كون اللغة تستطيع أن تخدم دون تفريق، النظام القديم المحتضر والنظام الجديد الصاعد، وأن تخدم البناء التحتي القديم والجديد، والمستثمرين والمستثمرين، على السواء.
وليس سراً على أحد، أن اللغة الروسية خدمت الرأسمالية الروسية والثقافة البرجوازية الروسية قبل ثورة أكتوبر، كما هي تخدم اليوم، النظام الاشتراكي والثقافة الاشتراكية للمجتمع الروسي.
والشيء ذاته يجب أن يقال عن اللغة الأوكرانية، والبيلوروسية، والأوزركية، والكازاكية، والجيورجية، والأرمنية، والأستونية، والليتونية، والمولدافية،والليتوانية والتترية والأذربيجانية، والبشكيرية، والتركمانية وغيرها من لغات الأمم السوفييتية، التي خدمت النظام البرجوازي القديم لهذه الأمم، كما تخدم النظام الاشتراكي الجديد.
ولا يمكن أن يكون الأمر على غير ذلك، فاللغة موجودة من أجل ذلك، وهي قد أنشئت من أجل ذلك: أي لكي تخدم المجتمع بمجموعه، لكونها أداة تسمح للناس بالاتصال فيما بينهم ولكي تكون مشتركة لجميع أعضاء المجتمع، وواحدة لكل المجتمع، ولكي تخدم أعضاءه على السواء، بصورة مستقلة عن وضعهم الطبقي، ويكفي أن تتخلى اللغة عن هذا الوضع من حيث هي أداة مشتركة لكل الشعب، يكفي أن تتخذ موقف تفضيل، ومساندة فئة اجتماعية على حساب الفئات الاجتماعية الأخرى، لكي تفقد صفتها، لكي تكف عن كونها وسيلة لاتصال الناس ببعضهم، ولكي تتحول إلى رطانة(1) تخص فئة اجتماعية معينة، وتأخذ في الانحطاط، وتحكم على نفسها بالزوال.
فاللغة، إذن، مع اختلافها اختلافاً تاماً عميقاً عن البناء الفوقي، لا تختلف، مع ذلك، عن وسائل الإنتاج، مثلاً عن الآلات التي هي أيضاً مثل اللغة، لا تبالي بالطبقات، وتستطيع أن تخدم النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، كليهما دون تفريق.
أما اللغة، فهي على الضد، نتاج سلسلة طويلة من العهود تتكون خلالها وتغتني وتتطور وتصقل. ولهذا، تعيش اللغة مدة أطول بكثير من أي بناء تحتي ومن أي بناء فوقي. وهذا، بالضبط، ما يفسر أن نشوء بناء تحتي معين وبنائه الفوقي، وزوالهما، بل إن نشوء كثير من الأبنية التحتية وأبنيتها الفوقية المطابقة لها، وزوالها جميعاً، لا يؤدي، في التاريخ، إلى زوال اللغة المعينة، وزوال بنائها، وغلى نشوء لغة جديدة مع مضمون قاموسي جديد، ونظام قواعدي جديد.
لقد مرت أكثر من مئة سنة على وفاة بوشكين. ومنذ ذلك الحين، أزيل النظامان الإقطاعي والرأسمالي في روسيا، ونشأ نظام ثالث هو النظام الاشتراكي. إذن، أزيل بناءان تحتيان، مع بنائيهما الفوقيين، ونشأ بناء تحتي جديد اشتراكي مع بنائه الفوقي الجديد. ونشأ بناء تحتي جديد اشتراكي مع بنائه الفوقي الجديد. ومع ذلك، إذا أخذنا اللغة الروسية مثلاً، تبين لنا أنه لم يطرأ عليها تغيير أساسي خلال هذه الفترة الطويلة من الزمن، وأن اللغة الروسية المعاصرة لا تختلف ببنائها، عن لغة بوشكين إلا قليلاً.
فماذا تغير في اللغة الروسية منذ ذلك العهد؟ لقد اغتنى قاموس اللغة الروسية، وزال منه عدد كبير من الكلمات البالية، وتبدل معنى كمية هامة من الكلمات، وتحسن نظام قواعد اللغة. أما فيما يتعلق ببناء اللغة البوشكينية مع صيغها القواعدية، والمضمون الرئيسي لقاموسها، فقد بقيت، بكل ما فيها من جوهري، أساساً للغة الروسية المعاصرة.
وهذا أمر مفهوم تماماً. وبالفعل، ما الفائدة من أن يلغى، بعد كل ثورة، بناء اللغة القائم، وتلغى صيغها القواعدية، والمضمون الرئيسي لقاموسها، ويستعاض عنها بجديد، كما يجري عادة بالنسبة للبناء الفوقي؟ ومن الذي يستفيد من أن لا يسمي: «الماء» و«الأرض» و«الجبل» و«الغابة» و«السمكة» و«الإنسان» و«سار» و«عمل» و«أنتج» و«تاجر».. الخ، ماء وأرضاً وجبلاً...إلخ بل إن تسمى بشكل آخر؟ وأية فائدة من أن لا يتم تغير الكلمات في اللغة، وتركيب الكلمات في الجملة، وفقاً للقواعد الموجودة، بل وفقاً لقواعد أخرى مختلفة؟ وأية منفعة تجنيها الثورة من مثل هذا الانقلاب في اللغة؟
إن التاريخ، على العموم، لا يفعل، أبداً، شيئاً جوهرياً بدون ضرورة خاصة. وإن المرء ليتساءل: ترى أية ضرورة لمثل هذا الانقلاب اللغوي مادام من الثابت البين، إن اللغة الموجودة، مع بنائها، ملائمة تماماً، من حيث الأساس، لحاجات النظام الجديد؟ إن من الممكن والواجب هدم البناء الفوقي القديم وإبداله بجديد، في بعض سنوات، لإطلاق العنان لتطور قوى المجتمع المنتجة. ولكن يكف تهدم اللغة الموجودة وتبنى لغة جديدة مكانها، خلال بضع سنوات، دون إدخال الفوضى في الحياة الاجتماعية، ودون تهديد المجتمع بالتفكك والتفسخ؟
من، إذن، غير الدونكيشوتيين، يمكن أني ضعوا أمام أنفسهم مثل هذه المهمة؟
وهنالك، أخيراً، فرق أساسي بين البناء الفوقي وبين اللغة. فالبناء الفوقي لا يرتبط مباشرة بالإنتاج، بنشاط الإنسان الإنتاجي. فهو ليس مرتبطاً بالإنتاج إلا بصورة غير مباشرة، عن طريق الاقتصاد، عن طريق البناء التحتي. ولهذا، فالبناء الفوقي لا يعكس التغيرات في مستوى تطور القوى المنتجة فوراً وبصورة مباشرة، بل يعكسها بعد حدوث تغيرات في البناء التحتي، ويجري ذلك بانعكاس تغيرات الإنتاج في تغيرات البناء التحتي. وهذا يعني أن دائرة عمل البناء الفوقي ضيقة ومحدودة.
أما اللغة، فهي، على العكس من ذلك، مرتبطة مباشرة، بنشاط الإنسان الإنتاجي، وليس بنشاطه الإنتاجي فحسب بل بكل نشاط آخر للإنسان في جميع ميادين عمله، من الإنتاج حتى البناء التحتي، ومن البناء التحتي حتى البناء الفوقي. ولهذا تعكس اللغة التبدلات في الإنتاج بصورة فورية ومباشرة، دون انتظار تغيرات في البناء التحتي. ولهذا، فدائرة عمل اللغة، التي تشمل جميع ميادين نشاط الإنسان، هي أوسع جداً وأكثر تنوعاً من دائرة عمل البناء الفوقي، بل هي أكثر من ذلك، هي تقريباً غير محدودة.
وهذا ما يفسر، قبل كل شيء، لماذا تظل اللغة، أو بصورة أدق، لماذا يبقى تركيب قاموسها، في حالة من التبدل الذي لا ينقطع تقريباً. إن النمو الذي لا ينقطع في الصناعة والزراعة والتجارة والنقل، والتكنيك والعلم، يتطلب من اللغة أن تكمل قاموسها بكلمات جديدة، وتعابير جديدة ضرورية للعمل في هذه الميادين. واللغة، التي تعكس هذه الحاجات رأساً، تكمل قاموسها بكلمات جديدة، وتحسن وتتقن نظامها القواعدي.
إذن:
أ‌- لا يمكن للماركسي أن يعتبر اللغة بناء فوقياً قائماً على بناء تحتي.
ب‌- إن الخلط بين اللغة والبناء الفوقي، هو اقتراف خطأ جسيم.
* * *
سؤال: أصحيح أن اللغة حملت وتحمل دائماً طابعاً طبقياً، وإن ليس هناك لغة عامة مشتركة وواحدة للمجتمع، لغة لا طابع لها، لغة للشعب بأسره؟
جواب: لا، هذا غير صحيح.
ليس من الصعب أن يدرك المرء أن لا مجال للغة طبقية، في مجتمع خال من الطبقات. وقد كان النظام البدائي المشاعي، لا يعرف الطبقات، وبالتالي، لم يكن من الممكن أن تكون فيه لغة طبقية. لقد كانت اللغة فيه مشتركة وواحدة لكل الجماعة. أما الاعتراض القائل بأن الطبقة معناها كل جماعة بشرية، بما فيها الجماعة البدائية المشاعية، فهو ليس اعتراضاً، بل لعباً بالألفاظ لا يستحق الرد والدحض.
أما فيما يتعلق بالتطور اللاحق للغات، من لغات العشائر حتى لغات القبائل، ومن لغات القبائل حتى لغات القوميات، ومن لغات القوميات حتى اللغات الوطنية، ففي كل مكان، وفي جميع مراحل التطور، كانت اللغة، من حيث هي وسيلة لاتصال الناس فيما بينهم في المجتمع، مشتركة وواحدة للمجتمع، تخدم أعضاء المجتمع على السواء، بصورة مستقلة عن أوضاعهم الاجتماعية.
لست أقصد هنا إمبراطوريات عهود العبودية والقرون الوسطى، كإمبراطوريتي سيروس وإسكندر الكبير، أو إمبراطوريتي قيصر وشارلمان، مثلاً، التي لم يكن لها أساسها الاقتصادي، والتي كانت تمثل تشكيلات عسكرية ـ إدارية، مؤقتة وغير مستقرة. فلم تكن لهذه الإمبراطوريات، بل لم يكن من الممكن أن يكون لها، لغة واحدة لكل الإمبراطورية، يفهمها جميع أعضاء الإمبراطورية. فقد كانت هذه الإمبراطوريات تمثل خليطاً من القبائل والشعوب لها حياتها الخاصة ولها لغاتها الخاصة. ولذلك، لست اقصد تلك الإمبراطوريات أو مثيلاتها الأخرى، بل أعني القبائل والشعوب التي كانت تدخل في تركيب الإمبراطورية، وكان لها أساسها الاقتصادي، ولغتها المكونة منذ أمد طويل. يقول التاريخ أن لغات هذه القبائل، وهذه الشعوب لم تكن ذات طابع طبقي، بل كانت لغات للشعب كله، مشتركة للقبائل والشعوب، ومفهومة منها.
وكانت هنالك، طبعاً، إلى جانب اللهجات، ألسنة محلية، ولكن هذه اللسنة المحلية كانت تابعة وخاضعة للغة الوحيدة المشتركة: لغة القبيلة أو الشعب.
وفيما بعد مع ظهور الرأسمالية، ومع تصفية التجزئة الإقطاعية، ومع تكون سوق وطنية، تحولت الشعوب إلى أمم، وتحولت لغات الشعوب إلى لغات وطنية.
يبين التاريخ أن اللغات الوطنية ليست لغات طبقية بل لغات مشتركة لكل الشعب، مشتركة لجميع أعضاء الأمة، وواحدة للأمة.
لقد سبق القول، آنفاً، أن اللغة، بوصفها وسيلة لاتصال الناس فيما بينهم في المجتمع، تخدم جميع طبقات المجتمع على السواء، وتبدي، من هذه الناحية، نوعاً من اللامبالاة نحو الطبقات. بيد أن الناس، بفئاتهم الاجتماعية المختلفة وطبقاتهم، هم أبعد من أن لا يبالوا باللغة. إنهم يجهدون لاستخدامها في سبيل مصالحهم، ولفرض قاموسهم الخاص، وألفاظهم الخاصة، وتعابيرهم الخاصة عليها. وفي هذا الباب، تتميز بصورة خاصة، الفئات العليا من الطبقات المالكة، التي انفصلت عن الشعب والتي تكرهه: كأرستقراطية النبلاء، والفئات العليا من البرجوازية. فتتكون لهجات «طبقية» و«ألسنة خاصة»، و«لغات» صالون. وهذه اللهجات واللسنة الخاصة، كثيراً ما تنعت، خطأ، في الأدب، بلغات، فيقال: «لغة النبلاء» و«لغة البرجوازية»، مقابل «اللغة البروليتارية»، و«لغة الفلاحين»: ولهذا السبب انتهى بعض رفاقنا، مع ما يبدو في ذلك من الغرابة، إلى الاستنتاج بأن اللغة الوطنية وهم من الأوهام، وأن ليس هناك في الواقع، سوى لغات طبقات.
إني أعتقد أن ليس هناك ما هو أشد خطأ من هذا الاستنتاج، فهل يمكن اعتبار هذه اللهجات وهذه الألسنة الخاصة، لغات؟ لا، أبداً. ودون أدنى شك. لا يمكن ذلك، أولاً، لأن هذه اللهجات، وهذه الألسنة الخاصة ليست لها صيغها القواعدية الخاصة، ولا قاموسها الأساسي ـ فهي تستعيرها من اللغة الوطنية. ولا يمكن ذلك، ثانياً، لأن هذه اللهجات والألسنة الخاصة تنتشر في دائرة ضيقة بين أعضاء القمة من هذه الطبقة أو تلك، وهي لا تصلح، أبداً، لأن تكون وسيلة اتصال بين الناس للمجتمع بمجموعه.
من أي شيء تتألف هذه اللهجات والألسنة الخاصة؟ أن فيها مختارات من بعض الألفاظ الخاصة التي تعكس الأذواق الخاصة للأرستقراطية، أو للفئات العليا من البرجوازية، وفيها عدد من التعابير والتراكيب اللفظية التي تتميز بما يراد لها من طابع أنيق مقصود، خال من التعابير والتراكيب «الفظة» الموجودة في اللغة الوطنية، وفيها أخيراً، عدد من الكلمات الأجنبية. أما الكل الأساسي، أي الأكثرية الساحقة من الكلمات، وكذلك الصيغ القواعدية، فهي مستعارة من لغة كل الشعب، من اللغة الوطنية.
وعلى ذلك، فاللهجات والألسنة الخاصة، تمثل تفرعات محرومة من اللغة الوطنية للشعب بأسره، تفرعات محرومة من كل استقلال لغوي، ومقضياً عليها بحياة خاملة. أما الاعتقاد بأن اللهجات والألسنة الخاصة تستطيع أن تتطور إلى لغات مستقلة، قادرة على زحزحة اللغة الوطنية والحلول محلها، فهو إضاعة للأفق التاريخي، وانحراف عن مواقع الماركسية.
إن هناك من يستشهدون بماركس، ويوردون فقرة من مقاله «سان ماكس»، جاء فيها أن للبرجوازي «لغته»، وأن هذه اللغة هي «نتاج البرجوازية»، وأنها مشبعة بالروح التجارية، روح البيع والشراء. ويريد بعض الرفاق أن يدللوا، بهذا الاستشهاد، على أن ماركس كان يؤكد «الطابع الطبقي» للغة، وينكر وجود لغة وطنية واحدة. ولو أن هؤلاء الرفاق لزموا موقفاً موضوعياً في هذه المسألة، لكان عليهم أن يوردوا أيضاً فقرة أخرى من المقال عينه، «سان ماكس»، حيث يتحدث ماركس، عند بحثه السبل المؤدية إلى تكوين لغة وطنية واحدة، عن «تمركز اللهجات في لغة وطنية واحدة، تبعاً للتمركز الاقتصادي والسياسي».
كان ماركس يقر، إذن، بضرورة لغة وطنية واحدة، باعتبارها شكلاً أعلى تخضع له اللهجات من حيث هي أشكال دنيا.
في هذه الحالة، ماذا يمكن أن تمثل لغة البرجوازي التي هي، حسب كلمات ماركس، «نتاج البرجوازية»؟ هل كان ماركس يعتبرها لغة مماثلة للغة الوطنية، لها بناء لغوي خاص؟ وهل كان من الممكن أن يعتبرها لغة من هذا النوع؟ كلا، بكل تأكيد. لقد أراد ماركس أن يقول فقط أن البرجوازيين قد حشوا اللغة الوطنية الواحدة بمفرداتهم، مفردات التجار، وأن للبرجوازيين، إذن، لسانهم الخاص، لسان التجار.
إذن، يتبين أن هؤلاء الرفاق شوهوا موقف ماركس، وقد شوهوه لأنهم استشهدوا بماركس لا كماركسيين، بل كقارئين سطحيين ([1]) لا يتعمقون إلى جوهر المسألة. ويستشهدون بإنجلس، فيوردون من كراسه المعنون: «حالة الطبقة العاملة في (إنكلترا)، العبارات التي جاء فيها» الطبقة العاملة الإنكليزية أصبحت، شيئاً فشيئاً شعباً غير البرجوازية الإنكليزية» وإن «العمال يتكلمون لهجة أخرى، ولهم أفكار ومفاهيم أخرى، وعادات أخرى، ومبادئ أخلاقية أخرى، ودين آخر وسياسة أخرى، غير ما للبرجوازية». واستناداً إلى هذا الاستشهاد يستنتج بعض الرفاق أن إنجلس كان ينكر ضرورة لغة وطنية مشتركة لكل الشعب، وبالتالي كان يؤكد «الطابع الطبقي» للغة. والصحيح أن إنجلس لا يتحدث، هنا، عن اللغة بل عن اللهجة، مدركاً، كل الإدراك، أن اللهجة، بوصفها فرعاً من اللغة الوطنية، لا يمكن أن تحل محل اللغة. ولكن يبدو أن هؤلاء الرفاق لا يحبذون، أبداً، وجود فرق بين اللغة واللهجة...
من الواضح، أن هذا الاستشهاد ليس في محله، إذ أن إنجلس لا يتكلم، هنا، عن «اللغات الطبقية»، بل يتكلم، بصورة رئيسية، عن الأفكار الطبقية: عن المفاهيم والعادات، والمبادئ الأخلاقية، والدين والسياسة. ومن الصحيح بصورة مطلقة، أن الأفكار والمفاهيم والعادات والمبادئ الأخلاقية والدين والسياسة، متضادة، تضاداً أساسياً، لدى البرجوازيين ولدى البروليتاريين. ولكن ما دخل اللغة الوطنية هنا، أو «الطابع الطبقي» للغة؟ هل يمكن أن يكون وجود التناقضات الطبقية في المجتمع، حجة في صالح «الطابع الطبقي» للغة أو ضد ضرورة لغة وطنية واحدة؟ تقول الماركسية: إن وحدة اللغة هي من أهم علائم الأمة، مع علمها تماماً أن في داخل الأمة تناقضات طبقية، فهل يعترف الرفاق الآنفو الذكر بهذه النظرية الماركسية؟
ويستشهدون بـ «لافارغ» قائلين أنه، في كراسه «اللغة الفرنسية قبل الثورة وبعدها»، يعترف بـ «الطابع الطبقي» للغة، وينكر ضرورة لغة وطنية لكل الشعب. إن هذا غير صحيح. فالواقع أن لافارغ يتحدث عن لغة «النبلاء» أو اللغة «الأرستقراطية»، وعن الألسنة الخاصة لمختلف فئات المجتمع. ولكن هؤلاء الرفاق ينسون أن لافارغ الذي لا يهتم بمسألة الفرق بين اللغة واللسان الخاص، والذي ينعت اللهجات تارة بـ «اللغة المصطنعة»، وطوراً بـ «اللسان الخاص»، يعلن بوضوح في كراسه أن «اللغة المصطنعة التي كانت تميز الأرستقراطية... قد استخرجت من اللغة «العامية» التي يتكلمها البرجوازيون والحرفيون وتتكلمها المدينة والقرية». وبالتالي، يعترف لافارغ بوجود لغة مشتركة لكل الشعب وبضرورتها، مدركاً، كل الإدراك، ما تتميز به «اللغة الارستقراطية»، والألسنة الخاصة الأخرى من خضوع وتبعية، بالنسبة للغة كل الشعب.
ينتج عن ذلك أن الاستشهاد بـ "لافارغ" يخطئ هدفه. ويقدمون كحجة وبرهان، أن الإقطاعيين الإنكليز، في عهد ما في إنكلترا، قد تكلموا الفرنسية «خلال عصور»، في حين، كان الشعب الإنكليزي يتكلم اللغة الإنكليزية، وأن هذا الواقع هو حجة في صالح «الطابع الطبقي» للغة، وضد ضرورة لغة لمجموع الشعب. ولكن ذلك ليس حجة، بل هو، بالأحرى، نكتة. فأولاً، لم يكن جميع الإقطاعيين، في ذلك العهد، يتكلمون الفرنسية، بل كان يتكلمها عدد ضئيل، لا يؤبه به، من كبار الإقطاعيين الإنكليز في بلاط الملك وفي الإمارات. وثانياً، لم يكونوا يتكلمون «لغة طبقية» ما، بل اللغة الفرنسية العادية، لغة كل الشعب الفرنسي. وثالثاً، أن هذا الولع باللغة الفرنسية قد اندثر، كما هو معلوم، دون أن يترك أثراً، وأخلى المكان للغة العامة المشتركة لجموع الشعب الإنكليزي. فهل يعتقد هؤلاء الرفاق أن الإقطاعيين الإنكليز قد تفاهموا، مع الشعب الإنكليزي، طوال عصور، بواسطة مترجمين، وأنهم لم يكونوا يستعملون اللغة الإنكليزية، وأنه لم تكن هناك، حينذاك، لغة إنكليزية لكل الشعب. وأن اللغة الفرنسية كانت تمثل، وقتذاك في إنكلترا، شيئاً جدياً أكثر من لغة صالون تستعمل فقط في حلقة ضيقة من الأرستقراطية الكبيرة؟ كيف يمكن، لمثل هذه «الحجج» المضحكة، إنكار وجود لغة مشتركة عامة للشعب بأسره، وضرورتها؟

لقد كان الأرستقراطيون الروس يتسلون، أيضاً في زمن ما، بالتكلم بالفرنسية في بلاط القياصرة، وفي الصالونات. وكانوا يفاخرون بأنهم، إذ يتكلمون الروسية يرطنون بكلمات فرنسية، وأنهم لا يعرفون تكلم الروسية إلا بنبرة فرنسية. فهل يعني هذا أنه لم تكن في روسيا، آنذاك، لغة روسية مشتركة لكل الشعب، وأن لغة الشعب المشتركة كانت وهماً، وأن «لغات الطبقات» كانت حقيقة واقعة؟
إن رفاقنا يرتكبون هنا خطأين على الأقل:
الخطأ الأول: أنهم يخلطون بين اللغة والبناء الفوقي، لاعتقادهم أنه إذا كان للبناء الفوقي طابع طبقي، فاللغة أيضاً ينبغي ألا تكون مشتركة لمجموع الشعب، بل يجب أن تحمل طابعاً طبقياً. لكنني قلت آنفاً، أن اللغة والبناء الفوقي يمثلان مفهومين مختلفين، ولا يستطيع الماركسي قبول الخلط بينهما.
والخطأ الثاني: أن هؤلاء الرفاق يفهمون التعارض بين مصالح البرجوازية ومصالح البروليتاريا، والنضال الطبقي الحامي بينهما، كأنهما انحلال للمجتمع، كأنهما انقطاع لجميع الروابط بين الطبقات المتخاصمة. ففي رأيهم، مادام المجتمع قد تفكك، ولم يبقى هناك مجتمع موحد، بل طبقات فقط، فلم تبقى ثمة حاجة إلى لغة موحدة للمجتمع، لم تبقى ثمة حاجة إلى لغة وطنية. وإذا ما تفكك المجتمع، ولم تبق هناك لغة وطنية مشتركة لكل الشعب، فماذا يبقى إذن؟ تبقى طبقات و«لغات طبقية». وغني عن البيان أن كل «لغة طبية» يكون لها علم قواعدها الطبقي علم قواعد «بروليتاري» وعلم قواعد «برجوازي». صحيح أن مثل هذين العلمين اللغويين لا وجود لهما في الواقع، ولكن ذلك لا يضايق هؤلاء الرفاق: فهم يعتقدون أن هذين العلمين اللغويين سينشآن يوماً ما.
لقد كان عندنا، في زمن ما، «ماركسيون» يؤكدون أن السكك الحديدية التي بقيت في بلادنا، بعد ثورة أكتوبر، كانت برجوازية، فلا يليق بنا، نحن الماركسيين، أن نستخدمها، وأن من الواجب تحطيمها وبناء سكك حديدية جديدة «بروليتارية». ولهذا أطلق عليهم اسم «تروغلوديت»([2]).
وغني عن البيان أن هذه الآراء الفوضوية البدائية عن المجتمع وعن الطبقات وعن اللغة لا يجمعها جامع بالماركسية. ولكن لا جدال في أن هذه الآراء لا تزال موجودة، وهي تتابع العيش في رؤوس بعض رفاقنا الذين تاهوا وارتبكوا في المسألة.
ليس صحيحاً، طبعاً، أن المجتمع قد تفكك، من جراء النضال الطبقي العنيف، إلى طبقات لم تبق مرتبطة إحداها بالأخرى اقتصادياً في قلب المجتمع نفسه. بل على الضد من ذلك، فما دامت الرأسمالية في الوجود، سيبقى البرجوازيون والبروليتاريون مرتبطين معاً بجميع خيوط الاقتصاد كعناصر من مجتمع رأسمالي واحد. فالبرجوازيون لا يستطيعون العيش والإثراء إذا لم يكن تحت تصرفهم عمال إجراء. والبروليتاريون لا يستطيعون البقاء إذا لم يشتغلوا عند الرأسماليين. إن قطع جميع الروابط الاقتصادية بينهم يعني انقطاع كل الإنتاج، وانقطاع كل الإنتاج يؤدي إلى موت المجتمع، إلى موت الطبقات نفسها. وبديهي أن ما من طبقة تريد أن تحكم على نفسها بالفناء. ولذا، فنضال الطبقات، مهما بلغ من الحدة لا يمكن أن يؤدي إلى تفكك المجتمع. إن جهل مسائل الماركسية وعدم الإدراك المطبق لطبيعة اللغة هما، وحدهما، ما يمكن أن يوحي إلى بعض رفاقنا حكاية تفكك المجتمع، واللغات «الطبقية» وقواعد علم اللغة «الطبقية».
ثم يستشهدون بلينين ويذكرون بأنه اعترف بوجود ثقافتين في ظل الرأسمالية. الثقافة البرجوازية، والثقافة البروليتارية، وقال: إن شعار الثقافة الوطنية في ظل الرأسمالية هو شعار قومي. كل ذلك صحيح. ولينين على حق هنا تماماً. ولكن ما دخل «الطابع الطبقي» للغة هنا؟ إن هؤلاء الرفاق باستشهادهم بكلمات لينين عن الثقافتين في ظل الرأسمالية، يريدون، كما هو واضح، إقناع القارئ بأن وجود ثقافتين في المجتمع ـ الثقافة البرجوازية والثقافة البروليتارية ـ يعني من الواجب وجود لغتين في المجتمع، لأن اللغة مرتبطة بالثقافة، وأن لينين، بالتالي، ينكر ضرورة لغة وطنية واحدة، إذن، فلينين يقول باللغات «الطبقية».
إن خطأ هؤلاء الرفاق هنا، هو المماثلة والخلط بين اللغة والثقافة. غير أن الثقافة واللغة شيئان مختلفان.
فالثقافة يمكن أن تكون برجوازية أو اشتراكية. أما اللغة، بوصفها وسيلة اتصال، فهي دائماً لغة مشتركة لكل الشعب، وتستطيع أن تخدم الثقافة البرجوازية والثقافة الاشتراكية. أليس أمراً واقعاً، أن اللغات الروسية والأوكرانية، والأوزبكية تخدم الثقافة الاشتراكية لهذه الأمم اليوم، مثلما كانت تخدم ثقافاتها البرجوازية قبل ثورة أكتوبر؟ فهؤلاء الرفاق يخطئون خطأ فادحاً حين يؤكدون أن وجود ثقافتين مختلفتين يؤدي إلى تكوين لغتين مختلفتين، وإلى نفي ضرورة لغة وحيدة. لقد كان لينين، في كلامه عن الثقافتين، يبدأ، بالضبط، من هذه النظرية القائلة بأن وجود ثقافتين لا يمكن أن يؤدي إلى إنكار اللغة الواحدة وإلى تكوين لغتين، وأن اللغة يجب أن تكون واحدة. ولما بدأ «البونديون»([3]) يتهمون لينين بإنكار ضرورة اللغة الوطنية وباعتبار الثقافة شيئاً «غير وطني»، احتج لينين بشدة، كما هو معلوم، على هذه التهمة، وأعلن أنه يحارب الثقافة البرجوازية لا اللغة الوطنية التي يعتبر ضرورتها شيئاً لا جدال فيه. ومن الغريب أن يبدأ بعض رفاقنا باقتفاء آثار البونديين.
أما فيما يتعلق باللغة الواحدة، التي زعموا أن لينين أنكر ضرورتها، فجدير بنا سماع كلمات لينين التالية:
«اللغة هي وسيلة أساسية للاتصال بين الناس. ووحدة اللغة وتطورها بغير عائق، يشكلان شرطاً من الشروط الأساسية للمبادلات التجارية الحرة فعلاً، والواسعة فعلاً، المطابقة للرأسمالية المعاصرة، ولتجمع السكان، في جميع الطبقات المختلفة، تجمعاً حراً واسعاً». ينتج، إذن، أن رفاقنا قد شوهوا نظرات لينين.
ويستشهدون أخيراً بستالين، فيأخذون كلمات ستالين القائلة بأن «البرجوازية وأحزابها القومية كانت وماتزال، في هذا العهد، القوة الرئيسية القائدة للأم». كل هذا صحيح. فالبرجوازية وحزبها القومي يقودان فعلاً الثقافة البرجوازية، كما أن البروليتاريا وحزبها الأممي يقودان الثقافة البروليتارية. ولكن ما دخل «الطابع الطبقي» للغة، هنا؟ إلا يعرف هؤلاء الرفاق أن اللغة الوطنية هي شكل للثقافة الوطنية، وأن اللغة الوطنية تستطيع أن تخدم الثقافة البرجوازية والثقافة الاشتراكية كليهما؟ وهل يجهل رفاقنا الصيغة المعروفة جيداً عند الماركسيين، ومؤداها أن الثقافات الحالية الروسية والأوكرانية والبيلوروسية وغيرها، هي اشتراكية بالمحتوى، ووطنية بالشكل أي باللغة؟ فهل هم موافقون على هذه الصيغة الماركسية؟
إن خطأ رفاقنا هو في أنهم لا يرون الفرق بين الثقافة واللغة ولا يدركون أن محتوى الثقافة يتغير، في كل مرحلة جديدة من مراحل تطور المجتمع، في حين أن اللغة تبقى هي ذاتها، من حيث الأساس، طوال مراحل عديدة وتخدم الثقافة الجديدة والقديمة على السواء.
إذن:
أ‌- أن اللغة، بوصفها وسيلة للاتصال، كانت دائماً وما تزال واحدة للمجتمع، ومشتركة لجميع أعضاء المجتمع.
ب‌- إن وجود اللهجات والرطانات لا ينفي، بل يؤكد وجود لغة لكل الشعب، تكون هذه اللهجات والرطانات تفرعات منها وتابعة لها.
ت‌- إن صيغة «الطابع الطبقي» للغة صيغة خاطئة، غير ماركسية.
سؤال: ما هي العلائم المميزة للغة؟
جواب: اللغة هي في عداد الأحداث الاجتماعية التي تظهر طوال مدة وجود المجتمع. وهي تولد وتتطور مع ولادة المجتمع وتطوره، وتموت في نفس الوقت الذي يموت فيه المجتمع. وليست ثمة لغة خارج المجتمع. ولهذا لا يمكن فهم اللغة وقوانين تطورها، إلا إذا درست اللغة بالاتصال الوثيق بتاريخ المجتمع، بتاريخ الشعب الذي تخصه اللغة المدروسة والذي هو خالقها وحاملها.
اللغة وسيلة، أداة، بمعونتها يتصل الناس بعضهم ببعض، ويتبادلون أفكارهم، ويتوصلون إلى أن يفهم أحدهم الآخر بصورة متبادلة. إن اللغة التي هي مرتبطة بالفكر ارتباطاً مباشراً، تسجل وتثبت، في الكلمات وفي ما تؤلفه تراكيب الكلمات من عبارات، نتائج عمل الفكر ونجاحات عمل الإنسان في سبيل توسيع معارفه، وهكذا تجعل تبادل الأفكار في المجتمع الإنساني ممكناً.
إن تبادل الأفكار ضرورة دائمة وحيوية، إذ بدونه من المستحيل تنسيق أعمال الناس المشتركة في النضال ضد قوى الطبيعة، في النضال لإنتاج الخيرات المادية الضرورية، ومن المستحيل تحقيق نجاحات في نشاط المجتمع الإنتاجي، وهكذا، فحتى وجود الإنتاج الاجتماعي يصبح مستحيلاً. وبالتالي، فبدون لغة مفهومة للمجتمع ومشتركة لجميع أعضائه، يكف المجتمع عن الإنتاج ويتفكك، ولا يبقى له وجود كمجتمع. ومن هذه الناحية، ما دامت اللغة أداة للعلاقات بين الناس، فهي، في الوقت نفسه، أداة نضال وتطور للمجتمع.
إن جميع الكلمات، الموجودة في لغة ما، تؤلف بمجموعها، كما هو معلوم، ما يسمى بقاموسها([4]). والشيء الأساسي في قاموس اللغة، هو المضمون الرئيسي للقاموس، الذي تتألف نواته من جميع الكلمات الأصلية. وهذا المضمون الرئيسي هو أقل اتساعاً من مجموع قاموس اللغة بكثير، ولكنه يعيش طويلاً جداً، يعيش خلال عصور، ويخدم كأساس لتكوين كلمات جديدة.
إن القاموس يعكس صورة عن حال اللغة: فاللغة تكون أكثر غنى وتطوراً، بمقدار ما يكون قاموسها أكثر غنى وتطوراً.
غير أن القاموس، مأخوذاً لوحده، لا يؤلف اللغة، بالأحرى، يمثل مواد البناء للغة. وكما أن مواد بناء العمار ليست البناية، رغم أنه من المستحيل تعمير البناية بدونها، كذلك القاموس ليس هو اللغة بذاتها، رغم أنه لا يمكن تصور أية لغة بدونه. ولكن القاموس يكتسب أهمية كبيرة حين يوضع تحت تصرف علم اللغة، الذي يحدد القواعد التي تضبط تبدل الكلمات وتركيبها في عبارات، ويعطي اللغة بذلك طبيعة منسجمة ومعقولة. إن علم اللغة (تاريخ تحول الكلمات (الصرف والنحو) هو مجموعة قواعد حول تغير الكلمات وحول تركيبها في العبارة. إذن، فبفضل علم اللغة على وجه الضبط، تكتسب اللغة إمكان إلباس الأفكار البشرية، غلافاً مادياً، هو غلاف اللغة.
إن الصفة المميزة لعلم اللغة هي أنه يقدم قواعد التبدلات في الكلمات، دون أن يستهدف كلمات معينة واقعية، بل يستهدف الكلمات بوجه عام، دون أي طابع واقعي لها. ويعطينا علم اللغة القواعد لتركيب العبارات دون أن يستهدف عبارة واقعية معينة، أي دون أن يستهدف مثلاً، فاعلاً ملموساً واقعياً، وفعلاً ملموساً واقعياً...إلخ، بل يأخذ جميع العبارات بوجه عام، بصورة مستقلة عن الشكل الملموس الواقعي لهذه العبارة أو تلك. وإذن، فعلم اللغة، بتركه، جانباً، الخاص والواقعي، سواء في الكلمات أم في العبارات يأخذ ما هنالك من عام في أساس تغير الكلمات وتركيبها في العبارات، ويستخلص من ذلك، قواعد اللغة العلمية، قوانين اللغة العلمية.
ن علم اللغة هو نتيجة عمل تجريدي طويل المدى، قام به الفكر البشري، هو علامة نجاحات عظيمة للفكر.
ومن هذه الناحية يذكر علم اللغة بالهندسة التي تضع قوانينها بصرف النظر عن الأشياء الواقعية، إذ تعتبر الأشياء أجساماً غير ملموسة، وغير واقعية، وتعين فيما بينها علاقات ليست هي بعلاقات ملموسة بين أشياء ملموسة بل علاقات بين أجسام بوجه عام، أجسام محرومة من كل خاصة ملموسة واقعية. وخلافاً للبناء الفوقي، الذي هو غير مرتبط بالإنتاج بصورة مباشرة، بل بواسطة الاقتصاد، فإن اللغة مرتبطة مباشرة بنشاط الإنسان الإنتاجي، كما هي مرتبطة بكل نشاط آخر له جميع ميادين عمله دون استثناء. ولهذا فإن قانون اللغة أشد ما يكون إحساساً بالتبدلات، فهو في حالة تبدل يكاد لا ينقطع. وتنبغي الإشارة إلى أن اللغة خلافاً للبناء الفوقي، ليس من شأنها أن تنتظر زوال البناء التحتي، فهي تدخل التبديلات في قاموسها قبل زوال البناء التحتي، وبصورة مستقلة عن حالة البناء التحتي.
بيد أن قاموس اللغة لا يتغير، كالبناء الفوقي، بالقضاء على القديم وبناء الجديد، بل هو يتغير بإكمال المفردات الموجودة بكلمات جديدة، تكونت نتيجة لما يحدث من تغيرات في النظام الاجتماعي، ونتيجة لتطور الإنتاج والثقافة والعلم...إلخ ومع أن عدداً من الكلمات البالية يزول عادة من قاموس اللغة، ففي الوقت نفسه، يضاف إلى هذا القاموس عدد أعظم من الكلمات الجديدة. أما المضمون الأساسي لقاموس اللغة، فيبقى كما هو من حيث جوهره، ويستعمل كأساس لقاموس اللغة.
وهذا شيء من السهل فهمه. فليس ثمة ضرورة لهدم المضمون الأساسي للقاموس في حين يمكن استعماله بنجاح، خلال سلسلة طويلة من المراحل التاريخية. هذا عدا عن أن هدم المضمون الأساسي للقاموس المتراكم خلال أجيال برمتها، يؤدي إلى شلل في اللغة وإلى إشاعة التشويش التام في العلاقات بين الناس، وذلك نظراً لاستحالة خلق مضمون أساسي جديد للقاموس في فترة وجيزة من الزمن.
إن النظام القواعدي في اللغة يتغير أيضاً بصورة أشد بطأ من تغير المضمون الأساسي للقاموس، إن النظام القواعدي الذي تكون خلال أجيال كاملة، وأصبح من لحم اللغة ودمها، يتغير أيضاً بصورة أشد بطأ من تغير المضمون الأساسي للقاموس. وصحيح أنه يتعرض مع الزمن للتغيرات، فيتكامل، ويدخل على قواعده تحسيناً ودقة، ويغتني بقواعد جديدة، ولكن أسس هذا النظام القواعدي تبقى لمرحلة من الزمن، طويلة جداً. ذلك لأنها، كما يثبت من التاريخ، تستطيع أن تخدم المجتمع بنجاح خلال سلسلة طويلة من العصور.
وهكذا، فبناء قواعد اللغة، والمضمون الأساسي للقاموس يشكلان أساس اللغة، يشكلان جوهر ميزاتها الخاصة.
إن التاريخ يسجل للغة استقراراً عظيماً ومقامة جبارة ضد اهتضامها([5]) بالقوة. وقد اقتصر بعض المؤرخين على إبداء دهشتهم من هذه الظاهرة بدلاً من شرحها وتفسيرها، ولكن ليس في هذا الأمر أي سبب للدهشة. واستقرار اللغة يفسره استقرار نظام قواعدها والمضمون الأساسي لقاموسها. لقد جهد المهتضمون الأتراك أنفسهم طوال أجيال، لأجل تعطيل لغات الشعوب البلقانية، وهدم هذه اللغات ومحوها. وخلال هذه المرحلة طرأت على قواميس اللغات البلقانية تغيرات هامة، فتبنت كلمات وتعابير تركية عديدة. وحدثت «توافقات» و«تباينات»، ولكن اللغات البلقانية قاومت. مع ذلك، وبقيت. ولماذا؟ لأن نظام قواعد اللغة والمضمون الأساسي لقاموس هذه اللغات حافظاً على نفسهما، بخطوطهما الكبرى. ينتج من هذا كله أن اللغة وبناءها لا يمكن اعتبارهما نتاجاً لعهد من العهود. بل إن بناء اللغة ونظام قواعدها والمضمون الأساسي للقاموس، هما نتاج عهود عديدة. وإنه ليصح الافتراض بأن عناصر اللغة الحديثة قد تكونت منذ أقدم العصور، وقبل عهد الرق. وكانت، يومئذ، لغة قليلة التعقيد، وذات قاموس فقير، ولكن كان لها نظام قواعدها الخاص، الذي كان بدائياً حقاً، إلا أنه كان، مع ذلك، نظاماً قواعدياً.
إن تطور الإنتاج فيما بعد، وظهور الطبقات، وظهور لغة الكتابة، ونشوء الدولة التي تحتاج، في إدارتها، إلى مراسلات على شيء من التنظيم، وتطور التجارة التي هي بحاجة أكبر إلى مراسلة منظمة، وظهور آلات الطباعة، وتطور الأدب، جميع هذه الوقائع أدخلت تغيرات جرت بمبادرة من السلطة القائمة، مع مساندة جماهيرية عظيمة في تطور اللغة. وخلال ذلك، كانت القبائل والشعوب تنقسم وينفصل بعضها عن بعض، وتختلط ويتشابك بعضها ببعض، وظهرت، فيما بعد، لغات وطنية ودول وطنية، ووقعت انقلابات ثورية، وبدلت الأنظمة الاجتماعية القديمة بأنظمة جديدة. فجميع هذه الأحداث أدخلت أيضاً مزيداً من التغيرات على اللغة وعلى تطور اللغة.
ولكن من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن تطور اللغة قد جرى كتطور البناء الفوقي: بهدم الموجود وبناء الجديد. فلقد تطورت اللغة، في الواقع، لا بهدم اللغة الموجودة وصنع لغة جديدة، بل بتطوير العناصر الأساسية للغة الموجودة وإتقان هذه العناصر. وتنبغي الإشارة إلى أن الانتقال من كيفية اللغة إلى كيفية أخرى، لم يحدث عن طريق الانفجارات، ولا عن طريق هدم البالي دفعة واحدة، وإقامة الجديد، بل عن طريق تراكم عناصر الكيفية الجديدة، عناصر البناء الجديد للغة، تراكماً تدريجياً خلال مرحلة من الزمن طويلة، وعن طريق تلاشي عناصر الكيفية القديمة تلاشياً تدريجياً.
ويقولون أن نظرية تطور اللغة، على مراحل، هي نظرية ماركسية لأنها تعترف بضرورة الانفجارات المفاجئة كشرط لانتقال اللغة من الكيفية القديمة إلى الجديدة. إن هذا خطأ، طبعاً، إذ من الصعب أن تجد شيئاً من الماركسية، ولو ضئيلاً، في هذه النظرية. وإذا كانت نظرية التطور على مراحل، تعترف حقاً بالانفجارات المفاجئة في تاريخ تطور اللغة، فهي وشأنها. فالماركسية لا تعترف بالانفجارات المفاجئة في تطور اللغة، ولا بالزوال المفاجىء للغة الموجودة، ولا بالتكوين المفاجئ للغة جديدة. إن لافارغ لم يكن على صواب حين تكلم عن «الثورة اللغوية المفاجئة في فرنسا بين عامي 1789 و1794»، (راجع كراس لافارغ «اللغة الفرنسية قبل الثورة وبعدها»). ففي ذلك العهد لم نحصل في فرنسا أية ثورة لغوية بل ثورة مفاجئة! صحيح أن قاموس اللغة قد اغتنى في ذلك العهد، بكلمات جديدة وتعابير جديدة، وزالت منه كمية من الكلمات. هذا كل ما حدث. ولكن مثل هذه التغيرات لا تقرر بتاتاً مصائر اللغة فالشيء الرئيسي في لغة ما، هو نظامها القواعدي والمضمون الأساسي لقاموسها. غير أن النظام القواعدي والمضمون الأساسي لقاموس اللغة الفرنسية، لم ينقرضا في عهد الثورة البرجوازية الفرنسية. فقد بقيا دون تغيرات هامة. بل هما لم يبقيا وحسب، إنما هما يتابعان الحياة، الآن أيضاً، في اللغة الفرنسية المعاصرة. ولست بحاجة إلى القول بأنه من أجل تصفية اللغة القائمة وبناء لغة وطنية جديدة (أي تحقيق «ثورة لغوية مفاجئة!»)، ففترة خمسة أعوام أو ستة هي فترة قصيرة جداً تثير السخرية. فذلك يتطلب قروناً كاملة.
تعتبر الماركسية أن انتقال اللغة من كيفية قديمة إلى كيفية جديدة، لا يحصل عن طريق انفجار ولا عن طريق هدم اللغة القائمة وبناء أخرى جديدة، بل عن طريق تراكم عناصر الكيفية الجديدة تراكماً تدريجياً، وبالتالي عن طريق اضمحلال عناصر الكيفية القديمة اضمحلالاً تدريجياً. ويجب القول عموماً، للإجابة على سلوك الرفاق المغرمين بالانفجارات، أن قانون الانتقال من الكيفية القديمة إلى كيفية جديدة عن طريق الانفجار، ليس غير قابل للتطبيق على تاريخ تطور اللغة وحسب، بل هو كذلك ليس دائماً قابلاً للتطبيق على حوادث اجتماعية أخرى سواء كان الأمر متعلقاً بالأبنية التحتية أم بالأبنية الفوقية. إن هذا القانون إلزامي بالنسبة للمجتمع المنقسم إلى طبقات متعادية. ولكنه غير إلزامي قطعاً، لمجتمع ليس فيه طبقات متخاصمة. فنحن، في حقبة تتراوح بين ثمانية أعوام إلى عشرة، حققنا الانتقال بزراعة بلادنا من النظام البرجوازي، من النظام الفلاحي الفردي، إلى النظام الكولخوزي الاشتراكي. وكان ذلك ثورة أزالت النظام الاقتصادي البرجوازي القديم في القرية وخلقت نظاماً جديداً اشتراكياً. ومع ذلك لم يجر هذا الانعطاف الأساسي عن طريق الانفجار، أي عن طريق قلب السلطة القائمة وإقامة سلطة جديدة، بل جرى عن طريق الانتقال التدريجي من النظام القديم البرجوازي في الأرياف ـ القرية إلى نظام جديد. وقد نجحنا في القيام بذلك، لأنها كانت ثورة من فوق، لأن هذا الانعطاف الأساسي جرى بمبادرة من السلطة القائمة، مع مساندة الجماهير الأساسية من الفلاحين.
ويقولون إن الوقائع المتعددة في التاريخ عن تداخل اللغات، تفسح مجالاً للافتراض بأنه، خلال هذا التداخل، تتولد لغة جديدة عن طريق الانفجار، عن طريق الانتقال الفجائي من الكيفية القديمة إلى الكيفية الجديدة. إن هذا خطأ مطلق، فلا يمكن اعتبار تداخل اللغات عملاً وحيداً، ناشئاً عن ضربة حاسمة تعطى نتائجها في بحر بضع سنوات. إن تداخل اللغات عملية طويلة الأمد، تدوم مئات السنين. ولهذا السبب، لا يمكن أن تكون المسألة هنا مسألة انفجار.
وبعد، من الخطأ المطلق الاعتقاد بأن تداخل لغتين مثلاً، ينتج لغة ثالثة لا تشبه أية واحدة من اللغتين المتداخلتين، وتتميز عن كل منهما من حيث الكيفية. فالواقع أنه، خلال التداخل، تخرج إحدى اللغتين، عادة، ظافرة، وتحتفظ ببنائها القواعدي، وبالمضمون الأساسي لقاموسها، وتستمر في التطور وفق القوانين الداخلية لتطورها، بينما تفقد اللغة الأخرى كيفيتها شيئاً فشيئاً، وتضمحل بالتدريج.
وإذن، فالتداخل لا ينتج لغة ثالثة، لغة جديدة، بل يحتفظ بإحدى اللغات، يحتفظ بنظامها القواعدي وبالمضمون الأساسي لقاموسها، ويسمح لها بأن تتطور وفق القوانين الداخلية لتطورها.
صحيح إن قاموس اللغة الظافرة يغتني، على حساب اللغة المغلوبة، ولكن هذا لا يضعف اللغة الظافرة، بل على العكس، يقويها.
وهو ما حدث مثلاً للغة الروسية التي تداخلت معها، في غضون تطورها التاريخي، لغات شعوب أخرى، فخرجت دائماً ظافرة. صحيح أن قاموس اللغة الروسية قد اغتنى خلال ذلك على حساب مفردات اللغات الأخرى، ولكن هذه العملية لم تضعف اللغة الروسية بل بالعكس اغتنها ووطدتها.
أما الأصالة الوطنية للغة الروسية، فلم تمس، لأن اللغة الروسية، باحتفاظها بنظامها القواعدي وبالمضمون الرئيسي لقاموسها، قد استمرت في التقدم والتكامل وفق القوانين الداخلية لتطورها.
مما لا شك فيه، أن نظرية التداخل لا يمكن أن تقدم شيئاً جدياً إلى علم اللغة السوفيتي. وإذا كان حقاً أن دراسة القوانين الداخلية لتطور اللغة تمثل المهمة الرئيسية لعلم اللغة، فيجب الإقرار بأن نظرية التداخل لا تحل هذه المهمة، بل حتى لا تطرحها على بساط البحث إنها بكلمة بسيطة، لا تلاحظها، أو أنها لا تفهمها.
سؤال: هل أحسنت البرافدا صنعاً بأن افتتحت مناقشة حرة حول مسائل علم اللغة؟
جواب: لقد أحسنت صنعاً.
إن الاتجاه الذي ستحل به مسائل علم اللغة، سيظهر بوضوح عند انتهاء المناقشة. ولكن يمكن القول، منذ الآن، أن المناقشة كانت مفيدة جداً. فقد أظهرت، قبل كل شيء، أن نظاماً غير جدير بالعلم والعلماء يسود في الهيئات المشتغلة بعلم اللغة، سواء في المركز أو في الجمهوريات. فإن أقل انتقاد للحالة السائدة في علم اللغة السوفيتي، وحتى أبسط المحاولات لنقد المذهب المدعو بـ «المذهب الجديد» في علم اللغة، كان نصيبها الاضطهاد والخنق من قبل الأوساط القائدة في علم اللغة. فإن بعض ذوي القيمة منا لمشتغلين في ميدان علم اللغة، كانوا يعزلون من مناصبهم، أو يعينون في وظائف أدنى، لمجرد اتخاذهم موقفً انتقادياً تجاه تراث ن.ج.مار. أو إبدائهم نوعاً من عدم الموافقة على مذهب ن.ج.مار.
إن ثمة شيئاً معترفاً به من الجميع هو أن العلم لا يمكن أن يتطور ويزدهر بدون نضال بين الآراء، بدون حرية الانتقاد. بيد أن هذه القاعدة التي يعترف بها الجميع كانت موضع التجاهل ومدوسة بالأقدام، بلا حياء. فقد تكونت جماعة منعزلة من القادة المعصومين عن الخطأ الذين شرعوا، بعدما اتخذوا التدابير ليصبحوا في مأمن من أي إمكان للانتقاد، يتصرفون حسب أهوائهم ويرتكبون ألواناً من سوء الاستعمال. إليكم مثالاً: إن ما يسمى بـ «دروس باكو» (محاضرات لمار ألقاها في باكو)، وقد شجبها مؤلفها نفسه ومنع إعادة طبعها، قد أعيد طبعها رغم ذلك، بناء على أمر من زمرة القادة (ممن يدعوهم الرفيق ميشيتشانينوف وغيره من علماء اللغة، لقلت أن مسلكاً كهذا معادل للتخريب.
فكيف أمكن أن يحدث ذلك؟ لقد حدث ذلك، لأن طريقة «أراكتشاييف» السائدة في علم اللغة، تغذي انعدام المسؤولية، وتسهل وقوع مثل هذا النوع من سوء الاستعمال.
كانت المناقشة مفيدة جداً، لأنها، قبل كل شيء، قد ألقت ضوءاً على كل هذا النظام الأراكتشاييفي الاستبدادي وحطمته إرباً إرباً.
غير أن فائدة المناقشة لم تقتصر على هذا. فهي لم تحطم فقط النظام القديم في علم اللغة، بل أظهرت أيضاً ما لا يصدق من تشويش في الآراء، في أهم مسائل علم اللغة، تشويش يسود في الأوساط القائدة لهذا الفرع من العلم. لقد كانوا حتى قيام المناقشة، ساكتين، كانوا يلزمون الصمت حول الحالة غير المرضية في علم اللغة. ولكن بعد بدء المناقشة، أصبح من المستحيل التزاما لصمت، فاضطروا إلى التدخل على صفحات الصحف. فماذا نتج عن ذلك؟ تبين أن في مذهب ن.ج.مار سلسلة طويلة من النواقص والأخطاء، ومن القضايا غير المدققة، ومن المبادىء غير المهيأة. وثمة سؤال يضع نفسه بنفسه: لماذا لم يقولوا ذلك في حينه بصورة مكشوفة وصريحة كما ينبغي لهم أن يفعلوا كرجال علم؟
إن «تلاميذ» ن.ج.مار، بعد اعترافهم بـ «بعض» أخطاء ن.ج.مار، يعتقدون على ما يظهر، أن ليس بالإمكان تطوير علم اللغة السوفيتي إلا على أساس نظرية مار «المدققة» التي يعتبرونها ماركسية. فرجائي غليكم أن تعفونا من «ماركسية» ن.ج.مار. لقد كان ن.ج.مار حقاً يريد ويجتهد أن يكون ماركسياً، ولكنه ما استطاع أن يصبح كذلك. فهو لم يكن غير مبسط، ومعمم للماركسية، على طراز نوع أعضاء منظمة «بروليتوكولت»([6]) أو من نوع أعضاء «الجمعية الروسية للكتاب البروليتاريين».
لقد أدخل ن.ج.مار إلى علم اللغة نظرة خاطئة غير ماركسية بصدد اللغة واعتبارها بناء فوقياً، فورط نفسه في ذلك، وورط علم اللغة. ومن المستحيل تطوير علم اللغة السوفيتي على أساس نظرة خاطئة.
وأدخل ن.ج.مار إلى علم اللغة نظرة خاطئة وغير ماركسية كذلك بصدد «الطابع الطبقي» للغة، وورط نفسه في ذلك وورط علم اللغة. ومن المستحيل تطوير علم اللغة السوفيتي على أساس نظرة خاطئة متعارضة مع كل سير تاريخ الشعوب واللغات.
وأدخل ن.ج.مار في علم اللغة نبرة غير متواضعة، نبرة مزهوة متعالية لا تليق بالماركسية، وتؤدي، دون تفكير وعلى غير أساس، إلى دحض كل ما كان في علم اللغة قبل ن.ج.مار.
ويشجب ن.ج.مار، بصخب، طريقة المقارنة التاريخية التي ينعتها بـ «المثالية». ومع ذلك فينبغي القول أن طريقة المقارنة التاريخية، رغم ما فيها من عيوب جدية، تفضل تحليل ن.ج.مار القائم على العناصر الأربعة، وهو تحليل مثالي حقاً. وذلك لأن الأولى تحفز إلى العمل ودرس اللغات، والثانية لا تدفع إلا القعود قرب المدفئة، واستشارة ثمالة القهوة عن هذه العناصر الأربعة الشهيرة.
ويرفض ن.ج.مار بعنهجية، كل محاولة لدرس فصائل (عائلات) اللغات، ويرى فيها مظهراً لنظرية «اللغة الأم». ومع ذلك لا يستطيع امرؤ أن ينكر أن القرابة اللغوية بين أمم مثل الأمم السلافية مثلاً، لا تترك مجالاً لأي شك، وأن درس القرابة اللغوية بين هذه الأمم يمكن أن يكون ذا منفعة كبرى لعلم اللغة، فيما يتعلق بدراسة قوانين تطور اللغة. ومن المفهوم أن نظرية «اللغة الأم» ليس لها أي دخل هنا.
عند سماع ن.ج.مار، وخصوصاً عند سماع تلاميذه، يتبادر إلى الظن، أنه لم يكن هناك أي علم لغوي، قبل ن.ج.مار، وان علم اللغة قد بدأ حين ظهور «المذهب الجديد»، مذهب ن.ج.مار أن ماركس وأنجلز كانا أكثر تواضعاً: فقد كانا يعتبران أن ماديتهما الديالكتيكية، هي نتاج لتطور العلوم، بما فيها الفلسفة خلال العصور السابقة.
وهكذا، ساعدتنا المناقشة أيضاً بمعنى أنها أظهرت النواقص الفكرية في علم اللغة السوفيتي.
إني أعتقد أن علم اللغة عندنا، كلما أسرع في التخلص من أخطاء ن.ج.مار، كان في الإمكان إخراجه بشكل أسرع من الأزمة التي يجتازها الآن.
إن تصفية نظام «أراكتشاييف» في علم اللغة، والتخلي عن أخطاء ن.ج.مار وإدخال الماركسية في علم اللغة، تلك هي في رأيي الطريق التي تسمح بإدخال الصحة والعافية إلى علم اللغة السوفيتي.

ي. ستالين 20 حزيران 1950

(1) لتعريف «البناء الفوقي»superstructure و «البناء التحتي» infrastructure أو الأساس base نذكر مقطعاً جاء في كتاب «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» لكارل ماركس. قال ماركسك «إن الناس أثناء الإنتاج الاجتماعي لمعيشتهم، يقيمون فيما بينهم علاقات معينة ضرورية مستقلة عن إرادتهم. وتطابق علاقات الإنتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم المنتجة المادية. ومجموع علاقات الإنتاج هذه يؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، أي الأساس الواقعي الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي وسياسي، وتطابقه كذلك أشكال معينة من الوعي الاجتماعي».
«هيئة التعريب»
(1) رطانة: لغة يطغى عليها طابع خاص jargon
«هيئة التعريب»
(1) Scolastiques
(1) Tragiodytes: سكان الكهوف. «هيئة التعريب».
(1) البوند: منظمة يهودية انتهازية قائمة على التعصب القومي، وكانت تقوم بدور عميل للبرجوازية في حركة العمال. وجدت في روسيا قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية. «هيئة التعريب»
(1) Vocabulaire.
(1) Assimitation
(1) منظمة ثقافية ظهرت إبان الحرب الأهلية، وكانت تدعو إلى طرح الثقافة الروسية القديمة بأسرها، وإنشاء ثقافة جديدة لا تمت بصلة إلى ما سبقها من ثقافات. «هيئة التعريب».

الحوار المتمدن - العدد: 2223 - 2008 / 3 / 17

0 تعليقات::

إرسال تعليق