الأحد، 12 يونيو، 2011

الموحدون الدروز في نظر الغرباء

عاشت الطائفة الدرزية خلال عدة قرون في معاقلها في رؤوس الجبال، وكانت تحافظ على كيانها ووجودها ومميزاتها، محاولة بقدر الإمكان أن لا يدخل فيها أي عنصر غريب، وأن تظل نقية في دمها وفي عقائدها وفي أفكارها وفي طريقة معيشتها, وقد نجحت الطائفة في المحافظة على هذا الوضع خلال زمن طويل. وعندما كانت تتعرض الطائفة لهجوم من عناصر خارجية كانت تنجح في صدها، بعونه تعالى وتتغلب عليها وتنجح في المحافظة على بيتها.
لكن العصر الحديث فتح عليها أبواب الحضارة والمدنية وأصبحت مجبرة أن تتعامل مع المصادر الخارجية، وأن تتحمّل مساوئها وشذوذها، وأن تحاول بقدر الإمكان أن تتجنّب رذائلها ومضارها، وفي نفس الوقت، أن تتعلم منها وتكتسب ما يليق وما يناسب طبيعتها وأجوائها. وكان لا بد لأقطاب الطائفة الدرزية وللمثقفين فيها، إلا أن يربطوا علاقات تفاهم وتعامل وصداقة مع كافة الغرباء، الذين لهم علاقة او ارتباط بالطائفة الدرزية، أو بقسم منها. ومنذ بدأ المبشرون المسيحيون والرحالة الأوروبيون يجوبون القرى الدرزية في سوريا ولبنان وسوريا، انكشف المجتمع الدرزي أمام الغرباء، وبهرهم بنقاوته وطهارته وتراصّه ومحافظته على مميزاته وأسسه وأركانه. وكتب الرحالة الأوروبيين مليئة بعبارات المدح والتقدير للدروز على كرمهم وفضائلهم وعاداتهم. ونادرا ما تجد كلمة ذم أو ملاحظة غير مادحة بالنسبة لمواطن درزي، ونذكر هنا ما كتبه أوليفانت أنه زار غير دروز المنطقة وحاولوا أن يستغلوه، أما دروز دالية الكرمل فقد قدّموا له الأرض والأرحاب مجانا بدون قيد أو شرط، وطبعا بنى له بيتا في دالية الكرمل. والرحالة الآخرون الذين التقوا بزعماء من جبل الدروز ومن جبل لبنان، يلهجون بالمدح والثناء. وهكذا ظلت للموحدين الدروز صورة مشرقة لامعة وضّاءة في نظر الغرباء، وكل من يقلب الكتب والموسوعات والمراجع يصطدم بالمدح والثناء لهم.

وعندما انفتح المجتمع الدرزي على المحيط حوله، لم تتغير الصورة، فالمواطن الدرزي الذي يترك بلده ويسافر بعيدا، ويعيش بين الغرباء، يظل دائما حريصا على أن يترك عند الآخرين الانطباع الجميل، والأثر الحلو، والذكرى الطيبة. لذلك نلمس أن المواطنين الدروز، الذين يشتغلون في دول الخليج، وفي كافة البلدان العربية، يتمتعون باسم جميل وبصيت حلو، بالرغم من أن عناصر مختلفة حاولت التحريض ضدهم.

وفي المائة سنة الأخيرة، تقدم المجتمع الدرزي كثيرا، وخرج من بين أبناء الطائفة الدرزية، السفراء والمبعوثون والوجهاء الذين ارتبطوا وكانت لهم صلات بعدد كبير من الأجانب، بحيث تركوا الانطباع الجميل، والتوقع الحسن عند من تعاملوا معهم. ولا بد أن تكون هناك بعض الحالات الشاذة، لكن بصورة عامة الانطباع هو جميل والذكرى من الدروز تظل محترمة وطيبة.

وهنا في دولتنا نحتك يوما يوما بإخواننا من غير الدروز، ونحاول دائما أن نكون على صلة ووفاق مع جميع الطوائف، لأننا واثقون من أنفسنا، ونحترم مجتمعنا، لذلك نثق بالآخرين ونحترم مجتمعاتهم. ولا بد لنا إلا أن نذكر أن فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف، كان يمثل أصغر طائفة في البلاد، لكن جميع رؤساء الدولة والحكومة والوزراء، كانوا يحاولون الوصول إلى بيته، للتبرك به ولكي يدعو لهم بالنجاح. وهكذا استمر في طريقه، فضيلة الشيخ موفق طريف، حيث يجتمع دائما في البلاد وخارج البلاد مع معارف وأصدقاء له من كافة الطوائف والشعوب ومن مختلف الأقطار والبلدان. ولا يزال أعضاء الكنيست الدروز وكبار الموظفين من الطائفة والمحاضرون في الجامعات والكتاب والشعراء والصحفيون ورجال الأعمال ورؤساء المجالس ورجالات التربية والتعليم وضباط الجيش هنا وفي سوريا ولبنان يلتقون بأجانب ويتعاونون معهم ويتركون عليهم الانطباع الحسن الجميل. وهنا نشيد بمنظمة السلام العالمية، التي يمثلها في البلاد، الأستاذ علي بيراني، والشيخ سميح ناطور، هذه المنظمة التي ترعى وتنظم لقاءات تفاهم وإخاء في جميع أنحاء العالم، وخاصة في بلادنا، حيث يأتي لزيارة الأماكن المقدسة، الآلاف من دول العالم، وهي ترتب أن يلتقوا ويجتمعوا بوجهاء الطائفة الموحدة، خاصة في مقام النبي شعيب عليه السلام، ليتعرفوا أكثر وأكثر على الدروز.

إن كل مواطن درزي، له أي صلة مع أي مواطن غير درزي، يجب أن يعتبر نفسه سفيرا للطائفة الدرزية وأن يتصرف ويتعامل، ليس بصفته شخصا معينا، وإنما كدرزي. فبعد أن يبتعد لا يذكره الآخرون إلا بدرزيته، وعلى كل واحد منا أن يهتم دائما بأن تكون الصورة التي يراه فيها الآخرون جميلة ومشرقة ولائقة به، لكي تظل سمعة وأصداء الطائفة الدرزية جميلة وأنيقة ومشرفة وتبعث في النفوس البهجة والحبور والفخر والاحترام.

العمامة 26 مايو 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق