الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

مصطفى ناصر: وسيط المهمات الصعبة المغزول بالصمت..

(من أرشيف مصطفى ناصر)
رجل الظل لا يحب الأضواء، لكن بصماته «تحفر» في الملف الأكثر حساسية على الساحة الداخلية. هو مصطفى ناصر وليس مجرد اسم «شيعي» مع آل الحريري. حمل مفاتيح العلاقة بين قريطم والضاحية منذ أكثر من 18 عاماً، وكسب من دون اصطناع ثقة «دولة الرئيس» رفيق الحريري و«سماحة» السيد حسن نصر الله واحترامها. أكمل مع سعد رفيق الحريري. لم تتغيّر المهمة لكن الظروف السياسية تغيّرت. مع الأب اقتضى الواجب والدور ملازمة قريطم. مع الابن، فرضت الإجراءات الأمنية وضغط الأزمات المتلاحقة إيقاعها، فأصبح التواصل الهاتفي بـ «الشيفرة» ضرورة وليس خياراً.
تتصدّر صالون منزل مصطفى ناصر صورة كبيرة لـ«الرفيق» وصورة ثانية تجمعه مع السيّد حسن نصر الله خلال «عشاء سرّي» في «مكان ما»، لم يعرف أين وكيف وصل إليه. صاحب «العقل البارد» يضع المقاومة في مصاف «القداسة». التزام راسخ لم يمنعه يوماً من إتقان فن السير بين ألغام الملف «الملتبس»... ومن الانسحاب فقط عندما يضطر إلى حماية المهمة الأحب إلى قلبه وعقله.
رسم «بورتريه» لشخصية مثل مصطفى ناصر يستلزم عودة الإعلامي المخضرم إلى قلمه ليرسم بنفسه صورة رفيق الحريري كما عرفه «طفل صيداوي في الحقبة الناصرية العروبية الآتي من عائلة فقيرة كان يطرب سياسيا لصوت جمال عبد الناصر وأحمد سعيد وإذاعة «صوت العرب». ثم ذهبت به الأيام إلى بلاد النفط، وأوصله طموحه إلى قلب الديوان الملكي. لم يكن الملك يستخدم عضلات صوته ليعبّر عمّا يريد، بل عضلات هيبته وصمته وإيحائه.
لهذا الصمت والإيحاء ضجيج يسمّى ضجيج الصمت، يؤشّر الملك إلى ما يريد، ومَن حوله يلتقطون. لكن ضجيج الصمت يفهمه قلّة، ورفيق الحريري بنباهته وذكائه الحادين كان أبرز من فك رموز ضجيج الصمت، فأصبح أقرب إلى قلب الملك وعقله في فترة مفصلية اقتصادياً وسياسياً في المملكة. بعدها انتقل إلى بلاد الماء عاصمة الأمويين حيث تختلط أصوات الأجهزة بالسياسة ثم إلى باريس حيث أورث شارل ديغول مكتبه لجاك شيراك فحل صديقه «أبو بهاء» عنده ليطّلع على إدارة اللعبة من قلب «قلب الأم الحنون»، ومن هناك دلف إلى دهاليز الذهب والمال في سويسرا بعدما أصبح واحدا من كبار الأثرياء في العالم. هناك للذهب صوت ولأهل الذهب أراء تعرّف عليها رفيق الحريري».
هذه الدورة من صيدا إلى دهاليز الذهب، يقول ناصر، رسمها رفيق الحريري مسيرة عشق للعمل العام، «فضخّها لبيروت، وكانت السلطة والسياسة والزعامة والرئاسة من ثمراتها... كما كان الاستشهاد. كان قارئاً مميزاً أكثر منه كاتباً. يفهم ما لم يكتب ممّا كتب، ويلتقط الرسائل المنوي إرسالها ممّا كتب. عاطفة جيّاشة، وكرّم مميز، وتركيبة مشاعر ثنائية من الفقر الفقر والغنى الغنى، وتديّن عميق من دون مبالغة في الطقوس».
قرب مصطفى ناصر من «إمبراطورية السلطة والمال»، من لحظة تعرّفه إلى «أبي بهاء» عام 1984 حتى تعيينه منسّق ملف العلاقة مع «حزب الله» ثم استشهاد الحريري، لم يكن مرادفاً لتجميع الثروة «السهلة»: «طبعي ليس مادياً وأخذت حقي فقط. رفيق الحريري كان كريماً مع الجميع. كان من الممكن أن أجني مالاً «بيحرز» من خلال المشاريع الضخمة والاستثمارات في إيران التي بقيت قائمة حتى آخر لحظة قبل استشهاد الحريري».
حامل «الليسانس» في الفلسفة بَرَع في «فلسفة» العلاقة على خط قريطم وحارة حريك و«تجميل» زواياها النافرة، وفي تفهّم هواجس الطرفين. إقرار ذاتي بالكثير من الانجازات، واعتراف أيضاً بعدم القدرة على ضبط اللعبة في غير مكان وزمان. بدايات عادية حبكت أولى معالم خارطة الطريق نحو التحليق في فضاء «الإمبراطورية الحريرية». من إذاعة «مونت كارلو» في العاصمة الفرنسية إلى الصحافة العربية ثم شراء امتياز «وكالة الأنباء الدولية» إلى... قصر قريطم.
قبل أن ينتمي مصطفى ناصر إلى فريق عمل رفيق الحريري نسج علاقة مميزة مع العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله. «أرسل لي معلّمك» طلب ينقله مراسل «وكالة الأنباء الدولية» لدى فضل الله إلى ناصر. يبادر مدير الوكالة إلى زيارة المرجع الشيعي في منزله القديم في بئر العبد، وسرعان ما ترتقي العلاقة سلّم الصداقة والاحترام المتبادلين. آنذاك كانت تهمة «الإرهاب» تلاحق المرجع الشيعي، فيما ناصر يلازمه كظله وينتقل معه إلى الشام ويرافقه في زيارات الحجّ. أولى تجارب تقريب المسافات بين مرجعيتين سنّية وشيعية اكتسبها ناصر من خلال تأمين التواصل بين فضل الله ورفيق الحريري. لكن الجمع بين «الموقعين» كان ثقيلاً على الإعلامي الذي كان قد دخل محيط الدائرة الضيقة لرفيق الحريري.
قبل أربعة أيام من تولّي رفيق الحريري رئاسة أول حكومة له عام 1992 رتّب أول لقاء بين «رجل الإعمار» و«سيّد المقاومة» في أحد مكاتب «حزب الله» في الضاحية الجنوبية. في اليوم التالي حاول فضل الله الاستفهام من ناصر عن فحوى الاجتماع، فأصيب بالارتباك، فلقد أصبح لتوه «حامل أسرار» علاقة جديدة.. من هنا كان قرار الانسحاب بهدوء من دائرة السيد فضل الله. تفهّم «السيد»، «رحمه الله الظروف» والعبور إلى «الضفة الأخرى»، لكن موقفه جاء ممزوجاً بشعور من الأسف والترقّب.
في الاجتماع الأول بين «الشيخ» و«السيدّ»، يقول مصطفى ناصر، توجّه نصر الله إلى الحريري قائلاً «نحن مقاومة وأنت مقاومة. نحن مقاومة لرفع ذلّ الاحتلال عن شعبنا وباللحم الحيّ، وأنت مقاومة لرفع ذلّ الحرمان عن شعبنا بعد الحرب الأهلية الطويلة، إذا تكاملنا ينهض البلد، وإذا اختلفنا يدفع البلد الثمن». وهذه المعادلة ما تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
كان ذلك من أولى ثمرات تلاقي الخطابين بين الضاحية وقريطم وكرّت السبحة... وعلى خط مواز ٍ، وفيما كان ناصر يعزّز لغة التواصل والتنسيق بين قريطم والضاحية ويفكك ذيول ملفات قديمة مثل «الرهائن»، وجديدة مثل «اليسار»، كان في الوقت نفسه، يبني أول الجسور بين قريطم وطهران، وينسج خيوط العلاقة البنّاءة مع الرئيسين الإيرانيين علي أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، إلى حد توكيله بتنسيق الاستثمارات السعودية الحريرية في طهران خلال حقبة خاتمي.
هيبة «الشيخ» لم تسرق يوماً من الإعلامي هامش المبادرة الذاتية من دون أخذ الإذن. يروي ناصر أنه «في أحد الأيام دخل الحريري إلى قريطم غاضباً ومستاءً. سألته ما القصة؟ فأجابني بأن الرئيس إميل لحود غادر في زيارة سرية إلى مونت كارلو على متن طائرة عصام فارس الخاصة من دون إعلام مجلس الوزراء... فماذا لو تعرّض لأي مكروه؟».
عندها، يقول ناصر «كلّفت نفسي متبرعاً للردّ على هذه الإساءة بالاتصال بأحد الأصدقاء في صحيفة «الشرق الأوسط» في لندن وطلبت منه وضع «مانشيت» يقول «نجاة لحود من محاولة اغتيال في مونت كارلو». قامت الدنيا ولم تقعد، فغضب لحود ورؤساء الأجهزة الأمنية، وأكثر الغاضبين كان رفيق الحريري، فاستدعاني وطلب توضيحات. فأجبته هذه مهنتي، وأنا أخذت الخبر من مصدر موثوق. فقال «كيف ستقنع الجميع بأن لا علاقة لي بالموضوع، وهل تضمن بأن أحدهم لن يشي بالمصدر». فأجبته: «انه صديقي ومهني بامتياز وأثق به». عندها بادرني بالقول «يجب أن يبقى معك هذا السر حتى القبر»... ولم يقل لي يومها إذا كان يتحدث عن قبري أو قبره».
في مفهوم مصطفى ناصر العلاقة بين «حزب الله» وآل الحريري حتمية وضرورية... ومرورها بمطبّات من الخصومة والفتور هو أمر طبيعي طالما أنهما ليسا حزباً واحداً. مع تراكم سنوات الخبرة أصبح ناصر يتقن حياكة «التسويات» و«المخارج» والحلول. عادة ما يكون التحرك بناء على طلب أحد الطرفين، وأحياناً كثيرة يطلق العنان لحماسته في تسوية الأمور العالقة. «حرب تموز» شكّلت مرحلة مفصلية في أسلوب مقاربة العلاقة، فأصبحت الاحتياطات من قبل جهاز أمن «السيّد» تفرض نفسها على المعنيين بالملف. لكن سهولة تنقل الحاج حسين خليل، الأقل صعوبة، كانت تتكفّل بسد ثغرات التلاقي المباشر بين «الشيخ» و«السيّد».
«الله يسترنا من تلفونك» عبارة بادر بها الحاج حسين خليل محدّثه على الطرف الآخر من الخط، مصطفى ناصر، في لحظة الإفطار، وفيما كانت طبول الفتنة تقرع في برج أبي حيدر، أخذ ناصر الضوء الأخضر من الحريري للتحرّك، فكانت النتيجة متابعة ساعة بساعة للمجريات على الأرض، والنقل المتبادل للمعلومات إلى «مركزيّ القرار» إلى أن هدأ الشارع.
مرّة واحدة خرج اسم مصطفى ناصر من الظل، حين كشفت وسائل إعلامية اسمه بصفته «وسيط تسوية مالية» بين سعد الحريري وجميل السيد. بيان التوضيح «أطفأ الأزمة»، يوضح ناصر. في البيان لم أكذب أي طرف ولم أدافع عن أي طرف، أفسحت في المجال لأن أتحدث عن الموضوع بطريقة الفعل وليس ردّة الفعل. أنا لست من مدرسة الانفعال وشدّ عضلات الصوت في الأزمات. أنا مع شد عضلات العقل، ولا استسيغ عبارات القدح والذمّ. تحكّم الانفعال عند الردّ على إساءات السيّد بسبب أسلوب الأخير وتهجمه على رئيس الحكومة. صحيح أن اللواء السيّد يدافع عن مظلوميته، كما يقول، لكن ليس من حقه أن يتوجّه بالقدح والذمّ إلى رئيـس الوزراء نظرا لرمزية موقعه الســياسي والمعنوي».
هنا أيضاً بادر ناصر إلى التحرك من دون استشارة سعد الحريري «أصدرت البيان بمبادرة ذاتية مني لأني لم أرد تحميله مسؤولية الردّ، ولأني كنت مستعداً أن أدفع ثمن رأيي لما اعتقدت أنه لصالح «تنفيس» الأزمة» ولحفظ حرمة قريطم والرئيس سعد الحريري. هكذا «أخذها ناصر بصدره»... ووفق ما وصل إلى مسامعه لاحقاً فان «الشيخ سعد استاء جدا من البيان واعتبره باردا ولا يفي بالمطلوب».
هي من المرّات النادرة التي لم يتمكن ناصر من ضبط إيقاعه الخاص على مفاصل اللعبة «أنا كنت من مؤيّدي الحوار الهادئ لتقريب وجهات النظر لما للقضية من أبعاد سياسية كبيرة في ظل الظروف السياسية والطائفية والمذهبية الضاغطة. لم أنجح، لكن لم أقتنع يوماً بأن البديل لتبيان الظلم هو بأخذ الحق باليد وبأسلوب الشتائم والتهديد، ولمن؟ لأحد زعماء البلد».
شهادة ناصر بسعد الحريري لا تقلّ عن شهادته بالحريري الأب مع فارق سنوات «العشرة» والعمل إلى جانب كل واحد منهما «سعد الحريري أهم من رئيس وزراء، هو شخصية أغنى سياسيا مما تبدو في الإعلام، لا بد من إعطائه القليل من الوقت بعد... ومن الظلم الكبير مقارنته بوالده الذي لا يقارن».
في قاموس منسّق العلاقة مع «حزب الله»، «سعد الحريري هو صمّام أمان للبنان، خاصة إذا تذكرنا أنه بعد اغتيال بشير الجميل حصلت مجزرة صبرا وشاتيلا، وبعد اغتيال كمال جنبلاط حصلت مجزرة كبيرة في الجبل، وكل الاغتيالات أدت إلى ردود مصبوغة بالدم سواء أكانت مفتعلة أو طبيعية. سعد رفيق الحريري وليّ الدم أثبت أنه رجل مدني سلمي بامتياز. أطفأ لهيب انفعال شعبي كان يمكن أن يؤدي للأسوأ، وبعد الاغتيال بادر إلى عقد «التحالف الرباعي» وجرت انتخابات 2005 و 2009 دون ضربة كفّ، وبعقله البارد أطلق مواقف مسؤولة عبر «الشرق الأوسط»...» وفي قناعات ناصر أيضاً «أن «حزب الله» ليس في وارد أخذ البلد إلى الهاوية... فلا سلطة ولا هدف لديه أهم من المقاومة. الاعتداء على المقاومة بالنسبة لديه هو «انتهاك» قداستها».
نسأله ما الحل؟ يجيب «الحوار خير لا بد منه. مع الحوار أولا وأخيرا. الحوار خبز العيش المشترك والحياة الواحدة».

ملاك عقيل - السفير 04 أكتوبر 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق