الأحد، 5 يونيو، 2011

عجائب وغرائب في سجلات نفوس بعلبك

يفهم البعض هيبة الدولة عبر الوجود الأمني والعسكري الظاهر، لكن الهيبة تعني إحساس المواطن بوجوده ونظاماً حضارياً يصون حقوقه ويضمن رفاهيته وكرامته وإنسانيته، وهذه من أبجديات حقوق الإنسان والمواطنة وحق الرعية على الراعي. والمواطن اللبناني ينتمي قانوناً وحياتاً إلى الجمهورية اللبنانية ومؤسساتها الدستورية والإدارية والقانونية، غير أن المفارقة هي أن هذه الجمهورية تفرض قوانينها على مُواطِنِها لكنها لا تعترف بمواطنيته، إلا وفق مكان تسجيل نفوسه وإحرازه الهوية اللبنانية "المميز الأول للوضع الإنساني" ليعيش تحت رعايتها وعنايتها. علماً أن مصطلح الهوية بالعربية مصدره من كلمة: "هو".

كيف هي حال المئات من مواطني قرى بعلبك وبلداتها الذين أمحت أحرف من أسمائهم، أو زالت أسماء بأكملها من سجلات نفوسهم، ولا سيما منها سجلات بعلبك القديمة نتيجة اهترائها وتآكلها وعدم تجديدها منذ زمن بعيد. وهكذا بات الحصول على أي وثيقة يتطلب من الموظفين الاستعانة بالسجلات الضخمة التي أكل عليها الدهر وشرب، ومن ثم التفتيش عن اسم صاحب العلاقة، ليبدأ بعدها العمل على إصدارها في آلية لم تتبدل جذرياً منذ 60 عاماً.
واقع دائرة نفوس بعلبك المحشورة ضمن غرفتين في الطبقة الأولى من السرايا ومكاتبها الصدئة ليس أفضل من السجلات، ويفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات الواجب توافرها في مؤسسة معنية بعمل من أساسيات الحياة لا من كمالياتها، وهو توثيق المعاملات الرسمية لـ 600 ألف شخص وإصدارها.
ومما لا شك فيه أن المعنيين داخل الدائرة والمواطنين على السواء باتوا عاجزين عن الإمساك بطرف الخيط لانتشال السجلات مما هي فيه، رغم وجود لجنة لمعالجة الأمر شكلتها وزارة الداخلية لتنظيم السجلات وتدقيق القيود التي أدرجت خلافاً للأصول في سجلات المقيمين.

حذف أحرف

عوض العزقي متقاعد في الجيش من بلدة بريتال يطالب بإصدار إخراج قيد لاستكمال أوراقه لقبض تعويض نهاية الخدمة، فوجئ بنقص حرف من اسم ابنه علي، ما أدى إلى كتمان قيده. وبعد مراجعات في زحلة وبيروت أحيل على اللجنة التي لم تبت الأمر بعد، ولا يزال تعويضه معلقاً، علماً أنه حاصل على وثيقة زواج وإخراج قيد عائلي في تاريخ 4-9-2010 صادرين عن الدائرة.
مختار بلدة معربون عبد الغفار أسعد لفت إلى أن ابن البلدة مسعود شاهين مواليد 1937، ومتزوج من عام 1959 ولديه 13 ولداً غالبيتهم متزوجون، وزوجته سورية حاصلة على الجنسية اللبنانية بالزواج وتحمل هوية لبنانية. ولدى طلبه إخراج قيد تبين من السجلات أنه عازب، علماً أنه حاصل على وثيقة زواج صادرة العام 1959 ورقمها 122 / 1959 ووثيقة قرار من المحكمة بحصول الزوجة على الجنسية اللبنانية بموجب عقد الزواج.
وروى مختار بعلبك حسين الشل أن احمد محمد ديب الشل من بعلبك استحصل في 11 نيسان الفائت على إخراج قيد عائلي، وبعد ثلاثة أيام في 14 منه اضطر إلى طلب نسخة أخرى من إخراج القيد فأبلغ أن اسمه مفقود نتيجة تمزق صفحة في دفتر السجلات! كذلك حال الأخوين زكريا علي وخالد مصطفى الرفاعي من محلة غفرة اللذين شطب اسماهما، إضافة إلى صدور إخراجات قيد يستحيل على الإنسان العادي قراءة ما كتب عليها. وقد بذل البعض محاولات جبارة لإقناع مأموري النفوس بالاعتراف بذكوريتهم فهم يؤنثون الرجال ويرجّلون النساء على هواهم!

... ولا من يسأل!

وأكد مختار بلدة الجمالية حسين جمال الدين "أن لا أحد من المعنيين يسأل ولا يوجد دولة إنماء في منطقة بعلبك – الهرمل، ودائرة نفوس بعلبك تمثل تأمراً على المنطقة"، ملقياً المسؤولية على عاتق وزير الداخلية ومديرية الأحوال الشخصية والمحافظة. وأوضح أنه "قبل أكثر من ستة أشهر التقى وفد من مخاتير المنطقة المديرة العامة بالوكالة للأحوال الشخصية سوزان خوري، وتلقى وعداً بتجديد دفتر السجلات، وحتى اليوم بقيت الوعود وعوداً. وفي التاسع من أيار الفائت طلبنا موعداً ولم يرد علينا حتى اليوم، فنحن مواطنون ونريد حقنا في المواطنة، وفي بريتال وحدها 600 فرد غير مدرجين أو لديهم سجلات ممزقة، فلا يكاد بيت فيها يخلو من مفقود في السجلات الرسمية، فكيف بالمحافظة كلها؟". ورأى "أن اللجنة تضع العقبات بدل الحلول وتستغرق المعاملات أشهرا حتى تنجز، وهذا الغياب القانوني يعني الكثير: يعني أن ما من مستشفى قد يستقبل هؤلاء الأطفال ولا طبابة ولا ضمان ولا مدرسة، حتى أن العديد منهم لم يستطيعوا تأدية فريضة الحج هذه السنة".
وسأل المعنيين: "إذا كان ابنكم في المدرسة يستخدم كتابه المدرسي مرة في اليوم وسرعان ما يتلف، فكيف بدفتر سجلات يستخدم مئات المرات في اليوم على مدار 60 عاماً؟ في هذه الحال لمن نلجأ؟ إننا نطالب بإعادة نسخ السجلات".
ولفت مختار مدينة بعلبك علي عثمان إلى "أن بريتال وحام ومعربون وحورتعلا والطيبة وطليا ودورس من أكثر البلدات التي تعاني هذا الأمر، مما يضطر المواطن إلى سحب وثائق ثبوتية عدة من بيروت وزحلة لتقديمها إلى لجنة تنظيم السجلات، وبنتيجتها يحتاج إلى ما يراوح ما بين ثلاثة وستة أشهر لإصدار إخراج القيد، إضافة إلى ما يتكبد من وقت ومصاريف".
واستنكر مختار بلدة بريتال أحمد طليس قرار اللجنة عدم إصدار أي إخراج قيد إذا كان ناقصاً حرفاً في سجل النفوس، حتى وان كانت لدى صاحبه أوراق ثبوتية، وطالب بتعيين مأمور نفوس للدائرة والإسراع في المعالجة وتثبيت هويتنا قبل أي أمر".
ورجح أحد مخاتير المدينة، الذي رفض ذكر اسمه، "أن يكون فقد بعض الأسماء وحصول تمزق مفاجئ في بعض السجلات عملاً كيدياً"، متخوفاً من النتائج السلبية لإخراج القوى الأمنية من الدائرة.
هذا الوضع المزري للسجلات يهدد البعض بكتمان قيده، فيقع المواطن ما بين سندان واقع دائرة النفوس ومطرقة إهمال الدولة، إلا أن المغلوبين على أمرهم والذين باتوا منسيين بعدما أوصدت في وجوههم أبواب المعنيين، لم يعد من سبيل أمامهم سوى الإعلام والاعتصامات، التي يتوقع أن تنطلق خلال الأيام المقبلة. ويذكر أن مخاتير المنطقة كانوا يعتزمون تنفيذ اعتصام في 26 أيار الفائت، لكن استقالة وزير الداخلية والبلديات زياد بارود من تصريف الأعمال دفعتهم إلى إرجائه.

وسام إسماعيل - النهار 5 حزيران 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق