الخميس، 16 يونيو، 2011

أحمدي نجاد.. ابن الحدّاد الذي أصبح «إمبراطوراً» ثورياً متواضعاً

أحمدي نجاد
صحيح أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لا يضع عمامة على رأسه، كونه أول رئيس إيراني من خارج الدائرة الدينية منذ العام 1981، لكنّه في الواقع الأكثر تشددا بين أسلافه، والأكثر التصاقا بالخطاب الذي اعتمده مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الراحل الخميني، خاصة إزاء قضية فلسطين والمقاومة.
الرجل ذو القامة القصيرة والعينين الصغيرتين والابتسامة اللطيفة المحيرة والمتناقضة واللحية السوداء الخفيفة التي بدأ يكسوها الشيب، ميزته التواضع ثم التواضع. تصريحاته السجالية المنحى التي يغلب عليها الانفعال، يخشاها خصومه... ويأنفون من اعتداده بالقومية الفارسية هو من تتصدّر صالونه الخاص خريطة عملاقة كتب عليها: «الخليج الفارسي». أما أصدقاؤه المقرّبون فيخبرون قصصا لا تنتهي عن صفاته التي يحبونها فيه، وأبرزها: الطيبة، الصدق، الطهارة والترفّع عن الملذات الدنيوية الخ...
أحمدي نجاد هو قبل كلّ شيء «الابن البار للثورة الإسلامية» وتقاليدها، يعترف له من يعرفونه بأنه «شخصية تتمتع بجرأة قد تبلغ حدّ التهوّر بمواقفها السياسية، ما ينمّ عن غياب المصالح والحسابات الشخصية عنده، فهو يعلن ما يفكر فيه ولا ازدواجية في خطابه، وهو على عكس ما هو متداول عن الإيرانيين بأنهم «يذبحون الناس بلطفهم» أو عدوّهم «بخيط القطن»، بعيد جدّا عن الدبلوماسية وروح الحوار التي كان يتحلّى بها سلفه محمّد خاتمي، وعن الحنكة والدهاء اللذين تميّز بهما الرئيس هاشمي رفسنجاني. فالرئيس أحمدي نجاد يتماهى مع صورة الإمام الخميني: صراحة كلية، صياغة حادة، مواقف حاسمة، فقد وصف المحرقة اليهودية «بالخرافة». رمى في وجه الأوروبيين هذه العبارة «إن قيام إسرائيل كان من أجل طرد اليهود من أوروبا»، بعث برسالة إلى الرئيس السابق جورج دبليو بوش عبر السفارة السويسرية في طهران أكد له فيها بأن «إسرائيل هي غدّة سرطانية يجب إزالتها»، أعلن مرارا تمسك طهران ببرنامجها النووي قائلا «إن إيران انتصرت في المسألة النووية على القوى العظمى كلّها»، تكهّن مرارا «بإزالة إسرائيل عن الخريطة.. ومن الوجود»، ومن أوصافه للدولة العبرية بأنها «جرثومة قذرة سوداء وحيوان متوحش!».
خطا أحمدي نجاد خطوات جريئة لم يسبقه إليها رئيس لإيران من قبل، أبرزها إقرار قانون رفع الدعم عن المحروقات بعد أن تركه أسلافه مجمدا على مدى 17 عاما، مخافة التفريط بأصوات التجار والمافيات والأغنياء والمقتدرين من أبناء الطبقة الوسطى. أصرّ أحمدي نجاد على إقراره في الدورة الأولى لانتخابه، مؤثرا مصلحة الفقراء الإيرانيين على نيله حفنة إضافية من أصوات الناخبين القادرين. قال لأركان حملته الانتخابية «هذا المشروع سأقدم عليه مهما كانت النتائج ومن يربط تأييده لي بالإبقاء على المشروع عليه أن يقتنع بأنه خسرني. أولويتي الفقراء».
حقق أحمدي نجاد من خلال رفع الدعم وفرا للدولة قيمته 10 مليارات دولار، ذهبت في معظمها للتأمينات والتقديمات الاجتماعية غير المسبوقة منذ ولادة الثورة حتى الآن. صارت هناك حوالة نقدية بقيمة ألف دولار أميركي في جيب كل طفل يولد في إيران اليوم، وبات كلّ من يعقد زواجا في إيران له الحق باقتراض 20 ألف دولار للزوج، ومثلهم للزوجة وبفوائد مخفضة ولآجال طويلة. قبل رفع الدعم كان نصف المبلغ، أي حوالي خمسة مليارات دولار تذهب للتجار ومافيات تهريب النفط عبر الحدود وخاصة إلى باكستان.
قدّم الرئيس السادس لإيران الثورة إنماء الأطراف في إيران على المركز (طهران وباقي المدن الرئيسة)، وتجول مع حكومته مجتمعة ومحافظ البنك المركزي الإيراني على 30 محافظة، تعرّف خلالها إلى مطالب الناس والمشاريع الحيوية التي تحسّن معيشتهم، متخذا ترتيبات فورية لصرف الاعتمادات اللازمة بعد توقيع القرارات الحكومية، وها هو يعدّ حاليا للجولة الثانية التي سيدشن فيها المشاريع التي أقرت في الجولة الأولى وتم تمويلها، وبعضها ضخم إلى درجة أنها توفّر بين الـ15 و20 ألف فرصة عمل. لسان حاله العمل بكدّ وبلا منّة للشعب الإيراني، عمل يبقيه صاحيا طيلة 18 ساعة يوميا...
جعله أصله متحررا من المطامع والنزوات الشخصية، يعيش التقشف في صورة عفوية وتلقائية: لم يبدّل سيارته منذ 35 عاما وهو يقودها شخصيا حين يرغب بزيارة أهله رافضا استخدام سيارات الدولة لشأن عائلي، يعيش في الإيجار وفي منزل متواضع من طبقتين ولم يتمكن حتى اليوم من إنهاء ترميم منزله الشخصي الذي رفض أن يدخل إليه الخدم، فتراه يقدّم الطعام لضيوفه شخصيا هو وزوجته وأفراد عائلته الصغيرة. معروف ببساطته وبكلّ ما يتميز به الإنسان العادي حتى في هندامه ومشيته وتعاطيه ومصافحاته الحارّة لمن يزورونه. هذه المزايا دفعت مرشد الثورة السيد علي خامنئي إلى القول عنه «أحمدي نجاد هو اقرب شخص إلي لأنه يعيش مع الناس وهو واحد منهم. يحبهم ويحبونه. انه ابن الشعب البار». يرد الرئيس الإيراني على الإطراءات اليومية من حوله قائلا: «واجباتي أقوم بها وهي سلوك طبيعي وعندما أخدم الناس، أقوم بوظيفتي ولا أريد أبدا أن يشعر أحد بأنني أريد أن أحصل على شيء بالمقابل».
الرئيس المثير للجدل عند كلّ تصريح يخاله من يراه ولا يعرف تاريخه عاملا بسيطا، وهو أمر لا يزعجه، بل يعتدّ بأنه ترعرع في عائلة فقيرة مؤلفة من 7 أشقاء ووالد يعمل في الحدادة في ضاحية «غارمسار» قرب طهران وهو من مواليد العام 1956.
بين العلم والسياسة
تخرج أحمدي نجاد مهندسا معماريا في العام 1986 من جامعة «العلم والصناعة» في طهران، وانضم إلى الكادر التعليمي، ثم نال دكتوراه في تخطيط النقل والمواصلات، ملم باللغة الإنكليزية وله أبحاث عدّة. شغل منصب محافظ أردبيل فعمدة طهران، وكان صحافيا كاتبا ومديرا مسؤولا لصحيفة «همشري». ومن «هندسة المدن» وصل إلى منصب المحافظ قبل أن يتسلّم رئاسة الجمهورية منذ العام 2005 كسادس رئيس لإيران.
شارك أحمدي نجاد في احتلال مقر السفارة الأميركية في طهران وانضم إلى الحرس الثوري إبان اندلاع الحرب الإيرانية العراقية وتقول سيرته الذاتية إنه كان مقاتلا على جبهات الحرب، والتحق بالمجموعات العسكرية التي تمكنت من اختراق الدفاعات العراقية وفجّرت منشآت كركوك النفطية إبان الحرب. تقلب في مراكز عدة منها مستشار الرئيس لشؤون كردستان، وأسس لجان الطلاب الإسلاميين.
أمضى 8 أعوام في أذربيجان وأردبيل ذي الغالبية التركية حيث تعلم اللغة التركية وبات يجيدها بطلاقة. ترشح بعد شغله منصبا ثقافيا رسميا لرئاسة بلدية طهران عام 2003 ونجح في إعادة تنظيم المدينة وتعبيد الطرق وتنظيفها، ويسجّل له أنه رفض السكن في المقر الفخم المخصص لرئيس البلدية مفضلا البقاء في منزله المتواضع في أحد الأحياء الفقيرة في جنوب طهران. رفض أيضا تقاضي راتبه كرئيس بلدية مبقيا على راتبه الجامعي قائلا إنه يكفيه وليس في حاجة إلى أكثر منه.
انتخب رئيسا للجمهورية الإسلامية الإيرانية في 25 حزيران 2005 ، وبعد شهرين استأنفت إيران نشاطاتها النووية في منشأة أصفهان لتحويل اليورانيوم بعد أن علقتها منذ 2004، لتبدأ تخصيب اليورانيوم رسميا في شباط 2006، مستفزا الدول العظمى بالقيادة الأميركية التي واجهته عبر مجلس الأمن الدولي الذي تهيمن عليه فأصدر قرارا يفرض بموجبه عقوبات على إيران لرفضها تعليق نشاطاتها النووية. زار أحمدي نجاد عام 2007 نيويورك وألقى خطابا في جامعة كولومبيا أثار جدلا، وشهد عهده زيارة الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين لطهران وهي الأولى لزعيم للكرملين منذ عام 1943.
رفض أحمدي نجاد عام 2009 عرض الدول الكبرى استئناف الحوار في شأن الملف النووي الإيراني بشروط وما إن أعيد انتخابه في 12 حزيران عام 2009 حتى اندلعت حركة احتجاجات استمرت أسابيع وما لبثت أن خمدت. يعتبر أحمدي نجاد أنه ينتمي في خطه السياسي إلى جبهة المحافظين الموالين للمرشد الأعلى آية الله السيد علي خامنئي وهو من المعارضين تماما لليبيرالية الاقتصادية الاجتماعية التي أرساها الرئيس محمد خاتمي وقبله الرئيس هاشمي رفسنجاني، وهو يرفض كليا إعادة النظر في صلاحيات المجالس غير المنتخبة أو صلاحيات المرشد الأعلى.
البعض في لبنان متخوّف من دلالات زيارة أحمدي نجاد، لهؤلاء يوجّه احد الديبلوماسيين الإيرانيين هذا المثل الفارسي القائل «إذا كان الذهب صافيا، فلا يجب الخوف من إخضاعه لامتحان الأسيد»، بمعنى آخر «إنّ من يحمل نوايا طيبة تجاه قضيتي لبنان وفلسطين لا يجب أن يخشى السياسة الإيرانية وتصريحات الرئيس أحمدي نجاد النارية»!

مارلين خليفة - السفير 13 أكتوبر 2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق