السبت، 4 يونيو، 2011

هل أزمات لبنان الدائمة تكمن في دستوره؟

يسود جدل في لبنان اليوم حول صلاحيات رئيس الجمهورية بعد أن أطلق البطريرك الماروني الجديد بشارة الراعي دعوة لتعديل بنود "اتفاق الطائف" الذي هو دستور لبنان، معللاً سبب دعوته بالأزمة الحكومية التي يعيشها لبنان منذ أربعة أشهر وحتى اليوم، حيث يعجز الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في تشكيل الحكومة العتيدة بسبب الصراع بين "الأكثرية الجديدة" حول عدد الحصص الوزارية ونوعها التي يريدها كل فريق سياسي داخل هذه الأكثرية، إذ أن الدستور المنبثق من اتفاق الطائف لا يحدد لرئيس الحكومة المكلف مهلة زمنية لإعلان حكومته.
الدعوة إلى تعديل الدستور لا شيء فيها لكن قبل الحكم على الموضوع من المناسب أن نطلع قليلاً على "اتفاق الطائف" وكيف وضع؟ وما هي الظروف التي أنتجته؟
فـ"وثيقة الطائف" التي أقرت من قبل المجلس النيابي اللبناني في 5 نوفمبر 1989 جاءت لتضع حداً للحرب الأهلية التي استمرت لعقدين، ولأسباب تلك الحرب وتداعياته السياسية والاجتماعية حيث كان الحكم السياسي ما قبل وثيقة الطائف نظاماً رئاسياً بيد الطائفة المارونية التي تعتبر ثالث أكبر طائفة في لبنان بعد الطائفتين الشيعة والسنة.
فعلى صعيد المبادئ العامة للدستور الجديد الذي أسس للجمهورية الثانية في لبنان فإن اتفاق الطائف أضاف إلى مقدمة الدستور فقرة حسمت نقاشاَ طويلاً حول هوية لبنان، فقد أكدت أن "لبنان عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم قوانينها "، كما أكدت الفقرة "ط" على "رفض التجزئة والتقسيم والتوطين"، وكذلك أكدت الفقرة "ح" على أن "إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية "، وهذا وحده أُعتبر إنجازاً عظيماً للشعب اللبناني حيث قضى بذلك على غالبية مسببات الحرب اللبنانية.
أما على صعيد صلاحيات رئيس الجمهورية (من الطائفة المارونية) فقد أجرى الطائف تعديلات كثيرة عليها إذ قلّصها لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعاً ورئيس مجلس الوزراء (من الطائفة السنية) الذي أصبح شريكاً أساسياً في الحكم، وتوقيعه أساسا في جميع المراسيم، ما خلا مرسوما تسميته رئيساً للحكومة أو استقالته أو اعتبار الحكومة مستقيلة، علماً أن رئيس الحكومة يُكلَف من قبل رئيس الجمهورية بعد أن تسميه أغلبية الكتل النيابية المنتخبة من الشعب بطريقة ديمقراطية، وبهذا تكون السلطة التنفيذية المتمثلة في مجلس الوزراء مجتمعاً تُمثل إرادة الشعب وتوجهاته، كما حُرم رئيس الجمهورية من حق حلّ مجلس النواب وقيِّد بمهل زمنية لنشر وتوقيع القوانين والمراسيم كما كان الأمر قبل الطائف في حين لا توجد مثل هذه القيود على سائر الرؤساء وحتى الوزراء.
وقبل الحديث عن جدوى تعديل الدستور، لابد من السؤال: هل اتفاق الطائف هو السبب فيما نعنيه من أزمات سياسية ؟ ولماذا لم تُطبق بنود اتفاق الطائف بكاملها التي نصت على تشكيل "مجلس الشيوخ"؟ وأين القانون الذي نص على جعل لبنان دائرة واحدة في أي انتخابات برلمانية.
الجميع في لبنان يعلم أن اتفاق الطائف لم يطبق بكامله بل طُبّق بطريقة استنسابية وبصورة انتقائية تتناسب والتدخلات الإقليمية، إذ أن الاتفاق نصّ على خروج جميع الجيوش الأجنبية من لبنان بعد مهلة محددة في إشارة إلى الوجود العسكري السوري الذي لم يخرج من لبنان إلا في عام 2005 تحت ضغط المجتمع الدولي على خلفية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، كما أن اتفاق الطائف نصّ على نزع سلاح المليشيات جميعها وسحب السلاح من كل الفصائل السياسية اللبنانية والفلسطينية ولم يطبق هذا القرار حتى كتابة هذه السطور. والأخطر من كل ذلك أن اتفاق الطائف هدف بشكل أساسي إلى إلغاء الطائفية السياسية في البلد لكن الأفرقاء اللبنانيين ومعهم النفوذ الإقليمي لم يعمل على تطبيق بند إلغاء الطائفية لأن مصلحتهم تتناقض وحالة الإلغاء.
ولو سلمنا جدلاً بضرورة تعديل صلاحيات الرئيس مرة أخرى لتلافى المشاكل السياسية فإننا نتساءل عن النقاط التي أُخذت من الرئيس ويريدون استرجاعها له؟ وهل توقيت طرح الموضوع يتناسب في ظل الانقسامات السياسية الحادة اليوم وفي ظل تعدد الآراء حول هذا الاتفاق مما يجعله موضوعا ملتهبا قابلا لاستحداث المزيد من الانقسامات ليس فقط السياسية إنما أيضاً الطائفية.
لعل المطلوب اليوم من البطريرك الراعي وغيره من الحريصين على وحدة لبنان وشعبه أن يدعو لتطبيق كامل بنود اتفاق الطائف الذي حسم هوية لبنان وحفظ وحدة ترابه إذ أن المأساة لا تكمن في الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية وإنما في الانقلاب على الطائف منذ عام 1992 وحتى اليوم لضمان بقاء النفوذ السوري في لبنان من ناحية وضمان بقاء امتيازات زعماء الحرب الأهلية لما بعد الطائف من ناحية أخرى.

محمد مصطفى علوش - الشرق القطرية GMT 0:21:00 2011 السبت 4 يونيو

0 تعليقات::

إرسال تعليق