الاثنين، 13 يونيو، 2011

الفساد في لبنان: من علّة إلى وباء

اللبنانيون يدفعون كلفة الفساد المنظّم (أرشيف ــ بلال جاويش)
كثيرون يتحدّثون عن سرقة «الدولة» كأنها كائن غريب «ساذج» لا يعرف كيف يحارب «اللصوص» ويردعهم. لكن أموال الدولة وممتلكاتها هي في الواقع أموال المواطنين، و«اللصوص» هم وكلاء خانوا الأمانة... هنا تكمن أهمية الكشف عن مصادر الخلل في «المالية العامّة»، فالوكلاء حكموا البلاد وصمّموا نموذجاً لا يخدم إلا تراكم ثرواتهم.
الفساد في لبنان تحوّل وباءً. هذه كانت خلاصة المؤتمر الذي نظّمته الهيئة الأهلية لمكافحة الفساد السبت الماضي في قصر الأونيسكو، حيث أفرغت ذاكرة المؤتمرين والمحاضرين مخزوناً هائلاً من المؤشرات والأمثلة والروايات الموثّقة عن الفساد المالي في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف. هي مرحلة تفكّك وانحلال سمّيت في مطلع التسعينيات «مرحلة إعادة الإعمار»، أما اليوم فهي مستمرة تحت اسم «العبور إلى الدولة». لعلّ أوضح من عبّر عن هذا الواقع، هما الوزير السابق إلياس سابا، والنائب السابق نجاح واكيم.

فالأول سأل متهكّماً: هل من مجال بعد لإصلاح الجمهورية في لبنان، بلا نفضة من جذورها؟»، فيما الثاني تحدث عن الفساد في مرحلة «ما يسمى الجمهورية الثانية»، أي بعد اتفاق الطائف، واستنتج بأنه «تحوّل من علّة إلى وباء، ومن عيب إلى قيمة. تفشّى في نسيج السلطة السياسية، ثم انتقل من السلطة إلى الإدارة فالقضاء ثم الى المؤسسات العامة، ومن ثم إلى المجتمع الذي يدمّر قيمه ويفكّك نسيجه... لقد كان الفساد ذا أبعاد وأهداف بالغة الخطورة مبنيّة على أوهام السلام مع إسرائيل».

بؤرة وزارة المال

استهلّ المؤتمر أعماله بالقضية الأكثر حساسية، أي حسابات الدولة العالقة منذ 1993. ما هو معلن، أن اللجنة الفرعية المنبثقة من لجنة المال والموازنة النيابية تجري تقصّياً للحقائق في وزارة المال، لكون هذه الأخيرة معنية فقط بالبحث عن أسباب عدم إعداد حسابات المهمة وقطوعات الحسابات، والتي تعدّ بدورها ضرورة حتمية لإقرار الموازنة العامة في المجلس النيابي. إلا أن ما جرى فعلياً منذ 1993، بحسب رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، هو إرساء لثقافة «لا حسابات مهمّة ولا حسابات عامّة... أي الترويج لتصفير العدادات، وهذا يعني لا مساءلة ولا محاسبة».

في الواقع، حتى اليوم، لا نعلم نتيجة رصيد الخزينة العامة بسبب فخ 1993 حين أقرّ «إعفاء المحتسبين المركزيين من إعداد حسابات المهمة العائدة لما قبل 1993»، فبدا أن للإعفاء مفاعيل مستقبلية! فحسابات المهمة تظهر كيف جرى تنفيذ الموازنة (عمليات قبض ودفع) وما هو خارجها، لينتج منها قطع الحساب الذي يُظهر العجز أو الوفر المحقق. هذه الوثائق ضرورية لمعرفة كيف نفّذت الحكومة التزاماتها، وحجم التنفيذ، والعجز المالي الفعلي، إضافة إلى وضعية السيولة... ويستفاد من قطع الحساب في معرفة طريقة إدارة الدولة للمالية العامة، ومفاعيل القوانين (الضريبية وسواها)، وتعديلاتها التي نفّذت من خلال الموازنة، فضلاً عن مدى احترام القوانين وتطبيقها والإنفاق من خارج الموازنة... وبالتالي معرفة الصورة الكاملة عن مالية الدولة وسياساتها، لبناء توقعات مستقبلية.

كل هذه الصورة مغيّبة عمداً، ما يجعل المشهد «فاسداً» بكل أبعاده؛ الاستدلال على ذلك ليس صعباً، فبحسب المدير السابق لمديرية المحاسبة العامة في وزارة المال، أمين صالح، كانت هناك عيوب وشوائب خطيرة ومتنوعة في حسابات الدولة، دفعته إلى «إبداء رأي سلبي فيها». فعلى سبيل المثال، تبيّن له وجود 3921 مليار ليرة (2.6 مليار دولار) لم تسجّل لغاية 2007 في حسابات النفقات... أما رصيد «سلفات الخزينة» فبلغ 7122 مليار ليرة منذ 1993 لغاية 2007، فيما بيانات مديرية الخزينة تقول إن الرصيد يبلغ 2035 مليار ليرة، أين الفرق؟ ومن حصل على السلفات؟ هل اختلست؟ هناك مبالغ قيد التحصيل بقيمة 2700 مليار ليرة، لكنها ليست موثقة بلوائح اسمية للمكلّفين، بالتزامن مع روايات عن إلغاء أسماء المكلّفين عن اللوائح الموجودة على أجهزة الكومبيوتر مقابل رشى وأتاوات!

لا تتوقف قصص الفساد في وزارة المال، وأبرزها «لغز» أرصدة الدين العام. فقد تبيّن أن هناك فروقاً سنوية بين بيانات مديرية الخزينة في وزارة المال وبيانات مصرف لبنان، بلغت في نهاية 2007 نحو 6579 مليار ليرة، فيما كانت في 2006 نحو 10910 مليارات ليرة... ما يثير أسئلة «مشوّقة» عن كيفية احتساب الفوائد على ديون غير مسجّلة لدى وزارة المال، ومدى صحّة أرقام الدين العام؟ وماذا عن عام 2005 حين قبلت هبات بقيمة 127 مليار ليرة، لكن سجّل منها في الحسابات 15 مليون ليرة فقط! أما حساب الأمانات فبلغ في نهاية 2007 نحو 1273 مليار ليرة، لكنه لا يتضمن لوائح اسمية مفصلة. كيف تنفق هذه الأموال ومن استفاد منها. إن أصغر لص في الوزارة، وهو أحد أمناء الصناديق، اختلس 43 مليار ليرة «فقط»، فكم سرق اللصوص الكبار؟

وزارة المال
هذا غيض من فيض وزارة المال، وهو يؤكد أن الوزارة صارت «بؤرة فساد» ومصدراً أساسياً له. لكن أين كان ديوان المحاسبة طيلة هذه الفترة؟ لماذا لا يضع يده على كل هذه الارتكابات ويحقق فيها؟ حتى إن القانونيين المحسوبين على الخط السياسي الذي سيطر على وزارة المال منذ 1993، يوجهون انتقادات «ناعمة» تتجاوز اتهامات «القصد والعمد». فالقاضي في ديوان المحاسبة محمد غادر، يرى أن الوزارة وقعت في 3 أخطاء؛ أعدّت (حين كان السنيورة وزيراً للشؤون المالية) حسابات بلا ميزان دخول. ثم صدر التصميم المحاسبي الجديد (أصدره السنيورة أيضاً) الذي لا يلحظ ضخامة حساب المهمة ويصعّب فهمه. بعد ذلك لم يعد هناك حساب مهمة ولا قطع حساب.

«الاقتراض والافتراض»

إذا كانت الحسابات فاسدة، فإن السبب يعود إلى السياسات المعتمدة من النهج المستولي على وزارة المال وعلى القرار الاقتصادي ـــــ المالي ـــــ النقدي لأكثر من 20 عاماً. بدأ الأمر بسياسة «الاقتراض والافتراض»، وفقاً لتوصيف وزير المال السابق دميانوس قطار؛ أي الاستدانة بكلفة مرتفعة على افتراض أن زيادة النمو وتكبير حجم الاقتصاد سيقلّلان من قيمة الدين.

كان الشعار الأساسي لهذه السياسات هو «إعادة الإعمار». لكن الإنفاق الحكومي على الإعمار، بحسب الخبير الاقتصادي غسان ديبة، لم يترافق مع تصحيح النظام الضريبي، بل بالعكس، اختارت الدولة تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، ومجموعة من سياسات الإنفاق والإيرادات في إطار «إعادة توزيع نظام الطائف»، وعمدت الى خفض الضرائب المباشرة... إلى أن بدا واضحاً للجميع في 2001، أن هناك أزمة مالية لا يمكن الخروج منها، إذ كانت الموازنة العامة تتوزع على 3 مواضيع: الأجور وملحقاتها، خدمة الدين العام والنفقات الجارية. لاحقاً، بدأت الصورة تتضح أكثر، فالشعار مستمرّ، فيما الإنفاق الاستثماري تراجع من 8% من الإنفاق الإجمالي إلى 3%، وانخفض الإنفاق الاجتماعي من 22% إلى 10%.

أما كلفة إعادة الإعمار فلم تمثّل سوى 14% من كتلة الدين العام، فمن أين أتت كل هذه الأموال، وإلى أين ذهبت، علماً بأن الدين العام يتجاوز اليوم 60 مليار دولار؟

عبء على المستهلك

وقع العبء الأساسي على المستهلك اللبناني أولاً وأخيراً، لأن «كل إنفاق تجريه الحكومة هو من حساب المكلّف اللبناني» يقول وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال، شربل نحاس. فلم تكن هناك أي معايير للسياسات الضريبية المتبعة، مقابل تركيز على «سهولة الجباية وفعاليتها»، رغم أن السياسات الضريبية هي أساس توجهات الحكومة وفلسفتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية؛ من يدفع، وأين ينفق وبأي أهداف... كل هذه المسائل كانت تقارب سابقاً بصورة متوحشة، فبحسب نحاس «أزيلت كل الحواجز التي تضبط حركة رؤوس الأموال، وحُصرت ضريبة الإرث بالعقارات، وروّج للخصخصة على أنها إيرادات للدولة، فيما هي ليست كذلك...».

تحوّل الجميع إلى جنود لخدمة مصالح هذا النموذج، فكان الاقتصاد مبنياً، بحسب وزير السياحة فادي عبود، على «تحصيل ضرائب تمرّ خلسة بسبب سهولة استيفائها، مهندَسة لعدم خلق ردّة فعل شعبية عبر اعتماد الاحتيال وبإطلاق عدّة أسماء على هذه الضرائب»... لقد كان كل شيء مصمماً لكي يتحوّل الفساد الى أمر عادي.

ديناميات الدين العام

يستنتج رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، عبد الحليم فضل الله، وجود 3 ديناميات للدين العام:

ــ الأولى سياسية، وتقوم على ذهنية «السلام» والتكامل الإقليمي، وعلى شق داخلي أساسه «إنفاق تعويضي» من الخزينة لإرضاء الأطراف والشرائح السياسية المختلفة.

ــ الثانية، تقوم على استئناف رؤية سابقة للاقتصاد اللبناني ما قبل الحرب، أي الاعتماد على مقولات إعادة الإعمار ذات النزعة التجارية التي تقوم على زيادة جاذبيته، لا على زيادة إنتاجيته. لذلك، كان لا بد من إبقاء الضرائب منخفضة، واعتماد الاستدانة مصدراً للتمويل بدلاً من الضرائب.

ــ الثالثة نقديّة، وتقوم على سياسة امتصاص السيولة وتثبيت سعر الصرف... لتمكين الرؤية الاقتصادية من الوجود.

محمد وهبة: الأخبار العدد ١٤٣٥ الاثنين ١٣ حزيران ٢٠١١

0 تعليقات::

إرسال تعليق