الخميس، 9 يونيو 2011

ملف سياسي اقتصادي في «فاينانشال تايمز» يرسم صورة مستقبلية ضبابية.. إذا انفجر وضع لبنان فمن يضبطه في زمن الفوضى الإقليمية؟


لا ثورة في لبنان... اللهم إلا صور العقيد الليبي معمر القذافي وقد أُلبست أقنعةً للسياسيين اللبنانيين، سخرية منهم لا أكثر، وطُبعت على قمصان تباع في المحال... لكن ذلك لا يعني أن البلاد بمأمن من رياح الثورات التي تهب في الدول المجاورة وأبعد. تأثير هذه الرياح سيصيب مباشرة هذه الدولة التي يعاني أهلها من ندرة... حكومة.
وفي ملف شامل عن لبنان، تناولت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، فيه أبواباً عدة، بينها «الاستعداد لتأثير الفوضى الإقليمية»، و«القطاع المصرفي: انعدام الاستقرار يهيمن على الفوائد»، و«السياسة الخارجية: شعور معاد لسوريا محكوم بالخوف»، و«نجاح تجربة التصدير»، و«قطاع الكهرباء: الانقسامات السياسية تعيق عمليات التزويد بالطاقة»، و«محاكمة قطاع الاتصالات»، و«قطاع العقارات»، و«المأزق الحكومي» والسياحة والحياة الليلية والفن المعاصر.
وعزت إبيغيل فيلدينغ سميث ورولا خلف، في التقرير الافتتاحي للملف اللبناني في «فاينانشال تايمز»، مشاكل الحكومة لا إلى افتقار لبنان إلى الحرية بل إلى نظامه الطائفي، حيث تتقاسم النخب السلطة، وفق توزيع طائفي ومذهبي يخالف أي حس بالمواطنية أو المحاسبة المدنية.
هو النظام الطائفي الذي حدا بالشباب إلى النزول إلى الشوارع احتجاجا، رغم علمهم أن حركتهم ستواجه مقاومة من الشخصيات القوية داخل كل مذهب.
في كانون الثاني الماضي، أسقط حزب الله «الذي يعتبر القوة الأكثر انضباطا وقوة في المشهد السياسي اللبناني» حكومة سعد الحريري. ومع حلفائه «اختار نجيب ميقاتي لتشكيل حكومة». مرت خمسة أشهر تقريبا، والرجل يواجه «عقبات بسبب مشاحنات بين شركائه حول الحقائب الوزارية».
ونقلت سميث وخلف عن رئيس وحدة الأبحاث الاقتصادية والتحليل في بنك بيبلوس نسيب غبريل قوله «للمرة الأولى خلال عقد، يشهد لبنان انعداما للاستقرار على المستوى المحلي وغموضا إقليميا، في آن معا، وهذا يؤدي إلى فقدان للثقة».
يمكن تلمّس ذلك في اقتصاد متداخل على نحو معقد مع المنطقة عبر السياحة والتحويلات المالية وتدفق رؤوس الأموال من الدول العربية، وخصوصا من الخليج.
أما رئيس وحدة الأبحاث في بنك عودة مروان بركات فيقول إن «المستثمرين المحليين والإقليميين أجلوا القرارات المتعلقة باستثماراتهم، وباتوا في وضع: لننتظر ونر».
خلال الربع الأول من العام، شهدت قطاعات السياحة ومعدل نمو الودائع في المصارف ورخص البناء، تراجعاً. ويقدر صندوق النقد الدولي النمو في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.5 في المئة في 2010، مقارنة مع 7.5 في المئة العام الذي سبقه.
أما المصارف اللبنانية، التي تستقطب ودائع من المغتربين الذين يحاولون سد عجز يصل إلى 129 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي فسجلت ارتفاعا إجماليا في أصولها يصل فقط إلى 2.8 في المئة منذ نهاية 2010، مقارنة مع معدل 4 في المئة في الربع الأول من العام الذي سبقه.
ونقلت «فاينانشال تايمز» عن أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت ماركوس ماركتانر قوله «من منظور السياسة المالية، فإن لبنان يهيم على غير هدى».
ويقول رجال الاقتصاد إن التراجع ليس كارثياً، وخاصة أن لدى المصرف المركزي ما يكفي من الاحتياطي الأجنبي لحماية الليرة. لكن الإحباط يتنامى في القطاع الخاص بسبب الفرص المهدورة.
ورأت «فاينانشال تايمز» انه لو «كان هناك حكومة في لبنان، لكانت بيروت باتت جنة آمنة في زمن الفوضى الإقليمية»، ولما كانت «انتزعت هذا اللقب، هذا العام، دبي والدوحة».
وقال غبريل «فوتنا فرصة ذهبية خلال الربع الأول لنصبح جنة آمنة للمستثمرين الذين ذهلوا من موجة الاحتجاجات التي عمت العالم العربي»، محذرا من انه «إذا استمر ارتفاع معدل هروب الاحتياطات، فستزيد الضغوط على احتياطات المصرف المركزي».
أما الرئيسة الاقتصادية في «ميدل إيست آت باركليز كابيتال» عليا مبيض فرجحت أن يصبح النموذج الجديد: «معدلات نمو منخفضة، نظرا إلى التوسع السريع في قاعدة الأصول التي تجاوزت الآن 130 مليار دولار»، موضحة أن «التباطؤ في نمو الاحتياط يعكس أيضا نشاطا اقتصاديا ضعيفا ينجم عن شلل على المستوى السياسي، الذي يكبّل المؤسسات الحكومية، ويزيد المخاطر التي قد تنزلق لتطال القطاع الخاص».
من جهته، قال المحلل في «كابيتال إيكونوميكس» سعيد هيرش إن «ما نشهده منذ الأشهر القليلة الماضي هو ارتفاع في معدل الدولرة في حسابات المقيمين، وتباطؤ في معدل نمو حسابات غير المقيمين، وكلاهما مؤشر على غموض سياسي بعد انهيار حكومة (الحريري)»، ولكنه استدرك قائلا إن «الإحصاءات لا تعكس الأحداث في سوريا، حتى الآن، والمصارف اللبنانية قد تتأثر بحسب الطريقة التي تبدأ فيها الأزمة هناك بالتأثير على لبنان».
أضف إلى ذلك أن «للبنان حاليا حكومة تصريف أعمال تفتقر إلى السلطة التي تخولها إدخال إصلاحات، يقول رجال الاقتصاد أنها ضرورية بشدة».
هذا «الشلل السياسي تسبب في تأجيل الاستثمار الحيوي في البنية التحتية، وخاصة في قطاعات الكهرباء والاتصالات والطرق والجسور».
ونقلت «فاينانشال تايمز» عن نائب رئيس «مؤسسة الاقتصاد اللبناني» منير راشد قوله «هناك عيوب خطيرة في البنية التحتية، وفي كل أوجه إدارة الاقتصاد، لأنه ليس لدينا حكومة وبسبب الانقسام القائم حول كيفية إدارة الأمور».
لكن الصحيفة البريطانية حذرت من أن «التوترات قد تزيد أكثر، حيث أن الثورة غير المسبوقة في سوريا تهدد بتداعيات تطال لبنان، الذي شهدت عاصمته تظاهرات صغيرة مع الأسد وضده».
بعض المحللين يقولون إن التأجيل في تشكيل الحكومة ناجم جزئيا عن الشلل في دمشق، «التي عادة ما يلجأ إليها اللاعبون المحليون، لكي تتدخل من أجل إنهاء الخلافات».
ويتمركز التناحر السياسي حول وزارة الداخلية، التي «يصر ميشال عون على السيطرة عليها، ما يجعله يقف في وجه الرئيس ميشال سليمان». هو نزاع «ربما تعود جذوره إلى التنافس الشخصي على زعامة المسيحيين، أكثر منه إلى الانقسامات السياسية».
وأياً يكن، إن حلت عقدة وزارة الداخلية أم لان فإن «الثورة في سوريا قد تدفع المعسكرين (المهيمنين على المشهد اللبناني) إلى مواجهة مفتوحة أكثر».
حتى الآن، يؤثر معسكر الحريري الصمت نسبيا حيال ما يجري خلف الحدود، فيما وضعت الثورة في سوريا «حزب الله» في «موقف لا يحسد عليه». فالحزب «مهدد بخسارة مصدر رئيسي للدعم السياسي وطريقا حيويا للأسلحة، إذا ما سقط النظام في دمشق، أو أجبر على تقديم تنازلات ليحفظ وجوده».
ومهما حاول الجانبان تجنب التطرق مباشرة إلى الثورة في سوريا، «فسيتعين عليهما في نهاية المطاف أن يكشفا عن مواقفهما الحقيقية، فيما يتدفق آلاف اللاجئين إلى لبنان، وبينما تمارس دمشق ضغوطا على السلطات اللبنانية للجم النشاطات المعادية لسوريا».
لا تنتهي المسائل التي قد تثير التوترات هنا، فالقرار الظني في اغتيال رفيق الحريري لا يزال يلوح في الأفق، وخاصة بعدما تسربت معلومات في الأسابيع الأخيرة تشير إلى أن التحقيق سيميل مجددا إلى اتهام دمشق.
بالنسبة للاعبين في المعسكرين، اللذين يعتمدان على القوى الخارجية كسوريا والسعودية، يكمن الخوف الأكبر في أن «لبنان بات مكشوفا، في وقت تشتت فيه اهتمام العواصم الإقليمية».
قد يعيش لبنان بلا حكومة، ولكن «إذا ما انفجرت إحدى النقاط الخلافية في الأشهر المقبلة، فيما يغرق العالم العربي في الفوضى، فلن يكون واضحا كيف سيتم احتواء الوضع» الذي وصفه أحد مساعدي الحريري بأنه «زمن الغموض».
وفي تقرير ثان نشرته «فاينانشال تايمز» قالت نجمة بوزوغميهر، أن «لبنان بدأ يشعر بترددات» الثورة السورية مشيرة، مع ذلك، إلى أن «القوى المناهضة لسوريا لا تميل إلى التهليل بالمصاعب التي يواجهها نظام الأسد»، وان كان «العديد من السياسيين قد يشعرون بالارتياح فيما يعاني هذا النظام، لكن شعورهم محفوف بالخوف من تداعيات جيوسياسية وطائفية محتملة في بلادهم».
ويقول المحللون إن «النظام السوري ليس على عجلة من أمره للمساعدة في إنهاء المأزق في لبنان»، حول تشكيل الحكومة. وهم يتوقعون أن يستخدم هذا النظام «نفوذه على حلفائه وخاصة «حزب الله» كورقة مساومة قد تكون مفيدة في تخفيف الضغوط عنه».
ويقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت هلال خشان إن سوريا تتريث لترى كيف ستتطور الثورة، آملة أن «تبيع الورقة اللبنانية للشاري الأكثر سخاء»، متوقعا أن يحصل النظام إذا ما نجا، على مساعدات مالية من السعودية، مقابل المساعدة في تشكيل حكومة أو تقليص نفوذ «حزب الله».
هي قدرة سوريا على التدخل في الدول المجاورة مثل لبنان ما حدا بحكومات المنطقة وأبعد إلى الإحجام عن الدعوة إلى رحيل نظام الأسد، كما قالت «فاينانشال تايمز»، حيث يبدو أن العديد من القادة العرب، وليس في السعودية فحسب، «يخشون من احتمالات الفوضى والتقاتل المذهبي بين السنة والعلويين».
ويقول المحللون انه «ما دامت الولايات المتحدة والسعودية تفضلان الإبقاء على الوضع القائم في دمشق، فإن لا أحد في لبنان سيكون مستعدا لمناهضة سوريا».
ونقلت «فاينانشال تايمز» عن مدير مكتب بيروت لمعهد «كارنيغي الدولي للسلام» بول سالم قوله «نعيش في خضم تكهنات عن أمور كبيرة ستحصل».
ورأت الصحيفة البريطانية أن الاتهامات التي وجهت إلى البنك اللبناني الكندي «بأنه يقوم بتبييض الأموال لتمويل حزب الله وتجار المخدرات»، هو رسالة إلى ميقاتي مفادها انه إذا أنهي تعاون لبنان مع المحكمة الدولية فإن القطاع المصرفي الذي يشكل عصب الاقتصاد اللبناني سيكون الضحية المباشرة المحتملة.

جنى سكري - السفير 9 حزيران 2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق