الأربعاء، 8 يونيو، 2011

الأمم المتحدة تطلق تقرير الغابات في يوم البيئة العالمي .. هل ينقذ «الاقتصاد الأخضر» غابات العالم ومناخ الأرض؟



لا يبدو الشعار الذي اختير هذا العام ليوم البيئة العالمي «الغابات: الطبيعة في خدمتك»، موفقاً.

فهذا الشعار يوحي أولاً بالانفصال بين الإنسان والطبيعة، وهو أمر غير صحيح ايكولوجياً. كما أنه يقر بوجود هذا الانفصال الذي حصل بفعل التقدم الحضاري للإنسان ويشجع عليه ويبرره. كما يوحي أن الإنسان أهم بكثير من الغابات وباقي الكائنات، وهو المركز وكل شيء حوله في خدمته! هذه العقلية القائمة على مركزية الإنسان وتأليهه التي يجسدها الشعار، هي السبب الرئيسي بالمشكلات البيئية الكبرى التي يعاني منها العالم ومنها تراجع المساحات الخضراء والغابات في العالم بنحو 149 ألف كلم2 كل سنة. فبدل أن تروج الأمم المتحدة لقيم التواضع أمام الطبيعة، تعزز قيم التعالي والتفوق الإنساني الموهوم الذي لا يترجم في الفكر الرحب، بل في الفعل الاستثماري الجشع. حتى لو كانت نية واضعي الشعار إظهار أهمية الغابات بالنسبة للإنسان للاستنتاج بضرورة حمايتها، فإن الأسلوب المتبع لتحقيق هذه النية يشجع على عكس ما يبطن الشعار.
لا يشير التقرير، بحسب الملخص الذي اطلعنا عليه، إلى استخدامات الأخشاب في الحضارة الحديثة وتجارتها وكيفية ضبطها. ولا يشير أيضا إلى التجارة غير المشروعة بالأخشاب والتهريب والمافيات التي تتحكم في هذا القطاع في العالم ودور الدول والأمم في إعادة تنظيمها وضبطها. ولا إلى مدى جدية اقتراح إنشاء صندوق الغابات العالمي والبرنامج الذي يقضي بدفع 28 دولاراً أميركيا شهرياً للعائلات التي تسكن قرب الغابات المدارية لتحفيزها على عدم قطع الأشجار التي تمتص ثاني أوكسيد الكربون. ولا إلى إعادة تقييم بعض الأعياد الغربية التي تقوم على قطع مئات ملايين الأشجار سنوياً للاحتفال كل نهاية سنة بأسبوع واحد!.

وقد لا يجد تقرير الغابات صدى كبيراً عند العرب، كالعادة، كون 90% من الأراضي العربية صحراوية جافة أو شبه جافة، وأن اقل من6% من هذه المساحة تصنف غابات. وقد ظهرت قلة الحماس في المفاوضات المناخية السنوية التي كانت تتركز على البحث في إمكانية اصطياد الكربون وتخزينه في باطن الأرض، في الأماكن التي تم سحب الوقود الأحفوري منها، بدل البحث في إمكانية حماية الغابات أو التحريج التي تقوم بامتصاص الكربون بشكل طبيعي. وقد حاولت بعض الدول مثل مصر اصطناع غابات وريها بمياه الصرف الصحي المعالجة، إلا أن هذه التجارب لم تدرس انعكاساتها البيئية بعد.

على أية حال، ماذا في خلاصة التقرير الذي ركز على كيفية دعم الغابات لمقولة «الاقتصاد الأخضر» التي أطلقتها الأمم المتحدة، والتي لنا تعليق لاحق عليها؟

ح . م .


تقرير هذا العام، الذي أطلق أمس في بيت الأمم المتحدة، هو جزء من مساهمة برنامج الأمم المتحدة للبيئة في إطار الإعداد لمؤتمر ريو + 20، وفي توضيح مفاهيم الاقتصاد الأخضر. وهو موجه إلى صانعي السياسات، ويتضمن بدائل لزيادة القدرات من أجل إحداث تحول في هذا القطاع. ويرى التقرير أن التقدم الاقتصادي ورفاه الإنسان يعتمدان على وجود غابات سليمة. فالغابات هي بمثابة بالوعة للكربون، كما أنها تحقق استقرار المناخ العالمي وتنظم الدورات المائية وتوفر الموائل للتنوع البيولوجي.

وقد قدّرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن صناعة الغابات ساهمت بنحو 468 مليار دولار أميركي في عام 2006. وتوفر الغابات التغذية للشعوب وتحد من الفقر وتقلل من نُدرة الطاقة. على الصعيد العالمي، توفر مجمعات المياه التي تغطيها الغابات والأراضي الرطبة التغذية للكثير من الأسر الفقيرة. وبالإضافة إلى الحفاظ على المياه العذبة ومصائد الأسماك الساحلية، التي تشكل مصادر الغذاء، بما في ذلك المنتجات الحرجية غير الخشبية كالفواكه والمكسرات والعسل وأنواع الفطر... التي تعتبر مصدراً هاما للتغذية.

يختفي سنوياً ما متوسطه 13 مليون هكتار من الغابات الاستوائية (مساحة تعادل مساحة اليونان). أي ما يوازي إطلاق 6 مليارات طن من ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مما يساهم بنحو خُمس الانبعاثات العالمية من غازات الاحتباس الحراري.

الاستثمار الأخضر

يشير تقرير الاقتصاد الأخضر إلى ضرورة توظيف استثمارات إضافية يبلغ متوسطها السنوي 40 مليار دولار أميركي لخفض إزالة الغابات في العالم بنسبة النصف بحلول عام 2030، ولزيادة إعادة التحريج والتشجير لتبلغ نسبة 140 في المئة بحلول عام 2050 مقارنة بالمنحى السائد حاليا. ومن المهم أيضا مواصلة الاستثمار في بناء القدرات وتنفيذ آليات تقديم التعويض توفيراً للفرص البديلة وإعادة التحريج وتكاليف حماية الغابات.

يُستثمر سنويا نحو 64 مليار دولار أميركي في قطاع الغابات (2006) تُنفق نسبة 28 في المئة منها على إدارة الغابات ويُصرَف الباقي على تصنيع منتجات الغابات والاتجار بها.

وبحسب تقرير الاقتصاد الأخضر فإن استثماراً إضافياً بنسبة 0,034 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي كل عام (أي ما يعادل 40 مليار دولار أميركي) يمكن أن يزيد القيمة المضافة للصناعات الحرجية بمبلغ 600 مليار دولار أميركي في عام 2050.

دور المجتمع المدني والدولي

يؤدي المجتمع الدولي دوراً بالغ الأهمية في تعزيز إدارة شؤون الغابات ووضع آليات شفافة لتنفيذ الاتفاقات. ويمكن للمجتمع الدولي بحسب التقرير، أن يساعد في الاتفاق على خطة دولية لتطبيق المبادرة المعزَّزة لخفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الأحراج وتدهور الغابات وزيادة المعارف بشأن الخدمات التي تقدمها النظم الإيكولوجية للغابات، وتحفيز مشاركة القطاع المالي التجاري، وإعادة استثمار الإيرادات المحققة من العائدات والضرائب في قطاع الغابات.

دور المؤسسات المالية

يشدد التقرير على دور المؤسسات المالية وعلى الفرص التي تتيحها الغابات أمام المؤسسات التجارية والمالية للاستثمار والمساهمة في تمويل عملية التحول نحو الاقتصاد الأخضر من خلال: الاستثمار في المشاريع الحرجية وشركات تنمية الغابات وصناديق الغابات، وتوفير تقييمات لمخاطر الاستثمارات والمشاريع الحرجية على نحو يسهل الوصول إليه، وتوفير الضمانات للاستثمار الحرجي، والعمل على تطبيق أدوات مالية تقليدية أخرى من قبل المؤسسات المالية (كالسندات والأوراق المالية) في قطاع الغابات.

دور الدولة والحكومات

يراهن التقرير على الحكومات الوطنية، التي عليها أن تتأكد من أن الاستثمارات في الغابات مستوفية للشروط المطلوبة التي تشجع روح المبادرة وتوفر الفرص للاستثمار الآمن. والتأكد من مدى إتباع إجراءات تتسم بالشفافية والكفاءة. والاتفاق على رؤية وطنية. واستخدام أدوات مستندة إلى السوق.

تجارب من العالم

- أدت الإجراءات المتخذة في كوستاريكا في مجال الغابات إلى زيادة كبيرة في الغطاء الحرجي من 22 في المئة من مساحة الأراضي عام 1995 إلى 51 في المئة عام 2010.

- كما تمكن نظام إدارة الغابات في النيبال من أن يعكس التدني السنوي البالغ 1,9 في المئة لمعدل الغطاء الحرجي المسجل في التسعينيات، ويحوله إلى زيادة سنوية بلغت نسبتها 1,35 في المئة في فترة 2000-2005.

- أما في فيتنام فقد أدى توظيف 1,1 مليون دولار أميركي في استعادة غابات المنغروف الطبيعية إلى تحقيق وفورات سنوية بقيمة 7,3 ملايين دولار في صيانة الحواجز الصخرية البحرية.

اقتصاد السوق

يؤكد التقرير في خلاصته انه لا يمكن ترك إدارة الغابات بالكامل لحركة الأسواق، وأن على الحكومات والمجتمع الدولي إجراء إصلاحات في مجال السياسات العامة من أجل إيجاد الحوافز والاستثمار في الغابات، وعلى المؤسسات التجارية والمالية أن تنشط من أجل تشجيع الاستثمار في القطاع، إلا أن التقرير لا يذهب إلى نقد اقتصاد السوق واتجاهات تحرير التجارة في العمق وتبعاته على الغابات وغيرها من موارد الأرض التي باتت مهددة بشكل لا عودة عنه.

ح م – السفير  07/06/2011

0 تعليقات::

إرسال تعليق