الجمعة، 10 يونيو، 2011

ما هي أهمية توزيع 3 ملايين لمبة موفرة على المشتركين؟ ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية: بين العلم والسياسة

الطاقة البديلة
بالرغم من كثرة المؤتمرات والخطط والاجتماعات والمشاريع الإعلامية والاهتمام الرسمي والأهلي، فإن قطاع الطاقة في لبنان لا يزال يعاني من الفوضى وغياب الرؤية الإستراتيجية الشاملة. وبالرغم من التزام الحكومة اللبنانية في بيانها الوزاري الاعتماد على الطاقة المتجددة لإنتاج 12 في المئة من حاجات لبنان الإجمالية من الطاقة في حدود العام 2020، إلا أن خطة إستراتيجية متكاملة لم توضع بعد لتحقيق هذا الهدف الطموح. وبالرغم من الخطة التي وضعها الوزير جبران باسيل والتي وضع فيها الخيارات كافة لتوليد الكهرباء وإنتاجها وتوزيعها وتسعيرها، إلا أنها لم تكن ترجمة لإستراتيجية متكاملة، وهذا ما يفسر الإجراءات المتناقضة التي تقوم بها وزارة الطاقة، أن عبر طرح قانون للتنقيب عن النفط من دون إنجاز أطلسي الريح والشمس، أو لناحية اتخاذ إجراء يعزز ويشجع على زيادة الطلب (بدل ضبطه) مثل الحملة التي تقوم بها شركة كهرباء لبنان بدعوة المواطنين إلى زيادة قدرة عداداتهم واشتراكاتهم، مما يتسبب في زيادة الطلب على الطاقة الكهربائية، بدل القيام بحملات وإجراءات لترشيد الاستهلاك وضبط الطلب، ما يخالف أبسط المبادئ الإستراتيجية لحفظ الطاقة وترشيد استهلاكها!
فما معنى استبدال المصابيح المتوهجة بالمصابيح الموفرة، إذا قمنا بإجراء مناقض يشجع على زيادة الاستهلاك في الوقت نفسه كتشجيع المواطنين على تكبير الاشتراكات؟ ثم أين أصبحت القوانين التي يفترض أن تترجم هذه الإستراتيجية، التي تساهم في حفظ الطاقة وتوفيرها وفي تشجيع استخدام الطاقة المتجددة في لبنان عبر تسهيل تصنيع أدواتها وإنتاجها وتوزيعها في لبنان؟
وما معنى اللجوء إلى كل الإمكانات لتوليد الطاقة بما فيها الطاقة الحرارية من حرق النفايات ومن البواخر لسد الحاجات، بدل السعي لوضع إستراتيجية ودرس كل خيار وآثاره المستقبلية ووضع الأولويات؟
في ظل غياب الرؤية الإستراتيجية المدعومة بسلسلة من الإجراءات والخطط والتشريعات والقوانين اللازمة، قامت وزارة الطاقة بخطوة استبدال اللمبات التقليدية بأخرى موفرة، وقد اعتبر البعض أن هناك سوء تقييم أو مبالغة في تقدير حجم الوفر المحقق من هذه الخطوة، كما تم إلقاء الضوء على مشكلة الزئبق في اللمبات الموفرة، التي أُشير إليها مرارا في صفحة «بيئة». فهل بالإمكان الاستدراك وتطوير خطة الوزارة لناحية تضمين خطة توزيع اللمبات على المنازل، خطة لإعادة جمعها وتسليمها بعد تعطلها، على أن تقوم الشركة التي يقع على عاتقها بيع اللمبات، باستردادها؟
حول هذا الموضوع والانتقادات التي طالته وخطط الوزارة المنقوصة، كتب الدكتور طنوس شلهوب من كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية هذه المساهمة.
عمم الزميل في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية د. عادل مرتضى عبر بريده الالكتروني مقالة له بعنوان «اللمبات الموفرة للطاقة ومبالغ التوفير الوهمية التي تروجها الوزارة: الأرباح لمستوردي اللمبات وموزعيها والزئبق والتقنين للمواطنين»، وذلك على عدد من الزملاء في كلية الهندسة وكنت واحداً منهم، بحيث أثارت هذه المقالة فضولي، وقررت تناول مضمونها بوجهة نظر أستند فيها إلى بعض النتائج لدراسات كنت قد أشرفت عليها في كلية الهندسة، وتحديداً الدراسة التي موّلتها الجامعة اللبنانية حول ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية في المنازل.
يناقش د. مرتضى الخطة المعتمدة من وزارة الطاقة والمياه والمستندة إلى تقرير من «المركز اللبناني لحفظ الطاقة» (التابع للوزارة) والقاضية بتوزيع مصابيح موفرة للطاقة، والتي ستفضي حسب الوزارة إلى تأمين وفر في فاتورة استهلاك الطاقة الكهربائية لكل منزل بقيمة 28 دولاراً في العام الواحد. وهذه الخطة تقوم (حسب كاتب المقال) على استبدال بعض النفقات الخاصة بدعم المازوت في الشتاء بشراء ثلاثة ملايين لمبة موفرة للطاقة (تستهلك 24 واط بدل 100) وتوزع مجانا على مليون منزل (لكل منزل 3 لمبات). وهذا سيؤدي، وفق الوزارة أيضا، إلى تحقيق وفر على الدولة بقيمة 76 مليون دولار سنويا، ويوفر في 4 سنوات تكلفة إنشاء معمل إنتاج كهرباء بقدرة 163 ميغاواط. وبحسب الدكتور مرتضى فإنه إذا اعتمدنا على أرقام الوزير فإن الوفر في فاتورة الكهرباء السنوية لمليون منزل يوازي 28 مليون دولار يعتبرها الزميل مرتضى خسارة على المالية العامة للدولة. ويفند الربح الناجم عن هذه العملية معتبراً أن الأرقام التي تستند إليها الوزارة لا تأخذ بعين الاعتبار عامل قدرة اللمبة، ناهيك عن مساوئ استخدام هذه المصابيح التي تحتوي على الزئبق ولا يمكن التخلص منها بواسطة رميها مع النفايات المنزلية.
مما لا شك فيه أن تقييم الوفر الاقتصادي الناجم عن أي إجراء تقني ينبغي أن يستند إلى دراسات علمية، وهذا غير متوفر في المقاربة التي تستند إليها وزارة الطاقة، لأنه لا يمكن الركون إلى حسابات بسيطة في تقييم الوفر المحقق من استبدال خطة دعم المازوت بتوزيع مصابيح التوفير على المنازل. المسألة تأخذ طابعاً مختلفاً لو أن الوزارة طرحت مسألة توزيع مصابيح التوفير كواحدٍ من إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية في المنازل. كما أن الخلاصة بعدم فاعلية هذا الإجراء على قاعدة احتواء المصابيح على الزئبق هي أيضاً لا تصمد أمام المقاربة العلمية، لأن هذه المصابيح هي المعتمدة حالياً كأحد أبرز إجراءات خفض الاستهلاك المنزلي للطاقة الكهربائية.
والسؤال هو حول فعالية هذا الإجراء.
دراسة استهلاك الطاقة
لقد سبق لنا أن أنجزنا دراسة في الفترة 2005- 2007 هدفت إلى التعرف على عناصر استهلاك الطاقة الكهربائية، وصياغة الحلول الممكنة لترشيد استهلاكها في المنازل. أما المنهجية العلمية التي اعتمدت فهي تستند إلى: 1- دراسة ميدانية بواسطة الاستمارات، 2- تركيب عدادات كهربائية للتأكد من وثوقية الحسابات المعتمدة في الاستمارات، 3- تنفيذ دراسة حالات Study cases.
بلغ عدد الاستمارات 300 (أي أن الدراسة غطت 300 شقة ومنزل) شملت المناطق الشمالية التالية: طرابلس (وسط البلد والميناء)، البترون، الكورة، عكار وزغرتا. وفي المرحلة التالية من الدراسة، أي بعد تحليل كل المعطيات الواردة في الاستمارات، تم تركيب عدادات قياس لاستهلاك الطاقة الكهربائية في 7 منازل وشقق على عناصر الاستهلاك المنزلي: البراد، الغسالة، سخان الماء الكهربائي، والمكيف. ولقد بينت قراءات العدادات لمدة عام بكامله تطابقاً مقبولاً من الناحية العلمية مع نتائج حساب المعطيات الواردة في الاستمارات.
ولكي تكون الدراسة قريبة بنتائجها من الواقع فإننا حاولنا التعرف على كيفية تأثير العوامل الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية على سلوك اللبنانيين الطاقوي (أي تجاه الطاقة). وبهذا المعنى لا يمكن التعاطي مع الناس وكأنهم متشابهون في سلوكهم الطاقوي، لذا، منذ البداية، انطلقنا من فكرة تقسيم المستهلكين إلى فئات.
لقد بينت الاستمارات أن 86% من المستهلكين يصرفون شهرياً بين 150 و550 ك - س (كيلو واط ساعة)، في حين أن 6% لا يتعدى مصروفهم الشهري 150 ك - س و8% يتخطون 550 ك - س. وهذا يعني أن العينة التمثيلية في الاستهلاك الشهري تقع بين 150 و550 ك - س. وتبين أنه يمكن تقسيم العينة التمثيلية إلى ثلاث فئات استهلاكية: الفئة أ- الاستهلاك المتدني، بين 150 و 300 ك - س، الفئة ب - الاستهلاك المتوسط، بين 301 و400 ك - س وفئة الاستهلاك العالي (الفئة ج) بين 401 و550 ك - س. وهذا التقسيم يعادل مصروفاً شهرياً للشخص الواحد كالتالي: 50 ك - س للفئة أ، و71 ك - س للفئة ب و 118 ك -س للفئة ج. وتبين أن الإنارة لكل الفئات تعتمد بنسبة 87% على مصابيح التوهج (lampes incandescentes).
كما تبين أن الحصول على المياه الساخنة بواسطة الكهرباء (المقاومات الكهربائية) موزع بنسبة 47% للفئة أ، و78% للفئة ب و89% للفئة ج.
الإنارة وتسخين المياه في الطليعة
بينت الجداول المقارنة أن العناصر الأساسية المكونة للاستهلاك الكهربائي في المنازل تعود إلى الإنارة وتسخين المياه والبراد. أي أنه إذا أردنا أن نضع خطة لترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية في المنازل فإنه ينبغي بالأولوية العمل على هذه العناصر الثلاثة.
أما أن تكون الإنارة من عناصر الاستهلاك المنزلي الرئيسة للطاقة الكهربائية فهذا يعود إلى أن 87% من العينة تعتمد على مصابيح التوهج، وخفض الاستهلاك المنزلي يفترض استبدال مصابيح التوهج بتلك الموفرة للطاقة، أي أن ما تقوم به الوزارة هو في الاتجاه الصحيح.
لكن الأرقام التي وردت حول مردود هذا الإجراء لا يمكن وصفها بالعلمية لان التعاطي مع المستهلكين كفئة موحدة هي مقاربة غير علمية. ومع ذلك سنطبق هذه المقاربة على النتائج التي حصلنا عليها. يتضح من الجداول أن الإنارة تشكل وسطياً 20% من فاتورة الاستهلاك المنزلي (حسب فئات الاستهلاك بين 18 و24%)، ولو اعتبرنا أن المعدل الوسطي للاستهلاك المنزلي الشهري هو 325 ك - س (حسب فئات الاستهلاك بين 150 و 550 ك - س)، فإن المعدل الوسطي لمصروف الإنارة هو 65 ك - س على قاعدة مصابيح التوهج. ولو استبدلنا هذه المصابيح بلمبات التوفير وفق 24 واط مكان 100 واط فإن متوسط التوفير الشهري الناجم عن هذا الاستبدال يوازي 49 ك -س والسنوي 588 ك - س. وإذا افترضنا أنه بالمقدور تطبيق هذه الخطة على مليون مسكن فإنه وسطياً يمكن توفير 588 جيغاواط ساعة سنوياً.
الملاحظات على هذا التقييم (الوارد أعلاه من قبلنا): أولا أنها أرقام وسطية، وثانياً يفترض أن تكون العينة تمثيلية على مستوى كل لبنان، وثالثاً أن يتم استبدال كل مصابيح التوهج في المليون مسكن. كما لا بد من الإشارة إلى أن نسبة الذين يستخدمون مصابيح التوفير هي في تزايد بسبب الفاتورة العالية العائدة لأصحاب المولدات الخاصة.
إذا كانت خطة الوزارة تقوم على توزيع 3 لمبات للمسكن الواحد فإنه سيكون من المستحيل علمياً احتساب الوفر المحقق من تطبيق هذا الإجراء، كما أنه من غير المعقول انطلاقاً من احتساب 3 لمبات للمنزل تحقيق وفر 332 جيغاواط.
أما الإشارة إلى المخاطر المرتبطة بانكسار لمبة التوفير لجهة انبعاث بخار الزئبق وأثره الضار والخطر على صحة الإنسان فهذا ضروري ولكن لا يمكن وضعه في مواجهة الوفر في استهلاك الطاقة. وهنا ينبغي طرح السؤال حول خطط التخلص من النفايات الصلبة عموماً ومن النفايات ذات الطبيعة الخاصة، مثل نفايات المستشفيات والبطاريات التي لا يجوز رميها مع النفايات المنزلية والخ.
ترشيد الاستهلاك
نشير في هذا السياق كمثال إلى أن إنتاج مصابيح التوهج سيتم إيقافه في روسيا كلياً مع نهاية هذا العام، وأن المصنع الذي كان ينتج هذه المصابيح (وعمره أكثر من مئة عام) سيتحول لإنتاج مصابيح التوفير. العالم كله يناضل في سبيل توفير كل كيلوواط ساعة تنتجه المعامل لأنه من الثابت علمياً أنه من الأكثر إفادة للاقتصاد والبيئة ولمستقبل البشر أن لا نستهلك الطاقة عوضاً عن العمل على إنتاجها. ويتم استخدام هذه الحقيقة العلمية كشعار للفت انتباه المواطنين إلى أهمية ترشيد استهلاك الطاقة. لذلك توضع الخطط لتوجيه المستهلكين وإرشادهم وتوعيتهم لاستخدام الأجهزة الأكثر توفيراً للطاقة وحثهم على اعتماد سلوكيات تتسم بالمسؤولية تجاه مستقبل البيئة على كوكبنا.
إن ما تقوم به الوزارة هو بالتأكيد مفيد مع عدم الموافقة على كيفية تقييم الوفر الناجم عن هذا الإجراء. وهنا نلفت إلى أن الوزارة توزّع سخانات مياه تعمل على الطاقة الشمسية (بالقرعة). وإذا عدنا إلى جداول الدراسة، فإن استهلاك الطاقة للحصول على المياه الساخنة يحتل المراتب الأولى في كل فئات المستهلكين. وبالتالي فإن التخلي عن استخدام السخانات الكهربائية للحصول على المياه الساخنة سيؤثر إيجابا على خفض فاتورة الكهرباء، خصوصاً أن تسخين المياه في هذه السخانات يتم بالطريقة التراكمية، أي انه ينبغي تشغيل السخان قبل الدخول إلى الدوش وانتظار فترة زمنية للحصول على المياه الساخنة، ولا يمكن وقف تشغيل السخان إلا بعد انتهاء كل أفراد الأسرة من استحمامهم. وهذا يؤدي إلى أن مياهاً ساخنة كنا قد صرفنا طاقة على تسخينها تبقى في القارورة. أي أن هدراً في الطاقة يترافق مع كل عملية تسخين للمياه. إن استخدام السخانات العاملة على الطاقة الشمسية يعتبر خطوة مثالية بالنسبة لبلد مثل لبنان حيث يبلغ متوسط عدد الأيام المشمسة في العام 300 يوم.
إن فعالية ما تقوم به الوزارة محدود لأنه لا يأتي في سياق خطة وطنية شاملة محددة الأهداف. ولكنه من المؤكد أنه إيجابي لأن كل نصف خطوة إلى الأمام هو أفضل من لا شيء.
كيف تحدد الخيارات؟
وبالعودة إلى عنوان هذه المقالة، فإنني أخشى أن يفهم القارئ أنني أشير إلى أن تعارضاً ما يقوم بين العلم والسياسة، وما قصدته من العنوان هو أنه لا تعارض بين العلم والسياسة عندما تقوم السياسة على خدمة قضايا الناس والمجتمع، لان أي إنجاز أو تقدم علمي يفترض المساهمة في تطوير حياة البشر. وعليه، وما دام الحديث يتناول مسائل إدارة الطاقة في بلدنا، فإننا معنيون بإبداء الملاحظات حول ما جرى ويجري في هذا السياق.
والسؤال البسيط الذي يطرح نفسه خارج الضوضاء الإعلامية هو متى سنحصل على طاقة كهربائية بأقل التكاليف الاقتصادية (علينا كمواطنين) وبأقل التأثير الضار على البيئة؟ وينبثق من هذا السؤال عدة أسئلة حول الخيارات. وهي خيارات سياسية وتقنية في آن. الخيارات السياسية مرتبطة بمصير قطاع الكهرباء (لا أقول قطاع الطاقة لان الدولة تخلت كلياً عن دورها في قطاع الوقود السائل لمصلحة شركات النفط الموزعة محاصصة بين زعماء السياسة وأصحاب المال). هذا القطاع (وأساسه شركة كهرباء لبنان) الذي تملكه الدولة (أي أن كل موجوداته دفع ثمنها الشعب اللبناني) كان قد عرف ازدهاراً ومردودية عالية، مما يشير إلى أنه في حال توفر خطة لإنقاذه، يمكن الاستفادة مما يملكه من قدرات هندسية وإدارية مع تعزيز لهذه الإمكانيات، ويمكن تحويله إلى باب من أبواب تعزيز المالية العامة بدلاً من إبقائه عبئاً على اللبنانيين. التعثر الذي واجه القطاع مع انتهاء الحرب الأهلية، وبنتيجة تأثير الحرب على كل مرافق الدولة اللبنانية، كان طبيعياً ومفهوماً. لا إجابة حتى اليوم عن الأسباب التي منعت السلطة السياسية من اعتماد خطة إنقاذ للنهوض بالقطاع. البلدان التي تتمتع باقتصاديات قوية تعتمد الخطط لتطوير قطاعاتها وتحديثها. نحن خرجنا من الحرب ولم توضع خطة حقيقية للنهوض بقطاع الكهرباء. ما سُمي بإعادة الإعمار على المستوى العام تمثل في القطاع ببناء معامل جديدة لإنتاج الطاقة (دير عمار، الزهراني، بعلبك ..) منها ما هو يعمل بالدورة التيرموديناميكية المركبة (combined cycle). وكان هذا الاختيار صحيحاً نظراً للمردودية (Efficiency) العالية التي تتميز بها الدورات المركبة مقارنة بالدورات البسيطة (البخارية والغازية). ولكن الخطة لم تحقق مبتغاها، لسببين، واحد أساسي والثاني هام. إذ انه لم يتم تأهيل الشبكة بالتوازي مع تأهيل معامل الإنتاج، ما منع معملي دير عمار والزهراني من العمل بالدورة المركبة لعدة سنوات، وعمل المعملان بالدورة الغازية فقط. في كل معمل ينبغي تشغيل العنفتين الغازيتين لتأمين تشغيل العنفة البخارية، وبما أنه لا قدرة للشبكة على استيعاب القدرة المُنتجة، جرى تشغيل العنفات الغازية التي تتميز بمردود أدنى من العنفات البخارية، وهكذا أطيحت إمكانية الاستفادة من المردودية العالية للدورة المركبة لأنه جرى تأهيل الوحدات الإنتاجية وتطويرها من دون التأهيل الموازي للشبكة الكهربائية. إن مردودية الدورة المركبة ترتبط بالعديد من العوامل، أبرزها بارامترات سائل التشغيل عند مدخل العنفة ومخرجها، وبالنسبة لمواصفات الدورة في المعملين الذكورين فإنها قد تصل إلى 57-59%، في حين أن مردودية الدورة الغازية لا تتعدى 35-38% في أفضل الأحوال. إن القدرة الاسمية لمعملي دير عمار والزهراني هي 900 ميغاواط، وتشغيل العنفتين الغازيتين في الدورة يؤمن الحصول على 300 ميغاواط، وهكذا بدلاً من تشغيل المعملين بالدورة المركبة والحصول على 900 ميغاواط بمردودية 57% استمر تشغيلهما لعدة سنوات بالدورة الغازية فقط بقدرة 600 ميغاواط وبمردودية 35%.
هل من المفيد الآن إجراء الحساب التقني والاقتصادي للهدر الذي أصاب الخزينة ومصالح الناس من جراء غياب الخطة المتكاملة؟ جُهزت المعامل وجرى تشغيلها بقدرة منقوصة وبأكلاف عالية.
نوعية الوقود
أما السبب الثاني فإنه مرتبط بنوعية الوقود المُستخدم في المعامل الجديدة. إن شروط التشغيل الموثوق للعنفات الغازية يفترض استخدام الوقود النظيف، وهذا يتأمن بواسطة الغاز الطبيعي. لكن عدم توفر الغاز الطبيعي يحتم استخدام الوقود السائل العالي الجودة. إن تردي نوعية الوقود السائل المستخدم في العنفات الغازية يؤدي إلى تدني مردوديتها (التي تتأثر بجودة الاحتراق) والى قصر عمرها. كما أن استخدام الغاز الطبيعي هو أدنى كلفة من الوقود السائل. وهكذا استخدمنا الوقود الأقل جودة والأعلى كلفة.
هل من حاجة للإشارة إلى وضعية الشبكة ونسبة الهدر العالية عليها؟ ناهيك عن التعليق والسرقة وعدم الجباية وكيفية تلزيم المشاريع و..والخ.
كيف لنا أن نتخيل وضعية قطاع الكهرباء في ظل سياسات اقتصادية عامة تقوم على «خصخصة القطاع العام وترشيده» (المطلوب الترشيد عندما يتعلق الأمر بحقوق الموظفين والعاملين في القطاع العام، أما تطبيق هذا المبدأ على استهلاك الطاقة لتأمين حسن إدارتها فهو غير ذي شأن!).
في جو من المحاصصات الزبائنية على قواعد طائفية لا تمت بصلة إلى الكفاءة ونظافة الكف والخدمة العامة، تشمل كل مظاهر الحياة والإدارة والمؤسسات التي تم تقاسمها بين المرجعيات البرجوازية - الطائفية. هل هناك مكان للعقل والعلم وحسن الإدارة والدفاع عن مصالح الناس بما هو تجسيد مادي لمفهوم الوطنية في إطار سلطة سياسية متشكلة من أتباع وأزلام ومصفقين وانتهازيين؟
إن ما تقوم به وزارة الطاقة (بغض النظر عن الهوية السياسية لهذا الوزير أو ذاك) لناحية ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية هو إيجابي على مستوى تشجيع استبدال مصابيح التوهج بتلك الموفرة للطاقة، وبتوزيع السخانات العاملة على الطاقة الشمسية بديلاً من تسخين المياه بالكهرباء، إلا أن هذه الإجراءات، بالرغم من ايجابياتها، لا تشكل بديلاً من تطوير القدرات الإنتاجية عبر إنشاء معامل جديدة وتطوير وجهة الاعتماد على الطاقة المتجددة وعلى الطاقة المائية. كما ينبغي وضع خطة متكاملة لتحفيز تطبيق إجراءات الترشيد بدءاً من العزل الحراري للمنازل وصولاً إلى تشجيع استخدام الأجهزة الموفرة للطاقة.
يحق للمواطن العادي الحصول على التيار الكهربائي دائما، هذا المواطن الذي يسدد فاتورته الضريبية على أكمل وجه، والذي راهن يوماً على وطن يؤمن له ولأفراد أسرته حياة لائقة، والذي من دونه لا قيمة للسياحة.

أستاذ في كلية الهندسة (الجامعة اللبنانية) السفير 11/10/2010

0 تعليقات::

إرسال تعليق